باب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان

باب مَن عرَّف اللُّقطة ولم يدفعها إلى السلطان

2438- حدثنا محمد بن يوسف: حدثنا سفيان، عن ربيعة، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد : أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ عن اللُّقَطَة، قال: عرِّفها سنةً، فإن جاء أحدٌ يُخبرك بعِفاصِها، ووِكائها، وإلا فاستنفق بها، وسأله عن ضالة الإبل، فتَمَعَّر وجهه، وقال: ما لك ولها؟! معها سِقاؤها وحِذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، دعها حتى يجدها ربُّها، وسأله عن ضالة الغنم، فقال: هي لك، أو لأخيك، أو للذئب.

الشيخ: هذا الحديث تقدم غير مرةٍ، كرره المؤلف غير مرةٍ؛ لما فيه من الفوائد، حديث زيد بن خالد في اللُّقطة، وجميع الروايات كلها دالَّة على وجوب تعريف اللُّقطة، وأنه يعرف عددها -إن كان لها عددٌ- وعِفاصها ووِكاءها وخرقتها -الوعاء الذي هي فيه- وجميع الأشياء التي يستدل بها عليها، يضبطها بوِكاء وعِفاص ووِعاء وعدد، وغير هذا مما يكون له أثرٌ في معرفتها، مثل: العملة، العملة ما هي؟ ذات كذا، أو ذات كذا؟ فئة كذا، أو فئة كذا؟ يضبطها .....، وهكذا إذا كانت نوعًا آخر من الأواني، أو من الملابس، أو من الفُرش، يضبط الصِّفات الدَّقيقة التي يعرف بها عين اللُّقطة، ويكتبها، كما في الرواية الأخرى، يكتبها حتى لا ينساها، ويُشهد عليها شاهدين؛ حتى لا يخون، فإن النفس أمَّارةٌ بالسوء، قد يطرأ عليه السكوت والتساهل، ويُشهد عليها، ويكتبها، ويضبطها، ويُعرِّفها سنةً في مجامع الناس، والمواضع التي يجتمع فيها الناس: عند أبواب المساجد، في الأسواق التي فيها اجتماعٌ، وإذا أعلنها في الإذاعة مثل هذه الأوقات الأخيرة، أو في الصحف، كان أيضًا من البيان مما يُساعد أيضًا، فإذا تمَّت السنةُ ولم تعرف يستنفقها، فهي له كسائر ماله، ومتى جاء صاحبُها وعرفها أدَّاها إليه، ولو بعد سنةٍ، ولا يلزمه أن يدفعها إلى السلطان، ما يحتاج إلى دفعها إلى السلطان؛ لأن الرسول ﷺ قال: فاستنفقها، وفي اللفظ الآخر قال: فسبيلها سبيل مالك.

وذكر أهل العلم أن السنة الأولى على حسب صاحبها، إن كان فيها ولد فهي تبعٌ له في السنة الأولى: صوفها الذي يبيعه منها .....، وإذا رأى بيعها باعها، إذا رأى أن حفظها فيه مشقَّةٌ باعها، مثل وقتٍ يخشى فيه عليها، يبيعها ويضبط الثمن مع صفاتها، وإن كانت دابَّةً شاةً، وفي حفظها مشقَّةٌ باعها، وحفظ ثمنها، أو قوَّمها وحفظ قيمتها بمعرفة العدول العارفين بالقيمة، وإذا كان خصبٌ ورخاءٌ وعنده غنمٌ جعلها معها، ما فيه كُلفة، تبقى معها، إذا كان خصبٌ ورخاءٌ ما فيه كُلفة تبقى مع غنمه.

المقصود أنه يعرف الصفات التي يحتاج إليها في تمييزها ومعرفتها إذا جاء ربها.

وهذا واجبٌ عليه، وهي أمانةٌ، ويجب عليه أن يُؤدي الأمانات، والله يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، ويقول سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8]، ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27]، وإذا كان لا يثق في نفسه يتركها ولا يأخذها، فإن كان يطمئن لنفسه وأنه سيقوم بالواجب، وإلا فلا يأخذها، نعم.

س: ..............؟

ج: يستنفقها، يعني: يُنفقها في حاجاته، يُنفقها، يُخرجها، ويكتبها عنده، يضبطها.

باب

2439- حدثنا إسحاق بن إبراهيم: أخبرنا النضر: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: أخبرني البراء، عن أبي بكرٍ رضي الله عنهما. ح، وحدثنا عبدالله بن رجاء: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، عن أبي بكرٍ رضي الله عنهما قال: انطلقتُ، فإذا أنا براعي غنمٍ يسوق غنمه، فقلت: لمن أنت؟ قال: لرجلٍ من قريشٍ. فسمَّاه، فعرفتُه، فقلت: هل في غنمك من لبنٍ؟ فقال: نعم. فقلت: هل أنت حالبٌ لي؟ قال: نعم. فأمرتُه، فاعتقل شاةً من غنمه، ثم أمرتُه أن ينفض ضَرعها من الغبار، ثم أمرتُه أن ينفض كفَّيه، فقال: هكذا ضرب إحدى كفَّيه بالأخرى، فحلب كُثْبَةً من لبنٍ، وقد جعلتُ لرسول الله ﷺ إداوةً على فمها –خِرقةً-، فصببتُ على اللَّبن حتى برد أسفله، فانتهيتُ إلى النبي ﷺ، فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيتُ.

الشيخ: وهذا في طريق الهجرة، لما خرج ﷺ إلى الهجرة ومعه الصديقُ مرَّا على صاحب غنمٍ في بعض قريشٍ كانوا في حاجةٍ إلى الغذاء؛ فلهذا مرَّ الصديقُ على صاحب الغنم –الراعي- وقال له: هل في إمكانك أن تُعطيني من حليب الغنم؟ قال: نعم. فأمره الصديقُ أن ينفض الضَّرع ويحلب له من ..... وينفض يديه، فلما حلب له صبَّ عليه الصديقُ الماء الذي معه؛ حتى برد اللبن، ثم سقى النبي ﷺ، فهذا يدل على أنه لا بأس بكون الإنسان عند الحاجة يمر على صاحب الغنم ويقول له: هل تسمح بشيءٍ من اللبن؟ عند الحاجة، لا يأخذ بقوةٍ، يقول: هل تسمح لي؟ لأن اللبن لبنه، وهو قائمٌ عليه، لبن صاحبه، لكن السؤال عند الحاجة لا بأس به.

س: العامل هل له أن يُعطي بغير إذن سيده؟

ج: للعُرف، مثل هذا لا بأس به؛ لأنه هو الذي سيشربه، اللبن هو الذي سيشربه، الراعي سوف يشربه، أو يُهريقه، فالراعي في مثل هذا كالوكيل يتصرف حسب العُرف، نعم.

س: مناسبة الحديث في كتاب اللُّقطة؟

ج: هذا بابٌ مُستقلٌّ، نعم. لكن جعله مع اللُّقطة -مجاورًا لها- وجهه أنه يُشبه اللُّقطة، لكن ليس من جنسها، فلا بأس أن يأخذ بالسؤال والطلب، لا يأخذ بالقوة، اللبن موجودٌ في البرِّ، وعنده الراعي، فلا يكون مثل اللقطة يأخذه، لا، يستأذن، نعم.

46- كتاب المظالم والغصب

وقول الله تعالى:  وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ۝ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ [إبراهيم:42، 43]، رافعي، المقنع والمقمح واحدٌ.

باب قصاص المظالم

 

الشيخ: مقصود المظالم -يعني- ما فيه تعدٍّ، ذكر الأحاديث فيما يتعلق بالتعدي والظلم للناس في الأعراض، وفي الأموال، أو في الأبدان؛ ولهذا قال جلَّ وعلا: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42]، لا تحسب: لا تظن.

فلا ينبغي للعاقل أن يغترَّ بإمهال الله للظالمين فيرتع في المظالم، ويُبيح لنفسه أخذ الأمور بغير حقٍّ، فإن الله سبحانه يُملي ولا يغفل، وليس إمهاله حُجَّةً لجواز الظلم، يقول جلَّ وعلا: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:182، 183]، ويقول سبحانه: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء:227] يعني: أي مُنقلبٍ سيئٍ، ويقول سبحانه: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان:19]، ويقول : وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [الشورى:8].

والظلم عواقبه وخيمةٌ، وهو أنواعٌ ثلاثةٌ:

  • ظلم الشرك، وهو أعظمها.
  • وظلم المعاصي في حقِّ الله.
  • والثالث: ظلم بني آدم، ظلم الناس في حقوقهم.

والواجب الحذر منها كلها، ولكن أشدّها وأخطرها: ظلم الشرك: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وهو أخطرها، فيجب الحذر منه، والابتعاد عن أنواعه ووسائله أشد البُعد، والتَّثقف فيه والتَّبصر؛ حتى يحذره على بصيرةٍ؛ لأنه ضد التوحيد والإيمان والعدل. نعم.

باب قصاص المظالم

وقال مجاهد: مُهْطِعِينَ [إبراهيم:43] مُديمي النظر، ويُقال: مُسرعين، لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم:43] يعني: جوفًا لا عقولَ لهم، وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ۝ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ۝ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ۝ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:44- 47].

2440- حدثنا إسحاق بن إبراهيم: أخبرنا معاذ بن هشام: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيدٍ الخدري ، عن رسول الله ﷺ قال: إذا خلص المؤمنون من النار حُبِسوا بقنطرةٍ بين الجنة والنار، فيتقاصُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهُذِّبوا أُذِنَ لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمدٍ بيده، لأحدهم بمسكنه في الجنة أدلُّ بمنزله كان في الدنيا.

وقال يونس بن محمد: حدثنا شيبان، عن قتادة: حدثنا أبو المتوكل.

الشيخ: وهذا يدل على أن المؤمنين لهم مقاصَّة خاصَّة بعد انتهاء الموقف وبعد الجواز على الصراط، فالله جلَّ وعلا يُحاسب عباده في الموقف، وينصب الصراط على متن جهنم، فيجوز المؤمنون، ويُساق الكافرون إلى النار، ويسقط الناس من الصراط بسبب معاصيهم، وبعضهم يُخدشون ويسلمون، فإذا انتهى المؤمنون السَّالمون من الصراط وجاوزوه حُبِسوا على قنطرةٍ، يعني: على محلٍّ بين الجنة والنار بعد الصراط، بعدما جاوزوا الصراط يُحبسون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيقتصّ لبعضهم من بعضٍ في مظالم كانت بينهم تخصُّهم فيما بينهم: المؤمنون، فإذا هُذِّبوا ونقوا منها دخلوا الجنة في غايةٍ من الصَّفاء والسلامة، لا غلَّ بينهم، ولا حقدَ، ولا شيء، قد طهرت القلوب وسلمت، وذهب كل شيءٍ، وهذا من لُطف الله ورحمته، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40]، ويقول سبحانه: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].

فالأمر عظيمٌ، وجديرٌ بالعاقل أن يحرص اليوم حتى يسلم، يحرص اليوم على السلامة من حقِّ الناس ومظالم الناس وحقوقهم الخاصَّة والعامَّة، فإن لم يسلم اليوم فلا بد من أخذ الحقِّ يوم القيامة.

والله جلَّ وعلا ذكر في كتابه العظيم كل ما يحتاجه الناس، فمَن تدبر القرآن عرف الطريق، مَن تدبر القرآن يطلب الهدى أرشده الله، وهو كتاب الله، فيه الهدى والنور: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:44]، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].

وأولى الناس بهذا الأمر وأحقُّهم أهل العلم وطلبة العلم؛ لأن عندهم من العلم ما ليس عند غيرهم، فواجبهم تدبر القرآن، والعناية بالقرآن والسنة، وعلاج أمراض القلوب، وعلاج أمراض الناس بالقرآن، هم أولى من غيرهم؛ لأن العامي لو تدبَّر وقرأ لا يطلع على ما يطلع عليه طالب العلم، ولا يفهم ما يفهمه طالب العلم، وإن كان الجميع مطلوبًا منهم أن يتدبروا، كل القرَّاء مطلوبٌ منهم أن يتدبروا؛ لأن القرآن عربيٌّ واضحٌ، فمَن تدبره استفاد وإن كان عاميًّا، ليس بمتعلمٍ؛ لأنها آياتٌ واضحاتٌ في الدعوة إلى الخير، والتحذير من الشر، لكن التَّفقه فيه والتَّبصر يختصُّ به أهل العلم.

فجديرٌ بالمؤمن أينما كان وكيفما كان أن يُعنى بكتاب الله، وأن يتدبره ويتعقله، ولو لم يحصل له من هذه القراءة إلا أنه يُعطى بكل حرفٍ حسنةً، والحسنة بعشر أمثالها، مع ما يُعطيه الله من العلم والفائدة في التدبر، والتعقل، والخوف، والرجاء، والعظة عند ذكر الجنة، وعند ذكر النار، وعند ذكر الصالحين، وعند ذكر المجرمين.

وبكل حالٍ مَن تدبر القرآن استفاد، استفاد حسناتٍ، واستفاد علمًا على قدر فهمه: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]، وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155]، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1].

هذه النعمة العظيمة، والفائدة العظيمة، والمنحة الجسيمة من ربنا الكريم بهذا الكتاب العظيم الذي خصَّ الله به هذه الأمة، وهو أفضل الكتب وأعظمها، فيه الهدى والنور، وفيه الإرشاد إلى كل خيرٍ، وفيه الترهيب من كل شرٍّ، وفيه الإخبار عمَّا مضى، تريد قصة نوح؟ تدبرها في مواضع كثيرةٍ، وقصة هود، وقصة صالح، وقصة شُعيب وقومه، وقصة لوط، وقصة موسى وبني إسرائيل، إلى غير ذلك.

تريد الجنة؟ تأمل، تجد الجنة مشروحةً لك، قد بيَّنها الله في مواضع كثيرةٍ، وبيَّن أنواع النعيم فيها وما أعدَّ لأهلها، والنار كذلك ذكرها في مواضع كثيرةٍ، وذكر شرَّها وخُبثها وما فيها من البلاء، ففيه الهدى والنور، وفيه الذكرى.

فجديرٌ بكل عاقلٍ، وكل مؤمنٍ، ومَن له أدنى بصيرةٍ، ومَن عنده أدنى حذرٍ، ومَن يخشى على نفسه أن يتدبر هذا الكتاب العظيم ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، وفي كل وقتٍ، سواءٌ من المصحف، أو عن ظهر قلبٍ، يتدبر ويتعقل، وله بكل حرفٍ حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، مهما قرأ، ولو ختم كل يومٍ له بكل حرفٍ حسنةٌ، فكيف يزهد الإنسان في هذا الخير العظيم؟! وعنده وقتٌ يستطيع فيه أن يقرأ، نعم.

س: الربا ..........؟

ج: الربا قسمان: ربا الفضل، وربا النَّسيئة.

ربا الفضل في الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، وما في حكمها من المكيلات والمطعومات، لا يجوز بيع بعضها ببعضٍ إذا كانت من جنسٍ واحدٍ إلا مثلًا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيدٍ، صاعًا بصاعٍ، صاعين بصاعين، إذا كانت من جنسٍ واحدٍ، وإن كانت من جنسين فلا بد من التَّقابُض يدًا بيدٍ.

وأما الحيل في ذلك والتوسع في ذلك فلها شأنٌ وطرقٌ يحتال بها المحتالون، منها ما يُسمّى: عقد العينة، يعني: ربا العينة، وهو أن يبيع السلعة إلى أجلٍ، ثم يشتريها بأقلّ؛ حيلةً على ..... يدفع دراهم قليلةً، ويأخذ دراهم كثيرةً بعد ذلك.

أما إذا باعها بأقساطٍ إلى آجالٍ فلا بأس، والمشتري بالخيار: إن شاء انتفع، وإن شاء باع وتصرف.

ومن ذلك: ربا القرض إلى أجلٍ، القرض بزيادةٍ؛ كونه يُسلفه مئةً على أن يردها مئةً وعشرة، أو يُقرضه ألفًا على أن يرده ألفًا وخمسين، أو ألفًا ومئةً، هذا في حكم الربا.

ويُطلق الربا على جميع المعاصي، كما قال ﷺ: الربا ثلاثٌ وسبعون حُوبًا، أيسرها مثل أن ينكح الرجلُ أمه، وإن أربى الربا الاستطالة في عِرْض المسلم، فهذا من الظلم، وسمَّاه: ربًا؛ لأنه شيءٌ وقع في غير محله، وزائدٌ على ما يجب على الإنسان.

فالواجب الحذر من جميع المعاصي، ومن أرباها وأشدّها خطرًا: الاستطالة في عِرْض المسلم؛ لأنه يُسبب الشَّحناء والعداوة، كونه يستطيل: فلانٌ كذا، فلانٌ كذا، فلانٌ بخيلٌ، فلانٌ سيئ الخُلُق، فلانٌ فيه ما فيه، حتى تأتي الكارثة من القتال والفتن والفُرقة والاختلاف، نعم.

مداخلة: أحسن الله إليك يا شيخ، الآية –آية سورة إبراهيم- ناقصةٌ، سقط منها: وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ [إبراهيم:46].

الشيخ: أيش الذي عندك؟ عندك الآية؟

القارئ: المطبوع فيه نقصٌ.

الشيخ: ساقطٌ، صلِّحها.

مداخلة: حدثنا شعبان، أو شيبان؟

الشيخ: حدثنا أيش؟ أيش عندك؟ السند؟

القارئ: شيبان، عن قتادة.

طالب: عندنا: شعبان.

الشيخ: لا، شيبان، نعم.

باب قول الله تعالى: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18]

2441- حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا همام، قال: أخبرني قتادة، عن صفوان بن محرز المازني قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما، آخذ بيده.

الشيخ: كذا عندكم: آخذ، أو آخذًا؟

الطلاب: آخذ.

الشيخ: مُقتضى السياق النصب؛ حال من فاعل: أمشي. أيش قال الشارح عليه؟

القارئ: ما تعرَّض له.

الشيخ: يصير خبرًا ثانيًا: بينما أنا أمشي آخذ، يصير خبرًا ثانيًا، خبر أنا، نعم.

الطالب: العيني تكلم عليه؟

الشيخ: أيش قال العيني؟

الطالب: قال: قوله: "بينما" ويُروى: بينا.

قوله: "آخذ بيده" أي: بيد ابن عمر، و"آخذ" على وزن فاعل، مرفوعٌ على أنه بدل من "أمشي"، وقد ذُكِرَ في موضعه أنه يبدل كل من الاسم والفعل والجملة من مثله.

وقوله: "أمشي" في محل الرفع؛ لأنه خبرٌ لمبتدأ، وهو قوله: "أنا"، وسُمي الفعل المضارع مضارعًا أي: مُشابهًا لاسم الفاعل في الحركات والسَّكنات وغير ذلك، فإذا كان كذلك يجوز أن يبدل اسم الفاعل من المضارع.

الشيخ: يكفي، يكفي.

بينما أنا أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما آخذ بيده، إذ عرض رجلٌ فقال: كيف سمعتَ رسول الله ﷺ يقول في النَّجوى؟ فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن الله يُدني المؤمن، فيضع عليه كنفَه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربّ. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. فيُعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون فـيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18].

الشيخ: وهذا فيه نجوى الرب مع المؤمن، هذا من باب الصفات، تُمَرُّ على ظاهرها كما أخبر النبي ﷺ، نجوى تليق بالله جلَّ وعلا مع عبده المؤمن، يُقرره بذنوبه بعدما يُدنيه منه، ثم يقول: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، الله أكبر! الله أكبر! نعم.

س: من ضمن الصِّفات، تُمَرُّ على ظاهرها؟

ج: على ظاهرها كسائر الصِّفات، نعم.

وفي هذا الحذر: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، الحذر من إطلاق الظلم، وإن كان إذا أُطلق فهو الشرك الأكبر، لكن يجب الحذر من جنس الظلم كله، نسأل الله العافية.

باب: لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يسلمه

2442- حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهابٍ: أن سالـمًا أخبره: أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يسلمه، ومَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلمٍ كُربةً، فرَّج الله عنه كُربةً من كُربات يوم القيامة، ومَن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة».

الشيخ: وهذا الحديث العظيم فيه الحث على نصر المسلم، ومُساعدته في الخير، وعدم خذلانه، والحرص على قضاء حاجته، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا، وهو متفقٌ عليه: «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يسلمه» يعني: ولا يخذله، يقول: أسلمتُه لعدوه، يعني: خذلته، فالمسلم لا يخذل أخاه، ولا يظلمه، لا هذا، ولا هذا، بل ينصره في الحقِّ، ويُعينه ويُساعده في الحقِّ؛ ولهذا أتبعها بقوله: «ومَن كان في حاجه أخيه كان الله في حاجته» هذا عامٌّ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبدُ في عون أخيه» في حاجة أخيه: في قضاء دَينه، في نصيحته وتوجيهه إلى الخير، في الشفاعة له في الحقِّ، في فكِّ عُسرته، في إنظاره من غريمٍ شدد عليه، إلى غير هذا، عامٌّ.

«ومَن فرَّج عن مؤمنٍ كُربةً» مما يعرض له من الكُربات «فرَّج الله عنه من كُربات يوم القيامة»، وفي حديث أبي هريرة: «فرَّج الله عنه كُربةً من كُرب يوم القيامة».

«ومَن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة»، وفي حديث أبي هريرة عند مسلمٍ: «ستره الله في الدنيا والآخرة»، وفي حديث أبي هريرة زيادةٌ: «ومَن يسَّر على مُعسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة».

فجديرٌ بأهل الإيمان أن ينفذوا هذا الحديث ويُمثلوه في أنفسهم أينما كانوا مع إخوانهم، وهو حديثٌ عظيمٌ، فجديرٌ بأهل الإيمان أن يسود بينهم هذا المعنى العظيم، بدلًا من الشَّحناء والعداوة والظلم والإيذاء.

والستر يشمل عورات الدنيا وعورات الدين؛ عورات الدنيا إذا كان ضعيفًا، ما عنده كسوةٌ يكسوه، وعورات الدين إذا كانت عنده معصيةٌ لا يفضحه، يستر عليه، وينصحه، ويأمره بالتوبة.

والكرب أنواع، يحرص على تفريج كربٍ بماله، أو جاهه، أو مشورته ونصيحته.

والحاجات أنواعٌ كثيرةٌ، نعم.

س: والذين يُجاهرون بالمعصية أكثر من مرةٍ يُنصحون ولا يرجعون، فهل يستر عليهم؟

ج: المجاهر قد فضح نفسه، ما عاد يحتاج، نسأل الله العافية: «كل أمتي مُعافى إلا المجاهرين»، نسأل الله العافية.

س: كثيرًا ما يُستدل بهذا الحديث على ستر أهل المعاصي؟

ج: المجاهر ما هو بداخلٍ في هذا، المقصود أنك اطلعتَ على عورةٍ من أخيك –معصية- ما تفضحه، استر عليه، أما إذا فضح نفسه: يشرب الخمر في السوق، ويُدخن في السوق، هذا فضح نفسه، حالقٌ لحيته، هذا فضح نفسه، أنت الذي فضحته؟ هو الذي فضح نفسه، نعم.

س: مثلًا وجدتُ في ساعةٍ مُتأخرةٍ من الليل رجلًا سكران في الشارع، هل آخذه وأذهب به إلى بيته؟

ج: تأخذه ..... وتنصحه وتُوجهه إلى بيته؛ لأنه خرج من دون شعورٍ.

 

باب: أعن أخاك ظالـمًا أو مظلومًا

2443- حدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا هُشيم: أخبرنا عبيدالله بن أبي بكر بن أنس، وحميد الطويل، سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالـمًا أو مظلومًا».

2444- حدثنا مسدد: حدثنا معتمر، عن حميد، عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالـمًا أو مظلومًا»، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالـمًا؟ قال: «تأخذ فوق يديه».

الشيخ: هذا في الجاهلية كان ينصر بعضُهم بعضًا: الظالم والمظلوم، يتناصرون، يقول شاعرهم:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النَّائبات على ما قال بُرهانا

ينصرون بعضهم ولو كانوا ظالمين، والنبي صلى الله عليه وسلم عدَّل هذا الكلام فقال: «انصر أخاك ظالـمًا أو مظلومًا»، وبيَّن كيف يُنصر الظالم؟ ما يُعاون على ظلمه كما تفعله الجاهلية، لا، يُمنع من الظلم، هذا نصره، تأخذ على يديه، يعني: تمنعه من الظلم، كما في اللفظ الآخر، هذا نصره، تجده يظلم إنسانًا بغير حقٍّ، أو يسبّه فتنصحه، تقول له: ما يجوز لك هذا. وإذا كان تحت يدك أخذتَ بيده ومنعتَه: ولدك يتعدى على زوجته بغير حقٍّ تمنعه، أو على أولاده بغير حقٍّ، أو على خدامه بغير حقٍّ تمنعه، تأخذ على يديه.

إنسانٌ يتعدى على الناس وتستطيع منعه فتأخذ على يديه، ولو بالنصيحة على الأقل، يغتاب الناس تنصحه، تمنعه من الظلم، يتعاطى النَّميمة تمنعه من الظلم بالنصيحة، نعم.

 

باب نصر المظلوم

2445- حدثنا سعيد بن الربيع: حدثنا شعبة، عن الأشعث بن سليم قال: سمعتُ معاوية بن سويد: سمعتُ البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبعٍ، ونهانا عن سبعٍ، فذكر: عيادة المريض، واتِّباع الجنائز، وتشميت العاطس، وردّ السلام، ونصر المظلوم، وإجابة الدَّاعي، وإبرار المقسم.

الشيخ: هذه من مكارم الأخلاق، كلها هذه السبع: اتباع الجنائز، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإبرار المقسم، يعني: إذا أقسم عليك أخوك تبرّ قسمه إذا استطعت؛ لأن فيه تطييب نفسه.

ونصر المظلوم حسب طاقتك: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، وهذا يترتب عليه من المصالح الخير العظيم، ومعلومٌ ما في اتباع الجنائز وعيادة المرضى من الخير، والمحبة، والدعاء، وتطييب القلوب، وإجابة الدعوة كذلك، ورد السلام، وإبرار القسم، كلها فيها مصالح عظيمةٌ، وتشميت العاطس، كلها فيها من الخير العظيم ما فيها، نعم.

س: نصر المظلوم مع القُدرة واجبٌ؟

ج: نعم: «انصر أخاك» بالأمر، واجبٌ.

س: إجابة الدَّاعي؟

ج: يعني: إجابة الدعوة، سواء كانت لعرسٍ، أو لغير عرسٍ، ما لم يكن فيها مُنكرٌ وأنت لا تستطيع إنكاره.

س: إذا كانت هناك مشقةٌ في إجابة دعوة العرس، يحصل فيها سهرٌ ومشقةٌ على الإنسان؟

ج: يُجيب ويرجع، ما يلزم أن يجلس، إن شاء جلس، وإن شاء يُجيب ويقول: يا أخي، سامحني. وفي اللفظ الآخر عند مسلمٍ: «فإن شاء طعم، وإن شاء ترك»، يُجيب الدعوة، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك .....، وأما إذا كان بإمكانه أن يطيب نفوسهم ويأكل فليأكل. نعم.

س: إجابة الدعوة واجبةٌ في جميع .....؟

ج: ظاهر النصوص الوجوب، وفي الحديث الصحيح: «مَن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» رواه مسلمٌ، والتخصيص بدعوة العُرس ليس عليه دليلٌ. نعم.

س: ما رواه مسلمٌ: «إذا دُعي أحدُكم فليُجب، عُرسًا كان أو غيره»؟

ج: كذلك من حديث ابن عمر، لكن أشدّ من هذا: «مَن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» رواه مسلمٌ أيضًا.

س: ردُّ السلام بـ"عليكم السلام" واجبٌ؟

ج: نعم، واجبٌ.

س: بهذا اللفظ؟

ج: نعم، وإن قال: "ورحمة الله" تقول: "وعليكم السلام ورحمة الله"، وإن قال: "وبركاته" تقول مثله: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، لا بد أن تردَّ بمثل ما قال، أو تزيد، كما قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:86] على الأقل ردُّها.

س: ورد الرسول صلى الله عليه وسلم على أم هانئ لما كان يغتسل فقال: «مرحبًا»؟

ج: مع السلام، مع رد السلام، ما هو معناه أنه اكتفى بها، ردَّ السلام وقال: «مرحبًا»، زيادةٌ زادها خيرًا.

س: وإن ترك نصر المظلوم لمظنة تجنب الإيذاء؛ لأنه ليس بمُتيقنٍ، فقط ظنٌّ؟

ج: لا، لا، ما يجوز، ينصر المظلوم بالشيء الذي يستطيع: بالحكمة، والكلام الطيب، والفعل الطيب، حسب الطاقة: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، ويترك الأوهام، الشيطان يُلقي أوهامه حتى يُثبط الناس عن تنفيذ الشرع.

 

2446- حدثنا محمد بن العلاء: حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بُردة، عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشدُّ بعضُه بعضًا»، وشبَّك بين أصابعه.

الشيخ: هذا حديثٌ عظيمٌ أيضًا: «المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشدُّ بعضُه بعضًا»، وشبَّك بين أصابعه، ومعلومٌ ما في البُنيان من تماسكٍ، وهكذا المؤمنون يجب أن يكونوا مُتماسكين، مُتعاونين على البرِّ والتقوى، صابرين، نعم.

 

 

 

باب الانتصار من الظالم

لقوله جلَّ ذكره: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء:148]، {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى:39].

الشيخ: قف على هذا.

س: أحسن الله إليك يا شيخ، امرأةٌ تقول أنها ائتُمِنَت على صدقةٍ تتصدق بها، وتقول: إنها أشارت على التي ائتمنتها بأن تتصدق بها على أرملةٍ، وهذه الأرملة ابنتها، وهي لم تُخبر المرأة أنها ابنتها التي تُريد أن تتصدق عليها، فتقول: هل يجوز لها أن تتصدق عليها ولو لم تُخبر صاحبة المال؟

ج: إذا كانت فقيرةً لا بأس؛ لأنها من أهل الصَّدقة.