بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب المذي وغيره":
27- وعن أم قيس بنت مِحْصَنٍ الأسدية: أنها أتت بابنٍ لها صغيرٍ لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فَنَضَحَه على ثوبه ولم يغسله.
28- وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أن النبي ﷺ أُتِيَ بصبيٍّ، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فأتبعه إياه.
ولمسلمٍ: فأتبعه بوله، ولم يغسله.
29- وعن أنس بن مالكٍ قال: جاء أعرابيٌّ فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ، فلما قضى بوله أمر النبيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ من ماءٍ فَأُهْرِيقَ عليه.
30- وعن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: الفطرة خمسٌ: الختان، والاستحداد، وقصُّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونَتْف الإبط.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تتعلق بأحكامٍ متعددةٍ:
الحديث الأول: حديث أم قيس بنت مِحْصَنٍ الأسدية رضي الله عنها، وهي أخت عكاشة بن مِحْصَن، الصحابي الجليل، تقول: إنها أتت النبيَّ ﷺ بصبيٍّ لها لم يأكل الطعام، يعني: صغيرًا رضيعًا لم يأكل الطعام، فبال على ثوب النبي ﷺ، أخذه فأجلسه في حجره فبال عليه، فدعا بماءٍ فَنَضَحَه على ثوبه، ولم يغسله.
وهكذا في حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ أُتِيَ بصبيٍّ فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فأتبعه إياه، ولم يغسله.
هذان الحديثان الصحيحان يدلان على أن بول الصبي الصغير الذي لا يتغذى إلا بالحليب بوله يُرَشُّ ويُنْضَح، ولا يحتاج إلى غسلٍ؛ لأن نجاسته مُخففةٌ؛ ولهذا في حديث أبي السَّمْح -خادم النبي ﷺ-، عن النبي ﷺ أنه قال: بول الغلام الرضيع يُنْضَح، وبول الجارية يُغْسَل، وهكذا في حديث عليٍّ : بول الغلام الرضيع يُنْضَح، وبول الجارية يُغْسَل.
وهذه الأحاديث كلها تدل على أن الصبي الصغير الذي لا يأكل الطعام، إنما يتغذى بحليب أمه، هذا يُرَشُّ بوله إذا أصاب الثوب والبدن، يُرَشُّ بالماء، ويُنْضَح بالماء، من غير حاجةٍ إلى غسلٍ، ولا عَصْرٍ، ولا دَلْكٍ.
أما الجارية فبولها أغلظ فيُغْسَل، ولو كانت لا تأكل الطعام، بل يُغْسَل غَسْلًا بالعصر والفَرْك، يُصَبُّ عليه الماء ويُعْصر، هذا إذا لم يأكلا الطعام.
أما إذا أكلا الطعام واحتاجا إلى الطعام فإنه يُغْسَل الذكر والأنثى، يُغْسلان جميعًا، إذا كان الذكر يتغذى بالطعام، أما كونه يأكل الطعام اليسير، ويتغذى منه بعض الشيء، فإن هذا ما يُغذِّي، أما إذا كان غذاؤه بالطعام لا بالحليب فإنه يُغْسَل كالجارية.
والحديث الثاني: حديث أنسٍ ، عن النبي ﷺ: "أن أعرابيًّا بال في طائفة المسجد، فزجره الناس" يعني: أنكروا عليه؛ لخُبْث عمله، وهو البول في المسجد، وكان جاهلًا، حديث العهد بالإسلام، فقال النبي ﷺ: دَعُوه، فلما قضى بوله علَّمه النبي ﷺ أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيءٌ من البول والقذر، وإنما بُنيت لذكر الله وقراءة القرآن والصلاة، وقال للصحابة كما في الحديث الآخر -حديث أبي هريرة -: إنما بُعثتم مُيسرين، ولم تُبعثوا مُعسرين، ثم أمر بِدَلْوٍ من ماءٍ فَصُبَّ عليه، ولم يأمر بنقل التراب، ولا تحجير الماء، بل صُبَّ عليه الماء وكفى.
هذا يدل على فوائد:
- منها: الرفق بالجاهل، وعدم الشدة على الجاهل؛ حتى لا ينفر من الإسلام.
- ومنها: تعليمه وإرشاده إلى الحكم الشرعي؛ حتى ينتبه في المرة الأخرى ولا يفعل ما فعل.
- ومن فوائد هذا الحديث: حُسن خُلُق النبي ﷺ، وأنه كان رفيقًا، لَيِّنًا عليه الصلاة والسلام، حليمًا، كما قال الله : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا أرشدهم إلى الرفق بهذا الجاهل فقال: إنما بُعثتم مُيسرين، ولم تُبعثوا مُعسرين رواه البخاري في "الصحيح" من حديث أبي هريرة .
هذا يدل على الرفق بالجاهل، وعلى حُسن خُلُق النبي ﷺ، وعلى أنه ينبغي للأمة أن يتأسوا به ﷺ في ذلك، وأن يرفقوا ويحلموا، ولا يعجلوا. - وفيه من الفوائد: أن البول إذا وقع في المسجد –مثلًا- أو في أي بُقعةٍ يُكَاثَر بالماء، يُصَبُّ عليه الماء ويكفي، يُصَبُّ عليه ماءٌ أكثر منه ويكفي لطهارته؛ ولهذا أمر النبي ﷺ أن يُصَبَّ عليه سَجْلٌ من ماءٍ.
السَّجْل والذَّنوب والدَّلو شيءٌ واحدٌ.
ولم يأمر أن يُنقل التراب، وتُحجر الأرض، لا، يُصَبُّ عليه الماء ويكفي، يسيح فيه، وبهذا تتفرق أجزاؤه، ويغلب عليه الماء الطهور، وينتهي الأمر، لكن لو كان له جُرْمٌ، لو كان للنجاسة جُرْمٌ يُؤخذ الجُرْم ويُطرح بعيدًا في القاذورات، إذا كانت النجاسة من الغائط يُؤخذ جسم الغائط، أو القطعة من الدم تُؤخذ وتُرفع، أو ما أشبه ذلك من النَّجاسات التي لها جُرْمٌ، هذه تُرفع، ثم يُصَبُّ الماء على محلها، إذا كان محلها رطبًا يُصَبُّ الماء على محلها، أما إذا كانت يابسةً تُرفع ويكفي، ولا يُحتاج إلى صَبِّ ماءٍ، إذا كانت القطعة يابسةً وقعتْ في المسجد، تُرفع عن المسجد، ولا يُحتاج إلى صَبِّ الماء على محلها؛ لأنها يابسةٌ.
وهكذا لو كانت في بيت الإنسان، أو في حوشه، أو في سطحه، أو في أي مكانٍ، إذا صبَّ الماء على البول طهر.
وهكذا إذا كان في الفُرُش والبُسُط، وبال على البُسُط، يُصَبُّ عليها الماء، ويُكاثَر بالماء ويكفي، ولا يحتاج إلى دَلْكٍ وغَسْلٍ.
س: لو كان البول على بلاطٍ؟
ج: يُصَبُّ عليه الماء ويكفي، يسيح فيه الماء ويكفي.
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: الفطرة خمسٌ، الفطرة هي السنة التي فطر الله عليها العباد، خمس خِصالٍ:
- الختان.
- الاستحداد.
- قصُّ الشارب.
- قَلْم الظفر.
- نَتْف الإبط.
خمسةٌ، هذه من السنة، والله فطر عليها العباد، فينبغي للمسلمين الأخذ بها.
أولها: الختان
يُخْتَن الذَّكَر بأخذ القُلْفَة التي على رأس الذَّكَر، أي: الجلدة؛ لأن هذا أنظف له، وأبعد له عن آثار النجاسة، وأعون له على جِماع أهله، وهو من الفطرة.
والأنثى كذلك يُؤخذ منها شيءٌ يسيرٌ من اللحمة التي في مُقدَّم الفرج، لحمةٌ حمراء يُؤخذ منها شيءٌ يسيرٌ، وهو خِتانها، إذا تيسر مَن يفهم ذلك، وهو سنةٌ مُؤكدةٌ.
وذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب في حقِّ الرجال، وهذا مشهورٌ عن ابن عباسٍ وجماعةٍ.
والجمهور على أنه سنةٌ مُؤكدةٌ.
والثاني: الاستحداد
والاستحداد معناه: حلق العانة –الشِّعْرة- من الرجل والمرأة، سنةٌ هذا الاستحداد، وإذا أُزيل الشعر بشيءٍ من الأدوية بدلًا من الاستحداد بالموس فلا بأس، إذا وُضِعَ على العانة -وهي الشِّعْرة- دواءٌ يُزيل الشعر -مثلما يفعل الناس اليوم- كفى.
والثالث: قَصُّ الشارب
السنة قَصُّ الشارب، ولا يجوز تطويله، بل يجب قَصُّه؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: مَن لم يأخذ من شاربه فليس منا، وقال: قُصُّوا الشوارب، وأوفوا اللِّحَى، وَفِّروا اللِّحَى، أَرْخُوا اللِّحَى.
الواجب قَصُّ الشوارب، أما اللِّحى فيجب توفيرها وإرخاؤها وإعفاؤها، ولا يجوز حلقها، ولا قَصُّها.
كثيرٌ من الناس اليوم ابتُلي بهذا -نسأل الله العافية- قَصُّ اللحية وحلقها، هذا مُنكرٌ، والواجب إعفاؤها وإكرامها وتوفيرها.
أما الشارب فَيُقَصُّ ويُحْفَى كما جاءت به السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
والرابع: قَلْم الظفر
قَلْم الأظفار، السنة قَلْمها، لا تتركها تطول، من الرجال والنساء تُقلم.
والخامس: نَتْف الإبط
كذلك يُنْتَف الإبط، وإن أزاله بغير النَّتْف بالدواء كفى، إن أزال شعر الإبط بالدواء، أو أزال الأظفار بِقَصٍّ دون القلم بمقصٍّ فلا بأس.
وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال للصحابة وأوصى الصحابة بألا تُترك هذه الأمور أكثر من أربعين ليلةً، قال أنسٌ : "وُقِّتَ لنا في قَصِّ الشارب، وقَلْم الظفر، ونَتْف الإبط، وحلق العانة؛ ألا نترك ذلك أكثر من أربعين ليلةً" يعني: لا يجوز أن تُترك فوق أربعين ليلةً، بل يتعاهدها المؤمن: يَقُص شاربه، يُقلم ظفره، يَنْتف إبطه، يحلق العانة في أقلّ من أربعين ليلةً.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
س: أقول: يا فضيلة الشيخ، الختان الذي تكلمتَ عنه، نسمع في بعض البلاد أنه تُخْتَن المرأة أو.....؟
ج: سنةٌ في حقِّ الرجل والمرأة، يُخْتَنان جميعًا، سنةٌ، والرجل آكد، حتى أوجب ذلك جمعٌ من أهل العلم في حقِّ الرجل.
وفَّق الله الجميع.
**
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب الغُسْل من الجنابة":
35- وعن عبدالله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: يا رسول الله، أَيَرْقُد أحدُنا وهو جنبٌ؟ قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فَلْيَرْقُد.
36- وعن أم سلمة رضي الله عنها -زوج النبي ﷺ- قالت: جاءت أم سُليمٍ -امرأة أبي طلحة- إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحقِّ، فهل على المرأة من غُسْلٍ إذا هي احتلمتْ؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم، إذا رأت الماء.
37- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنتُ أغسل الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ، فيخرج إلى الصلاة وإن بُقَعَ الماء في ثوبه.
وفي لفظٍ لمسلمٍ: لقد كنتُ أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فَرْكًا فَيُصلي فيه.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق أيضًا بِغُسْل الجنابة، والاحتلام، وآثار المني.
في الحديث الأول الدلالة على أنه ينبغي للمؤمن إذا أراد النوم وهو جنبٌ أن يتوضأ، إذا لم يتيسر له الاغتسال يتوضأ وينام على طهارةٍ صُغْرى؛ ولهذا قال عمر : يا رسول الله، أَيَرْقُد أحدنا وهو جنبٌ؟ قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فَلْيَرْقُد، وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي ﷺ إذا أتى أهله يغسل فرجه ويتوضأ ثم ينام"، وجاء عنه ﷺ أنه ربما اغتسل قبل أن ينام.
فالأحوال ثلاثةٌ:
- إحداها: أن ينام من غير وضوءٍ ولا غُسْلٍ، وهذا مكروهٌ، وهو خلاف السنة.
- الحالة الثانية: يتوضأ وضوء الصلاة، يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة، وهذا لا بأس به.
- الثالثة: أنه يتوضأ ويغتسل، وهذا هو الأكمل، إذا اغتسل كمَّل طهارته، وكان هذا أكمل.
وكان النبي ﷺ يفعل هذا تارةً، وهذا تارةً؛ ربما اغتسل، وربما توضأ ونام، كلاهما جائزٌ.
والوضوء والغُسل بعد الاستنجاء، بعدما يستنجي؛ يغسل ذَكَره وما حوله، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، ثم يغتسل إن شاء قبل أن ينام -وهو أفضل- وإن شاء أخَّر إلى آخر الليل.
وجاء في بعض الروايات عن عائشة رضي الله عنها: أنه كان ينام وهو جنبٌ من غير أن يمسَّ ماءً.
وهذا الحديث محمولٌ على أنه لا يمسّ ماء الغُسل، وبعضهم أَعَلَّه، بعض أهل العلم أَعَلَّ ذلك، ولكن حَمْله على ماء الغُسل حتى يتفق مع الأحاديث الصحيحة حَمْلٌ مُناسبٌ؛ لأن المراد بالماء ماء الغُسْل.
وفي الحديث الثاني: أن أم سُليم رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحقِّ، فهل على المرأة من غُسْلٍ إذا هي احتلمتْ؟ فقال النبي ﷺ: نعم، إذا رأت الماء.
هذا دلَّ على حكمٍ عظيمٍ وهو: أن الاحتلام لا يُوجب الغُسل إلا إذا رأى المحتلمُ الماء، وهو المني، وهذا معنى قوله ﷺ: الماء من الماء، "الماء" من الغُسل "من الماء" ماء الجنابة، وهو المني.
فلو احتلم الإنسان ولكن ما رأى مَنِيًّا فلا غُسْل عليه، سواءٌ كان رجلًا أو امرأةً، إذا رأى في النوم أنه أتى امرأةً، أو رأت هي في النوم أن زوجها أو غيره أتاها، وبعد الاستيقاظ لم يوجد ماءٌ، ما هناك أثر مَنِيٍّ: لا في الفرج، ولا في الثياب؛ فلا غُسْل.
وإن رأى الماء ولم يذكر احتلامًا وجب الغُسل، حتى ولو ما ذكر الاحتلام، استيقظ ورأى المني يغتسل، ولو لم يذكر الاحتلام؛ لأن الظاهر أنه من الاحتلام: الماء من الماء.
وفيه من الفوائد: لا مانع من سؤال الإنسان عما أشكل عليه وإن كان قد يُستحيا من ذلك، بل الواجب أن يسأل عما يهمه من أمور دينه: من أمر الجِماع، وأمر النَّجاسة، وما قد يُشكل عليه مما قد يقع بينه وبين أهله، إلى غير ذلك مما يكون أمورًا سريةً في العادة بين الرجل وأهله، لكن إذا أشكل عليه الحكم يسأل أهل العلم عن الحكم: إن الله لا يستحيي من الحقِّ.
والحديث الثالث: حديث عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تغسل الجنابة -وهي المني- من ثوب رسول الله ﷺ، فيخرج إلى الصلاة وإن أثر الماء في ثوبه، وربما حَكَّته من ثوبه حَكًّا، وفَرَكَتْه فَرْكًا.
وفي اللفظ الآخر: "لقد كنتُ أَحُكُّه يابسًا بظفري من ثوبه".
احتجَّ به العلماء على أن المني طاهرٌ؛ لأنه أصل الإنسان، المني هو أصل الإنسان، والإنسان طاهرٌ، فأصله -وهو المني- طاهرٌ، فلو صلى وبثوبه مَنِيٌّ صحَّت الصلاة، لكن الأفضل أن يغسله كما غسله النبي ﷺ من باب النظافة، وإن كان يابسًا فَرَكَه، أو حَكَّه بظفره، أو بعوده، أو نحو ذلك، كفى ذلك، ولكن إذا غسله يكون أكمل في النظافة كما وقع هذا في حديث عائشة رضي الله عنها هنا.
فالخلاصة: أن المني طاهرٌ بنفسه، فإن غسله كان أكمل، وإن حَكَّه بعودٍ أو بعظمٍ أو بظفره؛ لكونه يابسًا كفى ذلك، ولا يلزم الغسل، وإنما يُستحب الغسل من باب النظافة وإزالة آثار المني.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
**
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب الغسل من الجنابة":
39- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: إذا جلس بين شُعَبِها الأربع، ثم جَهَدَها، فقد وجب الغُسل.
وفي لفظٍ لمسلمٍ: وإن لم يُنزل.
40- وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي : أنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبدالله، وعنده قومٌ، فسألوه عن الغُسل، فقال: يكفيك صاعٌ. فقال رجلٌ: ما يكفيني. فقال جابرٌ: كان يكفي مَن هو أوفى منك شعرًا وخيرٌ منك. يريد رسول الله ﷺ، ثم أَمَّنا في ثوبٍ.
وفي لفظٍ: كان رسول الله ﷺ يُفْرِغ الماء على رأسه ثلاثًا.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذان الحديثان الصحيحان عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كالأحاديث التي قبلهما فيما يتعلق بغُسل الجنابة.
تقدم قوله ﷺ لما سألته أم سُليمٍ عن المرأة إذا احتلمت، قال: عليها الغُسل إذا رأت الماء.
فهذا يدل على أنه متى رأى الإنسان الماء وجب عليه الغُسل، رجلًا كان أو امرأةً، في الاحتلام أو في اليقظة، مع الشهوة، أو مع التفكير، أو النظر، أو الملامسة، يجب الغُسل؛ ولهذا قال ﷺ: الماء من الماء.
وفي حديث أبي هريرة يقول ﷺ: إذا جلس بين شُعَبِها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغُسل وإن لم يُنزل، هذا مُوجبٌ ثانٍ، وهو الجِماع وإن لم يُنزل الماء، فإنه يجب عليه الغُسل.
فاتَّضح من هذا أن الغُسل يجب بأحد أمرين:
- إما إنزال المني عن شهوةٍ في الاحتلام أو في اليقظة.
- أو بإيلاج الفرج في الفرج، بإيلاج الذَّكَر في فرج المرأة، وإن لم يُنْزل، فإنه يجب الغسل.
وهذا معنى الحديث الثاني: قوله ﷺ: إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغُسل، وفي روايةٍ: إذا التقى الختانان فقد وجب الغُسل يعني: ختانه مع ختانها، إذا أَوْلَجَ الحَشَفَة واتَّصل الختان بموضع الختان وجب الغسل وإن لم يُنْزل المني، فإن أنزل وجب بالأمرين: وجب بالإيلاج، ووجب بالماء؛ بخروج المني، جميعًا، بهما جميعًا.
وفي الحديث الأخير -حديث جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما- دلالةٌ على أن السُّنة في الغُسل الاقتصاد في الماء وعدم الإكثار منه؛ ولهذا لما تناظروا في الغُسل قال لهم جابرٌ : "يكفيك صاعٌ"، فقال السائل: ما يكفيني. فقال جابرٌ : "كان يكفي مَن هو أوفى منك شعرًا وخيرٌ منك" يعني: الرسول ﷺ كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالـمُدِّ، وربما اغتسل بخمسة أمدادٍ، وربما اغتسل مع زوجته من فَرَقٍ يَسَعُ ثلاثة آصُعٍ.
فيكون الغُسل من هذا المقدار: صاع ومُدّ، صاع ونصف، هكذا السنة أن يقتصد، فلا يُكثر في صَبِّ الماء، السنة الاقتصاد في الماء، وعدم الإسراف.
وهكذا إذا كان يغتسل تحت الدُّشِّ أو تحت أنبوبٍ آخر يقتصد، إذا عمَّم جسده بالماء كفى، والحمد لله.
والسنة أن يبدأ بالاستنجاء، يستنجي، يغسل فرجه ..... ثلاثًا، يُدخل أصابعه في أصول شعره ويكفي، وإن كان مشدودًا لا حاجة إلى النَّقْض في غُسل الجنابة، أما في الحيض والنفاس فالأفضل النَّقْض؛ لأن المدة تطول في الحيض والنفاس.
"ثم أَمَّنا في ثوبٍ" أي: ثم صلى بنا في ثوبٍ واحدٍ، يعني: جابرًا ؛ ليُعلمهم كيفية الصلاة، وأنه لا بأس أن يُصلي الإنسان في ثوبٍ واحدٍ يعقد أطرافه على عاتقيه، أي: في ثوبٍ واحدٍ، أي: في إزارٍ، وأطرافه على عاتقيه، لا بأس، وإن كان في ثوبين يكون أفضل: إزار ورداء، أو قميص، لكن لو صلى في ثوبٍ واحدٍ، يعني: إزارًا وربط طرفيه على عاتقيه فلا بأس؛ لقوله في حديثٍ آخر عليه الصلاة والسلام: الْتَحِفْ به، وفي اللفظ الآخر: خالف بين طرفيه.
ولا يُصلي في ثوبٍ واحدٍ دون أن يجعل على عاتقه شيئًا؛ كالإزار الذي على نصفه فقط، فالواجب أن يجعل على عاتقيه شيئًا: إما طرف الإزار، وإلا رداءٌ مُستقلٌّ؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لا يُصَلِّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيءٌ.
فالواجب أن يُصلي في إزارٍ ورداءٍ، أو في إزارٍ يُخالف بين طرفيه، أطرافه على عاتقيه كما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام إلا إذا كان عاجزًا، ما عنده إلا إزارٌ قاصرٌ لا يصل إلى عاتقيه، أو ما عنده إلا سراويل، صلَّى فيها والحمد لله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، لكن إذا كانت عنده سعةٌ فالسنة أن يكون على عاتقيه شيءٌ: رداء، أو يلبس قميصًا على إزارٍ، هذا هو الواجب، إذا كانت عنده قُدرةٌ وجب عليه أن يلبس رداءً، أو يلبس قميصًا، أو يلبس شيئًا مما يستر عاتقيه: كالفانيلة، وما أشبهها، الفانيلة الساترة لعاتقيه، وما أشبه ذلك، أو أحدهما، وبذلك يحصل له المقصود، ولكن كونها على العاتقين جميعًا -كالرداء أو الفانيلة الساترة للمنكبين- يكون هذا هو الواجب عند القُدرة.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
**
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
6- باب التيمم
41- عن عمران بن حصين : أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا مُعتزلًا لم يُصَلِّ في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تُصلي في القوم؟ فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابةٌ ولا ماء. فقال: عليك بالصَّعيد، فإنه يكفيك.
42- وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: بعثني النبي ﷺ في حاجةٍ، فأجنبتُ، فلم أجد الماء، فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعيد كما تَمَرَّغ الدابة، ثم أتيتُ النبيَّ ﷺ فذكرتُ ذلك له، فقال: إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربةً واحدةً، ثم مسح الشِّمال على اليمين، وظاهر كفَّيه ووجهه.
43- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ قال: أُعطيتُ خمسًا لم يُعْطَهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصرتُ بالرعب مسيرة شهرٍ، وجُعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فَأَيُّما رجلٍ من أُمتي أدركته الصلاة فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي المغانم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصةً، وبُعثتُ إلى الناس عامةً.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالتيمم، والتيمم رحمةٌ من الله لعباده وتيسيرٌ عليهم، إذا فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله أن يستعملوا التيمم.
والتيمم مصدر: تيمم، يتيمم، تيممًا، وهو قصد الصَّعيد -يعني: وجه الأرض- بضربه بيديه على وجه الأرض، يعني: بكفيه، ثم يمسح بهما وجهه وكفَّيه بدلًا من الوضوء بالماء عند فقد الماء، أو عند العجز عن استعماله لمرضٍ ونحوه، فإنه يضرب التراب بيديه –بكفيه- ويقول: بسم الله، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه، ويقوم هذا مقام الماء، فيكون طهورًا، كما في الحديث الآخر يقول ﷺ: الصَّعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، وهو يقوم مقام الماء في رفع الحدث، وفي جواز الصلاة به، والطواف، ومسّ المصحف، ونحو ذلك، كالماء، هذا هو الصواب.
قال بعض أهل العلم: إنه مُبِيحٌ، لا رافع.
والصواب أنه يرفع الحدث إلى وجود الماء، أو إلى انتقاض الطهارة بما ينقض الوضوء.
الحديث الأول: حديث عمران بن حصين بن عُبيد الخُزاعي وعن أبيه: أن النبي ﷺ في السفر رأى رجلًا مُعتزلًا لم يُصَلِّ مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان؟ قال: يا رسول الله، أصابتني جنابةٌ ولا ماء. يعني: عليَّ جنابةٌ ولم أجد ماءً؛ فلهذا تأخر عن الصلاة مع الناس، فقال له المصطفى عليه الصلاة والسلام: عليك بالصَّعيد، فإنه يكفيك، عليك بالتيمم، قصد الصَّعيد، الصَّعيد: وجه الأرض، فإنه يكفيك يعني: يقوم مقام الماء عند فقد الماء.
وهذا من رحمة الله وتيسيره جلَّ وعلا، ودلَّ على هذا قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6].
والصعيد يشمل التراب والرمل والحصى والنّورة، وكل وجه الأرض، لكن إذا تيسر التراب فهو مُقدَّمٌ؛ للحديث الصحيح: وجُعل التراب لي طهورًا، فإذا تيسر التراب تيمم من التراب، وإن لم يتيسر وصار في أرضٍ فيها رملٌ، أو أرضٍ صفاء ما فيها رملٌ ولا شيءٌ، يتيمم من وجه الأرض، يضرب وجه الأرض ويكفي.
وفي حديث عمارٍ الدلالة على أنه يكفي أن يضرب التراب بيديه ويمسح وجهه وكفَّيه، وكان عمارٌ لما أصابته جنابةٌ تَمَرَّغ في الصَّعيد كما تَمَرَّغ الدابة؛ ظنًّا منه أن التيمم عن الجنابة مثل الغُسل، يعني: يعمّ البدن كله، فقاس هذا على هذا، فلما أخبر النبيَّ ﷺ بما فعل قال: إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بهما التراب، ومسح بهما وجهه وكفيه، يكفي، ولا حاجة إلى أن يَتَمَرَّغ في الأرض، أو يمسح ذراعيه، أو قدميه، لا حاجة إلى هذا، الوجه والكفَّان يكفيان؛ ولهذا قال: إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض، ومسح بهما وجهه وكفيه، وهذا معنى ما دلَّ عليه القرآن في قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6].
واليد إذا أُطلقتْ فالمراد بها الكفّ، هذه اليد إذا أُطلقتْ فالمراد بها الكفّ، من مفصل الكفِّ إلى أطراف الأصابع، هذه اليد عند الإطلاق، كما في قوله جلَّ وعلا: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا [المائدة:38]، والمقطوع هو الكفُّ، ما يُقطع الذراع، ولا العَضُد، اليد التي تُقطع من أطراف الأصابع إلى الكفِّ، يعني: مفصل الكفِّ من الذراع، فهكذا في التيمم يمسح الكفَّين.
أما في الوضوء فإلى المرافق، يغسل الذراعين إلى المرافق؛ ولهذا قال: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6] يعني: في الوضوء، أما في التيمم فإنه يكفيه الكفَّان.
وما ورد عن بعض الصحابة: أنهم مسحوا الذراعين، وبعضهم مسح العَضُدين إلى الآباط، فهذا قياسٌ منهم على الماء، وبعضهم اجتهادٌ منه، وجاءت الشريعة تُبين الحكم الشرعي، وأنه ليس هناك مسحٌ على الذراعين، ولا على العَضُدين، إنما المسح يكون في الكفَّين في التيمم، كما أوضح النبي ﷺ بفعله وبقوله في حديث عمارٍ .
والحديث الثالث: حديث جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه وعن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قال: أُعطيتُ خمسًا يعني: خمس خِصالٍ، لم يُعْطَهنَّ أحدٌ قبلي أي: من الأنبياء، وهذه الخمس من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وله خصائص كثيرةٌ عليه الصلاة والسلام، لكن هذه الخمس منها.
نُصرتُ بالرعب مسيرة شهرٍ نصره الله بالرعب منه مسيرة شهرٍ، يعني: الله يُنزل في قلوب العدو الرعبَ منه ﷺ مسيرة شهرٍ، وهم عنه مسيرة شهرٍ.
وهكذا يحصل لمن اتَّبعه واستقام على دينه، ينصرهم الله بقوته وبالرعب مسافة شهرٍ؛ لأن مَن اتَّبعه أعطاه الله هذا الخير، وهذه منحةٌ عظيمةٌ في إنزال الرعب في قلوب الأعداء مسافة شهرٍ.
الثانية: وجُعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجلٍ أدركته الصلاة فَلْيُصَلِّ، فالله جعل له الأرض مسجدًا وطهورًا.
كان الأولون إذا حضرت الصلاة وليسوا في مساجدهم أو بِيَعِهم أخَّروها حتى يأتوا إلى موضع الصلاة عندهم من البِيَع والصوامع والمساجد.
فالله وسَّع لهذه الأمة ويسَّر لها فجعل الأرض كلها مسجدًا لها، والحمد لله، فإذا كان في السفر أو في أي مكانٍ بعيدًا عن المسجد، صلى في أي مكانٍ، والحمد لله؛ ولهذا قال: وجُعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فَأَيُّما رجلٍ من أُمتي أدركته الصلاة فَلْيُصَلِّ، وفي اللفظ الآخر: فعنده مسجده وطهوره، مسجده: الأرض، وطهوره: التراب، وهذا من تيسير الله، ومن رحمته .
الثالثة: وأُحلت لي المغانم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، المغانم حلالٌ لهذه الأمة، وهي المال المأخوذ من الكفار، إذا استولى المسلمون على الكفار فإن المغانم التي هي أموالهم حِلٌّ للمسلمين، يُنْزع منها الخمس لبيت المال، وأربعة أخماسٍ تُقسم بين الغانمين، بين الجنود، للراجل سهمٌ، وللفارس سهمان إذا كان عنده فرسٌ، إذا كان في القتال خيلٌ، الفارس يُعطى ثلاثة أسهمٍ: سهمٌ له، وسهمان لفرسه، والراجل يُعطى سهمًا واحدًا، وهكذا صاحب المطية سهمٌ واحدٌ.
كان الأولون إذا فرغوا من القتال وسُلِّمتْ مغانمهم تأتي نارٌ فتأكل المغانم إذا قُبلتْ، أما هذه الأمة فرحمها الله وأحلَّ لها المغانم؛ فضلًا منه وإحسانًا ؛ ولهذا قال: ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي عليه الصلاة والسلام.
الرابعة: وأُعطيتُ الشفاعة، أعطاه الله الشفاعة، وهي الشفاعة العُظمى لأهل الموقف يوم القيامة، يشفع فيهم حتى يُقْضَى بينهم، هذه من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وليست لبقية الأنبياء، فإذا كان يوم القيامة، واجتمع الناس، واشتدَّ الأمر، تقدم ﷺ وحمد ربه، وسجد بين يديه، وحمده بمحامد عظيمةٍ حتى يأذن له، ثم يأذن له سبحانه، فيُقال له: اشفع تُشَفَّع، وسَلْ تُعْطَه، فيشفع عند ذلك، ويسأل ربه أن يقضي بين الناس.
وهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله في كتابه في سورة بني إسرائيل: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، هذا هو المقام المحمود، يحمده به الأولون والآخرون؛ لأنه يقوم مقامًا عظيمًا، يحمد الله فيه ويُثني عليه ويسجد، ثم يُقال له: ارفع رأسك، وقُلْ تُسْمَع، واشفع تُشَفَّع، فيرفع رأسه ﷺ من سجوده، فيشفع إلى الله أن يقضي بين الناس.
وله شفاعاتٌ أخرى لمن دخل النار من أُمته عليه الصلاة والسلام، وله شفاعاتٌ في دخول أهل الجنة الجنة، لكن هذه الشفاعة العُظْمى خاصةٌ به عليه الصلاة والسلام.
وهكذا الشفاعة في ..... لا يدخلونها إلا بشفاعته عليه الصلاة والسلام.
وله شفاعةٌ ثالثةٌ خاصةٌ به، وهي الشفاعة في عمِّه أبي طالب، كان في دركات النار وفي غمرات النار، والسبب: أنه مات على الكفر بالله، فشفع فيه حتى جعله الله في ضَحْضَاحٍ من النار يغلي منه دماغه -نسأل الله العافية-؛ لأنه نصر النبي ﷺ وأحاطه وحماه في حياته، لكنه مات على الكفر -نعوذ بالله-؛ ولهذا صار من أهل النار، فصارت الشفاعة في التَّخفيف عنه تخفيفًا لا يُخرجه من النار، بل يجعله في الطبقة الأولى منها، في ضَحْضَاحٍ منها.
وهذه الشفاعة خاصةٌ بأبي طالب، وخاصةٌ بالنبي ﷺ، وهي مُستثناةٌ من قوله جلَّ وعلا: فَمَا تَنْفَعُهُمْ يعني: الكفار شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، فالكفار ما تنفعهم شفاعة الشافعين إلا هذه الخاصة التي في أبي طالب مُستثناةٌ، جاء بها النص، يعني: نفعته بعض النفع، وإن كان مُخلدًا في النار، ومُعذَّبًا في النار، لكنه خُفِّف عنه بعض الشيء بأسباب شفاعته عليه الصلاة والسلام.
الخصلة الخامسة: أنه بُعث للناس عامةً، والأنبياء يُبعثون إلى أقوامهم، كل نبيٍّ يُبعث إلى قومه، أما نبينا محمدٌ ﷺ فَبُعِثَ إلى الناس عامةً: الجن والإنس، يدعوهم إلى الله، وإلى توحيد الله، فمَن آمن به واتَّبعه فله الجنة، من الجنِّ والإنس، والعرب والعجم، والذكور والإناث، ومَن لم يقبل منه ولم يُصدقه فله النار -نعوذ بالله- كما قال الله سبحانه: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، فهو رسول الله إلى الثقلين: الجن والإنس، مَن أجاب دعوته واستقام على دينه فله الجنة والكرامة، ومَن حاد عن ذلك واستكبر عن ذلك فله النار والخيبة والنَّدامة.
نسأل الله لنا ولكم العافية والسلامة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.
**
أما بعد:
فهذه الأحاديث الخمسة تتعلق بالحيض وأحكامه.
والحيض: دمٌ يخرج من المرأة بصفةٍ مُعتادةٍ بالنسبة إلى غالب النساء كل شهرٍ، وهو دم طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ، جَبَلَ الله عليها بنات آدم، يخرج من قَعْر الرحم، والله جلَّ وعلا جعله علامةً على خلو الرحم من الولد، وأن المرأة ليست حاملًا، فإذا انقطع صار علامةً على حملها إذا كانت من أهل الحمل.
وله أحكامٌ:
- منها: أن الحائض تدع الصوم أيام رمضان وغيره، لا تصوم وهي حائض.
- ومنها: أنها تدع الصلاة، فلا تُصلي، ولا تقضي، بل تسقط عنها بالكلية؛ فضلًا من الله وإحسانًا منه ؛ لأن الحيض يدوم أيامًا عديدةً، ففي قضاء الصلاة مشقةٌ عليها، فمن رحمة الله أن جعل الحيض مُسْقِطًا للصلاة: فرضًا وقضاءً، أداءً وقضاءً.
أما الصوم فإنها لا تصوم، ولكنها تقضي الواجب إذا طهرتْ، كرمضان، تُكمل وتقضي ما أفطرتْ منه.
وهناك أحكامٌ أخرى تتعلق بالحيض.
في الحديث الأول: حديث فاطمة بنت أبي حُبَيشٍ رضي الله عنها: أنها كانت تُسْتَحاض، فسألت النبيَّ ﷺ، فقال: إنما ذلك دم عِرْقٍ، وليس بحيضٍ، فإذا أقبلت الحيضة فَدَعِي الصلاة، وإذا أدبرتْ فاغسلي عنكِ الدم وصلِّي، وفي اللفظ الآخر: فاغتسلي وصلِّي.
وهكذا في حديث أم حبيبة رضي الله عنها: أنها استُحيضتْ سبع سنين، فأمرها النبي ﷺ أن تغتسل إذا انتهت مدة الحيض، قال لها: دَعِي الصلاة قدر ما كانت تحبسك حيضتُكِ، ثم اغتسلي وصلِّي، فالحائض تدع الصلاة أيام حيضها، ولا تقضي، وتدع الصوم أيام حيضها، ولا تمسّ المصحف وهي حائض.
والدم الذي يستمر معها يُقال له: دم استحاضةٍ، فتُصلي وتصوم وتحلُّ لزوجها إذا اغتسلتْ من دم الحيض.
فالدم المستمر يُقال له: دم الاستحاضة، وهو دمٌ يخرج من أدنى الرحم بسبب مرضٍ؛ ولهذا سمَّاه النبيُّ ﷺ: "دم عِرْقٍ"، فلا يمنع الصلاة، ولا يمنع الصوم، ولا يمنع الزوج.
فإذا أصابها دم الاستحاضة فإنها تبقى أيام مدة الحيض المعتادة: خمسة أيامٍ أو ستة أو سبعة، عادتها، تبقى لا تُصَلِّي، ولا تصوم، فإذا مضت العادة اغتسلتْ وصلَّتْ وصامتْ ولو كان معها دم الاستحاضة الذي استمرَّ معها.
لهذا أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها استمرَّ معها الدم سبع سنين، وكان النبي ﷺ يأمرها إذا مضت العادة أن تغتسل وتُصلي ولو كان معها الدم؛ لأنه دم مرضٍ، مثل: صاحب السَّلَس الذي معه البول دائمًا، فتصلي وتصوم وتتوضأ لوقت كل صلاةٍ؛ ولهذا قال النبي ﷺ في رواية فاطمة رضي الله عنها: توضَّئي لكل صلاةٍ، وفي اللفظ الآخر: توضَّئي لوقت كل صلاةٍ.
فإذا دخل وقت الظهر توضأتْ وصلَّتْ إلى وقت العصر، وإذا جاء وقت العصر توضأتْ وصلَّتْ إلى وقت المغرب، وهكذا، تستنجي، تغسل فرجها، وتتوضأ وضوء الصلاة وتُصلي مدة الوقت: فروضًا ونوافل، فإذا دخل وقتٌ آخر فكذلك: تستنجي، وتتوضأ وضوء الصلاة، وتُصلي في الوقت فرضًا ونفلًا، وتحلُّ لزوجها؛ لأن هذا الدم دمٌ عارضٌ، دمٌ فاسدٌ، ليس بحيضٍ.
أما أيام الحيض المعتادة: خمسة أو ستة أو سبعة أو نحو ذلك، فهذه أيامٌ لا تُصلي فيها، ولا تصوم، ولا تحلُّ لزوجها؛ لأنه دم حيضٍ.
ومثل ذلك: لو كان مع الإنسان البول الدائم، أو المذي الدائم، فإنه يتوضأ لوقت كل صلاةٍ، ويُصلي على حسب حاله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، يتوضأ لكل صلاةٍ، يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة، ويصلي الفرض والنَّفل إلى الوقت الآخر، كالمستحاضة.
الحديث الثالث: حديث عائشة رضي الله عنها، أخبرتْ أنها كانت تغتسل مع النبي ﷺ من الجنابة بإناءٍ واحدٍ، هذا يدل على جواز اغتسال الزوج وزوجته من إناءٍ واحدٍ، يرى كل واحدٍ الآخر؛ لأنها تحلُّ له، وهو يحلُّ لها، فلا مانع أن يغتسلا جميعًا في حمامٍ، ينظر أحدهما إلى الآخر، لا بأس بذلك من إناءٍ واحدٍ.
وكان يتَّكئ في حجرها فيقرأ القرآن، دلَّ على أنه لا بأس أن يضع رأسه على فخذها؛ ليستريح، أو ينام، أو يقرأ القرآن، ولو كانت حائضًا، هذا لا يضر؛ لأن حيضها في فرجها لا يمنع قراءة القرآن، ولا يمنع اتِّكاءه على فخذها، ولا يمنع أن تخدمه؛ ولهذا كانت تغسل رأسه عليه الصلاة والسلام وتُرَجِّله –عائشة- وهي حائضٌ رضي الله عنها.
هذا يدل على أن الحائض ليست بنجسٍ، فلها أن تقرأ، ولها أن تخدم زوجها: تُقدم الطعام، تُقدم الماء، تُقدم اللَّبَن.
وكان النبي ﷺ يشرب من محل فمها، ويَتَعَرَّق العظم بعدها وهي حائضٌ، كل هذا يُبين للناس أن هذا لا حرج فيه، وأنها طاهرةٌ: عَرَقها طاهرٌ، وشعرها طاهرٌ، وبدنها طاهرٌ، ولو وضعتْ يدها في ماءٍ أو في لبنٍ أو في طعامٍ يكون طاهرًا.
النَّجاسة في الحيض، ما هي في اليد؛ ولهذا لما قال لها ذات يومٍ: ناوليني الخُمْرَة من المسجد حصيرٌ في المسجد، قالت: يا رسول الله، إني حائضٌ. فقال: إن حيضتك ليست في يدكِ.
فالحائض تعمل في بيتها، تخدم في بيتها، تلمس الطعام، لا يضرّ، تُقدم الطعام، وثيابها طاهرةٌ، وعَرَقها طاهرٌ، لكن إذا أصابها شيءٌ من الدم، أصاب شيئًا من بدنها، أو أصاب شيئًا من ثيابها تغسله، ما أصابه الدم تغسله، وأما هي في نفسها فطاهرةٌ كالجنب، فالجنب طاهرٌ، إذا عرق في ثيابه وهو جنبٌ قبل أن يغتسل فهو طاهرٌ، وثيابه طاهرةٌ، وعرقه طاهرٌ، ويده طاهرةٌ، إنما عليه الغُسل فقط.
وقالت مُعاذة لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين، أتقضي الحائض الصوم والصلاة؟ فقالت لها عائشة رضي الله عنها: "أحروريةٌ أنت؟" نسبةً إلى حروراء، وهي الطائفة التي يُقال لها: الحروريون، وهم الخوارج، يُشدِّدون ويتعنَّتون ويتنطَّعون؛ ولهذا قالت لها عائشة رضي الله عنها: "أحروريةٌ أنت؟" يعني: من المشدِّدين المتكلِّفين، قالت: لا، ولكني أسأل. فقالت رضي الله عنها: "كان يُصيبنا ذلك في عهد النبي ﷺ فنُؤمر بقضاء الصوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة"، فالحائض والنفساء تقضيان الصوم، ولا تقضيان الصلاة.
فلو بقيت النفساء أربعين يومًا والدم معها، فإنها لا تقضي الصلاة، ولكن تقضي رمضان، إذا صادفها رمضان تقضيه، فإذا انتهت المدة –الأربعون- وهي معها الدم تغتسل وتُصلي، ما بعد الأربعين، إذا تمَّت الأربعين ولم تطهر فإنها في حكم الطاهرات؛ تغتسل وتُصلي ولو معها الدم، يكون دم فسادٍ كالمستحاضة، إلا إذا وافقت وقت الحيض؛ تجلس وقت الحيض، الدورة المعتادة.
أما الصلاة التي تركتها في أيام النفاس أو في أيام الحيض فإنها ساقطةٌ، لا تُقْضَى؛ فضلًا من الله، ونعمةً من الله، ورحمةً منه .
أما الصوم فإنها تقضيه، صوم رمضان تقضيه بعد طُهْرها، مثلما قالت عائشة رضي الله عنها: "كنا نُؤمر بقضاء الصوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة"، وهذا محل إجماعٍ بين أهل العلم، أجمع العلماء على أن الحائض والنفساء تقضيان الصوم، ولا تقضيان الصلاة؛ لهذه الأحاديث وما جاء في معناها.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله.