أبواب ستر العورة.. باب وجوب سترها

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بحضراتكم إلى درسٍ جديدٍ من دروس "المنتقى".

ضيف اللِّقاء هو سماحة العلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء.

مع مطلع هذا اللِّقاء نُرحب بسماحة الشيخ، فأهلًا ومرحبًا يا سماحة الشيخ.

الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

المقدم:

أَبْوَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ

بَابُ وُجُوبِ سَتْرِهَا

- عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجَتِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك، قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: إنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ رَوَاهُ الْخَمْسُ إلَّا النَّسَائِيَّ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذا الباب فيما يتعلق بستر العورة، وستر العورة من شروط الصلاة، لا بدَّ من ستر العورة، وهي ما بين السرة والركبة في حقِّ الرجل، مع ستر المنكبين أو أحدهما، مع القُدرة، ومن ذلك حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال لما سأله قال: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال له ﷺ: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، فهذا يدل على وجوب حفظ العورة أينما كان الإنسانُ، إلا من زوجته أو ما ملكت يمينه؛ لأنه يُباح له جماعها، فلا حرج أن ترى عورته، ويرى عورتها، فسأله قال: الرجل يكون في الناس؟ فقال ﷺ: إن استطعتَ ألا يراها أحدٌ فلا يرينها أحد، فقال: الرجل يكون خاليًا؟ قال: الله أحقّ أن يُستحيا منه.

فالواجب على المؤمن ستر عورته، والمؤمنة كذلك، وإن كان خاليًا، إلا من زوجٍ أو زوجةٍ أو ما ملكت يمينه، هذا في كل الأوقات، في كل مكانٍ، أما في الصلاة فبصفة خاصة، يجب عليه أن يستر عورته في الصلاة أيضًا.

س: سماحة الشيخ، ما الفرق بين ستر العورة في الصلاة وخارجها؟

الشيخ: عند الأجنبي يجب ستر العورة بالنسبة للمرأة، حتى وجهها، يجب عليها ستر وجهها وكفَّيها، أما في الصلاة لا يلزمها ستر الوجه في الصلاة والكفّين كذلك، لو صلَّت مكشوفة الوجه والكفَّين فصلاتها صحيحة، والأفضل لها كشف الوجه في الصلاة، كشف الوجه في الصلاة هو الأفضل، أما اليدان فلا بأس أن تكشف كفَّيها في الصلاة، والأفضل سترهما أيضًا؛ خروجًا من الخلاف، أما عند الأجانب فليس لها كشف شيءٍ، بل يجب الستر، تستر كل بدنها: وجهها وغيره؛ لقوله جلَّ وعلا: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53]، أما الرجل فلا بأس أن يُبدي رأسه وما فوق السرة وتحت الركبة للرجال، أو يرى محارمه، لا حرج أن يرى رأسه أو ساقه، لا حرج، العورة ما بين السرة والركبة في غير الصلاة، أما في الصلاة فيستر منكبيه أو أحدهما.

س: سماحة الشيخ، لم فرّق بين الحرة والأمة في ستر العورة؟

الشيخ: هذا فيه آثار وردت قد يُحتجُّ بها على ذلك، والأقرب والله أعلم أنها تستر نفسها مثل الحرة في الصلاة، الصلاة أمرها عظيم، فالأقرب والله أعلم أنها تستر بدنها في الصلاة، ما عدا الوجه والكفَّين كالحرة؛ لعموم الأدلة.

س: بعض الرجال يلبسون بناطيل، فإذا ركعوا أو سجدوا ظهر خلف الظهر، ما حكم صلاة هؤلاء؟

الشيخ: إذا كان الخارجُ ما فوق السرة ما يضرّ، من الظهر ما يضرّه، ما يضره في الصَّلاة.

س: بالنسبة للثياب الخفيفة ما حكم الصلاة فيها؟

الشيخ: إذا كانت لا تستر العورة ما تجوز الصلاة فيها، أما إذا كانت تستر العورة ولا تبين منها عورة، ولو كانت خفيفةً إذا كانت ساترةً.

س: سماحة الشيخ، إذا كان الشخصُ يلبس ثوبًا خفيفًا وسروالًا طويلًا، هل يكفي ذلك؟ مع العلم بأنه إذا سجد يكون هناك فاصل بين السِّروال والفانلة؟

الشيخ: إذا كانت الفانلة ترتفع فوق السرة ما يضرّه، العورة بين السرة والركبة، أما إذا كان ينكشف منه شيء تحت السرة ما تصح الصلاة، يجب أن يكون ساترًا لما تحت السرة وفوق الركبة، سواء بالسَّراويل أو بالإزار.

س: بالنسبة لفسخ الثياب كاملة في دورة المياه وفي الحمامات؟

الشيخ: لا حرج؛ لأنه مباح له كشف العورة، لكن إذا انتهى من قضاء الحاجة يلبس ثوبه ويتوضأ.

 

بَابُ بَيَانِ الْعَوْرَةِ وَحَدِّهَا

- عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُبْرِزْ فَخِذَك، وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.

- وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَعْمَرٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ، فَقَالَ: يَا مَعْمَرُ، غَطِّ فَخِذَيْكَ؛ فَإِنَّ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةٌرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي "تَارِيخِهِ".

- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْفَخِذُ عَوْرَةٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَفَخِذُهُ خَارِجَةٌ، فَقَالَ: غَطِّ فَخِذَيْكَ؛ فَإِنَّ فَخِذَ الرَّجُلِ مِنْ عَوْرَتِهِ.

- وَعَنْ جَرْهَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ، وَقَدِ انْكَشَفَتْ فَخِذِي، فَقَالَ: غَطِّ فَخِذَكَ؛ فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأ"، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ.

الشيخ: كل هذه الأحاديث تدل على وجوب ستر الفخذ، وأنه عورة، يشدّ بعضها بعضًا، وإن كان في بعضها ضعفٌ، لكن يشدّ بعضُها بعضًا، ويتقوى بعضُها ببعضٍ، وتدل على وجوب ستر الفخذين وأنهما عورة.

س: الراجح في إظهار الفخذ، نرجو بيان الراجح في ذلك؟

الشيخ: مثلما تقدم: الفخذ عورة، أما ما يُروى أنه كشف فخذه يوم خيبر فهذا والله أعلم منسوخ؛ لأن الأحاديث التي دلَّت على أنَّ الفخذ عورة كثيرة يشدّ بعضُها بعضًا.

س: هل يُفرق بين كبار السن وصغار الشَّباب؟

الشيخ: لا، عام للجميع: للشباب والشيبان.

 

بَابُ مَنْ لم يَرَ أنَّ الْفَخِذَ مِنَ الْعَوْرَةِ وَقَالَ: هِيَ السَّوْأَتَانِ فَقَطْ

- عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا كَاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَأَرْخَى عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، فَلَمَّا قَامُوا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَأَذِنْتَ لَهُمَا وَأَنْتَ عَلَى حَالِكَ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ أَرْخَيْتَ عَلَيْكَ ثِيَابَك؟! فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَلَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ وَاللَّهِ إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَسْتَحْيِي مِنْهُ؟ رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَرَوَى أَحْمَدُ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ. وَفِيهِ: فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ تَجَلَّلَ بِثَوْبِهِ.

- وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إنِّي لَأَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ فَخِذِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ وَقَالَ: حَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدَ أَحْوَطُ.

الشيخ: هذا هو المعتمد: أنَّ الواجب ستر الفخذين؛ لكثرة الأحاديث في ذلك؛ ولأنها وسيلة إلى انكشاف العورة، وأما حديث أنسٍ في قصة خيبر فالظاهر والله أعلم أنه منسوخ؛ لأنه إنما يُؤخذ بالآخر فالآخر من أفعاله وأقواله عليه الصلاة والسلام، وأما كشفه فخذيه عند أبي بكر وعمر فالراجح أنهما الركبتان، ليس الفخذين، وإنما كان كاشفًا ركبتيه، فلما دخل عثمانُ سترهما، المقصود أنَّ الصواب أنَّ الفخذ عورة، وأن كشفه لفخذيه في خيبر منسوخ، بدليل الأحاديث الأخيرة التي تكاثرت عنه عليه الصلاة والسلام، ويشدّ بعضُها بعضًا.

س: سماحة الشيخ، ما الجمع بين الرِّوايات التي تمنع من إبراز الفخذ والأخرى المجيزة لإظهاره؟

الشيخ: مثلما تقدم: يجب ستر الفخذين؛ لأنها هي المتأخرة، فتكون ناسخةً لما قبلها.

 

بَابُ بَيَانِ أَنَّ السُّرَّةَ وَالرُّكْبَةَ لَيْسَتَا مِنَ الْعَوْرَةِ

- عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَاعِدًا فِي مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ، فَكَشَفَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، أَوْ رُكْبَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ غَطَّاهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

- وَعَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَلَقِيَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَرِنِي أُقَبِّلْ مِنْكَ حَيْثُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ، فَقَالَ بِقَمِيصِهِ فَقَبَّلَ سُرَّتَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

- وَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عمر قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ، فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ، وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْرِعًا، قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، قَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا؛ هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمْ يَقُولُ: انْظُرُوا إلَى عِبَادِي قَدْ صَلَّوْا فَرِيضَةً، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

- وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ، فَسَلَّمَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.

الشيخ: كل هذه تدل على أنَّ الركبة ليست عورةً، ولا خارج العورة، وإنما العورة الفخذ وما تحت السرة، وهكذا ما حصل من تقبيل سرة الحسن، كل هذا يدل على أنها ما هي بعورةٍ، المقصود العورة: ما بين السرة والركبة، وما حولهما وسيلة إلى العورة؛ ولهذا جاءت الشريعةُ بسدِّ الذَّرائع، فستر ما بين السرة والركبة من باب سدِّ الذَّريعة لحفظ العورة.

س: سماحة الشيخ حفظكم الله، الحقيقة أنَّ طلاب العلم يحتاجون إلى قاعدةٍ هامَّةٍ يا سماحة الشيخ، وهي أنه إذا جاءت نصوص ظاهرها التَّعارض، أو كون النص له أكثر من مفهومٍ، لعل لسماحة الشيخ تعليق؟

الشيخ: نعم، يجب على طالب العلم أن ينظر في الأحاديث، وينظر في كثرتها، والمتأخر منها عند التَّعارض؛ حتى يُقدم ما يستحق التقديم: إما بالنسخ، وإما بالترجيح، إن كان الجمعُ جمع بينهما، وإلا فالنسخ، فالأخير ينسخ المتقدم، هذا هو المعتمد، أما إذا أمكن الجمعُ جمع بينهما: إما بجعل أحدهما خاصًّا، والآخر عامًّا، أو أحدهما مُطلقًا، والآخر مُقيدًا، هذا أمر معلوم، مثل: حديث أنَّ الصلاة يُبطلها الحمار والمرأة والكلب. وفي اللفظ الآخر: الكلب الأسود. فرواية الأسود تُقيد الرواية الأخرى، فهذا من باب الجمع بينهما بتقييد المطلق بالمقيد، وكذلك المرأة الحائض تدل على أن الصغيرة لا تُبطل الصلاة، وإنما هي المرأة المكلَّفة.

بَابُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا

- عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ.

- وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ: أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

- وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُر اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا، فقَالَتْ: إذَنْ تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ، فقَالَ: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ: أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلْنَهُ عَنِ الذَّيْلِ، فَقَالَ: اجْعَلْنَهُ شِبْرًا، فَقُلْنَ: إنَّ شِبْرًا لَا يَسْتُرُ مِنْ عَوْرَةٍ، فَقَالَ: اجْعَلْنَهُ ذِرَاعًا.

الشيخ: هذه الأحاديث تدل على أنَّ المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفَّيها؛ لقوله ﷺ: لا يقبل اللهُ صلاةَ امرأةٍ حائضٍ إلا بخمارٍ، ولم يذكر صلةَ الوجه والكفَّين، فدلَّ ذلك على أنه لا بدَّ من ستر الرأس والبدن، وهكذا في حديث أم سلمة: إذا كان الدِّرعُ سابغًا يُغطي ظهور قدميها.

وحديث أم سلمة اختُلف في رفعه ووقفه، والمشهور عند الأئمة وقفه على أم سلمة رضي الله عنها، وهكذا قوله ﷺ: يُرخين شبرًا دلَّ على أنَّ قدميها عورة، أما الوجه والكفَّان فلا حرج على الصحيح، تكشف وجهها لا حرج، والكفَّان إذا غطتهما فحسن، وإلا فلا حرج.

س: هل صحيح أنَّ المرأة المسلمة يلزمها أن تتحجب عن النِّساء الكافرات؟

الشيخ: الصواب لا يلزمها ذلك، لا تحتجب عن محارمها، ولا عن النساء: مسلمات أو كافرات، وكانت اليهوديات يدخلن على نساء النبي ﷺ ولم يحتجبن عنهن.

س: حفظكم الله، تسأل كثير من الأخوات عن القدمين والكفَّين في الصَّلاة؟

الشيخ: الكفَّان الأفضل سترهما، وإن كشفت كفَّيها فلا حرج كما ذكر المؤلفُ رحمه الله، أما القدمان فالواجب سترهما: إما بالخفَّين، أو بالجوربين، أو بإرخاء القميص حتى يُغطي قدميها.

س: ظهرت ألبسةٌ في وقتنا الحاضر مشقوقة من تحت، مما يُظهر الساق بالنسبة للمرأة، وهذا أمر مُشتهر عند النِّساء؟

الشيخ: هذا لا يجوز، يجب أن تكون مستورة السَّاق والقدمين، هذا يجب على المرأة، أما الوجه والكفَّان فلا بأس، أما الوجه والكفَّان فلا حرج، أما رأسها وقدماها وساقها فالواجب سترها.

 

بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَجْرِيدِ الْمَنْكِبَيْنِ فِي الصَّلَاةِ

إلَّا إذَا وَجَدَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَحْدَهَا

- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَلَكِنْ قَالَ: "عَلَى عَاتِقَيْهِ"، وَلِأَحْمَدَ اللَّفْظَانِ.

- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بِطَرَفَيْهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَزَادَ: "عَلَى عَاتِقَيْهِ".

- وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إذَا صَلَّيْتَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ.

وَفِي لَفْظٍ لَهُ آخَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذَا مَا اتَّسَعَ الثَّوْبُ فَلْتُعَاطِفْ بِهِ عَلَى مَنْكِبَيْك، ثُمَّ صَلِّ، وَإِذَا ضَاقَ عَلى ذَلِكَ فَشُدَّ بِهِ حَقْوَيْكَ، ثُمَّ صَلِّ مِنْ غَيْرِ رِدَاءٍ.

الشيخ: هذه الأحاديث تدل على وجوب ستر العاتقين أو أحدهما؛ لقوله ﷺ: لا يُصلي أحدُكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء متفق على صحَّته، أما إن كان عاجزًا، ما عنده إلا ثوب واحد فلا حرج: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، يتَّزر به والحمد لله، أما إذا كان عنده سعة، والثوب طويل بحيث ..... طرفيه على عاتقيه أو أحدهما، فيجب عليه ذلك، أو يجعل رداءً على عاتقيه، والإزار على نصفه الأسفل، يجمع بينهما: يرتدي ويتَّزر، هذا مع القُدرة، أما إذا عجز ولم يجد إلا إزارًا فقط: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، يُجزئه والحمد لله.

س: سماحة الشيخ، بالنسبة للمُحرم يسقط رداؤه وهو يُصلي، وأحيانًا ينزل الإزار إلى ما تحت السرة، ما حكم الصلاة والحالة كذلك؟

الشيخ: لا بدّ عليه أن يُلاحظ ذلك، والشيء اليسير يُعفا عنه، لكن يُلاحظ: كلما نزل يُعدله، لا يتساهل، على كتفيه، أو على أحدهما، والإزار كذلك يُلاحظه، والشيء الذي يقع للإنسان ولا يطول -شيء قليل- يُعفا عنه إن شاء الله.

س: سماحة الشيخ، الفرق بين الالتحاف والاتِّزار؟

الشيخ: الاتِّزار من النِّصف الأسفل، والالتِحاف على الكتفين، يجعله على كتفيه، والاتزار على نصفه الأسفل، وهو الإزار.

بَابُ مَنْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ غَيْرِ مُزَرَّرٍ تَبْدُو مِنْهُ عَوْرَتُهُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ

- عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَكُونُ فِي الصَّيْدِ وَأُصَلِّي وَلَيْسَ عَلَيَّ إلَّا قَمِيصٌ وَاحِد،ٌ قَالَ: فَزُرَّهُ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ إلَّا شَوْكَةً رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.

- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ حَتَّى يَحْتَزِمَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.

- وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَبَايَعْنَاهُ، وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ فَأَدْخَلْتُ يَدِي مِنْ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ.

قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ وَلَا أَبَاهُ فِي شِتَاءٍ وَلَا حَرٍّ إلَّا مُطْلِقَيْ أَزْرَارهمَا، لَا يُزَرِّرَانِ أَبَدًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.

الشيخ: هذه الأحاديث تدل على وجوب العناية بستر العورة، وأنه إذا كان الثوبُ قد ينحسر عن العورة يضبطه ويحزمه: كالإزار يضبطه حتى لا ينحسر، وكذا الرداء على كتفيه يضبطه بيديه حتى لا ينحسر، وإذا لم يزر قميصه بعض الأحيان لا حرج في ذلك، إذا كان من حرٍّ أو نحوه وأطلق الأزرار، وهو لا تنكشف العورة؛ بأن كان الجيبُ رفيعًا لا تنكشف العورة فلا حرج، فإنَّ الإنسان قد يحتاج إلى إطلاق الأزرار في حرٍّ أو غيره، فلا حرج في ذلك؛ لفعله عليه الصلاة والسلام، وإن زرَّه فهو أفضل؛ لأمره ﷺ لسلمة بأن يزره ولو بشوكةٍ.

فإذا دعت الحاجةُ إلى الإزرار زره ولو بشوكةٍ، وإذا دعت الحاجةُ إلى إطلاقه لحرٍّ أو غيره فلا حرج في ذلك، لكن يجب أن يُلاحظه عند الصلاة: أن يزره حتى يستر عورته؛ حتى لا ينحسر، وهكذا الإزار يربطه حتى لا ينزل.

س: مَن صلَّى في قميصٍ غير مُزرر الصلاة تكون ..؟

الشيخ: إذا كان لا تبدو فيه العورة لا بأس، أما إذا كانت تبدو العورة لا بدَّ أن يزره حتى لا تبدو العورة.

بَابُ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبَيْنِ وَجَوَازِهَا فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ

- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ: لكلٍّ منكم ثَوْبَانِ؟! رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.

زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا: جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إزَارٍ وَقَبَاء، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاء، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاء، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ.

الشيخ: إذا لم يتيسر ما يستر العورة كلها اكتفى بالإزار والسَّراويل، أما إذا استطاع أن يستر كتفيه أو أحدهما فإنه يلزمه كما تقدم في الأحاديث، وإذا كان الثوبُ طويلًا جعل بعضَه إزارًا، وبعضه رداءً على كتفيه أو أحدهما، فإن لم يتيسر ذلك فالله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، صلَّى في إزاره أو سراويله.

ومثلما قال عمر: إذا وسَّع الله فوسِّعوا. فإذا تيسر أن يُصلي في إزارٍ ورداءٍ، في قميصٍ، إلى غير هذا فلا بأس، إذا وسَّع الله وسعوا، لكن إذا كانت المشقة والعجز أجزأه الإزار فقط، أو السراويل فقط؛ لأنَّ الله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، أما إذا قدر فإنه يُغطي كتفيه أو أحدهما؛ لقوله ﷺ: لا يُصلي أحدُكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء.

والواجب الجمع بين الأحاديث وعدم ضرب بعضها ببعضٍ، الواجب أن يجمع بين الأحاديث بالطرق الشرعية، فإن أحاديث الرسول ﷺ لا تتخالف ولا تضطرب، ولكن يُفسر بعضُها بعضًا، فمع القدرة يستر كتفيه أو أحدهما، ومع العجز يكفيه الإزار والسَّراويل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.

- وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

- وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

الشيخ: وهذا هو الواجب كما تقدم: التوشح، يتوشح به، يعني: يُلقي طرفيه على عاتقيه مع القُدرة، أما إذا كان الثوبُ صغيرًا، وليس عنده شيء سواه، أجزأه أن يستر به العورة، أن يكون إزارًا، أما إذا كان طويلًا ألقى طرفيه على عاتقيه كما فعله النبيُّ ﷺ، وعملًا بالحديث: لا يُصلِّ أحدُكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، فيجب الجمع بين الأحاديث، وأن يُفسر بعضُها ببعضٍ، ولا يضرب بعضُها ببعضٍ.

المقدم: بقيت في الحقيقة جملة من الأسئلة حول هذا الباب، نستأذن سماحة الشيخ أن نجعلها في الحلقة القادمة إن شاء الله.

شكر الله لسماحة الشيخ على ما بيَّن لنا في هذا اللِّقاء، وفي هذا الدَّرس الطيب المبارك من دروس "المنتقى".