04 من قوله: ( وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ..)

[فصل] اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا أرسل كلبا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه: هل يحل أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4]، وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم، وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي رحمه الله، وصححه بعض المتأخرين منهم كالنووي والرافعي.
قلت: وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإنه قال في كلا الموضعين: يحتمل معنيين، ثم وجه كلا منهما فحمل ذلك الأصحاب منه، فأطلقوا في المسألة قولين عنه، اللهم إلا أنه في بحثه للقول بالحل رشحه قليلا، ولم يصرح بواحد منهما، ولا جزم به، والقول بذلك -أعني الحل- نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه، ولم يذكر غير ذلك.
وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، وهذا غريب جدا، وليس يوجد ذلك مصرحا به عنهم، إلا أنه من تصرفه رحمه الله ورضي عنه.
الشيخ: قول ابن كثير رحمه الله في ابن جرير ليس بجيد، فلما جزم بذلك عنهم دل على أنه روى عنهم روى بالأسانيد، ولكنه لم يذكره في المكان الذي ذكر فيه، فحمله على ما هو معروف من ثقته وإمامته هو المتعين، وما جزم بذلك عنهم وجب أن يحسن به الظن وأن يقال فيه ما يليق به، وأنه روى ذلك عنهم فلهذا جزم به عنهم، أما القول بأنه من تصرفه فقط بهذا الإطلاق فهذا من المؤلف ليس بجيد، ولا يليق بمقام ابن جرير ونحوه.
............
والقول الثاني: أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي رحمه الله واختاره المزني، ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضا، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وهذا القول أشبه بالصواب، والله أعلم.
الشيخ: وهذا ... من كلامه السابق، والذي قال أنه أشبه بالصواب ليس هو الأشبه بالصواب بل هو الأشبه بالخطأ، والصواب ما قاله ابن جرير والصحابة، ما دل عليه الحديث الصحيح إن وجدته قتيلاً فكله، فإن أخْذ الكلب ذكاته، هذا هو الأرجح والأشبه بالصواب، بل هو عين الصواب.
لأنه أجرى على القواعد الأصولية، وأمس بالأصول الشرعية، واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج.
الشيخ: الصواب خلاف ذلك، الصواب أنه يحل مطلقًا كما ذكره ابن جرير لصحة الحديث في ذلك.
واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج، قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ قال ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه الحديث بتمامه، وهو في الصحيحين. وهذا وإن كان واردا على سبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ عند الجمهور من العلماء في الأصول والفروع، كما سئل عليه السلام عن البِتع، وهو نبيذ العسل فقال كل شراب أسكر فهو حرام. أفيقول فقيه: إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل؟ وهكذا هذا، كما سألوه عن شيء من الذكاة، فقال لهم كلاما عاما يشمل ذاك المسؤول عنه وغيره لأنه عليه السلام كان قد أوتي جوامع الكلم، إذا تقرر هذا، فما صدمه الكلب أو غمه بثقله ليس مما أنهر دمه، فلا يحل لمفهوم هذا الحديث.
فإن قيل: هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء، لأنهم إنما سألوه عن الآلة التي يذكى بها، ولم يسألوه عن الشيء الذي يذكى، ولهذا استثنى من ذلك السن والظفر حيث قال: ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه، وإلا لم يكن متصلا، فدل على أن المسؤول عنه هو الآلة، فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم.
فالجواب عن هذا: بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضا، حيث يقول ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ولم يقل: فاذبحوا به، فهذا يؤخذ منه الحكمان معا، يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها، وحكم المذكى وأنه لا بد من إنهار دمه بآلة ليست سنا ولا ظفرا، هذا مسلك.
والمسلك الثاني: طريقة المزني، وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل، وإن خزق فكل، والكلب جاء مطلقا، فيحمل على ما قيد هناك من الخزق لأنهما اشتركا في الموجب وهو الصيد، فيجب الحمل هنا وإن اختلف السبب، كما وجب حمل مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل، بل هذا أولى، وهذا يتوجه له على من يسلم له أصل هذه القاعدة من حيث هي، وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة، فلا بد لهم من جواب عن هذا.
وله أن يقول: هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل قياسا على ما قتله السهم بعرضه، والجامع أن كلا منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما، ولا يعارض ذلك بعموم الآية، لأن القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضا.
مسلك آخر: وهو أن قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4] عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو إما أن يكون نطيحا أو في حكمه، أو منخنقا أو في حكمه، وأيا ما كان، فيجب تقديم هذه الآية على تلك الوجوه:
.........
أحدها: أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد حيث يقول لعدي بن حاتم: وإن أصابه بعرضه، فإنما هو وقيذ فلا تأكله ولم نعلم أحدا من العلماء فصل بين حكم وحكم من هذه الآية، فقال: إن الوقيذ معتبر حالة الصيد، والنطيح ليس معتبرا، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقا للإجماع لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء.
الشيخ: والجواب عن هذا أن من قتله الكلب ليس نطيحة، النطيحة هي ما تناطح من العنزان أو الثوران أو ما أشبه ذلك فيقتل أحدهما الآخر، هذا حرام نطيحة، أما ما أمسكه الكلب حتى مات فليس داخلاً في هذا، الرسول ﷺ قال: وإن وجدته قد قتله فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته ما قال جرح الكلب، قال: فإن أخذ الكلب ذكاته، فهذا مخصص للآية وليس من الوقيذ في شيء... وأما صيد الكلب، فيحل إذا قتل، سواء كان قتل الكلب له ... أو جرحه أو بأي حال كان، الرسول لم يفصل، وقد أعطاه الله جوامع الكلم، وأعطاه الفصاحة الواضحة الكاملة والبيان الكامل والنصح الكامل، فلما قال: فإن وجدته قد قتله فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته، دل على أن الكلب سواء قتله بجرح وعض حتى خرج منه الدم أو قتله بعض من دون خروج الدم.
...........
س: وآثار اللعاب؟
الشيخ: معفو عنه، في الصيد معفو عنه.
الثاني أن تلك الآية فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4] ليست على عمومها بالإجماع بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق، والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ.
المسلك الآخر: أن هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء، لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياسا على الميتة.
المسلك الآخر: أن آية التحريم، أعني قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3] إلى آخرها، محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:4]، فينبغي أن لا يكون بينهما تعارض أصلا، وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إذا خزقه المزراق فيكون حلالا، لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إذا أصابه بعرض فلا يؤكل، لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا سواء إن كان قد جرحه الكلب، فهو داخل في حكم آية التحليل، وإن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله، فهو نطيح أو في حكمه، فلا يكون حلالا.
فإن قيل: فلم لا فصل في حكم الكلب، فقال: ما ذكرتم إن جرحه فهو حلال، وإن لم يجرحه فهو حرام؟
فالجواب أن ذلك نادر، لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معا، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة.
وأما السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه، أو للهو أو لنحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إصابته، فلهذا ذكر كلا من حكميه مفصلا، والله أعلم، ولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه قد يأكل من الصيد ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال إن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه وهذا صحيح ثابت في الصحيحين.
وهو أيضا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي، وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه، وروى ابن جرير في تفسيره عن علي وسعيد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس: أن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعيد وسلمان وأبو هريرة وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة.
الطالب: عندنا سعد بدل سعيد.
الشيخ: الأقرب والله أعلم أنه سعد يعني سعد بن مالك بن أبي وقاص يعني. يراجع ابن جرير حط عليه إشارة.
عن علي وسعد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس: أن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعد وسلمان وأبو هريرة وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إلى قولين، قال ذلك الإمام أبو نصر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه.
وقد روى أبو داود بإسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله ﷺ أنه قال في صيد الكلب إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك ورواه أيضا النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، فذكر نحوه.
الشيخ: ضعيف؛ لأنه شاذ، مخالف للأحاديث الصحيحة فإن الذي في الصحيحين من حديث عدي: فإن أكل كلبك فلا تأكل فإنه إنما أمسك على نفسه، ما أمسك لصاحبه وما في الصحيحين لا يعارض بمثل ما رواه ابن جرير أو غير ابن جرير شذ به عن الصحيح، القاعدة أن ما صح سنده إذا خالف ما هو أقوى منه يكون شاذًا ولا يعول عليه، ثم العلة التي بينها النبي ﷺ واضحة في ذلك وهو يدل على نكارة قوله: وكل ما ردت عليك يدك فإن هذا ..... فإن يده قد ترد عليه أشياء لا تحل له، فالحديث هذا منكر المتن شاذ من حيث القواعد الأصولية فلا يصح، فمتى أكل منه الكلب فإنه لا يؤكل بل يترك .
س:....؟
الشيخ: جاء هذا وجاء هذا، فإنه هو المتيقن قد يكون حمله الجوع لا الإمساك على غيره، وقد يكون أمسكه لنفسه، وفي الرواية الأخرى: فإنما إنما أمسكه لنفسه باليقين.
وقال محمد بن جرير في تفسيره: حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبدالعزيز بن موسى هو اللاحوني،
الشيخ: كذا عندكم؟
الطالب: اللاجوني
الشيخ: حط عليه إشارة.
الطالب: موجود اللاجوني خطأ والصواب اللاحوني بالمهملة لا بالجيم عبد العزيز بن موسى بن روح اللاحوني أبو روح البهراني صدوق من العاشرة أخرج له النسائي.
الشيخ: حط نسخة.
الطالب: ضبطه في التقريب: عبد العزيز بن موسى بن روح اللاحوني بضم المهملة أبو روح البهراني.
الشيخ: الذي عنده اللاهوني .....
حدثنا محمد بن دينار هو الطاحي عن أبي إياس وهو معاوية بن قرة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب، عن سلمان موقوفا.
وأما الجمهور فقدموا حديث عدي على ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره، وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه فطال عليه الفصل ولم يجيء، فأكل منه لجوعه ونحوه فإنه لا بأس بذلك، لأنه والحالة هذه لا يخشى أنه إنما أمسك على نفسه بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة، فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم.
الشيخ: وهذا التفسير لا دليل عليه، ولا يتلفت إليه والصواب أنه يحرم متى أكل منه.
فأما الجوارح من الطيور فنص الشافعي على أنها كالكلب، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه، وأيضا فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد فيعفى عن ذلك، وأيضا فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير.
وقال الشيخ أبو علي في «الإفصاح»: إذا قلنا: يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان، وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب لنص الشافعي رحمه الله، على التسوية بينهما، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما المتردية: فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال، فتموت بذلك، فلا تحل، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المتردية التي تسقط من جبل.
س:.....؟
الشيخ: الصواب لا، لأنها ما تنضبط إلا بهذا، ما تقاس على الكلب.
وقال قتادة: هي التي تتردى في بئر. وقال السدي: هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر.
وأما النطيحة: فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها، والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، أي منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون: عين كحيل، وكف خضيب، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة: إنما استعمل فيها تاء التأنيث، لأنها أجريت مجرى الأسماء كما في قولهم: طريقة طويلة، وقال بعضهم: إنما أتي بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة بخلاف عين كحيل، وكف خضيب، لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام.
وقوله تعالى: وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ [المائدة:3] أي ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب، فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين.
وقوله إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3] عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ [المائدة:3] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3] يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح فكلوه، فهو ذكي، وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي في الآية قال: إن مصعت بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها، فكل.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم: حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد، قالا: حدثنا حجاج عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها.
وهكذا روي عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد: أن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح، فهي حلال، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل.
قال ابن وهب: سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها، فقال مالك: لا أرى أن تذكي، أي شيء يذكى منها؟ وقال أشهب: سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدق ظهره، أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال: إن كان قد بلغ السحرة فلا أرى أن يؤكل، وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأسا، قيل له: وثب عليه فدق ظهره؟ فقال: لا يعجبني هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء؟ فقال: إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل، هذا مذهب مالك رحمه الله.
وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك رحمه الله من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها فيحتاج إلى دليل مخصص للآية، والله أعلم.
الشيخ: والصواب ما قاله الجمهور في هذا، أنها متى حركت ذنبها أو رجلها أو طرفت بعينها المقصود متى تحقق فيها الحياة ثم ذبحت فإنها تحل وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ [المائدة:3] هذه الخمس متى أدركت وفيها حياة ولو شق بطنها ولو دق ظهرها متى أدركت بعد السبع وفيها حياة أو بعد سقطوها من الجبل تردت فهذه كلها متى أدركت فيها حياة قبل الذبح أو بعد الذبح تحركت فهي علامة على أنها حية، فهي تحل، بخلاف الميتة فإن الميتة ما فيها حيلة، وهكذا الخنزير فإنه حرام بأصله، وهكذا ما أهل به لغير الله، فهذه لا تحل مطلقًا، لأنها ميتة، وما أهل به لغير الله حكمه حكم الميتة وهو أشد وأخبث ولو كان فيه حياة، ..... أنها مخنقة وهي التي خنقت برباطها أو بغير ذلك، فأدركها صاحبها حية أو أدركها المسلم حية، والموقوذة التي ضربت بحجر أو بالعمود فأدركها حية، والمتردية التي تردت من جبل أو سقف أو غير ذلك فأدركها حية، والنطيحة التي نطحتها أختها عند التناطح فأدركها حية، والخامسة ... السبع أو ... في حلقها أو كسر ظهرها أو قطع يدها أو رجلها أو ما أشبه ذلك فإنها تذبح وتحل لقوله تعالى: وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3] فما ذكيتم يعود على هذه الخمس كلها. وعند الجمهور يعني خلافًا لمالك رحمه الله.
..............
وفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة». وفي الحديث الذي رواه الدارقطني مرفوعا، وفيه نظر، وروي عن عمر موقوفا وهو أصح ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق.
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك، وهو حديث صحيح، ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة.
الشيخ: شف أبو العشراء؟
الطالب: أَبُو العشراء الدارمي البَصْرِيّ. روى عَنْ: أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ورَوَى عَنه: حماد بْن سلمة . قِيلَ: اسمه أسامة بْن مالك بْن قهطم، وقيل: عطارد بْن برز وقيل: عطارد بْن بلز. وقيل: يسار بْن بلز بن مسعود بن خولي. وكان أعرابيا ينزل الحفرة بطريق البصرة، وهو مجهول.
قال أَبُو الحسن الميموني، عَن أحمد بْن حنبل: ما أعرف أنه يروى عَن أَبِي العشراء حديث غير هَذَا يعني حديث الذكاة.
وقَال البُخارِيُّ: فِي حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر.
وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات" وَقَال: كَانَ ينزل الحفرة عَلَى طريق البصرة.
روى له الأربعة، وقد وقع لنا حديثه بعلو فذكر سنده عن حماد بن سلمة، أما تكون الذكاة إلا من الحلق واللبة، قال: لو طعنت في فخذها لأجزأك، رواه أبو داود عن أحمد بن يونس عن حماد بن سلمة فوقع لنا بدلاً عاليًا. وأخرجه الترمذي من حديث وكيع ويزيد بن هارون عن حماد بن سلمة فوقع لنا عاليا بدرجتين وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث، وأخرجه النسائي من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن حماد، وابن ماجه من حديث وكيع، قال الميموني: قال فيه أحمد: هو عندي غلط، قلت: فما تقول؟ قال: أما أنا فلا يعجبني ولا أذهب إليه إلا في موضع ضرورة، كيفما أمكنك الذكاة ولا تكون إلا في الحلق واللبة، فينبغي للذي يذبح أن يقطع الحلق أو اللبة، وروي له حديث آخر عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه أن رسول الله ﷺ سئل عن العتيرة فحسنها. وقع لنا بعلو من حديث أبي بكر بن أبي داود عن أبيه انتهى من تهذيب الكمال.
الشيخ: ما عندك عن أبي العشراء؟
عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله.
الشيخ: أيش قال في التقريب؟
الطالب: أبو العشراء بضم أوله وفتح المعجمة والراء والمد الدارمي قيل اسمه أسامة بن مالك بن قُهطم وقيل عطارد وقيل يسار وقيل سنان بن برز أو بلز وقيل اسمه بلال بن يسار وهو أعرابي مجهول من الرابعة.التقريب.
[الطالب: أَبُو العشراء الدارمي البَصْرِيّ. روى عَنْ: أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ورَوَى عَنه: حماد بْن سلمة . قِيلَ: اسمه أسامة بْن مالك بْن قهطم، وقيل: عطارد بْن برز وقيل: عطارد بْن بلز. وقيل: يسار بْن بلز بن مسعود بن خولي. وكان أعرابيا ينزل الحفرة بطريق البصرة، وهو مجهول.
قال أَبُو الحسن الميموني، عَن أحمد بْن حنبل: ما أعرف أنه يروى عَن أَبِي العشراء حديث غير هَذَا يعني حديث الذكاة.
وقَال البُخارِيُّ: فِي حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر.
وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات" وَقَال: كَانَ ينزل الحفرة عَلَى طريق البصرة. روى له الأربعة]
الشيخ: حط على الحاشية، على وهو حديث صحيح على كلمة ابن كثير: وفي هذا التصحيح نظر؛ لأنه في تهذيب التهذيب قال: إن أبا العشراء مجهول، ونقل عن البخاري أن في حديثه نظرًا، ونقل عن ابن حبان توثيقه، وجزم الحافظ في التقريب بأنه مجهول، وبذلك يعلم أنه ضعيف، وتوثيق ابن حبان لا يعول عليه.
لكن لو صح فهو محمول على هذه الضرورة، كالشارد والواقع في بئر ونحو ذلك.
والضرورة يشهد لها حديث رافع بن خديج أنهم كانوا في بعض المغازي فند من الإبل بعير فلم يقدروا عليه، ورماه بعض الصحابة بسهم فحبسه، فقال النبي ﷺ: إن مثل هذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ند عليكم منها فاصنعوا به هكذا! ند يعني شرد عليكم منها فاصنعوا به هكذا، يعني احبسوه بالرمي.
س: أبو العشراء ما سمع من أبيه؟
الشيخ: هو ضعيف، هو مجهول في نفسه.