تفسير قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ..} (2)

قال ابنُ أبي حاتم: حدثنا سهل بن يحيى العسكري: حدثنا عبدالرحمن بن صالح: حدثنا علي بن عابس، عن عبدالله بن عطاء المكي، عن أبي حرب ابن أبي الأسود قال: أرسل الحجاجُ إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنَّك تزعم أنَّ الحسن والحسين من ذُرية النبي ﷺ، تجده في كتاب الله، وقد قرأتُه من أوَّله إلى آخره فلم أجده؟! قال: أليس تقرأ سورة الأنعام: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ حتى بلغ: وَيَحْيَى وَعِيسَى [الأنعام:84-85]؟ قال: بلى. قال: أليس عيسى من ذُرية إبراهيم وليس له أبٌ؟ قال: صدقتَ.

فلهذا إذا أوصى الرجلُ لذُريته، أو وقف على ذُريته، أو وهبهم، دخل أولادُ البنات فيهم، فأمَّا إذا أعطى الرجلُ بنيه، أو وقف عليهم، فإنَّه يختصّ بذلك بنوه لصُلبه وبنو بنيه.

واحتجُّوا بقول الشاعر العربي:

بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأجانب

وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضًا؛ لِمَا ثبت في "صحيح البخاري": أنَّ رسولَ الله ﷺ قال للحسنِ بن عليٍّ: إِنَّ ابْنِي هذا سيِّدٌ، ولعلَّ الله أن يُصْلِحَ به بين فِئَتَيْنِ عظيمتين من المسلمين، فسمَّاهُ: ابْنًا، فدلَّ على دخوله في الأبناءِ.

وقال آخرون: هذا تَجَوُّزٌ.

الشيخ: المقصود من هذا كلِّه أنَّ الذُّرية تشمل أولاد البنين وأولاد البنات: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إلى أن قال: وَعِيسَى، فعيسى إنما هو من ذُريته من جهة مريم، وليس له أبٌ عليه الصلاة والسلام، فإذا أوصى أو أوقف على الذُّرية: المحتاج منهم، أو فقيرهم، دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات جميعًا، أما أن يخصّ البنين فلا يجوز أن يخصّ البنين؛ لأنَّ هذا حيفٌ، والرسول يقول: اتَّقوا الله واعدلوا بين أولادكم، فليس له أن يُوقف على البنين دون البنات، أو على بني البنين، بل يعمّ الجميع، إذا أراد الوقف يقول: ذُريتي، أو أولادي: ذكورهم وإناثهم.

والأفضل أن يقول: للمُحتاج الفقير. حتى لا يظن أنَّه إرثٌ ويُعاملون معاملة الورثة، بل يقول: هذا وقفٌ في وجوه البرِّ وأعمال الخير، ويُعطى منه ذُريتي أو أولادي ومَن يحتاج، أو يُعطى الفقير من ذُريتي وأولادي. أو ما أشبه ذلك، حتى لا يظنّ ظانٌّ أنه إرثٌ، وأنهم يُعاملون معاملة الورثة، فينبغي أن يُصرح أنهم إنما يُعطون إذا احتاجوا، افتقروا، نعم.

س: يدخل فيه بنو البنين وبنو البنات وإن نزلوا؟

ج: نعم، وإن نزلوا، إلا أن يقول: الأقرب فالأقرب. فإن قال: الأقرب فالأقرب، خصّ الأقرب فالأقرب، الطبقة الأولى، ثم الطبقة الثانية، ثم الطبقة الثالثة، وهكذا، إذا قال: هذا للمُحتاج من ذُريتي الأقرب فالأقرب. يخصّ الأقرب فالأقرب.

س: ......... الأحفاد؟

ج: الأحفاد والأسباط، كلهم، نعم، لكن لا يخصّهم باسم الذُّرية أو الأولاد، بل يقول: المحتاج والفقير منهم. حتى لا يكون هناك حيفٌ، والورثة لا يُوصى لهم، الورثة يكفيهم ما قسم اللهُ لهم من الإرث.

س: إذا قال: لكل مَن أراد أن يُنهي دراسته. مع أنَّ أولاده أغنياء، هل له ذلك؟

ج: الذي يظهر أنَّه ليس له ذلك، سواء دراسة، أو غيرها، إنما يُوصي للفقراء والمساكين والمحتاجين، وإذا قال: لطلبة العلم منهم الفُقراء، طلبة العلم الفُقراء لا بأس.

س: إذا أوقف مزرعةً على أضحية له، فباقي المال؟

ج: يُصرف في وجوه البرِّ وأعمال الخير.

س: يعني: ما يُقسم على الورثة؟

ج: لا، إذا أوقفه في أضحيةٍ فالباقي يُوزع في وجوه الخير وأعمال الخير.

وقوله: وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ [الأنعام:87] ذكر أصولهم، وفروعهم، وذوي طبقتهم، وأنَّ الهداية والاجتباء شملهم كلَّهم؛ ولهذا قال: وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:87].

ثم قال تعالى: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [الأنعام:88] أي: إنَّما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إيَّاهم.

وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] تشديدٌ لأمرِ الشِّرك، وتغليظٌ لشأنه، وتعظيمٌ لملابسته، كقوله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الآية [الزمر:65]، وهذا شرطٌ، والشَّرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81]، وكقوله: لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:17]، وكقوله: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الزمر:4].

الشيخ: والمقصود من هذا قوله جلَّ وعلا: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ، ما هو معناه: تجويز وقوع الشِّرك منه، إنما هذا شرطٌ يُبين حكمه أنَّه لو وقع لكان الحكمُ كذا، وإلا فقد عصمه اللهُ من ذلك، وعافى الأنبياء من ذلك وعصمهم .....، وجعلهم خير الناس، وأفضل الناس عليهم الصلاة والسلام.

وقوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ [الأنعام:89] أي: أنعمنا عليهم بذلك رحمةً للعباد بهم، ولطفًا منَّا بالخليقةِ، فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا [الأنعام:89] أي: بالنُّبوَّة، ويُحتمل أن يكون الضَّميرُ عائدًا على هذه الأشياء الثَّلاثة: الكتاب والحكم والنُّبُوَّة.

وقوله: هَؤُلَاءِ يعني: أهلَ مكَّة. قاله ابنُ عبَّاسٍ، وسعيد بن المسيَّب، والضَّحاك، وقتادة، والسدي، وغير واحدٍ.

فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89] أي: إنْ يكفُرْ بهذه النِّعَم مَن كفر بها من قريشٍ وغيرهم من سائر أهل الأرضِ من عربٍ وعجمٍ، ومِلِّيين وكتابيِّين: فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا آخرين، أي: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أي: لا يجحدون منها شيئًا، ولا يردُّون منها حَرْفًا واحدًا، بل يؤمنون بجميعها: مُحْكَمِها وَمُتَشَابِهِهَا، جعلنا اللهُ منهم بِمَنِّه وكرمه وإحسانه.

ثمَّ قال تعالى مُخَاطِبًا عبدَه ورسولَه مُحَمَّدًا ﷺ: أُولَئِكَ يعني: الأنبياء المذكورين مع مَن أُضِيفَ إليهم من الآباء والذُّرِّيَّة والإخوانِ، وهم الأشباه: الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [الأنعام:90] أي: هم أهل الهدى لا غيرهم، فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90] أي: اقْتَدِ وَاتَّبِعْ، وإذا كان هذا أمرًا للرَّسول ﷺ، فَأُمَّتُهُ تَبَعٌ له فيما يُشَرِّعُهُ وَيَأْمُرُهُمْ به.

قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا هشام: أنَّ ابن جُريج أخبرهم قال: أخبرني سليمانُ الأحولُ: أنَّ مُجاهدًا أخبره: أنَّه سأل ابنَ عبَّاسٍ: أفي (ص) سجدةٌ؟ فقال: نعم. ثمَّ تلا: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إلى قوله: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:84-90]، ثم قال: هو منهم.

زاد يزيدُ بن هارون ومحمدُ بن عبيد وسهلُ بن يوسف، عن العوام، عن مجاهد: قلتُ لابن عباسٍ، فقال: نَبِيُّكُم ﷺ ممن أُمِرَ أن يَقْتَدِي بهم.

الشيخ: ومن هذا أخذ العلماء أنَّ شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يأتِ شرعنا بخلافه، فلمَّا سجد داود سجد نبيُّ الله في (ص) عليه الصلاة والسلام. نعم.

وقوله تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا [الأنعام:90] أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إيَّاكم هذا القرآن أَجْرًا أي: أُجْرَةً، ولا أريد منكم شيئًا، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ [الأنعام:90] أي: يتذكَّرون به، فيُرشدوا من الْعَمَى إلى الهُدَى، ومن الغَيِّ إلى الرَّشَادِ، ومن الكفر إلى الإيمان.

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:91].

الشيخ: بركة.

س: إذا أوقف على المحتاج من ذُريته، وفيهم ذكور وإناث، فهل يقسم بينهم قسمة ميراث، أو بالسوية؟

ج: على حسب الحاجة، نعم.

س: دخول أبناء البنات؟

ج: نعم، داخلون، الصواب أنهم داخلون على حسب الحاجة، يُعطى لفُقرائهم ومُحتاجيهم.

س: ..............؟

ج: يُساوي بينهم في العطيّة.