قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب صفة صلاة النبي ﷺ
86- عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر في الصلاة سكت هُنَيْهَةً قبل أن يقرأ، فقلتُ: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيتَ سُكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خطاياي كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبَرَد.
87- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة]، وكان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه ولم يُصَوِّبْه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدًا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يَفْرش رِجْله اليُسرى، ويَنْصِب رِجْله اليُمنى، وكان ينهى عن عُقْبَة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُع، وكان يختم الصلاة بالتَّسليم.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذان الحديثان الشريفان يتعلقان ببيان صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد جاءتْ في ذلك أحاديث كثيرةٌ ذكرها المؤلف، منها ما يأتي في هذا الباب.
والمشروع للمؤمن التأسي بالنبي ﷺ في صلاته وسائر أفعاله، كما قال الله : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، وقال عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أُصلي؛ ولهذا ذكر أهل العلم بابًا خاصًّا لبيان صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام؛ ليتأسى المؤمن به في ذلك على بصيرةٍ.
ومن ذلك الاستفتاح في أولها، فكان ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبَّر، يفتتحها بالتكبير، سواء كانت فريضةً أو نافلةً؛ ولهذا في الحديث: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فمفتاحها الطهارة الشرعية، والتحريم الذي يدخل به فيها: التكبير، والتحليل: التسليم.
ولهذا ذكر في حديث عائشة رضي الله عنها هنا: أنه كان يفتتح الصلاة بالتكبير، كما في حديث عليٍّ : تحريمها التكبير.
وبعد التكبير يستفتح، قال أبو هريرة أنه سأل النبي ﷺ قال: "أرأيتَ سُكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ بأبي أنت وأمي" يعني: أفديك بأبي وأمي.
قوله: "بين التكبير والقراءة" دلَّ على أنه يفتتح بالتكبير، كما دلَّ عليه حديث عائشة رضي الله عنها وغيره.
قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خطاياي كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد.
هذا نوعٌ من الاستفتاحات الصحيحة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو وحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أصحُّ ما ورد في ذلك، وهناك استفتاحاتٌ عدة صحَّتْ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذا استفتح المؤمن بواحدٍ منها -أو المؤمنة- حصل المقصود.
وهذا التأسي للرجال والنساء، عليهم أن يتأسوا بالنبي ﷺ في ذلك: صلوا كما رأيتموني أُصلي.
ومن ذلك: أن يستفتح إذا كبَّر في الصلاة، يستفتح ويقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خطاياي كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد"، وهذا أصح ما ورد في استفتاحات صلاة الفريضة.
وجاءت عنه ﷺ استفتاحاتٌ أخرى، منها حديث عمر، وأبي سعيدٍ، وعائشة، وغيرهم: أنه كان يستفتح بـ: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك، وهذا الاستفتاح جاء من عدة أحاديث عن عددٍ من الصحابة، وهو أخصرها، فهو مُختصرٌ، يسهل على كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ حفظه: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك، وهو نوعٌ من الاستفتاحات الصحيحة.
ومعنى: سبحانك اللهم وبحمدك أي: أُنَزِّهك تنزيهًا يليق بجلالك عن كل نقصٍ، وعن كل عيبٍ.
وبحمدك أي: أُثني عليك، الحمد: الثناء.
وتبارك اسمك يعني: البركة تُنال بذكر اسمه ، فقد بلغ في البركة النهاية ، فكل بركةٍ هي منه جلَّ وعلا، تبارك الله رب العالمين.
وتعالى جَدُّك يعني: عظمتك وكبرياءك، جَدُّ الله: عظمته؛ لأن الله سبحانه لم يلد ولم يُولد، فليس له أبٌ ولا جدٌّ، إنما هي عظمته، "وتعالى جَدُّك" يعني: عظمتك وكبرياءك.
ولا إله غيرك أي: لا معبود بحقٍّ سواه ، هذا معنى: لا إله لا معبود بحقٍّ سواه جلَّ وعلا.
هناك آلهةٌ باطلةٌ كثيرةٌ من أصنامٍ وأشجارٍ والأموات والجنِّ، وغير ذلك، لكنها باطلةٌ، يعبدها الناس وهي باطلةٌ، لا تجوز عبادتهم.
الإله الحق هو الله ، رب السماوات، ورب الأرض، ورب كل شيءٍ، كما قال: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62].
وهناك استفتاحاتٌ أخرى كان يستفتح بها في الليل عليه الصلاة والسلام، ولا مانع من استعمالها بالنهار، وفي كل فريضةٍ، ومنها حديث عائشة رضي الله عنها -رواه مسلمٌ في "الصحيح"- كان يستفتح إذا قام من الليل: اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ، هذا استفتاحٌ عظيمٌ كان يستعمله النبي ﷺ في صلاة الليل، ولا مانع من الاستفتاح به حتى في النهار؛ لأن تشريعاته ﷺ تعمُّ الليل والنهار في الصلاة.
كذلك حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما في الصحيحين: كان يستفتح إذا قام في التهجد يقول: اللهم لك الحمد أنت قَيِّم السماوات والأرض ومَن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومَن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومَن فيهن، ولك الحمد أنت الحقُّ، ووعدك الحقُّ، وقولك الحقُّ، ولقاؤك حقٌّ، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ، والساعة حقٌّ، والنبيون حقٌّ، ومحمدٌ حقٌّ، اللهم لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت.
وهناك استفتاحاتٌ أخرى، فإذا استفتح الإنسان بواحدٍ منها فيما صحَّ عن النبي ﷺ حصلت السنة، ولكن أصحُّها ما تقدم عن أبي هريرة في صلاة الفريضة: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خطاياي كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد، يسأل ربه أن يُطهره من الذنوب بأنواع التطهير، ويُباعد بينه وبين الذنوب أشد مُباعدة؛ لأن شرَّها عظيمٌ، والذنوب هي سبب الخسارة والنقص والهلاك في الدنيا والآخرة؛ ولهذا كان يسأل ﷺ ربه أن يُباعد بينه وبينها ويُنَقِّيه منها.
والحديث الثاني: حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ: أنه كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة]، وهذا رواه مسلمٌ في "الصحيح"، وليس على شرط المؤلف، بل هو من رواية مسلمٍ في "الصحيح"، شرط المؤلف ما اتَّفق عليه الشيخان، ولكن هذا من رواية مسلمٍ في "الصحيح".
كان يفتتح الصلاة بالتكبير كما تقدم بقوله: "الله أكبر"، هذا أول شيءٍ في الصلاة، لا تنعقد إلا بهذا، إذا قام بنية الصلاة يستقبل القبلة ويقول: "الله أكبر"؛ لهذا قال النبي ﷺ للمُسيء صلاته: إذا قمتَ إلى الصلاة فَكَبِّرْ، هذا أول شيءٍ، أول شيءٍ يستفتح به مع النية: "الله أكبر"، حال كونه طاهرًا مُستقبل القبلة؛ ولهذا في الحديث الصحيح: إذا قمتَ إلى صلاتك فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، ثم كبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن.
فكان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة]، وهذا يدل على أنه كان يُسِرُّ بالاستفتاح، ويُسِرُّ بالتعوذ، والتَّسمية يأتي بها سِرًّا؛ ولهذا يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني: جهرًا، أما الاستفتاح والتَّعوذ والتَّسمية فَسِرًّا.
وكان إذا ركع لم يُشْخِص رأسه، ولم يُصوِّبه، إذا ركع يُسوي ظهره برأسه، ما يرفع رأسه، ولا يخفضه، ولكن بين ذلك، يكون رأسه حيال ظهره.
"لم يُشْخِصْه" يعني: يرفعه، "ولم يُصَوِّبْه" يعني: يخفضه، ولكنه يجعله حيال ظهره عليه الصلاة والسلام، هذه السنة.
ويقول: "سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، هكذا يقول في الركوع.
والواجب مرة: "سبحان ربي العظيم"، والباقي سنةٌ مُؤكدةٌ.
ومنه: "سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رب الملائكة والروح، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة".
ثم يرفع بعدما يأتي بما تيسر من الذكر، بعدما يستقر ويطمئن ويرجع كل فَقَارٍ إلى مكانه يرفع رأسه قائلًا: "سمع الله لمن حمده"، هكذا يقول الإمام والمنفرد، والمأموم يقول: "ربنا ولك الحمد" عند الرفع، فإذا استوى يقول: "مِلْء السماوات ..." إلى آخره.
والأفضل أن يقول: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه، مِلْء السماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد".
والواجب: "ربنا ولك الحمد"، أو: "اللهم ربنا لك الحمد"، والباقي سنةٌ وكمالٌ، وإن زاد: "أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعْطِي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ"، هذا أكمل، كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام.
وإذا سجد اطمأنَّ في سجوده واعتدل حتى يرجع كل فَقَارٍ إلى مكانه، وإذا رفع من السجدة الأولى اعتدل بين السجدتين، ولا يعجل، مثلما يعتدل بعد الركوع، يعتدل ويطمئن ولا يعجل.
وهكذا بين السجدتين: يفرش رِجْله اليُسرى ويجلس عليها، ويَنْصِب اليُمنى، ويعتدل ولا يعجل.
يقول: "سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى"، والواجب مرة، والباقي سنةٌ، يُكرر ذلك ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر، سُنَّة.
ويقول أيضًا: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رب الملائكة والروح"، ويقول ما تيسر مع ذلك: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة".
ويدعو في سجوده بما تيسر من الدعاء، وكان النبي ﷺ يدعو في السجود يقول: اللهم اغفر لي ذنبي كله: دِقَّه وجُلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسِرَّه، وكان يقول ﷺ: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاء، ويقول عليه الصلاة والسلام: أما الركوع فَعَظِّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم يعني: حريٌّ أن يُستجاب لكم.
"وكان يقول في كل ركعتين التحية" كل ركعتين يقرأ فيهما التحيات في الفريضة، يقرأ التحيات ثم يرفع للثالثة في ثلاثية المغرب، أو رباعية الظهر والعصر والعشاء، يعني: لها تشهدان.
إذن هذه الصلوات الأربع فيها تشهدان، بعد الركعتين يجلس ويقرأ التحيات، والأفضل أن يُصلي على النبي ﷺ، ثم ينهض للثالثة رافعًا يديه، كما يرفع يديه عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، هكذا يفعل بيديه حيال منكبيه، أو حيال أذنيه عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند قيامه إلى الثالثة بعد التشهد الأول.
وفي النافلة يُسلم من كل ثنتين: صلاة الليل مثنى مثنى، وفي اللفظ الآخر: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فالأفضل أن يُسلم من كل ثنتين، وإن أوتر في الليل بخمسٍ أو بثلاثٍ سردًا فلا بأس، لكن الأفضل أن يُسلم من كل ثنتين، فلا يُصلي أربعًا جميعًا، ويُسلم من كل ثنتين.
صلاة الليل مثنى مثنى هذا بمعنى الأمر.
روى أهل السنن: صلاة الليل والنهار، فهذه الزيادة صحيحةٌ، زيادة: والنهار، فالسنة في النهار والليل أن يُصلي ثنتين ثنتين تطوعًا.
"وكان يفرش رِجْله اليُسرى، ويَنْصِب اليُمنى" يعني: بين السجدتين والتشهد الأول، أما التشهد الأخير فكان يتورك؛ يُخرج رِجْله اليُسرى من جهة اليمين، ويجلس على مقعدته، كما ثبت هذا في حديث أبي حميدٍ في الصحيحين.
"وكان ينهى عن عُقْبَة الشيطان" عُقْبَة الشيطان، أو يُقال: عَقِب الشيطان.
الإقعاء يُشبه إقعاء الكلب؛ يَنْصِب ساقيه وفخذيه، ويعتمد على يديه على الأرض، هذا إقعاء الكلب، هذه عُقْبَة الشيطان، وهي إقعاء الكلب والسَّبُع، لا يفعل هذا، لا يُقْعِي كما يُقْعِي الكلب، يعني: يَنْصب ساقيه وفخذيه، ويعتمد على يديه حال الجلوس، لا، ولكن يَفْرش اليُسرى، ويَنْصب اليُمنى، ويجعل يديه على فخذيه أو رُكبتيه بين السجدتين وحال التشهد، إلا أنه في حال التشهد يقبض الخنصر والبنصر من يُمناه ويُشير بالسبابة، أو يقبض أصابعه كلها ويُشير بالسبابة، هكذا السنة؛ بين السجدتين يبسطهما على فخذيه، أو على فخذيه وركبتيه، كما ثبت هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام.
"وكان يختم الصلاة بالتسليم" ففي النهاية السلام، كما بدأ بالتكبير يختم بالتسليم، وتقدم قوله ﷺ: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.
الصلاة تبدأ بالتكبير، وتُختم بالتسليم، هذه الصلاة الشرعية: أقوالٌ وأفعالٌ، تبدأ بالتكبير، وتُختم بالتسليم، هذه هي الصلاة، ومنها صلاة الجنازة: تبدأ بالتكبير، وتُختم بالتسليم.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله على نبينا محمدٍ.
**
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "صفة صلاة النبي ﷺ":
88- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حَذْو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود.
89- وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظمٍ: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين.
90- وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يُكبر حين يقوم، ثم يُكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائمٌ: ربنا ولك الحمد، ثم يُكبر حين يهوي، ثم يُكبر حين يرفع رأسه، ثم يُكبر حين يسجد، ثم يُكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضيها، ويُكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق ببيان صفة صلاة النبي ﷺ، وقد تقدم أن الواجب على الأمة التأسي به عليه الصلاة والسلام، وأن يُصلوا كما صلى؛ لقوله ﷺ: صلوا كما رأيتموني أُصلي، ومن ذلك: أنه كان يرفع يديه حيال منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
هكذا روى ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ، متفقٌ على صحته.
زاد في رواية أبي هريرة: "ويرفع يديه إذا قام من الثنتين بعد الجلوس"، وهكذا جاء من حديث عليٍّ وغيره.
فدلَّ ذلك على أن السنة للمُصلي -إمامًا أو مأمومًا أو مُنفردًا- أن يرفع يديه حيال منكبيه عند الإحرام -إذا كبَّر عند الإحرام- وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا قام إلى الثالثة من الثنتين.
هذه أربعة مواضع يرفع يديه فيها حيال منكبيه أو حيال أُذنيه، جاء هذا وهذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، ربما فعل هذا، وربما فعل هذا.
ولا يفعل هذا في السجود، ما كان يرفع يديه في السجود: لا انخفاضًا، ولا رفعًا.
ومثل هذا في صلاة الجنازة: يرفع يديه في التكبيرات الأربع، وهو السنة في الأولى والثانية والثالثة والرابعة، يُكبر رافعًا يديه حيال منكبيه، أو حيال أُذنيه، كما يفعل النبي ﷺ في صلاة الفريضة.
الثاني: حديث ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظمٍ: على الجبهة –وأشار بيده إلى أنفه- والركبتين، وأطراف القدمين، واليدين.
هذه سبعةٌ: الوجه مع الأنف، الجبهة مع الأنف واحدٌ، والكفَّان على الأرض، يبسطهما على الأرض، ويرفع ذراعيه، والركبتان، هذه خمسةٌ، وأطراف القدمين، يعني: أطراف الأصابع -أصابع الرِّجْلين- يعتمد عليها، هذا هو السنة، هذه سبعةٌ.
والسجود على هذه الأعضاء السبعة فرضٌ لا بد منه؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب: أُمرتُ، والأمر له وللأمة، وقد قال: صلوا كما رأيتُموني أُصلي عليه الصلاة والسلام.
فالواجب على المصلي في الفريضة والنافلة أن يسجد على سبعة أعظمٍ، يعني: على هذه الأعضاء السبعة: وجهه -يعني: جبهته وأنفه- وعلى كفَّيه، وعلى رُكبتيه، وعلى أطراف قدميه، يعني: أصابع قدميه.
وهذا للرجال والنساء جميعًا، الأحكام تعمُّ الرجال والنساء جميعًا، ليس خاصًّا بالرجال، بل هذا للجميع.
وهكذا الحديث الثالث: حديث أبي هريرة ، وهو عبدالرحمن بن صخر الدوسي، من دوس، يُخبر عن النبي ﷺ: أنه كان إذا قام إلى الصلاة كبَّر أول ما يقوم، وهذه تكبيرة الإحرام، وهي الأولى، هذه فريضةٌ لا بد منها عند جميع أهل العلم، لا بد من التكبيرة الأولى بنية الصلاة: "الله أكبر"، ويُقال لها: تكبيرة الإحرام، وفي الحديث: تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، وهذه لا بد منها في الفرض والنفل.
ثم يُكبر ثانيةً حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع من الركوع، ثم بعد أن يستوي يقول: ربنا ولك الحمد أو اللهم ربنا لك الحمد.
وجاء في الأحاديث الأخرى أنه يزيد: مِلْء السماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد.
وجاء في حديثٍ آخر أنه يقول بعد: ربنا ولك الحمد يقول: حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه، مِلْء السماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد، هذا كله من كمال الحمد، والواجب "ربنا ولك الحمد"، أو "اللهم ربنا لك الحمد"، والباقي من كمال السنة.
وزاد في روايةٍ: أهل الثناء والمجد يعني: يا أهل الثناء والمجد أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ.
كل هذا جاء عن النبي ﷺ حال انتصابه بعد الركوع، والمأموم والمنفرد كذلك، المأموم يأتي بهذا إلا إذا انحطَّ الإمام ساجدًا تبعه ولو ما تمم هذا الشيء.
ثم يُكبر حين يهوي ساجدًا، ولا يرفع يديه، يُكبر دون رفع اليدين.
ثم يُكبر حين يرفع رأسه من السجدة الأولى، ثم يُكبر للسجدة الثانية، ثم يُكبر حين يرفع رأسه من السجدة الثانية، وهكذا في جميع صلاته حتى يقضيها؛ يُكبر في كل خفضٍ ورفعٍ، وهكذا يجب على المأمومين والمنفرد أن يصلي كما صلى النبي عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أُصلي.
ويقول بين السجدتين: "ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، واجبرني، وارزقني، وعافني" يدعو.
ويقول في الركوع: "سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سبُّوحٌ، قدُّوسٌ، رب الملائكة والروح، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة"، كل هذا جاء في الركوع.
وهكذا في السجود يقول مثل ذلك، إلا أنه يقول: "سبحان ربي الأعلى" بدل "سبحان ربي العظيم"، يقول في السجود: "سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى"، فإن السجود حال ذلٍّ وانخفاضٍ، فناسب أن يقول: "سبحان ربي الأعلى"؛ لأنه سبحانه العالي فوق خلقه جلَّ وعلا، فيقول: "سبحان ربي الأعلى"، يُكررها ثلاثًا أو أكثر، ويقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، ويقول: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، سبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رب الملائكة والروح"، يقول ما يتيسر من ذلك، ويدعو في السجود.
والدعاء في السجود حريٌّ بالإجابة في الفرض والنَّفل؛ لقوله ﷺ: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاء، فيُستحب إكثار الدعاء في السجود؛ لأنه حال خضوعٍ وذلٍّ وانكسارٍ، فناسب فيه الدعاء.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
**
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "صفة صلاة النبي ﷺ":
91- وعن مُطرف بن عبدالله قال: صليتُ أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب، فكان إذا سجد كبَّر، وإذا رفع رأسه كبَّر، وإذا نهض من الركعتين كبَّر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: قد ذكَّرني هذا صلاة محمدٍ ﷺ. أو قال: صلى بنا صلاة محمدٍ ﷺ.
92- وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: رَمَقْتُ الصلاة مع محمدٍ ﷺ، فوجدتُ قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف؛ قريبًا من السواء.
وفي رواية البخاري: ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء.
93- وعن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: إني لا آلو أن أُصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يُصلي بنا.
قال ثابتٌ: فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه؛ كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله .....
ونحن مأمورون بالتأسي به، وأن يُصلَّى كما صلى؛ كما قال الله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، وفي "صحيح البخاري" رحمه الله، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: صلوا كما رأيتُموني أُصلي.
في حديث عمران بن حصين، عن عليٍّ رضي الله عنهما: أنه كان صلى بهم مثل صلاة النبي ﷺ، وقال عمران: "لقد ذكَّرني هذا صلاة محمدٍ ﷺ"، وكان عليٌّ إذا سجد كبَّر، وإذا رفع كبَّر، وإذا قام من الثنتين بعد الجلوس إلى الثالثة كبَّر.
وتقدم أن أبا هريرة أخبر: أن النبي ﷺ كان يُكبر في كل خفضٍ ورفعٍ؛ كان يُكبر عند الإحرام، ويُكبر عند الركوع، وإذا رفع من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، وإذا هوى ساجدًا كبَّر، وإذا رفع من السجدة كبَّر، وإذا سجد للثانية كبَّر، وإذا رفع كبَّر، حتى قضى صلاته عليه الصلاة والسلام.
هذا هو المشروع، هذه التكبيرات -تكبيرات النقل- مشروعةٌ بإجماع المسلمين للإمام والمأموم والمنفرد، وأما الخلاف في وجوبها: هل تجب أم لا تجب؟
فأما الأولى -التكبيرة الأولى- وهي تكبيرة الإحرام .....
ابن عازب الأنصاري رضي الله عنه وعن أبيه قال: "رمقتُ الصلاة مع محمدٍ ﷺ، فوجدتُ قراءته، فركعته، فاعتداله بعد الركوع، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، وجلسته بين التسليم والانصراف؛ قريبًا من السواء"، وفي رواية البخاري: "ما خلا القيام والقعود".
هذا يدل على أن صلاته كانت مُعتدلةً، مُتقاربةً عليه الصلاة والسلام، إذا طوَّل في القراءة طوَّل في الركوع والسجود، وإذا خفَّف القراءة خفَّف الركوع والسجود، لكن مع التمام، صلاته تامةٌ؛ ولهذا قال أنسٌ فيما صحَّ عنه: "ما صليتُ خلف إمامٍ أتمَّ صلاةً ولا أخفَّ صلاةً من النبي ﷺ"، والمعنى: كانت صلاته عليه الصلاة والسلام تخفيفًا في تمامٍ عليه الصلاة والسلام.
قوله: "ما خلا القيام والقعود" يعني: فإنه أطول، القيام أطول، والقعود للتشهد أطول، والتشهد الأخير أطول بعض الشيء، فصلاته مُتقاربةٌ.
والسنة للإمام والمنفرد أن يكون هكذا، تكون صلاته مُتقاربةً؛ تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيعتدل في الركوع والسجود ويطمئن، وهكذا الاعتدال بعد الركوع، يعتدل ويطمئن، وكان بين السجدتين يعتدل ويطمئن، وتكون هذه الجلسات مع السجدات مُتقاربةً، وهكذا قيامه من الركوع واعتداله بعد الركوع مُتقاربٌ؛ إن طوَّل القيام طوَّل في الركوع والسجود والاعتدال بعد الركوع والجلسة بين السجدتين، وإن لم يُطوِّل في القيام فهكذا في الركوع والسجود، حتى تكون الصلاة مُعتدلةً، مُتقاربةً، مُتناسقةً، ولكن يجب الحذر من النَّقر والتَّخفيف الذي يُخِلُّ بها، هذا لا يجوز؛ لأنه خلاف الطمأنينة، والطمأنينة لا بد منها في هذه العبادة: في ركوعه، وسجوده، واعتداله بعد الركوع، وبين السجدتين، لا بد من الطمأنينة وعدم العجلة.
ولهذا ذكر أنسٌ : أنه رأى النبيَّ ﷺ يفعل شيئًا في الصلاة ما رأى الناس يفعلونه، ثم بيَّن فقال: "كان إذا رفع رأسه من الركوع اعتدل حتى يقول القائل: قد نسي"، يعني: يُطول تطويلًا بَيِّنًا، ويطمئن اطمئنانًا بَيِّنًا، وهكذا بين السجدتين يعتدل ولا يعجل، حتى يقول القائل: قد نسي.
هذا يُبين لنا أنه كان يُطول بعد الركوع وبين السجدتين؛ حتى يفصل بين الركوع والسجود، وحتى يفصل بين السجدتين فصلًا واضحًا فيه طمأنينةٌ، وفيه اعتدالٌ، هكذا يُشرع للمسلمين أن يفعلوا هكذا.
والمأموم تبعٌ لإمامه: إن طوَّل إمامه طوَّل، وإن خفَّف إمامه خفَّف تبعًا للإمام، لكن لا يجوز له أن يُصلي مع إمامٍ ينقر الصلاة، لا؛ لأن مَن نقرها بطلتْ صلاته، كالذي لا يطمئن في ركوعها وسجودها؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ رجلًا لا يطمئن في ركوعه ولا في سجوده أمره بالإعادة، وقال: ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ، حتى فعلها ثلاثًا، ثم قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقِّ، ما أُحسن غير هذا، فَعَلِّمْني. فعلَّمه النبي ﷺ كيف يفعل، فقال: إذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، وفي اللفظ الآخر: ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، فعلَّمه النبي ﷺ كيف يُصلي، وأنه لا بد من الطمأنينة.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.
**
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "صفة صلاة النبي ﷺ":
94- وعن أنس بن مالكٍ قال: ما صليتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاةً ولا أتمَّ صلاةً من رسول الله ﷺ.
95- وعن أبي قِلابة عبدالله بن زيد الجَرْمِي البصري قال: جاءنا مالك بن الحُوَيرث في مسجدنا هذا فقال: إني لأُصلي بكم وما أريد الصلاة، أُصلي كيف رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلي.
فقلتُ لأبي قِلابة: كيف كان يُصلي؟
فقال: مثل صلاة شيخنا هذا، وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض.
96- وعن عبدالله بن مالك ابن بُحَيْنَة : أن النبي ﷺ كان إذا صلى فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق ببيان صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله شرع لنا التأسي به بقوله جلَّ وعلا: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]؛ ولأنه عليه الصلاة والسلام قال: صلوا كما رأيتُموني أُصلي؛ ولهذا بيَّن الصحابة صفة صلاته عليه الصلاة والسلام؛ ليعلمها الناس، وليأخذوا بها، وليتأسوا به فيها عليه الصلاة والسلام.
ومن ذلك قول أنسٍ في هذا الحديث، يقول : "ما صليتُ خلف أحدٍ أتمَّ صلاةً ولا أخفَّ صلاةً من النبي عليه الصلاة والسلام" يعني: كانت صلاته تخفيفًا في تمامٍ، فلم يكن يُطول على الناس تطويلًا يشقُّ عليهم، ولم يكن يعجل وينقر، ولكن صلاة متوسطة بين الطول المتعب والتقصير الـمُخِلِّ.
وهكذا ينبغي للأئمة أن يُصلوا صلاةً يتأسون فيها بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فيطمئنون ويركدون في القراءة، والركوع، والسجود، والاعتدال بعد الركوع، والاعتدال بين السجدتين، وهكذا.
كان عليه الصلاة والسلام إذا ركع اطمأنَّ حتى يرجع كل فَقَارٍ إلى مكانه، ويقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم يُكرر ذلك، ويقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، ويقول: سبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رب الملائكة والروح، فالمؤمن يطمئن، لا يعجل، ثلاث تسبيحاتٍ، أربع تسبيحاتٍ، خمس تسبيحاتٍ، سبع تسبيحاتٍ، حول هذا، مع: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، مع الطمأنينة والركود.
ويجعل كفَّيه على ركبتيه، هذا السنة، ويُفرج أصابعه على ركبتيه، هذا السنة، ويصبر، ويحني ظهره حتى يستوي مع رأسه، هذا هو الأفضل، وهو الكمال، والمجزئ تسبيحةٌ واحدةٌ ..... الركوع، لكن كونه يُطيل ويطمئن طمأنينةً كافيةً حتى يرجع كل فَقارٍ إلى مكانه هذا هو الكمال، وإلا فالمجزئ أقل الطمأنينة وهو الركود.
وهكذا إذا اعتدل بعد الركوع اطمأنَّ ولم يعجل، وتقدم قول أنس : "كان النبي ﷺ إذا اعتدل بعد الركوع يُطيل حتى يقول القائل: قد نسي"، وهكذا بين السجدتين لا يعجل، يطمئن ويعتدل ويقول: "ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي"، ويدعو.
قال أنسٌ : "كان النبي ﷺ إذا جلس بين السجدتين اطمأنَّ حتى يقول القائل: قد نسي"، وهكذا في السجود يطمئن: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، الواجب مرة، لكن يُكررها ثلاثًا أو أكثر مع الدعاء.
كان النبي ﷺ يدعو في سجوده، ويقول ﷺ: أما الركوع فَعَظِّموا فيه الربَّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم أي: حريٌّ أن يُستجاب لكم، ويقول عليه الصلاة والسلام: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاء.
وكان إذا سجد اعتدل في السجود، وفرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه، كما في حديث ابن بُحَينة، وكان يرفع بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويعتدل في السجود، ولا يضمُّ بعضه إلى بعضٍ، بل يعتدل ويُجافي بعَضُديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويعتمد على بطون الأصابع في رجليه، ويبسط يديه على الأرض ممدودة الأصابع، أو ضامًّا بعضها إلى بعضٍ، ممدودةً حيال منكبيه، أو حيال أُذنيه، تارةً وتارةً عليه الصلاة والسلام، هكذا في السجود.
وكان إذا نهض إلى الرابعة من الثالثة، أو من الأولى إلى الثانية لم ينهض حتى يستوي قاعدًا، كما في حديث مالك بن الحُوَيرث، صلى بهم مالكٌ مثل صلاة النبي ﷺ، وذكر لهم أنه كان إذا نهض من السجدة الثانية جلس قليلًا، ثم ينهض إلى الرابعة، وهكذا بعد الأولى إلى الثانية، وهذه تُسمى عند العلماء: جلسة الاستراحة، جلسةٌ خفيفةٌ ليس فيها دعاءٌ، وليس فيها ذكرٌ، وإنما هي جلسةٌ خفيفةٌ مثل جلوسه بين السجدتين، فيفترش بين السجدتين ثم ينهض، ولا يُطول، جلسةٌ خفيفةٌ، وصفتها في الجلوس مثل الجلسة بين السجدتين، لكن ما يُطيلها كما يُطيل في الجلسة بين السجدتين، لا، جلسةٌ خفيفةٌ ليس فيها ذكرٌ ولا دعاء، ثم ينهض.
وبعض أهل العلم خصَّ هذا بكبير السنِّ والمريض، قالوا: إن الرسول ﷺ فعل هذا بعدما بدن، بعدما ثَقُلَ.
والصواب: أنها سنةٌ مطلقًا؛ لأنها مذكورةٌ في صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، لكنها خفيفةٌ، ليس فيها طولٌ، ولا ذكرٌ، ولا دعاء، بعد الأولى، وبعد الثالثة، يعني: بعد الأولى في كل صلاةٍ، وبعد الثالثة في الرباعية.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.
**
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "صفة صلاة النبي ﷺ":
97- وعن أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: سألتُ أنس بن مالكٍ: أكان النبي ﷺ يُصلي في نعليه؟ قال: نعم.
98- وعن أبي قتادة الأنصاري : أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حاملٌ أُمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ.
99- ولأبي العاص بن الربيع بن عبد شمس: فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
100- وعن أنس بن مالكٍ ، عن النبي ﷺ قال: اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة في صفة صلاة النبي ﷺ، وسبق أن المشروع لنا هو التأسي به ﷺ في صلاته، وصيامه، وحجه، وغير ذلك من شؤون العبادات، كما قال الله : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]؛ ولقوله ﷺ: صلوا كما رأيتُموني أُصلي؛ فلهذا عُنِيَ الصحابة ببيان صفة صلاته ﷺ، ونقلها عنهم التابعون، ثم هكذا من أئمة الهدى حتى وصلتْ إلينا، ومن ذلك حديث أنسٍ : أن النبي ﷺ كان يُصلي في نعليه.
هذا يدل على شرعية الصلاة في النعلين، وأنه لا حرج في ذلك، ومن هذا حديث أبي سعيدٍ رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يصلي ذات يومٍ فخلع نعليه وهو في الصلاة، فخلع الناس نعالهم، فلما سلَّم سألهم عن ذلك، فقالوا: رأيناك خلعتَ نعليك فخلعنا نعالنا. قال: إن جبرائيل أتاني فأخبرني أن بهما قذرًا فخلعتُهما، فإذا أتى أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه أذًى فليمسحه، ثم يُصلي فيهما.
وهذا يدل على أن مَن أراد الدخول إلى المسجد ينظر في نعليه ويقلبها ويُزيل ما بها من أذًى بحكِّها في التراب إذا كان بها شيءٌ؛ حتى يزول ما بها من أذًى، ويُصلي فيها، وأنه لا حرج في ذلك.
ومثلها الخفُّ، الخِفاف التي في الرجلين، لكن إذا كانت المساجد مفروشةً مثل الآن، مثلما وقع أخيرًا، كانت المساجد في العهد الأول وقبل سنواتٍ بالحصباء أو الرمل والتراب، ليس فيها فُرُشٌ، أما الآن لما فُرشتْ فقد تتأثر بالنعال، وتتأثر بالخِفاف، فإذا تيسر أن يحفظها في محلٍّ مناسبٍ؛ حتى لا يُؤثر على الفُرُش، وحتى لا يُكدر على المصلين بشيءٍ من الأوساخ، ولا سيما وأكثر الناس لا يُبالون بالنعال، ولا يعتنون بها، ولا ينظرونها عند الدخول؛ فلهذا صار خلعهم لها في محلٍّ يحفظها حتى يكون ذلك أسلم للمسجد، وهذا يكون في هذا الوقت أولى وأحوط لأمرين:
- أحدهما: ما حصل من الفُرُش التي تتأثر بكل شيءٍ.
- والأمر الثاني: أن أكثر الناس لا يُبالي ولا يعتني ولا يتحفظ، بل قد يدوس الأذى ويدخل فيُقذر على الناس فُرُشهم، ويُنفرهم من الصلاة في الجماعة، أما في العهد الأول فكانت الفُرُش غير موجودةٍ، كانوا يُصلون على الحصباء والرمل، وهذه تتحمل أكثر، تتحمل من الغبار ما لا تتحمله الفُرُش.
وفي كل حالٍ، إذا كانت سليمةً فالصلاة فيها جائزةٌ، ولا حرج فيها مطلقًا، بل هي الأفضل إذا كانت سليمةً؛ لقوله ﷺ: اليهود والنصارى لا يُصلون في نعالهم ولا خِفافهم، فخالفوهم، فهو من مُخالفة أهل الكتاب.
وفيه من الدلالة على أن الدين فيه فُسحةٌ، وأنه ليس فيه حرجٌ، والإنسان قد يحتاج للخُفين يلبسهما في الشتاء، ويمسح عليهما، ولا يستطيع خلعهما؛ لأنه إذا خلعهما بطل وضوؤه، فيُصلي فيهما ولو كانت فيها فرشٌ، يعتني بهما عند الدخول، ويُلاحظهما عند الدخول؛ حتى لا يكون فيهما أذًى، ويصلي فيهما كما فعله النبي ﷺ.
والحديث الثاني: حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي وهو حاملٌ أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ، وهي ابنة أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، كان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
هذا يدل على جواز مثل هذا في الصلاة، وأنه لا حرج أن يصلي الإنسان وهو حاملٌ بعض أولاده، إذا سجد وضعه في الأرض، وإذا قام حمله، فعله النبي ﷺ ليُبين الجواز، يُبين لأُمته أن مثل هذا يجوز، قد تدعو له الحاجة، قد تكون الأم ما عندها مَن يحفظ أولادها، وقد يشقون عليها ويمنعونها من الصلاة إلا أن تحمل أحدهم، فإذا حملته أو حمله أبوه فلا بأس بذلك، يضعه عند السجود؛ حتى يتمكن من السجود، ثم يحمله، ولكن يُلاحظ بذلك ألا يكون نجسًا، يكون بدنه طاهرًا، وثيابه طاهرةً نظيفةً؛ حتى لا يحمل النجاسة.
والثالث: حديث أنسٍ أيضًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب.
هذا يدل على وجوب الاعتدال في السجود، وأن يسجد على سبعة أعضاء: الجبهة والأنف، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ثم يُشرع له أن يعتدل ولكن بالتفريج بين الإبطين والعَضُدين، وبين الفخذين وبطنه، وبين فخذيه وساقيه؛ حتى يكون مُعتدلًا.
وكان النبي ﷺ إذا سجد اعتدل، وفرَّج بين يديه وإبطيه، وبين فخذيه وبطنه، وبين فخذيه وساقيه، فيكون مُعتدلًا ومُستقيمًا في السجود، لا مُتضامًّا ومُتجمعًا، بل يعتدل ويرفع بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويرفع ذراعيه عن الأرض، ويعتمد على كفَّيه، ويُجافي عَضُديه عن جنبيه، هكذا السنة.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
**
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود
101- عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلى، ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ، فقال: ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ، فرجع فصلَّى كما صلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ، فقال: ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحقِّ، لا أُحسن غيره، فَعَلِّمْني. فقال: إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.
باب القراءة في الصلاة
102- عن عبادة بن الصامت : أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
103- وعن أبي قتادة الأنصاري قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأُوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يُطول في الأولى، ويُقصر في الثانية، وفي الركعتين الأُخريين بأم الكتاب، وكان يُطول في الركعة الأولى في صلاة الصبح، ويُقصر في الثانية.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة: الأول منها يتعلق بالطمأنينة، والثاني والثالث يتعلقان بالقراءة في الصلاة.
أما الطُّمأنينة -بضم الطاء- فهي السكون في الصلاة والخشوع فيها والاعتدال، يُقال: اطمأنَّ يطمئن طمأنينةً واطمئنانًا، إذا ركد واعتدل وسكنتْ حركاته.
هذا هو الواجب في الصلاة، بل فرضٌ وركنٌ أن يطمئن في صلاته، ولا يعجل، ولا ينقرها في ركوعه وسجوده، وهكذا في الاعتدال بعد الركوع، وهكذا بين السجدتين، هذا من أهم أركان الصلاة؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ رجلًا لم يطمئن قال له عليه الصلاة والسلام: ارجع فَصَلِّ، حتى فعلها ثلاث مراتٍ، ردَّه النبي ﷺ حتى يطمئن، حتى ينتبه، حتى يعرف أخطاءه وأغلاطه، وحتى يكون ذلك أكمل في التعليم، وأرسخ في القلب.
ففعل الرجل: ذهب وصلى، ثم عاد، ثم ذهب وصلى، ثم عاد، فلما رأى أنه لم يُصَلِّ كما أمره النبي ﷺ قال: "والذي بعثك بالحقِّ، لا أُحسن غير هذا، فَعَلِّمْني"، فاسترشد وطلب أن يُعلم بعد الثلاث، فعلَّمه النبي ﷺ وقال: إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، وفي روايةٍ أخرى: فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، ثم كبِّرْ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، وفي اللفظ الآخر: ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، هكذا علَّمه النبي ﷺ.
وفيه: أن الرجل كان كلما جاء سلَّم، والنبي يرد عليه عليه الصلاة والسلام، ثم يقول له: ارجع فَصَلِّ.
فهذا الحديث فيه فوائد:
- الفائدة الأولى: تعليم الجاهل، والإنكار عليه، ولا يُترك على جهله، وأن العالِم وطالب العلم إذا رأى أخاه قد أخلَّ بشيءٍ من أمور دينه يُعلمه، ولا يسكت، بل يُعلمه ويُرشده.
- والفائدة الثانية: الرفق، وعدم الشدة والعنف؛ فالرسول ما عنَّف عليه ولا سبَّه عليه الصلاة والسلام، بل علَّمه برفقٍ.
- الفائدة الثالثة: أنه يُكرر الفائدة لعله ينتبه، يُكرر عليه، إذا كانت الحالة تحتاج إلى أن يُكرر الفعل أو أن يُكرر القول حتى يفهمه كرره عليه حتى يفهمه.
- والرابعة: أنه إذا سلَّم الإنسان يُردُّ عليه، وإذا عاد وسلَّم يُرد عليه، وإذا عاد وسلَّم يُرد عليه، ولو ما راح بعيدًا، ولو أنه قريبٌ، ولو أنه يراه؛ لأن الرجل كلما عاد سلَّم، راح فصلَّى ثم عاد فسلَّم، والنبي ﷺ ينظر إليه، فهو عند النبي ﷺ، ما هو بعيدًا، يراه وينظر إلى أنه لم يطمئن، فدلَّ ذلك على أنه إذا شُغل بالصلاة أو بشيءٍ آخر ثم عاد فسلَّم يُرد عليه، وهكذا جاء في الحديث: إذا سلَّم أحدكم على أخيه ثم حال بينهما جدارٌ أو شجرٌ أو حجرٌ ثم لقيه فليُسلم عليه، السلام كله خيرٌ، وكله مما يُكسب المودة والأُلفة.
- وفيه من الفوائد: أن الطمأنينة لا بد منها، وأنها إذا فُقدتْ بطلت الصلاة؛ ولهذا أمره بالإعادة، فلا بد أن يطمئن في ركوعه، وسجوده، واعتداله بين السجدتين، واعتداله بعد الركوع.
والطمأنينة: السكون والركود حتى يرجع كل فَقارٍ إلى مكانه، ترجع العظام والمفاصل إلى محالِّها ومواضعها، فإذا ركع اعتدل واستوى حتى تهدأ أعضاؤه ويرجع كل فَقارٍ إلى مكانه، وإذا رفع من الركوع اعتدل واستقام حتى يرجع كل فَقارٍ إلى مكانه، وهكذا إذا سجد، وهكذا إذا جلس بين السجدتين يطمئن ولا يعجل حتى يرجع كل فَقارٍ إلى مكانه، فمتى فعل هذا فقد أدَّى الواجب، وإذا أخلَّ بهذا بطلتْ صلاته، فالطمأنينة فرضٌ لا بدَّ منه. - وفي الحديث الثاني الدلالة على أنه لا بد من قراءة الفاتحة؛ ولهذا قال ﷺ: لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وهذا يعمُّ الإمام والمأموم والمنفرد جميعًا.
وقال بعض أهل العلم: إن المأموم ليس عليه فرضٌ، بل هو تابعٌ لإمامه.
والصواب: أنه يعمُّه، وأنه تلزمه القراءة إلا إذا فاتته القراءة بأن جاء والإمام راكعٌ؛ سقطتْ عنه، أو سها عنها، أو اجتهد فرأى أنها لا تجب عليه على قول مَن قال: إنها لا تجب عليه، إن كان له عذرٌ سقطتْ عنه، وإلا فالواجب أن يقرأ الفاتحة، ولو في الجهرية يقرأها ثم يُنْصِت؛ لعموم الحديث؛ لأن الرسول ﷺ قال: لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، ولم يقل: إلا المأموم مُستثنًى، وفي اللفظ الآخر قال عليه الصلاة والسلام: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاةَ لمن لم يقرأ بها، وهذا صريحٌ في وجوبها على المأموم.
والحديث الثالث يدل على أنه يقرأ في الركعتين الأُوليين أطول من الركعتين الأُخريين، وكان في صلاة الظهر والعصر ﷺ يقرأ بسورة الفاتحة وسورتين، يُطول الأولى، ويُقصر الثانية، ويُخفف العصر على النصف من الظهر؛ كما في حديث أبي سعيدٍ ، ويقرأ في الأُخريين بفاتحة الكتاب، وهكذا في العصر بفاتحة الكتاب، وهكذا الثالثة في المغرب، وهكذا الثالثة والرابعة في العشاء يقرأ بفاتحة الكتاب.
وإن قرأ زيادةً في الظهر بعض الأحيان فحسنٌ؛ لأن الرسول ﷺ كان يقرأ فيها بعض الأحيان زيادةً على فاتحة الكتاب في الثالثة والرابعة في الظهر؛ كما في حديث أبي سعيدٍ : أنه كان يقرأ في الأُخريين على النصف، فهذا يدل على أنه يقرأ الفاتحة وزيادةً معها في بعض الأحيان عليه الصلاة والسلام.
وكان يُطول في صلاة الصبح أكثر من بقية الصلوات، ثبت عنه أنه كان يقرأ بالستين إلى المئة، يعني: الآيات، فيقرأ بـق ونحوها؛ كالذاريات والطور، وربما قرأ بأقلّ من ذلك؛ كالمرسلات والتكوير.
فالسنة أن يُطيل في الصبح في بعض الأحيان، ويُخفف بعض الشيء في بعض الأحيان؛ تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام.
والمغرب تارةً وتارةً: تارةً يقرأ بالطوال، وتارةً بالوسط، وتارةً بالقِصار، فقد قرأ فيها ﷺ بالطور، وقرأ فيها بالأعراف، وقرأ فيها بالمرسلات، وقرأ فيها بقِصار المفصل عليه الصلاة والسلام.
فالإمام لا يلزم حالةً واحدةً، بل تارةً بقِصار المفصل، مثل: الزلزلة، والقارعة، وأَلْهَاكُمُ [التكاثر]، والعصر، وأشباهها، وتارةً بأطول من ذلك: كالبلد، والضحى، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل]، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس]، والطارق، والانفطار، وأشباهها، وتارةً بأطول من ذلك: كالمرسلات، والقيامة، والمدثر، والمزمل، والطور، وأشباه ذلك، هكذا سُنته عليه الصلاة والسلام.
فالإمام يتحرى سُنة النبي ﷺ، هذا الميزان، الميزان فعله ﷺ، هو الميزان، يتحرى الإمام في صلواته فعل النبي ﷺ في الصلوات، يتحرى، أو ما يُقارب ذلك ويدنو من ذلك؛ حرصًا على اتباع سُنته، والموافقة له في فعله عليه الصلاة والسلام؛ عملًا بقول الله : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، وعملًا بقول النبي ﷺ: صلوا كما رأيتُموني أُصلي.
اللهم صلِّ عليه وسلم.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.