الدرس الأول

قال الحافظ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب "العمدة":

كتاب الطهارة

1- عن عمر بن الخطاب قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وفي روايةٍ: بالنية، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.

2- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ.

3- وعن عبدالله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعائشة قالوا: قال رسول الله ﷺ: ويلٌ للأعقاب من النار.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالطهارة.

والطهارة هي: رفع الحدث، وإزالة النَّجس، يُقال لها: طهارة، فالوضوء من الأحداث يُقال له: طهارة، والغسل من الجنابة والحيض يُقال له: طهارة، وإزالة النجاسة من البدن والثوب والبُقْعة يُسمى: طهارة.

فالطهارة في الشرع هي: رفع الأحداث، وإزالة الأخباث.

والطهارة طهارتان: طهارةٌ حسيةٌ، وطهارةٌ معنويةٌ.

فالطهارة الحسية شطر الإيمان كما في الحديث، يقول الرسول ﷺ: الطهور شطر الإيمان؛ لأنها طهارةٌ ظاهرةٌ حسيةٌ في الوضوء والغسل.

والطهارة المعنوية -التوحيد والأعمال الصالحات- هي الشطر الثاني.

والله جلَّ وعلا شرع للعباد الطهارتين:

  • الطهارة من الأحداث والأنجاس بما شرع من الوضوء، والغُسْل، والتيمم عند العجز عن الماء، أو عند فَقْدِ الماء.
  • وشرع لهم الطهارة الثانية بما أمرهم به من الطاعات، وترك المعاصي، وهي طهارةٌ لقلوبهم وصلاحٌ لها.

ففعل العبد للأوامر وتركه للنواهي طهارةٌ لقلبه، وصلاحٌ لدينه، وسببٌ لنجاته في الدنيا والآخرة.

والأعمال مبنيةٌ على أمرين: صلاح الباطن، وصلاح الظاهر.

والعمل لا يُقْبل إلا بالأمرين: النية لله الخالصة، وهذا يتعلق بالباطن في القلوب، ويتعلق بهذا حديث عمر : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فهذا يتعلق بالقلوب، فلا يُقْبل العمل إلا إذا صدر عن إخلاصٍ لله.

ولا بد من أمرٍ ثانٍ، وهو: مُوافقة الشريعة؛ ولهذا قال جمعٌ من أهل العلم: إن حديث عمر يُعتبر شطر الدين؛ لأن مبنى الأعمال على أمرين: الإخلاص في الباطن، ومُوافقة الشريعة في الظاهر.

فكل عملٍ لا يكون خالصًا لله يكون باطلًا، وكل عملٍ لا يُوافق الشريعة يكون باطلًا.

وحديث عمر فيما يتعلق بالإخلاص، فالأعمال بالنيات، وليس للعبد إلا ما نوى.

وحديث عائشة رضي الله عنها الآتي، وهو قوله ﷺ: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ، وفي لفظٍ آخر: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ هذا يتعلق بالظاهر.

فلا تُقبل الأعمال، ولا تصح جميع الأعمال التي يتقرب بها العباد إلى الله -يتعبدون بها- لا تصح إلا بإخلاصٍ لله ومُوافقةٍ لشريعته التي جاء بها نبيه عليه الصلاة والسلام.

وقال بعض أهل العلم: إن حديث عمر ربع الدين، وأنشد في ذلك:

عمدة الدين عندنا كلماتٌ

أربعٌ من كلام خير البريه

اتَّقِ الشبهات وازهد ودَعْ ما ليس يعنيكَ واعمَلَنْ بِنِيه

فقوله: "واعملن بِنِيه" حديث عمر ، فجعله ربع الإسلام.

والأول أظهر، فهو -في الحقيقة- شطر الإسلام؛ لأنه يتعلق بما يُصلح الأعمال في الباطن، وهو الإخلاص لله في جميع العبادات، ولا بد مع هذا من مُوافقة العمل لشريعة الله، كما قال عليه الصلاة والسلام: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ، مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ أي: فهو مردودٌ.

وضرب النبي مثلًا على هذا فقال عليه الصلاة والسلام: فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأةٍ ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه، وهذا مثالٌ للنية، فالأعمال في الظاهر قد تكون مستويةً، مُتشابهةً، لكن تُميزها النيات؛ فالمهاجر إذا أراد وجه الله والدار الآخرة فهذا هجرته إلى الله ورسوله، وعمله صالحٌ، وإن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأةٍ ينكحها فليس بمُهاجرٍ شرعيٍّ، إنما هجرته لما هاجر إليه من قصد النكاح أو الدنيا.

وهكذا سفر الإنسان من بلادٍ إلى بلادٍ: إن كان لطلب العلم أو للجهاد؛ فله ما نوى، وإن كان للدنيا والتجارة؛ فله ما نوى.

وهكذا خروجه من بيته: إن كان للمسجد، أو لعيادة مريضٍ، أو نحو ذلك؛ فله ما نوى، وله أعماله الصالحة في ذلك، وإن كان خروجًا لمعنًى آخر من زيارةٍ أو أسبابٍ أخرى؛ فله ما نوى، وله ما قصد.

والحديث الثاني: حديث أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: لا تُقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ.

هذا الحديث يدل على أنه لا بد من طهارةٍ للصلاة، ولا تُقبل إلا بذلك، ومَن صلى بغير طهارةٍ فلا صلاةَ له.

وفي الحديث الآخر يقول ﷺ: لا تُقبل صلاةٌ بغير طهورٍ، ولا صدقةٌ من غُلولٍ، خرَّجه مسلمٌ في "صحيحه".

فلا بد من طهورٍ للصلاة، طهور كامل من الحدث الأكبر: كالجنابة، والحيض، والنفاس، ومن الحدث الأصغر، وهو الذي يُوجب الوضوء: كالريح، والبول، ونحو ذلك.

وفي الحديث الآخر يقول ﷺ: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فلا بد لها من مفتاحٍ، ومفتاحها الطهور، أي: التَّطهر، فمَن دخلها بغير مفتاحٍ فلا صلاةَ له إلا عند الضرورة؛ كالذي لا يستطيع طهورًا: لا ماء، ولا تيممًا، فهذا معذورٌ؛ كالمريض العاجز الذي لا يستطيع.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الطهارة":

4- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم ليَنْتَثِرْ، ومَن استَجْمَرَ فليُوتِر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يُدخلهما في الإناء ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده.

وفي لفظٍ لمسلمٍ: فَلْيَسْتَنْشِقْ بمِنْخَرَيه من الماء.

وفي لفظٍ: مَن توضأ فَلْيَسْتَنْشِقْ.

5- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: لا يَبُولَنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه.

ولمسلمٍ: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنبٌ.

6- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا.

ولمسلمٍ: أولاهن بالتراب.

7- وله في حديث عبدالله بن مُغفَّلٍ: أن رسول الله ﷺ قال: إذا وَلَغَ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعًا، وعَفِّروه الثامنة بالتراب.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بأحكام ..... المتعلقة بالطهارة.

في الحديث الأول الدلالة على وجوب الاستنشاق في الوضوء؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم ليَنْتَثِرْ، وفي اللفظ الآخر: فَلْيَسْتَنْشِقْ بمِنْخَرَيه من الماء.

وهذا يدل على وجوب الاستنشاق والاستنثار، وأن الواجب على المتوضئ أن يستنشق الماء، وأن يَنْثُرَه؛ لما فيه من النظافة والنشاط وإخراج الأذى.

والواجب مرة واحدة، وإذا كرر ثلاثًا فهو الأفضل، وهكذا بقية فروض الوضوء ما عدا الرأس، السنة ثلاثًا، والواحدة مُجزئةٌ، كافيةٌ، وإن كرر ذلك ثنتين كان أفضل، والكمال ثلاثٌ، أما الشيء الواجب فهو واحدةٌ، غسلةٌ واحدةٌ لوجهه ويديه، وهكذا المضمضة مرة واحدة، واستنشاقٌ واحدٌ، كله يكفي؛ لأن النبي ﷺ توضأ مرةً مرةً، وتوضأ مرتين مرتين، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا.

فالواجب الوضوء مرةً، والثنتان أفضل، والثلاث أكمل، إلا المسح؛ فإنه يمسح رأسه مرةً واحدةً مع أُذُنيه، هذا هو الأفضل، ولا يُكرر.

وفيه دلالةٌ على وجوب غسل اليدين إذا استيقظ من النوم ثلاث مراتٍ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بهذا، ونهى عن إدخالهما في الإناء إلا بعد غسلهما ثلاثًا، فدلَّ ذلك على وجوب غسلهما عند قيامه من نوم الليل.

واختلف العلماء: هل يُلحق نوم النهار بذلك، أم هذا خاصٌّ بنوم الليل؟

والأقرب -والله أعلم- أنه يعمُّ، وأن التعبير: أين باتت يده وصفٌ أغلبيٌّ؛ لأن غالب النوم في الليل، وإلا فالحكم يعمُّ الجميع، فإذا استيقظ من نومه وجب عليه غسلهما ثلاثًا قبل أن يُدخلهما في الإناء، كما دلَّ عليه هذا الحديث العظيم الصحيح.

وفي الحديث الثاني دلالةٌ على أن الجنب لا يغتسل في الماء الدائم، ولا يبول فيه، فلا يجوز البول في الماء الدائم مطلقًا، ولا يجوز للجنب أن يغتسل فيه؛ ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا وعن هذا: نهى عن البول في الماء الدائم، وعن الاغتسال فيه من الجنابة، وما ذاك -والله أعلم- إلا لأنه وسيلةٌ إلى تقذيره وتنجيسه؛ لأنه إذا توالى فيه البول والغُسْل من الجنابة أفضى إلى تنجيسه، أو على الأقل تقذيره على الناس، حتى لا يُشْتَهى، ولا يُرْغَب فيه بسبب ما يحصل فيه من الغُسْل من الجنابة والأبوال التي قد تتكرر وتكثر؛ فتُؤثر في طعمه، أو لونه، أو ريحه؛ فيكون نجسًا.

وهكذا الغُسْل من الجنابة؛ لأنه قد يُؤثر في الماء؛ لأن الجنب تكون عليه آثارٌ من الجنابة: مَنِيٌّ أو مَذْيٌ، فيُؤثر ذلك في الماء كَدَرًا أو تقذيرًا، وربما كانت عليه نجاسةٌ فأثَّر في الماء أيضًا؛ فلهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك بالكلية؛ حسمًا لمادة إفساد الماء، فلا يبول فيه ولا يغتسل، ولكن يغترف لحاجته.

والمفهوم من ذلك: أنه إذا كان جاريًا لا يضرُّ، الاغتسال في الماء الجاري كالنهر، أو بال فيه؛ لا يضرُّ ذلك، إنما يضر إذا كان الماء دائمًا: كالأحواض الدائمة وأشباهها، فلا يجوز البول فيها، ولا الاغتسال فيها من الجنابة.

وفي الحديث الثالث -حديث أبي هريرة - الدلالة على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مراتٍ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مراتٍ، هذا الواجب، وهذا من خصائص الكلاب، لا يُقاس عليها غيرها، فلا يجب غسل الإناء من ولوغ الخنزير، أو الذئب، أو الأسد، أو الحمار، أو البغل، لا، إنما هذا خاصٌّ بالكلب؛ إذ ورد فيه النص وحده، فلا يُلحق به غيره.

وفي رواية مسلمٍ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مراتٍ، أولاهن بالتراب دلَّ على أنه نجاسةٌ، طهور دلَّ على نجاسته، وأن نجاسته مُغلظةٌ، لا بد فيها من سبعٍ، ولا بد فيها من ترابٍ في إحداهن، والأفضل أن تكون الأولى؛ لقوله: أولاهن بالتراب، حتى يكون ما بعدها من المياه مُنظفًا للإناء من التراب ومن الولوغ جميعًا.

وفي حديث عبدالله بن مُغفَّلٍ : وعَفِّروه الثامنة بالتراب يعني: لتكن إحدى الغسلات فيها ترابٌ، فتكون ثامنةً بالنسبة إلى التراب، وإلا فهي سبعٌ بالنسبة إلى الماء.

وظنَّ بعض العلماء أن المراد ثماني غسلاتٍ، وليس الأمر كذلك، وإنما المراد أن الثامنة بالنسبة إلى كونها من التراب تُعتبر ثامنةً، وبالنسبة إلى كونها مخلوطةً مع الماء فهي سابعةٌ، وهذا من باب التنظيف وإزالة آثار هذا الولوغ، تكون سبع غسلاتٍ إحداهن بالتراب، والأفضل أن تكون الأولى؛ حتى يكون ما بعدها مُنظفًا للإناء ومُزيلًا لآثار الولوغ، وإذا لم يتيسر التراب فما يقوم مقامه يكفي من أُشْنَانٍ، أو صابونٍ، أو سِدْرٍ، أو نحو ذلك، أما إذا تيسر التراب فينبغي استعماله؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نصَّ على ذلك، فينبغي الأخذ بذلك عند وجوده، فإن عُدم التراب يُستعمل ما يقوم مقامه من سِدْرٍ، أو صابونٍ، أو أُشْنَانٍ، أو نحو ذلك.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الطهارة":

8- وعن حُمْرَان مولى عثمان بن عفان: أنه رأى عثمان دعا بِوَضُوءٍ، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مراتٍ، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستَنْثَر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا، ثم قال: رأيتُ النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: مَن توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه.

9- وعن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه قال: شهدتُ عمرو بن أبي حسنٍ سأل عبدالله بن زيدٍ عن وضوء رسول الله ﷺ، فدعا بِتَوْرٍ من ماءٍ، فتوضأ لهم وضوء رسول الله ﷺ، فَأَكْفَأَ على يديه من التَّور، فغسل يديه ثلاثًا، ثم أدخل يده في التَّور، فَمَضْمَضَ واستنشق واستَنْثَر ثلاثًا بثلاث غرفاتٍ، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يديه فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرةً واحدةً، ثم غسل رجليه إلى الكعبين.

وفي روايةٍ: بدأ بمُقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قَفَاه، ثم ردَّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه.

وفي روايةٍ: أتانا رسول الله ﷺ، فأخرجنا له ماءً في تَوْرٍ من صُفْرٍ.

10- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يُعْجِبه التَّيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله.

11- وعن نُعيم المجمر، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: إن أمتي يُدعون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلِين من آثار الوضوء، فمَن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته فليفعل.

وفي لفظٍ لمسلمٍ: رأيتُ أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى السَّاقين، ثم قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن أُمتي يُدعون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الوضوء، فمَن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته وتحجيله فليفعل.

12- وفي لفظٍ لمسلمٍ: سمعتُ خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحِلْية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة تتعلق بالوضوء:

الحديث الأول: حديث عثمان ، وهو عثمان بن عفان، الأُموي، القرشي ، ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عن الجميع، يُخبر أن الرسول ﷺ كان إذا توضأ غسل يديه ثلاث مراتٍ، وهذا الغسل سنةٌ، فيُستحب للمُتوضئ أن يبدأ وضوءه بغسل كفيه ثلاث مراتٍ في جميع الأوقات إلا إذا قام من النوم؛ فإنه يغسلهما وجوبًا ثلاث مراتٍ.

"ثم تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ" في حديث عبدالله بن زيد وحديث عليٍّ رضي الله عنهما وأحاديث أخرى: أنه تمضمض واستنشق واستَنْثَر ثلاث مراتٍ بثلاث غرفاتٍ، هذه السنة: يتمضمض ويستنشق ويستَنْثر في ثلاث غرفاتٍ، وإذا اقتصر على واحدةٍ أجزأ ذلك، لكن أفضل الكمال ثلاثًا.

"ثم غسل وجهه ثلاثًا" هذا هو الكمال، فإن غسل واحدةً كفى؛ لأنها فرضٌ.

"ثم غسل يديه" اليُمنى ثلاثًا، واليُسرى ثلاثًا، كما في حديث عثمان : غسلهما ثلاثًا، وفي حديث عبدالله بن زيد غسلهما مرتين، وذلك يدل على جواز الاقتصار على ثنتين.

وجاء في الحديث الصحيح عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "أن النبي ﷺ توضأ مرةً مرةً"، رواه البخاري في "صحيحه"، وهو يدل على جواز الاقتصار على مرةٍ، والثنتان أفضل، والثلاث هي الكمال.

"ثم مسح برأسه" في حديث عبدالله بن زيد مرة واحدة، وفي حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ..... أنه مسح رأسه وأُذنيه.

"ثم غسل رجليه" اليُمنى ثلاثًا، واليُسرى ثلاثًا.

وفي حديث أبي هريرة عند مسلمٍ: أنه غسل ذراعيه حتى أشرع في العَضُد، وغسل رِجْليه حتى أشرع في السَّاق، يعني: غسل الكعبين مع الرِّجْلين، وغسل المرفقين مع اليدين، فدلَّ ذلك على أن المرافق تُغْسل، وهكذا الكعبان يُغْسلان، وهذا هو معنى قوله جلَّ وعلا: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6] يعني: مع المرافق، وقوله: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6] يعني: مع الكعبين كما تقدم.

وفي حديث عبدالله بن زيد : أنه بدأ بمُقدَّم رأسه عند المسح حتى ذهب إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه، هذا هو الأفضل: أن يبدأ بمُقدَّم الرأس، ثم يذهب بيديه إلى قفاه، ثم يردّهما إلى المكان الذي بدأ منه، هذا هو الأفضل.

وكيفما مسح أجزأ، على أي صفةٍ مسح رأسه أجزأ: بيدٍ واحدةٍ، أو باليدين، بدأ بالمقدم، أو بالمؤخر، كله يُجزئ، لكن يجب أن يُعمم الرأس على الصحيح، ولا يُجزئ البعض على الصحيح، فالأفضل أن يبدأ بمُقدمه إلى قفاه، ثم يردّهما إلى المكان الذي بدأ منه، كما في حديث عبدالله بن زيد .

ثم غسل رجليه مع الكعبين عليه الصلاة والسلام ثلاثًا، هذا هو الأفضل، وإن غسلهما واحدةً أو ثنتين أجزأه ذلك.

وقوله: «وَضُوء» و«طَهُور» بالفتح، وهو الماء الـمُعدّ للوضوء، وبالضم هو نفس الوضوء: توضأ وُضوءًا، بالضم، وطَهُرَ طُهُورًا، بالضم، هو نفس الفعل، وبالفتح نفس الماء الـمُعدّ للوضوء.

والتَّور: نوعٌ من الصُّفْر، وهو يدل على جواز استعمال الأواني من الصُّفْر –النحاس- كما يجوز استعمال الأواني من الحديد والحجر والفُخار، وغير ذلك، ما عدا الذهب والفضة، فإنه لا يجوز استعمال الأواني منهما؛ فالرسول ﷺ زجر عن ذلك، أما ما سوى ذلك فلا بأس، فلا يجوز للمسلمين استعمال أواني الذهب والفضة، لا رجالًا، ولا نساءً.

وفي حديث عثمان دلالةٌ على شرعية صلاة ركعتين بعد الوضوء، يُستحب أن يُصلي ركعتين يُقبل عليهما بقلبه وقالبه، ويخشع فيهما لربه، وأن هذا من أسباب المغفرة.

يتوضأ الإنسان الوضوء الشرعي، ثم يصلي ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه؛ فَيُغْفَر له ما تقدم من ذنبه، هذا فضلٌ عظيمٌ.

وهذه يُقال لها: صلاة سنة الوضوء، فيُستحب للمؤمن إذا توضأ أن يصلي ركعتين يُقبل عليهما بقلبه، ويخشع فيهما؛ لأن هذا من أسباب المغفرة.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها دلالةٌ على أن السنة التَّيامُن في الوضوء وغيره؛ ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي ﷺ يُعْجِبه التَّيمن"، وفي اللفظ الآخر: "يُحب التَّيمن في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه وطُهُوره" أي: تطهره، "وفي شأنه كله"، وهذا يدل على شرعية التَّيمن في الوضوء والغسل، وتقدم ذلك: أنه يبدأ باليمين قبل اليسار.

وهل هذا واجبٌ أم لا؟

على قولين لأهل العلم:

  • منهم مَن رآه واجبًا في الوضوء.
  • ومنهم مَن رآه مُستحبًّا، وهم الجمهور.

وهكذا يُستحب في الغسل أن يبدأ بالشقِّ الأيمن قبل الأيسر، وهكذا في الرداء يُستحب أن يبدأ باليمين، يُدْخِل كُمَّه الأيمن قبل الأيسر في القميص والسراويل والبِشْت، عند اللبس يبدأ بالأيمن، وعند الخلع يبدأ باليسار، هذا هو الأفضل، وبالنعلين والخُفَّين كذلك.

وفي الحديث الرابع -حديث أبي هريرة ، وهو العاشر من كتاب "الطهارة"- الدلالة على أن هذه الأمة لها علامةٌ يوم القيامة بأنهم يأتون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الوضوء، وهذه علامة أُمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام يوم القيامة: يُحْشَرون غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الوضوء.

الغُرَّة في الوجه، والتَّحْجِيل في اليدين والرِّجْلين، أي: لهم أنوارٌ في وجوههم، وفي أيديهم وأرجلهم من آثار الوضوء الذي فعلوه في الدنيا.

وفي الحديث الذي رواه مسلمٌ: تبلغ الحِلْيَة من المؤمن حيث يبلغ الوضوء، يُحلون بحِلْيَةٍ مما أعدَّ الله لهم من الجنة إلى نهاية مواضع الوضوء.

وفي رواية مسلمٍ: أن أبا هريرة كان يُبالغ في الوضوء من أجل هذا الحديث، فكان إذا غسل يديه بالغ حتى يكاد يصل إلى المنكبين، وهكذا في الرِّجْلين يُبالغ في غسل الساق .....

وهذا الذي فعله أبو هريرة اجتهادٌ منه، والصواب خلاف ذلك.

الصواب أنه يكتفي بغسل المرفقين والكعبين، ولا حاجة إلى أن يزيد إلى المنكب، أو إلى الركبة، لا، فالسنة الاكتفاء بفعل النبي ﷺ: يغسل الرِّجْلين مع الكعبين، واليدين مع المرافق، فلا يُطول إلى المنكب، أو إلى الركبة، لا.

وأما قوله: "فمَن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته وتَحْجِيله فليفعل" هذا فيه اختلافٌ بين أهل العلم: هل هو من كلام النبي ﷺ مرفوعٌ، أو من كلام أبي هريرة موقوفٌ مُدْرَجٌ؟

وقد رجَّح جمعٌ من الأئمة في الحديث: أنه مُدْرَجٌ، وأنه من كلام أبي هريرة ؛ استنباطًا من الأحاديث.

فلا يُستحب للمؤمن أن يزيد على الوضوء الشرعي؛ فيغسل ذراعيه مع المرفقين، ويغسل رِجْلَيه مع الكعبين، ويكفي ذلك، ولا تُشرع له الإطالة إلى المنكب أو فوق المنكب، ولا تُشرع له الإطالة في غسل الرِّجلين إلى الركبتين أو ما حولهما، هذا خلاف السنة، بل السنة أن يغسل الرِّجلين مع الكعبين، واليدين مع المرفقين، من غير إطالةٍ فوق ذلك.

وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة قال: "كان النبي ﷺ إذا غسل يديه أشرع في العَضُد، وإذا غسل رِجْليه أشرع في الساق"، معنى "أشرع" يعني: أخذ بعض العَضُد حين غسل اليدين، وهكذا بعض الساق حين غسل الرِّجلين؛ وذلك لإدخال المرافق وإدخال الكعبين في الوضوء، فيكون معنى الآية: إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6] يعني: مع المرافق، وإِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6] يعني: مع الكعبين، كما قال تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2] يعني: مع أموالكم، وهذا هو الصواب.

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب دخول الخلاء والاستطابة

13- عن أنس بن مالكٍ : أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث.

14- وعن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بولٍ، ولا تستدبروها، ولكن شَرِّقوا أو غَرِّبوا.

قال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنِيتْ نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله .

15- وعن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: رقيتُ يومًا على بيت حفصة، فرأيتُ النبيَّ ﷺ يقضي حاجته مُستقبل الشام، مُستدبر الكعبة.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بآداب قضاء الحاجة، والرسول عليه الصلاة والسلام بعثه الله للدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والنهي عن سَفَاسِف الأخلاق وسيئ الأعمال، فهو ﷺ يدعو إلى كل خيرٍ، وينهى عن كل شرٍّ، وقد دعا إلى الآداب الشرعية في قضاء الحاجة، والصلاة، والصوم، والصدقات، والحج، والجهاد، وغير هذا من سُنن الإسلام، وقد دعا إلى كل خُلُقٍ كريمٍ، ونهى عن كل ما يُخالف ذلك.

ومن ذلك: أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد دخول الخلاء قال: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث، عند دخول محل قضاء الحاجة لبولٍ أو غائطٍ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث، وفي بعضها: بسم الله، أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث.

و"الخُبُث" جمع "خبيث"، والمراد بذلك: ذكور الشياطين.

و"الخبائث" جمع "خبيثة"، والمراد بذلك: إناث الشياطين.

يعني: من الشياطين ذكورهم وإناثهم.

قال آخرون من أهل العلم: معنى ذلك: من الشر وأهله، فالخُبْث –بالتسكين- الشر، والخبائث: أهله.

ومعنى هذا: الاستعاذة بالله من شرِّ الشر وأهله من الشياطين وغيرهم.

هذا هو السنة لمن أراد أن يقضي حاجته: عند دخول الخلاء يُقدم رِجْله اليُسرى عند الدخول، ويقول: "بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث"، وإن كان في الصحراء عندما يريد قضاء الحاجة، إذا أراد المكان الذي يمكث فيه لقضاء الحاجة قال عند ذلك: "بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث".

وعند الخروج يقول: "غُفرانك"، يُقدم رِجْله اليُمنى ويقول: "غُفرانك" يعني: أسألك غُفرانك؛ لأن قضاء الحاجة من نِعَم الله، والعبد من شأنه التقصير في شُكر الله، فيقول عند خروجه: "غُفرانك" أي: أسألك غُفرانك عما قصرتُ فيه من شُكر نِعَمك، وعما قدمتُ من الذنوب.

والحديث الثاني: حديث أبي أيوب الأنصاري ، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا أتيتم الغائط أي: محل قضاء الحاجة، فلا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بولٍ، ولا تستدبروها، ولكن شَرِّقوا أو غَرِّبوا، هذا بالنسبة للمدينة ومَن كان على سَمْتها؛ يُشَرِّق أو يُغَرِّب، وهكذا في الجنوب، أما مَن كان في الشرق والغرب فإنه يُجَنِّب أو يُشَمِّل؛ حتى لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها عند قضاء الحاجة.

قال أبو أيوب : "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنِيتْ نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله ".

أبو أيوب حمل الحديث على العموم، وأنه عامٌّ: للمباني والصحراء، وأنه يُشرع للمؤمن في قضاء حاجته -سواءٌ في المباني أو في الصحراء- أن ينحرف عن القبلة ويجعلها عن يمينه أو شماله عند قضاء الحاجة؛ لعموم الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ: لا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بولٍ، وأنه حديثٌ عامٌّ.

فالأولى والأفضل للمؤمن -حتى في بيته- أن يجعل محل قضاء الحاجة إلى غير القبلة، حتى إذا جلس يقضي حاجته فإذا القبلة عن يمينه أو شماله، هذا هو المشروع، وهو الذي ينبغي، لكن في البناء يُتساهل في ذلك، ليس بلازمٍ في البناء، إنما هذا في الصحراء عند جمعٍ من أهل العلم؛ لحديث عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أنه قال: "رقيتُ يومًا"، "رقيتُ" يعني: صعدتُ "يومًا على بيت حفصة"، وهذه أُخته، يعني بها أُخته حفصة رضي الله عنها، "فرأيتُ النبيَّ ﷺ يقضي حاجته مُستقبل الشام، مُستدبر الكعبة".

هذا يدل على أن الاستدبار والاستقبال في المبنى أو في محلٍّ مستورٍ ليس بلازمٍ، وإنما ذلك في الصحراء، وهذه حُجة جمعٍ من أهل العلم على أنه لا بأس أن يستقبل ويستدبر في المبنى، وهو قول البخاري رحمه الله وجماعةٍ من أهل العلم لهذا الحديث؛ حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، لكن الأفضل والأولى بالمؤمن ألا يستقبلها مطلقًا؛ لأن حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يحتمل أنه كان قبل النهي، ويحتمل أنه خاصٌّ كما قال جماعةٌ.

فالأولى بالمؤمن أن تكون مراحيضه مُنحرفةً عن القبلة، فلا يستقبلها، ولا يستدبرها؛ عملًا بحديث أبي أيوب العام وما جاء في معناه، ولكنه في المبنى أسهل وأقلّ، يعني: تبعه بسبب حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما المذكور، فيكون خاصًّا، وحديث أبي أيوب عامًّا، والقاعدة: أن الخاصَّ يقضي على العامِّ في النصوص.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "دخول الخلاء والاستطابة":

16- وعن أنس بن مالكٍ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ معي نحوي إداوةً من ماءٍ وعَنَزَةً، فيستنجي بالماء.

17- وعن أبي قتادة الحارث بن رِبْعِيٍّ الأنصاري : أن النبي ﷺ قال: لا يُمْسِكَنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء.

18- وعن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: مرَّ النبي ﷺ بقبرين، فقال: إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فأخذ جريدةً رطبةً فشقَّها نصفين، فَغَرَزَ في كل قبرٍ واحدةً، فقالوا: يا رسول الله، لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: لعله يُخفف عنهما ما لم يَيْبَسَا.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذا الحديث الصحيح: حديث أنسٍ ، عن النبي ﷺ: أنه كان يدخل الخلاء، فيحمل أنسٌ قال: "وغلامٌ معي -وفي روايةٍ أخرى: من الأنصار- إداوةً من ماءٍ وعَنَزَةً، فيستنجي بالماء" عليه الصلاة والسلام.

هذا يدل على فوائد:

  • منها: شرعية الاستنجاء بالماء في غسل الدُّبر والذكر من آثار البول والغائط، وأن النبي كان يستعمله في بعض الأحيان عليه الصلاة والسلام، وكان في بعض الأحيان يستجمر عليه الصلاة والسلام، وكلاهما جائزٌ: إن شاء المؤمن استجمر بالحجارة ونحوها، وإن شاء استنجى بالماء، وإن شاء جمع بينهما.
    الاستنجاء بالماء أنقى وأذهب لآثار النجاسة، والاستجمار بالحجارة واللَّبِن والمناديل الطاهرة الخَشِنَة ونحوها مما يُزيل الأذى جائزٌ أيضًا عند أهل العلم، وقد دلَّت عليه أحاديث كثيرةٌ عن النبي ﷺ أنه قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجارٍ، فإنها تُجزئ عنه، وقال سلمان : نهى رسول الله ﷺ أن يُستنجى بأقلّ من ثلاثة أحجارٍ.
    فإذا استنجى الإنسان بثلاثة أحجارٍ أو أكثر، أو لَبِنٍ، أو أخشابٍ، أو غير هذا مما يُزيل الأذى، أو مناديل، أو ترابٍ، أو نحو ذلك مما يُزيل الأذى حتى يُنَقِّي المحلَّ ثلاثًا فأكثر؛ أجزأه ذلك عن الماء، وإن جمع بينهما كان أكمل: الاستنجاء بالحجارة، ثم أتبعها الماء.
  • وفيه من الفوائد: جواز خدمة الشخص لحمل الماء معه لحاجته، أو الحجارة كما في حديث ابن مسعودٍ ، فلا بأس أن يأمر الإنسان بعض أولاده أو خُدَّامه أن يتبعوه بما يحتاج إليه من ماءٍ أو حجارةٍ؛ ليستنجي بذلك.
  • وفيه من الفوائد أيضًا: استصحاب العَنَزَة، وهي عصا صغيرةٌ لها حَربةٌ تُرْكَز أمامه إذا جاء يُصلي عليه الصلاة والسلام.
    العَنَزَة: حَربةٌ صغيرةٌ، يعني: عصا لها حَربةٌ تُرْكَز أمام المصلي سُترةً، كان يستعملها في السفر عليه الصلاة والسلام، إذا أراد أن يُصلي رُكِزَتْ أمامه؛ سُترةً له.
    والصلاة إلى السُّترة سنةٌ مُؤكدةٌ، قال عليه الصلاة والسلام: إذا صلى أحدكم فَلْيُصَلِّ إلى سُترةٍ، وَلْيَدْنُ منها.

والحديث الثاني: حديث أبي قتادة الأنصاري ، عن النبي ﷺ أنه قال: لا يُمْسِكَنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء.

في الحديث ثلاث مسائل، والحديث متفقٌ على صحته عند البخاري ومسلم:

  • المسألة الأولى: أنه لا يجوز للمسلم أن يُمْسِك ذكره بيمينه وهو يبول؛ لأنه قد يناله شيءٌ من النَّجاسة، واليُمنى يجب أن تُبعد عن هذا؛ لأن اليُمنى للمُصافحة والأكل والأخذ والعطاء، فينبغي أن تكون بعيدةً عن التَّلطخ بالنجاسة، وإذا أراد أن يُمسك ذكره يُمسكه باليُسرى، لا باليُمنى.
  • ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه هذه المسألة الثانية: ليس للمؤمن والمؤمنة التَّمسح من الخلاء باليمين، بل باليسار، يَسْتَجْمر بها، ويستنجي بها، وهذا من الآداب الشرعية.
    والرسول ﷺ علَّم أُمته الآداب الشرعية في الوضوء، وفي الاستجمار، وفي الصلاة، وفي غير ذلك عليه الصلاة والسلام، فقد دعا الأمة إلى كل خُلُقٍ كريمٍ، ونهاها عن كل خُلُقٍ ذميمٍ.
    والله جلَّ وعلا شرع لعباده مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ونهاهم عن سفاسف الأخلاق وسيئ الأعمال.
  • ومن الآداب الشرعية في الشرب: أن يشرب بيمينه، وألا يتنفس في الإناء، والأفضل أن يكون بثلاثة أنفاسٍ، يفصل الإناء عن فمه ويتنفس ثلاثًا إذا شرب الماء أو اللَّبَن، ولا يتنفس في الإناء؛ لأنه قد يشرق به، أو يخرج من فمه شيءٌ يُقذر الماء، والسنة الفصل، يفصل الإناء عن فمه ويتنفس.

والحديث الثالث: حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، هو عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: إن النبي ﷺ مرَّ بقبرين فقال: إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، وفي روايةٍ قال: بلى إنه لكبيرٌ، أما أحدهما فكان لا يَسْتَتِر من البول، وفي اللفظ الآخر: لا يَسْتَنْزِه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة.

هذا فيه دلالةٌ على تحريم النميمة، وتحريم التَّساهل بالبول، وأن الواجب العناية بالنزاهة من البول، والتَّطهر من البول في بدنه وثيابه؛ حتى لا يتلطخ بشيءٍ من ذلك، وفي الحديث الآخر: اسْتَنْزِهوا من البول، فإن عامَّة عذاب القبر منه.

والنَّميمة فيها فسادٌ عظيمٌ؛ لأنها تُثير الفتن بين الناس والشَّحناء.

والنَّميمة نقل كلام زيدٍ إلى عمرٍو، كلامًا سيئًا، ينقل كلامًا من زيدٍ إلى عمرٍو، أو من جماعةٍ إلى جماعةٍ، أو من قبيلةٍ إلى قبيلةٍ، كلامًا سيئًا، ويُورث الشَّحناء، ويُثير العداوة، ويفتح باب الشَّحناء، هذا يُقال له: نميمة.

كل كلامٍ تنقله من قومٍ إلى قومٍ، أو من شخصٍ إلى شخصٍ، لا يرضى به المنقول إليه، بل يُسبب فتنةً، هذا يُسمى: النميمة.

في الحديث الصحيح يقول النبي عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة نَمَّامٌ.

والنميمة من الكبائر؛ ولهذا استحقَّ العقاب مَن تعاطاها في قبره مُقدَّمًا على عقاب النار، نعوذ بالله.

والتَّنزه من البول أمرٌ واجبٌ، والتَّلطخ به أمرٌ مُحرمٌ؛ ولهذا استحقَّ مَن تلطخ بالبول ولم يَتَنَزَّه منه استحقَّ العذاب في القبر مُقدَّمًا، نسأل الله السلامة.

وفيه: أنه أخذ جريدةً رطبةً فشقَّها نصفين، وغرس على كل قبرٍ واحدةً، قال: لعله يُخفف عنهما ما لم يَيْبَسَا.

هذا خاصٌّ بالقبرين، ولا يُشرع أن يُفعل مع القبور؛ لأن النبي ﷺ ما فعله إلا مع القبرين اللذين أطلعه الله على عذاب أصحابهما، ولم يفعل هذا مع القبور الأخرى، فدلَّ ذلك على أنه لا يُشرع أن تُغرز الجرائد أو الأغصان أو الشجر أو غيرها على القبور؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما فعل هذا، إنما هذا بشأن هذين القبرين اللذين أطلعه الله على عذابهما.

فلا يُشرع غرس الجرائد على القبور لعدم الدليل؛ لأن الرسول ﷺ ما فعله مع قبور أهل البقيع ولا مع غيرهم، وإنما فعله مع القبرين.

نعم لو اطلع إنسانٌ على عذاب صاحب القبر وغرز عليه هذا يمكن له أن يفعل كما فعل النبي ﷺ، لكن الله جلَّ وعلا أخفى عنا عذاب القبور رحمةً من الله لنا، ولم يُطلعنا على ذلك رحمةً منه سبحانه، فلو أطلع الناسَ على عذاب أهل القبور لما تَهَنَّؤُوا بنومٍ ولا راحةٍ، نسأل الله السلامة.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

2- باب السواك

19- عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: لولا أن أشقَّ على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاةٍ.

20- وعن حذيفة بن اليمان قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يَشُوصُ فَاهُ بالسواك.

21- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما على النبي ﷺ وأنا مُسندته إلى صدري، ومع عبدالرحمن سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ به، فَأَبَدَّه رسول الله ﷺ بصره، فأخذتُ السواك فَقَضَمْتُه، فَطَيَّبْتُه، ثم دفعتُه إلى النبي ﷺ فَاسْتَنَّ به، فما رأيتُ رسول الله ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو إصبعه ثم قال: في الرفيق الأعلى ثلاثًا، ثم قضى، وكانت تقول: مات بين حَاقِنَتِي وذَاقِنَتِي.

وفي لفظٍ: فرأيتُه ينظر إليه، وعرفتُ أنه يُحب السِّواك، فقلتُ: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم. هذا لفظ البخاري، ولمسلمٍ نحوه.

22- وعن أبي موسى الأشعري قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو يَسْتَاك بسواكٍ رَطْبٍ. قال: وطرف السواك على لسانه، وهو يقول: أُعْ، أُعْ، والسواك في فيه، كأنه يَتَهَوَّع.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالسواك، والسواك سنةٌ وقُربةٌ في مواضع كثيرةٍ، منها: الوضوء، ومنها: الصلاة، ومنها: عند دخول المنزل، وعند القيام من النوم.

ويُستحب للمؤمن التَّسوك عند إرادة الوضوء، في أول الوضوء، وهكذا في أول الصلاة قبل أن يُكبر؛ لأنه ﷺ كان يفعله، ويقول: لولا أن أشقَّ على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاةٍ، وفي لفظٍ: مع كل وضوءٍ، وهذا يدل على شرعية السواك عند الوضوء وعند الصلاة.

والسواك: العود الذي يُسْتَنُّ به، أيضًا يُقال له: السواك، ويُقال للعمل: سواك، وتسوك، ويكون بالأراك وبغيره من الأعواد المناسبة التي تلين عند التَّسوك بها، وتُزيل الأوساخ، وتشدّ اللثة، وأحسنها الأراك.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يُحب السواك، ويستعمله، ويحثّ عليه.

وسُئلتْ عائشة رضي الله عنها عن الشيء الذي يبدأ به إذا دخل المنزل، قالت: بالسواك.

وفي حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: "كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يَشُوصُ فَاهُ بالسواك" يعني: يدلكه بالسواك.

هذا يدل على شرعية السواك وتأكده عند الوضوء، وعند الصلاة، وعند دخول المنزل، وعند القيام من النوم.

وهكذا يُستحب عند تَغَيُّر الفم إذا طال السكوت وتَغَيَّر الفم؛ لأنه يُطيب النَّكهة، ويشدُّ اللَّثة، ويُنظف الأسنان، ويُنشط ويطرد النعاس، وله فوائد كثيرةٌ.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها: أنه عليه الصلاة والسلام اسْتَاكَ عند الموت، دخل عبدالرحمن -صهر النبي ﷺ، أخو عائشة- ومعه سواكٌ، والنبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه، وكانت رضي الله عنها قد أسندته إلى صدرها، فلما رأته ينظر إلى السواك أشارتْ إليه: آخذه لك؟ قال: نعم، وعرفتْ أنه يُحب السواك، وطلبته من عبدالرحمن، فأعطاها عبدالرحمن إياه، فَقَضَمَتْه، ودَفَعَتْه إلى النبي ﷺ، فَاسْتَنَّ به اسْتِنَانًا حسنًا، ثم رفع بصره إلى السماء فقال: في الرفيق الأعلى ثلاث مراتٍ، يطلب من ربه أن يكون في الرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين عليه الصلاة والسلام.

"ثم قضى" أي: ثم تُوفي عليه الصلاة والسلام من الساعة، فكان من آخر عمله: التَّسوك، فدلَّ ذلك على شرعية السواك في كل وقتٍ، ولا سيما عند الأمور المذكورة: الوضوء، والصلاة، والاستيقاظ من النوم، ودخول المنزل، وتغير الفم، ونحو ذلك.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند النسائي وغيره بإسنادٍ صحيحٍ: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: السواك مَطْهَرَةٌ للفم، مَرْضَاةٌ للرب، وهذا يدل على شرعيته دائمًا: السواك مَطْهَرَةٌ للفم، مَرْضَاةٌ للرب.

وحديث أبي موسى يدل على هذا، فإنه دخل على النبي ﷺ وهو يَسْتَنُّ، ولم يقل: عند الصلاة، بل في الأوقات العادية وهو يَسْتَنُّ، والسواك على طرف لسانه، وهو يقول: أُعْ، أُعْ كأنه يَتَهَوَّع.

الظاهر -والله أعلم- أن ذلك من أجل ما قد يلحق بالحلق من شيءٍ من شعرات السواك، فإن السواك قد تَنْتَثِر منه بعض الشعرات القليلة؛ فتُؤثر على الحلق، فلعله كان يَتَهَوَّع من أجل هذا؛ لأنه دخل على حلقه شيءٌ من السواك، فأراد إخراجه بذلك.

والمقصود من هذا: أنه رآه يَسْتَاك في مجلسه عليه الصلاة والسلام، فدلَّ على أن السواك أمرٌ مشروعٌ في المجالس، وفي الطريق، والمنزل، ونحو ذلك، ليس له وقتٌ محدودٌ، فمتى شاء الاستياك فعله: السواك مَطْهَرَةٌ للفم، مَرْضَاةٌ للرب، لكنه يتأكد في مواضع، منها ما تقدم: الوضوء، والصلاة، وإذا قام من النوم، وعند دخول المنزل.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

3- باب المسح على الخُفين

23- عن المغيرة بن شعبة قال: كنتُ مع النبي ﷺ في سفرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأنزع خُفَّيه، فقال: دَعْهُما، فإني أدخلتُهما طاهرتين، فمسح عليهما.

24- وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: كنتُ مع النبي ﷺ فبال، وتوضأ، ومسح على خُفَّيه. مُختصرٌ.

4- بابٌ في المذي وغيره

25- عن علي بن أبي طالبٍ قال: كنتُ رجلًا مَذَّاءً، فاستحييتُ أن أسأل رسول الله ﷺ؛ لمكان ابنته مني، فأمرتُ المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ.

وللبخاري: اغسل ذكرك وتوضأ.

ولمسلمٍ: توضأ، وانْضَحْ فرجك.

26- وعن عباد بن تميم، عن عبدالله بن زيد بن عاصم المازني قال: شُكِيَ إلى النبي ﷺ الرجل يُخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا يَنْفَتِل –أو: لا ينصرف- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة: الأول منها والثاني يتعلقان بالمسح على الخُفين.

والمسح على الخُفين سنةٌ، مشروعٌ؛ لما فيه من قبول أمر الله، ولما فيه من التَّسهيل والتَّيسير، لكن بشرط: أن يكون ذلك على طهارةٍ، يلبسهما على طهارةٍ، وأن يكون الخُفَّان ساترين، الخُفَّان من الجلد، أو الجوربان من الصوف، أو من القطن، أو من الشعر، أو غير ذلك، إذا كانا ساترين، ولبسهما على طهارةٍ، فإنه يمسح؛ ولهذا لما أراد المغيرة أن ينزع الخُفين قال له النبي ﷺ: دَعْهُما، فإني أدخلتُهما طاهرتين.

وفي الحديث الآخر: إذا توضأ أحدكم فلبس خُفَّيه فليمسح عليهما.

وفي حديث عليٍّ لما سُئل عن مسح الخُفين قال: "يومٌ وليلةٌ للمُقيم، وثلاثةٌ للمسافر بلياليهن".

المسافر يمسح ثلاثًا بلياليها، والمقيم يمسح يومًا وليلةً، إذا كان لبسهما على طهارةٍ، وكانا ساترين -ولو كانا من غير جلدٍ- يَسْتُران الكعبين والقدم، سواءٌ كان ذلك عن ريحٍ أو بولٍ أو غائطٍ، لا بأس، كما في حديث حذيفة : أنه بال فتوضأ ومسح على خُفَّيه، لكن إذا كان على جنابةٍ لا بد من الخلع، إذا كانت عليه جنابةٌ يخلع ويغسل بدنه كله، وإنما يمسح إذا كان الحدث أصغر، يتوضأ ويمسح يومًا وليلةً إذا كان مُقيمًا، وثلاثة أيامٍ بلياليها إذا كان مُسافرًا.

والمبدأ من أول مسحٍ بعد الحدث، يحتسب ذلك من أول مسحٍ بعد الحدث، يحتسب اليوم والليلة من مسحه بعد الحدث.

والحائض والنفساء كذلك لا بد من الخلع، وتغسل بدنها كله، فلا تمسح، إنما المسح يكون من الحدث الأصغر.

حديث عليٍّ يدل على أن المذي نجسٌ، وأن الإنسان إذا أَمْذَى يتوضأ وضوء الصلاة.

والمذي: ماءٌ لَزِجٌ يخرج على طرف الذكر عند تحرك الشهوة، فإذا تحركت الشهوة -تحرك الذَّكَر- يخرج ماءٌ يُقال له: المذي.

هذا ينقض الوضوء، ويُوجب غسل الذَّكَر والأُنثيين؛ ولهذا قال لعليٍّ : يغسل ذكره ويتوضأ، وفي اللفظ الآخر: اغسل ذَكَرَك وأُنثييك يعني: الخصيتين، يغسل الذَّكَر والأُنثيين، ويتوضأ وضوء الصلاة من المذي.

أما المني فهو يُوجب الغسل، والفرق بينهما: أن المني ماءٌ غليظٌ، أبيض، ثَخِينٌ، يخرج بِدَفْقٍ وقوةٍ.

أما المذي: فهو ماءٌ لَزِجٌ خفيفٌ في أعلى طرف الذَّكَر عند تحرك الشهوة، هذا يُقال له: مَذْي، فإذا أصاب الثوب يُنْضَح، أو البدن، ما يحتاج إلى غسلٍ، يُنْضَح، فإذا رشَّه بالماء كفى، ويغسل الذَّكَر والأُنْثيين، ويتوضأ وضوء الصلاة من جهة المذي، سواءٌ كانت المرأة أو الرجل، كله واحدٌ، لا فرق بين الرجل والمرأة.

أما المني فهو الماء الغليظ الذي يخرج عن شهوةٍ بِدَفْقٍ ولَذَّةٍ، هذا يُوجب الغُسل، سواءٌ في اليقظة أو في النوم.

والحديث الرابع: حديث عبدالله بن زيد بن عاصم الأنصاري : أنه شُكِيَ إلى النبي ﷺ الرجل، أو شكا إلى النبي ﷺ الرجل الذي يُخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، يعني: يُخيل إليه أنه خرج منه شيءٌ في الصلاة: ريحٌ أو بولٌ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا يعني: يلغي الوساوس، لا يعمل بالوساوس والتَّخييلات؛ لأن هذا يُسبب عليه المشاكل، ويجترئ عليه الشيطان ويُؤذيه، فلا يلتفت إلى هذه الوسوسة حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، أو يتحقق شيءٌ، لو جزم أنه خرج منه شيءٌ يتوضأ.

ما دام عنده شكٌّ: خرج شيءٌ أم لا؟ فإن طهارته باقيةٌ، وليس عليه وضوءٌ.

هذا من رحمة الله وتيسير الله جلَّ وعلا: أن الإنسان لا يلتفت إلى الوساوس.