باب صفة الغسل

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغُرِّ المحجلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بحضراتكم إلى لقاءٍ مباركٍ في برنامج شرح كتاب "المنتقى من أخبار المصطفى ﷺ".

ضيف اللقاء هو سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية، سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء.

مع مطلع هذا اللقاء نُرحب بسماحة الشيخ، فأهلًا ومرحبًا يا سماحة الشيخ.

الشيخ: حيَّاكم الله وبارك فيكم.

المقدم: وقف بنا الحديثُ عند باب صفة الغسل، وبقيت مجموعةٌ من الأسئلة حول هذا الموضوع:

س: ذكر العلماء أنَّ للغسل صفتين: صفة مجزئة، وصفة مستحبة، الصفة المجزئة: هي تعميم البدن بالماء الطهور، لكن الأحاديث التي مرت معنا في هذا الباب ذكرت التَّفصيل المشروع، فما دليل مَن قال: بجواز تعميم البدن بالماء، بارك الله فيكم؟

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فقد سبق في الدرس الماضي بيان الغسل الواجب المجزئ، والغسل الكامل تقدم، والدليل على هذا: أنه ﷺ فعل هذا تارةً، وهذا تارةً، فعل المجزئ تارةً، وفعل الكامل تارةً، فالمجزئ: هو الذي يعتني بما يجب فقط؛ عمَّ الماء لبدنه كله، بعد الاستنجاء وغسل ذكره وأُنثييه يعمّ الماء ناويًا الغسل والوضوء جميعًا -الحدثين- هذا يُقال له: الغسل المجزئ؛ يعمّ الماء، يعمّ رأسه وبدنه بالماء، ناويًا الحدثين: الأكبر والأصغر، بعد الاستنجاء، هذا يُقال له: الغسل المجزئ، ودليله ما فعله النبيُّ في بعض الأحيان عليه الصلاة والسلام، وما علَّمه لأصحابه عليه الصلاة والسلام.

أما الكامل: فهو الذي فسَّرته روايةُ عائشة في بعض الروايات، وميمونة في بعض الروايات، وأم سلمة في بعض الروايات، وهو أنه يبدأ فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، وضوءًا كاملًا، ثم يفيض الماء على رأسه ثلاث حثيات؛ حتى إذا ظنَّ أنه قد أروى بشرته أفاض على جسده الماء، بادئًا بشقِّه الأيمن، ثم الأيسر، كما قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان يُعجبه التَّيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله عليه الصلاة والسلام.

هذا هو الغسل الكامل، ثم بعد النِّهاية يغسل قدميه، بعدما يفرغ يغسل قدميه في مكانٍ آخر غسلًا آخر غير غسلها في الوضوء، يغسل قدميه كمالًا للنظافة.

فهذا هو الغسل الكامل الذي فعله النبيُّ ﷺ: استنجى أولًا، ثم توضأ وضوء الصلاة: تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه، وغسل ذراعيه مع المرفقين، ومسح رأسه مع أذنيه، وغسل رجليه مع الكعبين، وضوءًا كاملًا، ثم أفاض الماء على رأسه ثلاث مرات، وأروى بشرته، وخلل رأسه بأصابعه حتى ظنَّ أنه قد أروى بشرته، ثم أفاض على شقِّه الأيمن، ثم الأيسر، هذا هو الغسل الكامل، والمجزئ: كونه يفيض الماء على رأسه، وعلى بدنه، من غير حاجةٍ إلى تخليلٍ.

س: ما العلاج للشَّخص الذي يُسرف في الغسل؟

الشيخ: العلاج تعليمه ونصيحته وتوجيهه إلى الخير، ينبغي أنه يُوصى بالخير، ويُحرض على الاقتصاد في غسله، وفي مائه، ولا يُسرف، ويتحرى السنة من دون إسرافٍ.

س: إذا عدم الجنبُ والحائضُ الماءَ، ثم تيمم، هل يزول الحدثُ؟ وماذا يجب عليه إذا وجد الماءَ بعد ذلك؟

الشيخ: الصواب أن التيمم يرفع الحدثَ، وإذا تيمم للغسل أو للوضوء فإنه يُصلي بهذا التَّيمم الفرض والنَّفل، والفرض الحاضر والمستقبل، ما دام على طهارةٍ، فإذا وجد الماء وجب عليه الغسل، هكذا شرع الله لعباده: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة:6]، والنبي ﷺ قال: الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماَء عشر سنين، فمَن وجد الماء فليتَّقِ الله وليمسّه بشرته.

فإذا تيمم عن جنابةٍ أو عن الوضوء فإنَّ هذا التيمم يكفيه حتى يجد الماء أو يُحدث، فإذا تيمم للظهر وجاء العصرُ وهو على طهارته صلَّى بها على الصحيح، وإذا تيمم المغرب وجاء العشاءُ وهو على طهارته صلَّى كذلك، كالوضوء، هذا هو الصواب، هذا هو الراجح.

وبعض أهل العلم قال: إنه مُبيح، لا رافع، لا يرفع الحدثَ، ولكن يُبيح، فعليه أن يتيمم لكل صلاةٍ، وإذا تيمم للنَّافلة ما يُصلي بها فريضةً.

وهذا قول ضعيف، الصوب أنَّ التيمم كالماء، سمَّاه الله: طهورًا، النبي ﷺ سمَّاه: طهورًا، سماه: وضوءًا، قال: جُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاةُ فعنده مسجده وطهوره، فإذا تيمم فقد تطهر، فيُصلي ما دام على طهارةٍ كالماء، إذا تيمم للظُّهر صلَّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ما دام على طهارةٍ كالماء.

بَابُ تَعَاهُدِ بَاطِنِ الشُّعُورِ وَمَا جَاءَ فِي نَقْضِهَا

- عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ، قَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ شَعْرِي. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَزَادَ: وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ .

- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أَشدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ.

وفي الحديث مستدل لمن لم يُوجب الدَّلك باليد.

وفي روايةٍ لأبي داود: أنَّ امرأةً جاءت إلى أم سلمة بهذا الحديث، قالت: فسألتُ لها النبيَّ ﷺ. معناه، قال فيه: واغمزي قرونك عند كل حفنةٍ، وهو دليل على وجوب بَلِّ داخل الشعر المسترسل.

- وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عبدالله بْنَ عَمْرٍو يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ، فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو! هذا يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ بِنَقْضِ رُؤُوسِهِنَّ! أَوَمَا يَأْمُرهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُؤُوسَهُنَّ؟! لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، وَمَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إفْرَاغَاتٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ.

الشيخ: وهذا يدل على أنَّ نقض الرأس والعناية بأصول الشعر غير واجبٍ، بل يكفي مرور الماء على ظاهر الرأس.

أما حديث عليٍّ: "مَن ترك شعرة فعل الله به كذا وكذا" فهو حديث ضعيف، ليس بصحيحٍ، وإنما الواجب تعميم الماء على الرأس إذا كان مفتولًا، ولا حاجة إلى نقضه؛ لحديث أم سلمة: يا رسول الله، إني امرأة أشدّ شعر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة والحيض؟ فقال: إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ..... فتطهرين، وكذا حديث عائشة رضي الله عنها: تفيض الماء على رأسها ثلاث مرات.

فهذا يدل على أنه يكفي إفاضة الماء على الرأس المشدود ثلاث مرات، ولا يجب نقضه، لا في غسل الجنابة، ولا في الحيض، لكن يأتي في الحيض أنَّ الأفضل نقضه في الحيض؛ لأنَّ المدة تطول في حال الحيض، فنقضه والعناية به أفضل، ولو أفاضت الماء على رأسها المشدود ثلاث مرات كفى ذلك، وهكذا الرجل لو أفاض على رأسه ولم ينقضه -إن كان له رأس- لا بأس بذلك ولا حرج.

وهكذا إفاضة الماء على البدن: كونه يُفيضه عليه، يعمّه بالماء يكفي، من غير حاجةٍ إلى دلكٍ، فإن دلك رأسه وبدنه فهذا من باب الأفضلية، ومن باب الكمال، وإلا فلا يجب، والحمد لله؛ ولهذا أنكرت عائشةُ على عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أمره للنساء بالنَّقض؛ لأنها عرفت أنه كان ﷺ لا يأمرهن بالنَّقض لرؤوسهن؛ ولهذا قالت: أَوَلَا يأمرهنَّ بحلقها؟! يعني: ما دام مُشددًا يأمرهن بحلقها.

والمقصود من هذا كله إنكارها على عبدالله أمرهن بالنَّقض، وعبدالله اجتهد وظنَّ أنَّ هذا واجب عليهن، فأفتى بما ظهر له، ولم يبلغه ما ذكرت عائشةُ رضي الله عنها، ومَن حفظ حُجَّة على مَن لم يحفظ؛ فعائشة حفظت، وأم سلمة حفظت أنه لا نقضَ، وأنه يكفي أن تصبَّ الماء على رأسها، وأن تفيض الماء على رأسها، من دون حاجةٍ إلى .....؛ عملًا بحديث أم سلمة، وحديث عائشة، وهما أعلم بحال النبي ﷺ والغسل من غيرهم؛ لأنه يغتسل عندهن عليه الصلاة والسلام.

س: إذًا حديث عليٍّ ضعيف؟

الشيخ: نعم: إن تحت كل شعرةٍ جنابة حديث ضعيف.

س: يقول علماءُ الحديث: إنَّ من علامات الحديث الضعيف أو الموضوع: ركاكة اللَّفظ، ما صحة ذلك؟

الشيخ: ركاكته ومُخالفته للأصول المعروفة عن النبي ﷺ، وركاكة ألفاظه، ما هي على اللغة الفصيحة.

س: باطن الشعور ما هو؟

الشيخ: أصولها التي تلي الجلد.

 

بَابُ اسْتِحْبَابِ نَقْضِ الشَّعْرِ لِغُسْلِ الْحَيْضِ وَتَتَبُّعِ أَثَرِ الدَّمِ فِيهِ

- عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا -وَكَانَتْ حَائِضًا- انْقُضِي شَعرَكِ وَاغْتَسِلِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

338- وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْحَيْضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، ثُمَّ قَالَ: خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي بِهَا، فَاجْتَذَبْتُهَا إلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ وَأَبَا دَاوُد قَالَا: فِرْصَةً مُمَسَّكَةً.

الشيخ: وهذا يدل على شرعية نقض الرأس في الحيض، وأنه أفضل للحائض؛ لأنَّ مدَّتها تطول أن تنقض رأسها وتغسل ما تحت الشعر وتعتني بذلك؛ لأنَّ ذلك أفضل وأكمل في النَّقاء، ولو لم تنقض أجزأ كما تقدم في حديث أم سلمة؛ لأنَّ النصوص يُجمع بينها، فما أشكل من ذلك يُفسره الآخر، فالأمر للاستحباب في النَّقض، ولو غسلت رأسها غسلًا عامًّا ولم تنقضه أجزأه في الجنابة والحيض، لكن في الحيض لأنَّ مدته تطول، الأفضل فيه النَّقض، كما أمر النبي ﷺ المرأة بالنَّقض: انقضي رأسك، وكما أمر عائشة في حجَّة الوداع.

كذلك النقض فيه الكمال، وإن لم تنقض أجزأها الغسل، ولكن النَّقض أفضل؛ لما فيه من مزيد النَّظافة، وإذا غسلته بماءٍ وسدرٍ يكون أكمل لها في ذلك؛ حتى يكون أكمل في النَّظافة، وإذا أخذت فرصةً ممسكةً -يعني: قطنة فيها طيب- تتبع بها ما حول الفرج وأثر الدم؛ حتى يكون ذلك أكمل في الرائحة الطيبة، وأبعد عن الرائحة الرديئة.

المقصود أنَّ الطيب فيه إزالة رائحة أثر الدم، تغسل أثر الدم وتتبع ما قد يبقى من روائح أو آثار بالفرصة الممسكة.

والحاصل أنها أولًا تتنظف بالماء، ثم تتبع آثار ما قد يبقى فيه رائحة ما هي مناسبة بفرصةٍ ممسكةٍ من الطيب: في إبطيها، وما حول فرجها، وفي رأسها؛ حتى تكون لها الرائحة الحسنة، ولا سيما إذا كانت ذات زوجٍ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي قَدْرِ الْمَاءِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ

- عَنْ سَفِينَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، وَيَتَطَهَّرُ بِالْمُدِّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

- وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

- وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِإِنَاءٍ يَكُونُ رَطْلَيْنِ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد.

- وَعَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ قَالَ: أُتِيَ مُجَاهِدٌ بِقَدَحٍ حَزَرْتُهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ، فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِمِثْلِ هَذَا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

- وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَجْزِي مِنَ الْغُسْلِ الصَّاعُ، وَمِنَ الْوُضُوءِ الْمُدُّ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَثْرَمُ.

- وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالْفَرَقُ: سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ.

الشيخ: هذه الأحاديث كلها تدل على أنَّ السنة الاقتصاد في الغسل وعدم التَّكلف في الماء، هذا هو المشروع للمُغتسل من الجنابة والحيض وغيرهما: الاقتصاد وعدم التَّكلف؛ ولهذا كان ﷺ يتوضأ بالمدِّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمدادٍ، هذا هو الأفضل، وربما اغتسل بالصاع والنِّصف، كان يغتسل مع عائشة من إناءٍ يسع ثلاثة آصع يُقال له: الفرق.

فهذا كله يدل على أنَّ الغسل من الصَّاع إلى الصَّاع والنصف إلى خمسة أمداد، هذا هو الأفضل، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتحرى الاقتصاد وعدم التَّكلف في كثرة الماء: لا في الوضوء، ولا في الغسل، فالوضوء مدٌّ أو ما يُقاربه، وربما توضأ النبيُّ بثلثي مدٍّ، يعني: مدّ إلا ثلث، وفي الغسل يكون بالصاع، أو صاع ومدّ، أو صاع ونصف؛ ولهذا اغتسل ﷺ مع زوجته عائشة من فرقٍ، من إناءٍ يقال له: فرق، يسع ثلاثة آصع، وهذا هو الأفضل: من صاعٍ إلى صاعٍ ونصف، إلى صاعٍ ومدّ في الغسل، وفي الوضوء مدٌّ وما يُقاربه، هذا هو الأفضل للمؤمن: أن يقتصد في غسله ووضوئه.

س: ما مقدار المدِّ بالمقاييس العشرية؟

الشيخ: المدّ: رطل وثلث بالعراقي، والصاع: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، أما بالشيء الذي يفهمه الناس كلهم فهو المدّ: ملء الكفَّين الممتلئتين، صاع النبي: أربعة أكفٍّ ممتلئةٍ يُقال لها: صاع، وبالكفين الممتلئتين المتوسطتين يُقال لها: مدّ، هذا هو الشيء الذي يعمّ المتعلم وغير المتعلم، فصاع النبيِّ ﷺ ليس بالكبير، وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي، فمقداره أربعة أكفٍّ، الكفَّان المملوآن هذا المدّ، فإذا كررها أربع مراتٍ وهي مُمتلئة، وهي مُعتدلة، ليس من صغار الأيدي، ولا من كبارها جدًّا، بل من وسط الأيدي، هذا يُسمَّى: مُدًّا، وإذا كان أربع مرات يُسمَّى: صاعًا.

س: مَن أراد أن يغتسل ما الأفضل في حقِّه: أن يضع الماء في حوضٍ ثم يأخذ منه، أم يغتسل من الدشِّ مباشرةً؟

الشيخ: الأمر في هذا واسع.

س: الماء نعمة عظيمة، وثروة لا يعرف قدرها إلا مَن فقدها، ولا يخفى علينا ما كنا عليه قبل سنوات من شحٍّ في المياه، ونحن الآن نعيش في هذه النِّعمة العظيمة، إلا أن كثيرًا من الناس في غفلةٍ، ويحصل منهم إسراف في الماء؛ فيغسلون به السيارات وأشياء كمالية وما أشبه ذلك، نرجو من سماحة الشيخ توجيه نصحٍ لمثل هؤلاء؟

الشيخ: المشروع للمؤمن: عدم الإسراف في المياه، وتحري الاقتصاد وعدم الإسراف: لا في الوضوء، ولا في الغسل، ولا في غيرهما، يتوضأ كما شرع الله، ويغتسل كما شرع الله، وإذا دعت الحاجةُ إلى غسل الأواني أو غيرها غسلها، لكن بتحري الاقتصاد وعدم الإسراف في المياه؛ لأنَّ المياه لها شأن عظيم، والإسراف فيها قد يُسبب مشاكل كبيرة، فالسنة عدم الإسراف في كل شيءٍ، يتحرى القصد، وهو الوسط الذي ليس فيه نقص، وليس فيه زيادة، وسط: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان:67]، وقال جلَّ وعلا: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29]، دلَّ على أنَّ الوسط هو المطلوب، وهو القصد، فلا يُسرف في صرف المياه، ولا يقصر في التَّطهر.

باب مَن رأى التَّقتير بذلك استحبابًا، وأنَّ ما دونه يجزي إذا أسبغ

- عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

- وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ أُمِّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَأُتِيَ بِمَاءٍ فِي إنَاءٍ قَدْرِ ثُلُثَي الْمُدِّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.

- وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا -فَإِذَا تَوْرٌ مَوْضُوعٌ مِثْلُ الصَّاعِ أَوْ دُونَهُ- فَنَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعًا، فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي بِيَدِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَمَا أَنْقُضُ لِي شَعْرًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

الشيخ: السنة في هذا هو الاقتصاد في الوضوء والغسل، وقوله: "ثلاثة أمداد" يعني: ثلاثة أصواع، قد يُطلق الصَّاع ويُسمَّى: مدًّا، فالمراد مثلما في الحديث الآخر: الفرق: ثلاثة آصع. فالاقتصاد في هذا هو كونه يعمّ البدنَ بالماء من غير إسرافٍ ولا كثرةٍ، فهذا هو الاقتصاد.

فالسنة الاقتصاد في الوضوء والغسل، وإذا توضأ بأقلّ من مدٍّ -كثلثي المد- وأسبغ، فلا بأس، وإذا أسبغ بأقلّ من الصاع فلا بأس، لكن في الغالب أنَّ الصاع وما يُقاربه غاية في الاقتصاد، لكن المؤمن يتحرى ويحرص على عدم الإسراف، ولا سيما إذا كان ليس له شعور؛ فإنه يكون ماؤه أقلّ، بخلاف مَن له شعور؛ فإنه قد يحتاج إلى مزيدٍ.

والخلاصة أنَّ السنة التَّحري وعدم الإسراف، فيكون وسطًا في أموره كلها: في وضوئه، وغسله، وسائر أموره: وسطًا في غسله، وسطًا في وضوئه، وسطًا في نفقته، وسطًا في كل شيءٍ.

بَابُ الِاسْتِتَارِ عَنِ الْأَعْيُنِ لِلْمُغْتَسِلِ، وَجَوَازِ تَجَرُّدِهِ فِي الْخَلْوَةِ

- عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّه حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.

- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟! قَالَ: بَلَى وَعِزَّتُكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلَّا أَنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَر، ثَوْبِي حَجَر، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إلَى سَوْأَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى بَأْسٌ، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرَبًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الشيخ: هذه الأحاديث كلها تدل على أنه يجوز الغسل والإنسان عاريًا، إذا كان ما عنده أحدٌ لا بأس أن يغتسل عاريًا، كما فعل أيوب عليه الصلاة والسلام، وكما كان النبيُّ يغتسل عاريًا عنده عائشة، مع زوجاته لا بأس بذلك، أما إذا كان يراه أحدٌ فالواجب التَّستر، وألا يكون عاريًا، بل يستتر بشيءٍ حتى لا يراه الناس، وأما إن كان في بيته وفي محلِّه، أو في محلٍّ لا أحدَ ينظر إليه فلا بأس أن يغتسل عاريًا، كما اغتسل أيوب عاريًا، وكما اغتسل موسى لما اتَّهمته بنو إسرائيل بأنه آدر -آدر يعني: عظيم الخصيتين- فأراد الله أن يُطلعهم على براءته، فجاء ذات يومٍ يغتسل عليه الصَّلاة والسلام، ووضع ثوبه على حجرٍ، فطار الحجر بثوبه، هذه من آيات الله: حجر جماد الله جلَّ وعلا أمره أن يذهب بثوب موسى؛ حتى يراه بنو إسرائيل، فتبعه موسى يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر يعني: يا حجر، أعطني ثوبي! فوقف الحجرُ، فجعل موسى يضربه بعصاه ندبات غضبًا عليه، حتى أثَّر ذلك في نفس الحجر.

وفي قصة أيوب: أنَّ الله أنزل عليه جرادًا، وأيوب من أنبياء الله، الذي قال الله فيه: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ [ص:41] عليه الصلاة والسلام، جراد من ذهبٍ، هذه من آيات الله، وربك على كل شيءٍ قدير جلَّ وعلا؛ ابتلاءً وامتحانًا، فجعل أيوبُ يحثي من هذا الجراد، فقال له: ألم أُغنك عن هذا؟ قال: بلى، ولكن لا غنى لي عن بركتك، يعني: هذه بركة من الله لا يُستغنى عنها، الله أنزل جرادًا من ذهبٍ لا يُستغنى عنها.

فكون الإنسان يأخذ من المال الذي أتاحه الله له ليس في هذا بأس: كأن يجد في البرية من الصيد فيصيد من النبات الطيب فيأكل، أو يحتشّ، كل هذا لا بأس به، أو يرى من كنوز الأرض ما ينفع فيأخذ منها، كل هذا لا حرجَ فيه، فالرسول ﷺ -وهو أيوب- أخذ من الجراد وقال: لا غنى لي عن بركتك، وهذا يدل على قُدرة الله، وأنَّ الله قادر على أن يُنزل جرادًا من ذهبٍ، بدلًا من كونه حيوانًا ضعيفًا يكون من ذهبٍ، وهو على كل شيءٍ قدير: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، فيدل على جواز الأخذ مما رزقه الله: من صيدٍ أو كنزٍ أو ركازٍ أو غير ذلك، وأنه لا حرجَ عليه في ذلك، وأنه لا غنى للعبد عن بركة الله ، ويدل على جواز الغسل وهو عارٍ إذا كان لم يكن عنده أحدٌ.

س: هل من أسماء الله: الحيي السِّتير؟

الشيخ: نعم، جاء في الحديث: حيي ستير، الحي القيوم، من أسمائه: ستير، معنى ساتر، كثير الستر، وأما الحي القيوم: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، من أسمائه: الحي، من أسمائه: الستير، وهو بمعنى السَّاتر، لكنه مبالغة.

المقدم: الحقيقة بقيت مجموعة من الأسئلة في هذه الأحاديث، نُرجئها إلى الحلقة القادمة إن شاء الله.