تفسير قوله تعالى: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}

وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۝ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ۝ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ۝ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [آل عمران:69- 74].

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَسَدِ الْيَهُودِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَبَغْيِهِمْ إِيَّاهُمُ الْإِضْلَالَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ وَبَالَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ مَمْكُورٌ بِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أَيْ: تَعْلَمُونَ صِدْقَهَا، وَتَتَحَقَّقُونَ حَقَّهَا، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيْ: تَكْتُمُونَ مَا فِي كُتُبِكُمْ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَتَتَحَقَّقُونَهُ.

الشيخ: وهذا يعمّ رهبان اليهود والنَّصارى جميعًا، وإن كان الأغلبُ أنَّ هذا يقع في اليهود أكثر؛ لشدّة حسدهم للمسلمين، وعداوتهم لهم، وشدّة بُغضهم للحقِّ الذي جاء به محمدٌ عليه الصلاة والسلام، فهم في غايةٍ من العداء والكفر بالله، يعني: ضُلَّالهم ومَن غضب اللهُ عليه منهم، ويقع هذا أيضًا لبعض النَّصارى الذين عندهم شيء من العلم وقسيسيهم؛ ولهذا قالت طائفةٌ من أهل الكتاب ..... اليهود والنَّصارى، وإنَّ هذا في اليهود أكثر، ولكنَّه يعمّ هؤلاء وهؤلاء، ويعمّ أيضًا مَن شابههم من علماء السُّوء ودُعاة الضَّلالة من هذه الأمّة، فإنه يكون بذلك قد شابه اليهود والنصارى؛ للبس الحقِّ بالباطل، والدَّعوة إلى الباطل، والكفر بآيات الله، ومودة ضُلَّال الناس عن الحقِّ.

وفي هذا أيضًا من الفوائد: الحذر من هذه الصِّفة، وهذه الخلّة، وأنَّ طالب العلم يحذر أينما كان أن يكون مثل هؤلاء، وأن يحرص على إظهار الحقِّ والدَّعوة إليه، وألا يحمله حسدٌ أو بغضاء على كتم الحقِّ، أو لبسه، فإنَّ النفوس تُبتلى بالحسد والعداوة والبغضاء التي تحمل على الباطل.

فليحذر المؤمنُ من هذه الأمّة وطالب العلم أن يُشبه اليهود والنَّصارى في كتمان الحقّ، أو لبس الحقّ وتدليسه، أو مودة ضُلَّال الناس؛ لأنَّهم خالفوه في شيءٍ، أو لأنَّ بينه وبينهم عداوة، فهو يحبّ إضلالهم وإيقاعهم في الباطل، فيكون بهذا قد أغضب الله وعصاه، وشابه اليهود والنَّصارى في إضلالهم للناس، وكتمهم الحقّ، ولبسهم الحقّ بالباطل، نسأل الله العافية.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الآية [آل عمران:72]، هَذِهِ مَكِيدَةٌ أَرَادُوهَا لِيَلْبِسُوا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنَ النَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُمُ اشْتَوَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا الْإِيمَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَيُصَلُّوا مَعَ المسلمين صلاةَ الصُّبح، فإذا جاء النَّهَارُ ارْتَدُّوا إِلَى دِينِهِمْ؛ لِيَقُولَ الْجَهَلَةُ مِنَ النَّاسِ: إِنَّمَا رَدَّهُمْ إِلَى دِينِهِمُ اطِّلَاعُهُمْ عَلَى نقيصةٍ وَعَيْبٍ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْيَهُودِ بِهَذِهِ الْآيَةِ: يعني يهودًا صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صلاةَ الصُّبح، وَكَفَرُوا آخِرَ النَّهَارِ مَكْرًا مِنْهُمْ؛ لِيُرُوا النَّاسَ أن قد بدت لهم الضَّلالة منه بعد أن كانوا اتَّبعوه.

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: إِذَا لَقِيتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَوَّلَ النَّهَارِ فَآمِنُوا، وَإِذَا كَانَ آخِرُهُ فَصَلُّوا صَلَاتَكُمْ؛ لَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَهُمْ أَعْلَمُ مِنَّا. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ والرَّبيع وأبي مالك.

الشيخ: وهذا أيضًا من مكائدهم وكفرهم وقصدهم الإضلال؛ ولهذا قال: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران:72] يعني: تمالؤوا بينهم واشتوروا أنَّهم يُؤمنون أول النَّهار بالقرآن وما جاء به محمدٌ عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك في آخر النَّهار يكفرون ويرجعون: وجدنا أنَّكم لستُم على صوابٍ، وجدنا دينَكم ليس بحقٍّ؛ ولهذا رجعنا، نحن ندور مع الحقِّ، نريد الحقَّ، لكن ما وجدناه، لعلَّ أصحابَ محمدٍ يرجعون إلى الباطل، إلى دينكم يا معشر اليهود.

وهذه مكيدة ظاهرة، وخُبث ظاهر، والمقصود بيان حالهم، وألا يغترَّ بهم، ولا بما قد يقرّون به من الحقِّ، فقد يقرّون به تلبيسًا، ولقصدٍ سيِّئٍ، فلا ينبغي أن يُغترّ بهم، بل ينبغي أن يحذر شرهم ومكائدهم، وأن يُعتبروا أعداء؛ حتى لا يضلّ بهم الناس، وهكذا مَن عُرف من علماء السّوء ببُغض الحقِّ، والكيد لأهل الحقِّ والعداء لهم، يُحذر كما يُحذر أولئك، ولا يغترّ بما قد يقولوه من حقٍّ في بعض الأحيان؛ لأنهم قد يُريدون به الباطل، تكلَّموا كلمةَ حقٍّ أو فعلوا فعل حقٍّ يُريدون به باطلًا.

وقوله تعالى: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران:73] أَيْ: لا تطمئنّوا أو تُظهروا سِرَّكُمْ وَمَا عِنْدَكُمْ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، وَلَا تُظْهِرُوا مَا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَيُؤْمِنُوا بِهِ وَيَحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْكُمْ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران:73] أَيْ: هُوَ الَّذِي يَهْدِي قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَتَمِّ الْإِيمَانِ بِمَا يُنَزِّلُهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ، وَالْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ، وَإِنْ كَتَمْتُمْ أَيُّهَا الْيَهُودُ ما بأيديكم من صفة محمدٍ النبي الأمّي فِي كُتُبِكُمُ الَّتِي نَقَلْتُمُوهَا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ.

وَقَوْلُهُ: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ [آل عمران:73] يَقُولُونَ: لَا تُظْهِرُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَتَعَلَّمُوهُ مِنْكُمْ، وَيُسَاوُوكُمْ فِيهِ، وَيَمْتَازُوا بِهِ عَلَيْكُمْ؛ لِشِدَّةِ الْإِيمَانِ به.

أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ أي: يتَّخذوه حُجَّةً عليكم بما في أيديكم، فَتَقُومُ بِهِ عَلَيْكُمُ الدَّلَالَةُ، وَتَتَرَكَّبُ الْحُجَّةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

الشيخ: يعني: تثبت عليكم الحُجَّة، تقوم عليكم.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران:73] أَيِ: الأمور كلّها تحت تصرّفه، وَهُوَ الْمُعْطِي الْمَانِعُ، يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بِالْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالتَّصَوُّرِ التَّامِّ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ فيُعمي بصرَه وبصيرَته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره غشاوةً، وله الحجّة التَّامة، والحكمة البالغة.

وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ۝ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [آل عمران:73- 74] أَيِ: اخْتَصَّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْفَضْلِ بِمَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ بِمَا شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَدَاكُمْ به إلى أكمل الشَّرائع.

الشيخ: هذا يُبين أنَّ العبد إذا رزقه اللهُ الإنصافَ والرغبةَ في الحقِّ وعدم الحسد وعدم البغي؛ فإنَّ الله جلَّ وعلا يهبه من فضله الخير الكثير، ويخصّه بمزيدٍ من العلم النَّافع والبصيرة بسبب إنصافه، وطلبه الحقّ، وحرصه عليه، ورغبته في إيصاله للناس، وهو يُوفّقه ويزيده من فضله، كما جرى لعلماء هذه الأمّة من الصَّحابة ومَن بعدهم، أمَّا أهل الحسد والبغي فلا يزيدهم حسدهم إلا ضلالًا وبُعْدًا عن الهدى، ونقصًا وخيبةً وضلالًا، وسمعةً سيئةً، وعاقبةً وخيمةً، كما جرى لليهود، نسأل الله العافية.

ومن خصالهم الخبيثة: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، نسأل الله العافية.