بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
كتاب الصلاة
باب المواقيت
50- عن أبي عمرٍو الشَّيباني، واسمه: سعد بن إياسٍ.
الشيخ: واسمه، همزة وصلٍ.
واسمه: سعد بن إياسٍ قال: حدثني صاحب هذه الدار -وأشار بيده إلى دار عبدالله بن مسعودٍ - قال: سألتُ النبيَّ ﷺ: أي الأعمال أحبُّ إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها، قلتُ: ثم أي؟ قال: بِرُّ الوالدين، قلتُ: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهنَّ رسول الله ﷺ، ولو استزدتُه لزادني.
51- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد كان رسول الله ﷺ يُصلي الفجر فيشهد معه نساءٌ من المؤمنات مُتَلَفِّعاتٍ بمُرُوطِهنَّ، ثم يرجعن إلى بيوتهن، ما يعرفهن أحدٌ من الغَلَس.
52- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كان النبي ﷺ يُصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقيةٌ، والمغرب إذا وجبتْ، والعشاء أحيانًا وأحيانًا؛ إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّر، والصبح كان النبي ﷺ يُصليها بِغَلَسٍ.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالصلاة، والصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي أعظم الأركان وأهمها بعد الشهادتين، وكان فرضها في مكة المكرمة قبل الهجرة بثلاث سنواتٍ، فرضها الله على نبيه ﷺ من غير واسطةٍ، بل عرج به إلى السماء، وتلقى فرضها من الله من دون واسطةٍ، بل كلَّمه بذلك، وفرض عليه الصلوات الخمس جلَّ وعلا.
وهذا يدل على عِظَم شأنها، فالله ما أرسل بها ملكًا، بل فرضها مُشافهةً بكلامه من دون واسطةٍ، فكلم الله نبيَّه عليه الصلاة والسلام وفرضها خمسين، ثم لم يزل عليه الصلاة والسلام يتردد إلى ربه ويسأله التَّخفيف حتى جعلها خمسًا، وكان ذلك بأسباب لقائه لموسى عليه الصلاة والسلام في السادسة، وأشار عليه موسى عليه السلام بأن يسأل ربه التخفيف، وهذا من أمر الله، فالله جلَّ وعلا جعل موسى يُكلمه في ذلك، ويُشير عليه بالرجوع؛ لما مضى في علمه سبحانه وحكمته أنه يجعلها خمسًا .
قال له موسى عليه السلام لما أخبره نبينا ﷺ بالصلوات الخمس وأن الله فرض عليه خمسين. قال: إني قد بلوتُ الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، وإن أُمتك لا تُطيق ذلك، فارجع إلى ربك واسأله التخفيف، فلم يزل يرجع ويسأل ربه التخفيف حتى جعلها خمسًا؛ فضلًا منه وإحسانًا ، وهي خمسٌ في العمل، وخمسون في الأجر، الحسنة بعشر أمثالها.
ومَن أدَّى الخمس، وحافظ عليها، وأدَّى حقَّها؛ كمَّل الله له أجر الخمسين.
وهي فرضٌ على الرجال والنساء من المكلفين خمس مراتٍ في اليوم: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر.
أما الجمعة فهي فرض الوقت في يومها، هي الخامسة بدل الظهر.
أما غير المكلَّف -كالصغير الذي لم يبلغ- فليست فرضًا عليه، ولكنه يُؤمر بها إذا بلغ سبعًا، ويُضرب عليها إذا بلغ عشرًا؛ ليعتادها، ويستقيم عليها، حتى إذا بلغ فإذا هو قد استقام عليها، وعرف شأنها، فلا يصعب عليه أداؤها بعد ذلك.
أما المعتوه والمجنون ونحوهما ممن لا عقلَ له فليس عليهم صلاةٌ، وإنما يُخاطَب بها أهل الإسلام، والكافر لا يُخاطَب بها من جهة الفعل، وإن كان يُخاطَب بها من جهة العقاب، فالكفار مُخاطَبون بفروع الشريعة، ويُعاقبون عليها يوم القيامة، لكن لا يُطالبون بأداء الصلاة حتى يُسلموا؛ يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا أسلموا أُمروا بالصلاة، فإن أدَّوها وإلا وجبتْ استتابتهم، وقتل مَن لم يُؤدِّها: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، فمَن لم يُؤدِّ الزكاة، ولم يُؤدِّ الصلاة، فلا يُخلَّى سبيله، وشأنها عظيمٌ، وفضلها كبيرٌ.
ومَن حافظ على الصلوات الخمس كفَّر الله له ما بينها من السيئات ما لم تُغْشَ الكبائر.
وفي حديث ابن مسعودٍ : أنه سأل النبيَّ ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، حين تُؤدَّى في الوقت فهذا أفضل الأعمال، فالوقت شرطٌ لها، لا بد من أدائها في الوقت، ولا يجوز تأخيرها، ولا تقديمها، فمَن أخَّرها أَثِمَ، وعليه القضاء، وإن قدَّمها لم تصح.
وهي عمود الإسلام؛ كما في الحديث: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيحٍ عن عبدالله بن عمرو، عن النبي ﷺ: أنه ذكر الصلاة يومًا بين أصحابه فقال: مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبُرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لم يُحافظ عليها لم يكن له نورٌ ولا بُرهانٌ ولا نجاةٌ، وحُشِرَ يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأُبي بن خلف -نسأل الله السلامة- صناديد الكفرة، مَن ضيَّع الصلاة حُشر مع هؤلاء.
قال بعض أهل العلم: والحكمة في ذلك: أنه إذا ضيَّعها بأسباب الرياسة شَابَهَ فرعون؛ فيُحشر معه يوم القيامة، ومَن ضيَّعها بأسباب الوزارة والوظيفة شَابَهَ هامان؛ فيُحشر معه يوم القيامة؛ لأنه وزير فرعون، وإن ضيَّعها بأسباب الأموال والتجارة والشهوات شَابَهَ قارون الذي خسف الله به الأرض؛ فيُحشر معه يوم القيامة -نعوذ بالله- وإن تركها بسبب التجارات والبيع والشراء والأخذ والعطاء شَابَهَ أُبيَّ بن خلف تاجر أهل مكة الذي مات قتيلًا يوم أحدٍ كافرًا؛ فيُحشر معه يوم القيامة، نسأل الله السلامة.
الأمر الثاني: بِرُّ الوالدين؛ لعظم شأن بِرِّ الوالدين، وأنه فرضٌ من أهم المهمات، فَبِرُّهما من أهم الواجبات، وعقوقهما من أكبر المنكرات، ومن أعظم الجرائم.
والثالث: الجهاد في سبيل الله، فالجهاد له شأنٌ عظيمٌ، لكن برَّ الوالدين مُقدَّمٌ عليه، فلا يُجاهد إلا باستئذان والديه، فإن أَذِنَا له وإلا اشتغل بِبِرِّهما، إلا أن يهجم عليه العدو في بلده أو في بيته، فإذا هجم العدو وجب النَّفير على الجميع لمحاربة العدو.
والحديث الثاني: حديث عائشة رضي الله عنها، تقول رضي الله عنها: كان نساءٌ من المؤمنات يشهدن الفجر مع النبي ﷺ، ثم يرجعن إلى بيوتهن، ما يُعرفن من الغَلَس، مُتَلَفِّعاتٍ بمُرُوطهنَّ.
هذا فيه أن بعض النساء يشهدن الفجر مع النبي ﷺ، وأنه لا بأس بحضور الصلاة مع النبي ﷺ، ولا بأس بحضور صلاة الجماعة بعد النبي ﷺ، لكن مع التَّستر والبُعد عن الفتنة، فإذا تَسَتَّرْنَ واحْتَشَمْنَ ولم يتعاطين الطِّيب جاز لهنَّ حضور الجماعة، وبيوتهن خيرٌ لهن، لكن إذا حضرن الجماعة للفائدة أو للتأسي بالإمام أو لسماع حديثٍ وفائدةٍ فلا بأس، لكن بشرط أن يكن مُتستراتٍ، تاركاتٍ لأسباب الفتنة من الطِّيب ونحوه.
الثالث: حديث جابرٍ، وهو ابن عبدالله الأنصاري، صحابي، وأبوه صحابي رضي الله عنهما، قال: "كان النبي ﷺ يُصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقيةٌ، والمغرب إذا وجبتْ، والعشاء أحيانًا وأحيانًا؛ إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّر، والصبح كان يُصليها بِغَلَسٍ" عليه الصلاة والسلام.
هكذا ينبغي للأئمة بعد النبي ﷺ أن يتأسوا به عليه الصلاة والسلام؛ فيُبَكِّرون في الظهر، والهاجرة: القائلة، يعني: بعد الزوال، كما في الحديث الآتي من حديث أبي برزة : "إذا زالت الشمس"، فيُصليها بالهاجرة إذا زالت الشمس، وتُسمى بالأولى، ولكن بعد الأذان بوقتٍ؛ حتى يتيسر لمن سمع النداء أن يتوضأ ويقضي حاجته، لا يعجل، بعد الأذان بربع ساعةٍ، أو ثلث ساعةٍ، ونحو ذلك؛ حتى يتيسر لجيران المسجد أن يحضروا، إلا إذا كان في شدة الحرِّ، فالسنة الإبراد بالأذان وبالصلاة، إذا كان شدة حرٍّ شُرع للجميع الإبراد بالأذان، والإبراد بالصلاة؛ حتى ينكسر الحرُّ، حتى يكون للحيطان ظلٌّ يمشي معها الناس، كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام، يقول: إذا اشتدَّ الحرُّ فَأَبْرِدوا بالصلاة، فإن شدة الحرِّ من فَيْحِ جهنم.
والعصر تُصلى والشمس نقيةٌ في أول وقتها، هذه السنة، والشمس مُرتفعةٌ على بياضها وحرارتها، هكذا السنة، لكن بعد الأذان بوقتٍ يتمكن معه جيران المسجد من الحضور بعد الوضوء وقضاء الحاجة، لا يعجل كما تقدم في الظهر، يكون بين الأذان والإقامة وقتٌ: ربع ساعة، ثلث ساعة، ونحوهما، حسب حال أهل البلد؛ حتى يتمكنوا من الحضور بعد سماع الأذان.
"والمغرب إذا وجبتْ" يعني: إذا سقطت الشمس، إذا غابت كان يُبَكِّر بها عليه الصلاة والسلام، ما يمكث بعد الأذان إلا قليلًا ثم يُقيم، وكان الصحابة يصلون ركعتين بعد الأذان، ويقول ﷺ: صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم يقول في الثالثة: لمن شاء.
فالسنة أن يتأخر قليلًا حتى يُصلي مَن حضر ركعتين من الموجودين في المسجد، يصلون ركعتين، ومَن جاء بعد الأذان صلى ركعتين تحية المسجد، ثم يُقيم ولا يُطول، لا يُؤخر مثل الظهر والعصر، لا، أَبْكَر من الظهر والعصر؛ ولهذا قال: "إذا وجبتْ".
وقد دلَّت الأحاديث الأخرى على ذلك: أنه ما كان يتأخر كثيرًا بعد أذان المغرب، بل كان يتأخر قليلًا ثم يُقيم عليه الصلاة والسلام.
أما العشاء فأحيانًا وأحيانًا؛ إن رأى الجماعة تجمَّعوا صلى مُبكرًا، وإن تأخَّروا لم يعجل عليه الصلاة والسلام حتى يتلاحقوا؛ لأن ما بين المغرب والعشاء وقتٌ ضيقٌ، قد تعرض للناس عوارض، قد يتأخرون، فالسنة ألا يعجل حتى يتجمع الناس.
أما الصبح فكان يُصليها بِغَلَسٍ.
والغَلَس: اختلاط ضياء الصبح بظُلمة الليل، بحيث لا يتميز ما قدامك في الأسواق حتى يبين الصبح بيانًا ظاهرًا، يعني: ينشقّ الصبح ويتَّضح لكن معه غَلَسٌ، معه شيءٌ من ظُلمة الليل، فلا يعجل في أول الصبح، ولا يتأخر حتى يزول كل شيءٍ، بل يكون بين ذلك، غَلَسٌ: ضياءٌ مع بعض الظُّلمة، بعد الأذان بثلث ساعةٍ وما يُقارب ذلك، خمسٌ وعشرون دقيقةً، أو ما يُقارب ذلك؛ حتى يتمكن الناس، ويتلاحق الناس، وهذا يكون بِغَلَسٍ، وإن أخَّرها حتى زال الغَلَس كُرِهَ، ولكن لا حرج، فالوقت يمتد إلى طلوع الشمس، إذا صلاها قبل طلوع الشمس فقد صلاها في الوقت، لكن السنة أن يُصليها بِغَلَسٍ، يعني: هناك بقايا ظُلمة.
أما حديث: أصبحوا بالصُّبْح؛ فإنه أعظم لأجوركم، وفي لفظٍ: أَسْفِروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر، فهذا معناه: عدم العجلة بالصلاة في وقت الشك والريب، بل يتأخر الإمام حتى يتحقق الصبح، حتى يُسْفِر الصبح، وليس معناه: أن يُخالف الغَلَس، ليس هذا معناه، لا، المعنى واحدٌ، يعني: لا تعجلوا حتى يتَّضح الصبح.
وكان يُصلي الفجر إذا اتَّضح الصبح، حين يعرف الرجل جليسه، فالمعنى: أنهم يتأخرون حتى يتَّضح الصبح ويبين، وينشقّ الفجر، وليست هناك شُبهةٌ، لكن مع بقاء بعض الظُّلمة، وهو الغَلَس، وهذا معناه: أصبحوا بالصبح، أَسْفِروا بالفجر أي: لا تعجلوا، فإن هناك صُبحًا كذَّابًا يستطير في الأُفق كالعمود، هذا ما يُعتمد عليه حتى يأتي الصبح الصادق المعترض المستطيل شرقًا وغربًا، حتى يتَّضح ذلك، فإذا اتَّضح ذلك وانشقَّ ذلك واتَّضح الصبح فهذا وقت الصلاة.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
**
يَنْفَتِل منها حين يعرف الرجلُ جليسَه، وكان يقرأ بالستين إلى المئة، يعني: في الفجر.
هذا الحديث العظيم يدل على صفة أدائه ﷺ للصلاة في أوقاتها الخمسة.
تقدم حديث جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما في هذا المعنى، وهو مُوافقٌ لما دلَّ عليه حديث أبي برزة : أنه كان يُصلي الظهر مُبكرًا في أول وقتها إلا إذا اشتدَّ الحرُّ، فقد صحَّت الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يُبْرِد بها إذا اشتدَّ الحرُّ، أما إذا كان الوقت في الاعتدال فإنه يُبكر بها بعد الأذان بوقتٍ، إذا أذَّن أمهل حتى يتلاحق الناس، ويتوضأ المتوضئ، فكان يُصليها بعد الأذان بوقتٍ، ويُصلي قبلها أربعًا راتبةً بتسليمتين، فإذا انتظر بعد الأذان مقدار ربع ساعةٍ أو ثلث ساعةٍ وما حول ذلك؛ حتى يتلاحق الناس، كان مُقاربًا للسنة.
أما العصر فكان يُبَكِّر بها أيضًا؛ تقدم في حديث جابرٍ أنه كان يُصليها والشمس حيةٌ.
هنا يقول أبو برزة : "يُصليها في أول وقتها، ثم يرجع أحدنا إلى رَحْلِه في أقصى المدينة والشمس حيةٌ" أي: مرتفعة، وهذا يدلنا على أنه يُبكر بالعصر في أول الوقت والشمس حيةٌ نقيةٌ.
والمغرب تقدم في حديث جابرٍ أنها إذا وجبتْ، إذا غابت الشمس صلَّاها، أذَّن ثم صلوا ..... المغرب، فكان لا يتأخر، يعني: بعد الأذان يُمهل قليلًا ثم يُصليها، ويُبكر بها أكثر من غيرها: المغرب.
وكان الصحابة إذا أذَّن قاموا وصلوا ركعتين قبل المغرب؛ لقوله ﷺ: صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء.
والعشاء كان تارةً يُعجل، وتارةً يُؤخر؛ إذا رآهم عجَّلوا عجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّرها؛ ولهذا قال أبو برزة : "وكان يستحب أن يُؤخر من العشاء"، وما كان يُبادر بها عليه الصلاة والسلام؛ لأن الوقت ضيقٌ، فكان يُمهل فيها حتى يتلاحق الناس ويتجمع الناس.
والفجر يُصليها بِغَلَسٍ كما قال جابرٌ ، قال أبو برزة : "وكان يَنْفَتِل منها" يعني: ينصرف منها "حين يعرف الرجلُ جليسَه" من نور الصُّبح، ما فيه سُرُجٌ ذاك الوقت، السُّرُج قليلةٌ، "كان يَنْفَتِل منها" أي: ينصرف منها حين يتَّضح النور في داخل المسجد، ويعرف الرجلُ جليسَه من دون سُرُجٍ، بل بنور الصبح.
تقدم في حديث جابرٍ : "كان يُصلي الصبح بِغَلَسٍ"، وحديث عائشة رضي الله عنها كذلك: "كان يُصلي الفجر بِغَلَسٍ"، والغَلَس: اختلاط ضياء الصبح بظُلمة الليل، يعني: صُبحٌ معه بقية ظُلمةٍ.
"وكان يقرأ بالستين إلى المئة" يعني: في الفجر يُطول فيها أكثر من غيرها، يقرأ بالستين آية إلى مئة آيةٍ في الفجر، وكان يُطول في الأولى، ويُقصر في الثانية، ويقرأ مثل: "ق"، ومثل: "الذاريات"، و"الطور"، و"النجم"، هذه السور التي هي من طِوَال المفصل، ويقرأ في فجر الجمعة بـالم تَنْزِيلُ [السجدة]، وهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ [الإنسان] يوم الجمعة.
والسنة في الفجر يوم الجمعة الإطالة بعض الشيء، وأن تكون أطول من بقية الصلوات، ثم يليها في الإطالة الظهر، فكان يُطول فيها بعض التطويل عليه الصلاة والسلام.
وفي حديث عليٍّ ، وهو علي بن أبي طالب ، أمير المؤمنين، ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، ورابع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم جميعًا، وهكذا الحديث الثالث لابن مسعودٍ ، عبدالله بن مسعود، الهذلي، الصحابي الجليل؛ أخبرا رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ في غزوة الأحزاب يوم الخندق حين حاصر المشركون المدينة شغلوه ذات يومٍ عن صلاة العصر حتى صلاها بعد المغرب، وقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى -صلاة العصر- ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا، أو قال: حَشَا الله أجوافهم وقبورهم نارًا، يدعو عليهم؛ لأنهم شغلوه عن الصلاة، وصلاها قبل المغرب، بعدما صلى العصر، وهذا في بعض أيام المحاصرة، اشتدَّ القتال فلم يتمكن المسلمون من صلاة العصر حتى قربت الشمس من الغروب، فتوضؤوا وصلوا العصر، ثم صلوا بعدها المغرب.
هذا يدل على أنه إذا اشتدَّت الحرب، وعَظُم القتال، ولم يتيسر فعل الصلاة وقت الحرب؛ فإنها تُؤخر وتُصلى ولو بعد خروج الوقت للضرورة.
أما إذا أمكن فعلها وقت الحرب على أي نوعٍ من أنواع صلاة الخوف، ولو رُكْبَانًا، ولو مُشاةً، إذا أمكنت صلاتها صلوا، فإن لم يمكن لهم أخَّروا؛ كما أخَّر النبي ﷺ يوم الأحزاب، أخَّر العصر حتى صلاها بعد المغرب.
وفي روايةٍ أخرى: أنه أخَّر الظهر والعصر، اشتدَّ القتال فأخَّر الظهر والعصر، وما صلاهما إلا بعد المغرب، وهذا عذرٌ شرعيٌّ قهريٌّ.
وفيه من الفوائد: جواز الدعاء على الكفار بالهلاك والدمار ودخول النار؛ لأنهم أهلها، ولا سيما إذا شغلوا المسلمين وحاربوهم.
وفيه من الفوائد: الدلالة على أن العصر هي الصلاة الوسطى، والوسطى من الوسط، وهو الخيار، فهي أفضل الصلوات، قبلها صلاتان نهاريتان، وبعدها صلاتان ليليتان، قبلها الفجر والظهر، وبعدها المغرب والعشاء، فهي وسطى من جهة التوسط، وهي وسطى من جهة العدل والخيار؛ ولهذا قال الله جلَّ وعلا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238].
**
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في "كتاب الصلاة، باب المواقيت":
56- وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: أَعْتَمَ النبيُّ ﷺ بالعِشاء، فخرج عمر فقال: الصلاة يا رسول الله، رقد النساء والصبيان. فخرج ورأسه يَقْطُر يقول: لولا أن أشقَّ على أُمتي –أو: على الناس- لأمرتُهم بهذه الصلاة هذه الساعة.
57- وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: إذا أُقيمت الصلاة، وحضر العَشاء، فابدؤوا بالعَشاء، وعن ابن عمر نحوه.
58- ولمسلمٍ عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لا صلاةَ بحضرة طعامٍ، ولا وهو يُدافعه الأخبثان.
59- وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: شهد عندي رجالٌ مرضيون -وأرضاهم عندي عمر- أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب.
60- وعن أبي سعيدٍ الخدري ، عن رسول الله ﷺ قال: لا صلاةَ بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاةَ بعد العصر حتى تغيب الشمس.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُدَاه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة تتعلق بالصلاة، تتعلق بتأخيرها وبأوقات النهي.
حديث ابن عباسٍ يقول رضي الله عنهما: إن النبي ﷺ أَعْتَمَ بالعِشاء ذات ليلةٍ، فقال عمر : يا رسول الله، الصلاة، رقد النساء والصبيان. فخرج ورأسه يَقْطُر يقول عليه الصلاة والسلام: لولا أن أشقَّ على أُمتي لأمرتهم بهذه الصلاة في هذه الساعة.
هذا الحديث يدل على فوائد:
الفائدة الأولى: أنه لا مانع من تأخير العِشاء بعض الوقت؛ ولهذا تقدم حديث أبي برزة قال: كان النبي ﷺ يستحب أن يُؤخر من العِشاء.
وتقدم في حديث جابرٍ : أنه ﷺ كان إذا رآهم عجَّلوا عجَّلها، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّرها، فكان يُراعي اجتماعهم عليه الصلاة والسلام، فإذا رآهم اجتمعوا وحضروا عجَّلها، وإلا أجَّلها عليه الصلاة والسلام حتى يجتمعوا.
وفي هذا الحديث دلالةٌ على أنه قد يُعْتِم بها بعض الأحيان، يُؤخِّرها إلى ثلث الليل وما حوله، وربما أخَّرها إلى حول نصف الليل، ويقول: إنه لوقتها لولا أن أشقَّ على أُمتي، فدلَّ ذلك على أمورٍ:
- تأخيرها أفضل إذا لم تكن مشقةٌ.
- وقتها الاختياري إلى نصف الليل.
- لا يجوز تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل؛ لما في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عند مسلمٍ في "الصحيح" قال عليه الصلاة والسلام: وقت العِشاء إلى نصف الليل الأوسط.
فإذا رأى أهل قريةٍ تأخير صلاة العِشاء إلى ثلث الليل أو ما حول ذلك فلا بأس، وإلا فالسنة للإمام أن يُعجلها بعض التَّعجيل، لا يُبادر بها، لكن يُراقبهم ويتحرى اجتماعهم، فإذا اجتمعوا عجَّل وصلى.
وفيه من الفوائد أيضًا: أن الإمام إذا تأخر يُنَبَّه؛ لأنه قد يشتغل، قد يعوقه عائقٌ فلا ينتبه لتأخيره، فيُنَبَّه: الصلاة يا فلان، الصلاة، الوقت حضر، حتى ينتبه أن الوقت حضر، حتى لا يشقَّ على الناس؛ ولهذا تقدم عمر فقال: "الصلاة يا رسول الله"، وكان بلالٌ يتقدم أيضًا في بعض الأحيان ويقول: "الصلاة يا رسول الله"، حضر الناس، أو حضر الوقت؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد يُشْغَل في بعض الأحيان، فيُنَبَّه إلى أن الوقت قد حضر.
فإذا جاز تنبيهه ﷺ وهو خير الخلق وأفضلهم، وهو رسول الله، فغيره من باب أولى أن يُنَبَّه.
وفيه من الفوائد: جواز صلاة النساء والصبيان مع الناس، فلا بأس أن تُصلي النساء مع الناس إذا كُنَّ مُتستراتٍ، بعيداتٍ عن أسباب الفتنة: لا رائحة، ولا تجمُّل، بل مُتستراتٌ، مُتحجباتٌ، بعيداتٌ عن أسباب الفتنة، لا بأس؛ ولهذا كان كثيرٌ من النساء يُصلين مع النبي ﷺ وهُنَّ مُتستراتٌ، مُتحجباتٌ، ويقول لهنَّ ﷺ: أيما امرأةٍ مسَّتْ طِيبًا ..... تشهد معنا الصلاة، وفي لفظٍ: أيما امرأةٍ أصابتْ بخورًا فلا تُصلي معنا العِشاء.
فإذا خرجن على صفةٍ ليست فيها فتنةٌ: لا من جهة الطِّيب، ولا من جهة عدم التَّستر، فلا حرج؛ لأنهن قد يَسْتَفِدن من الصلاة مع الجماعة: يعرفن كيفية الصلاة، وكيفية ترتيبها، والخشوع فيها والطمأنينة، وقد يكون هناك حديثٌ وموعظةٌ يَسْمَعْنَها فَيَنْتَفِعْنَ بها، وصلاتهن في البيوت أفضل، صلاتهن في بيوتهن أفضل؛ لأن ذلك أبعد من الفتنة.
وأما الصبيان ففيهم تفصيلٌ:
الصبي يُصلي مع الجماعة إذا كان ابن سبعٍ فأكثر؛ حتى يتمرن على العبادة، وحتى يشهد الناس ويحضرهم، ويستفيد من أفعالهم، ويتأسَّى بهم، فإذا بلغ عشرًا ضُرب على ذلك حتى يعتاد ذلك، فيصلي حتى يُؤديها في الجماعة مع الناس، كما جاء في الحديث: مُروا أبناءكم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع.
أما الصغار دون سبعٍ فليسوا محل صلاةٍ، ولا يُؤمروا بالصلاة، وليس هناك حاجةٌ إلى حضورهم للمساجد؛ لأنهم قد يعبثون.
..... ابن عباسٍ وأبي سعيدٍ الدلالة على النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس.
هذه أوقات النهي: من بعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس يُنْهَى عن الصلاة فيه، ومن بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وهذان الوقتان للنهي.
وهناك وقتٌ ثالثٌ هو: عند قيامها، عند وقوفها، قبل الزوال بقليلٍ، يُسمى: وقت الوقوف، فكذلك لا يُصلى فيه صلاة النافلة؛ لأنه وقت نهيٍ.
هذه ثلاثة أوقاتٍ كلها أوقات نهيٍ، وتُعتبر خمسةً إذا فُصِّل الوقت:
- من بعد صلاة العصر، قُرب الغروب.
- ومن تَضَيُّفها للغروب إلى الغروب.
- وبعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.
- ومن طلوعها إلى أن ترتفع.
صارت أربعةً.
- والوقت الخامس: عند قيامها في وسط النهار حتى تزول.
هي ثلاثةٌ باختصارٍ، خمسةٌ بِبَسْطٍ، بالتفصيل.
ويُستثنى من ذلك الصلوات ذات السبب، فالصحيح أنه لا يُنْهَى عنها، الصلاة ذات السبب كصلاة الطواف، فإذا طاف بعد العصر في مكة، أو صلاة الكسوف؛ إذا كسفت الشمس –مثلًا- بعد العصر، أو تحية المسجد؛ إذا دخل المسجد بعد العصر ليجلس فيه ينتظر المغرب، أو لحاجةٍ من الحاجات، أو بعد الفجر، هذه صلواتٌ لها أسبابٌ، فلا مانع من فعلها في وقت النهي على الصحيح؛ للأدلة الواردة في ذلك.
..........
مداخلة: حديث: لا صلاة بحضرة طعامٍ ......
الشيخ: كذلك حديث: لا صلاة بحضرة طعامٍ، ولا وهو يُدافعه الأخبثان، وحديث عائشة رضي الله عنها: إذا حضر العِشاء، وحضر العَشاء؛ فابدؤوا بالعَشاء، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا، والحديث الرابع عن أنسٍ : إذا قُدِّم العَشاء فابدؤوا به قبل أن تُصلوا المغرب.
هذه الأحاديث وما جاء في معناها كلها تدل على أنه إذا قُدِّم الطعام يُبدأ به، ولا يصلي بحضور الطعام؛ لأنه يتشوش قلبه، ولا يحصل له الخشوع.
فالسنة أن يبدأ بالطعام ثم يصلي، لكن لا يجوز أن يُتَّخذ عادةً حتى يُضيع صلاة الفريضة، لكن إذا صادف تقديم الطعام فإنه يبدأ به ولو فاتته الجماعة؛ ولهذا قال: إذا حضر العِشاء، وقُدِّم العَشاء؛ فابدؤوا بالعَشاء، وحديث أنسٍ : إذا قُدِّم العَشاء يعني: عند غروب الشمس فابدؤوا به قبل أن تُصلوا المغرب.
وحديث عائشة رضي الله عنها: لا صلاة بحضرة طعامٍ، ولا وهو يُدافعه الأخبثان.
الأخبثان: البول والغائط.
فإذا كان عنده ما يشغله فليتفرغ مما يشغل القلب من البول والغائط، وهكذا الطعام الحاضر يأكل منه قدر حاجته؛ حتى يأتي الصلاة وقلبه فارغٌ غير مشغولٍ، حتى يُؤديها بخشوعٍ وبحضور قلبٍ، لكن لا يجوز للمسلم أن يتَّخذ هذا عادةً، ويطلب من أهله تقديم العَشاء عند وقت الصلاة؛ حتى يُضيعها، هذا لا يجوز، ويُنكر عليه ذلك، إنما إذا صادف ذلك ووجد الطعام حاضرًا بعد الأذان، أو صادف قومًا عندهم طعامٌ حاضرٌ قُدِّم؛ فليبدأ به، ولا يجعل ذلك عادةً ويتعمد فعل ذلك؛ حتى يُضيِّع الصلاة في المساجد، فإن هذا معناه: القصد إلى إضاعة الجماعة، والتَّملُّص منها بحجة أنه أحضر الطعام، وهو قصده، وهو الذي فعل ذلك، وهو الذي طلب الطعام، وهو الذي أحضره؛ ليتأخر عن صلاة الفريضة، هذا مُنكرٌ، لا يجوز له أن يفعل ذلك.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.