الدرس الخامس

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب القراءة في الصلاة":

104- وعن جُبير بن مُطْعِمٍ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور.

105- وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ كان في سفرٍ فصلَّى العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين بـوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين]، فما سمعتُ أحدًا أحسن صوتًا أو قراءةً منه ﷺ.

106- وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا على سَرِيَّةٍ، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص]، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: سَلُوه: لأي شيءٍ يصنع ذلك؟ فقال: لأنها صفة الرحمن ، فأنا أُحبُّ أن أقرأها. فقال رسول الله ﷺ: أخبِروه أن الله تعالى يُحبُّه.

107- وعن جابرٍ : أن النبي ﷺ قال لمعاذٍ: فلولا صلَّيتَ بـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى]، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل]؛ فإنه يُصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالقراءة في الصلاة، والقراءة في الصلاة تلقاها المسلمون عن نبيهم عليه الصلاة والسلام، وهي متفاوتةٌ في الصلاة، وهو ﷺ كان لا يلزم حالةً واحدةً، بل ربما طوَّل، وربما قصَّر، وربما توسط.

فهكذا ينبغي للأئمة أن تكون قراءتهم هكذا، مُتحرين فيها صلاته ﷺ وقراءته؛ لأنه هو الأُسوة عليه الصلاة والسلام، وقد قال الله : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: صلوا كما رأيتُموني أُصلي، فالمؤمن يتحرى في ذلك صلاته ﷺ: الإمام والمنفرد، أما المأموم فتبعٌ لإمامه؛ ولهذا ثبت عنه ﷺ أنه قرأ في المغرب بالطور، كما في حديث جُبير بن مُطعم قال: "سمعتُ النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور"، وكان هذا في آخر سنة اثنتين من الهجرة لما قدم جُبير من جهة أسارى بدر، قدم المدينة من أجل الأسارى.

وثبت عنه من حديث زيد بن ثابتٍ وحديث عائشة رضي الله عنها: أنه قرأ بالأعراف، قسمها في ركعتين.

وثبت من حديث أم الفضل بن عباسٍ : أنه قرأ في المغرب بالمرسلات.

وجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه قرأ فيها بـقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون]، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص].

وجاء في حديث أبي هريرة : أنه قرأ فيها بقِصار المفصل.

فدلَّ ذلك على أنه لا يلزم حالةً واحدةً، بل تارةً يُطيل، وتارةً يُقصر، وتارةً يتوسط.

وهكذا في الظهر ربما أطال، وربما قرأ فيها بنحو قراءة الفجر، وربما قرأ فيها بأخفَّ من ذلك؛ كـوَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل]، واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق]، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس]، والعصر أخفّ من ذلك، أخفّ من الظهر، والعشاء كذلك كالظهر؛ يقرأ فيها بأوساط المفصل، مثلما قال النبي ﷺ لمعاذٍ : لولا قرأتَ بـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى]، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل]، وفي الرواية الأخرى: واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.

وكان معاذٌ يُصلي بأصحابه العشاء، وكان يُطول عليهم، فزجره النبي ﷺ عن هذا، وقال: أفتانٌ يا معاذ؟ وأمره أن يختصر، وأن يقرأ في العشاء بهذه السور من أوساط المفصل، مثل: سَبِّحِ [الأعلى]، والغاشية، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، والبروج، والطارق، وأشباهها.

أما الفجر فكان يُطول فيها ﷺ، ويقرأ فيها بالستين إلى المئة آية، وربما قرأ فيها بـق، فالسُّنة فيها التطويل، وربما قرأ فيها بالقِصار؛ كما ثبت في "سنن أبي داود": أنه قرأ في الفجر بـإِذَا زُلْزِلَتِ [الزلزلة]، كررها في الركعتين، وهذا في بعض الأحيان، والغالب عليه أنه يُطوِّل الفجر عليه الصلاة والسلام.

وفي حديث البراء الدلالة على أنه ربما قرأ في العشاء بأقلّ من الأوساط؛ كـوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين]، يعني: قرأ فيها بـوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وقال البراء : "فما سمعتُ أحدًا أحسن صوتًا ولا أحسن قراءةً منه عليه الصلاة والسلام"، فدلَّ على أنه في بعض العشاء لا مانع أن يُخفف بعض الأحيان، فيقرأ فيها بالقِصار، مثل: سورة وَالتِّينِ، وأَلْهَاكُمُ [التكاثر]، والْقَارِعَةُ [القارعة]، وأشباهها، لا بأس.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها: أن جماعةً من الأنصار جعلوا عليهم إمامًا، فكان يُصلي بهم ويختم بـقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص]، يقرأ الفاتحة، ويقرأ سورةً معها، ثم يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ زيادةً، وربما قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أولًا، ثم قرأ بعدها زيادةً سورةً أخرى، فسألوه، قالوا: لماذا لا تكتفي بـقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، أو بما قرأتَ معها؟ قال: أنا أُحب أن أقرأ هذه السورة، فإن شئتُم أممتُكم وإلا فالتمسوا غيري. فكرهوا أن يَؤُمَّهم غيره، كانوا يرونه أقرأهم، فاشتكوه إلى النبي ﷺ، فقال: اسألوه لماذا؟ لماذا يقرأ سورةً مع غيرها ولم يكتفِ بها؟ فسألوه، قال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أُحب أن أقرأها. فقال عليه الصلاة والسلام: أخبِروه أن الله يُحبه يعني: كما أحبَّ أسماءه وصفاته، وفي اللفظ الآخر قال: حُبُّك إياها أدخلك الجنة.

هذا يدل على أنه يجوز أن يقرأ في الركعة سورتين أو أكثر، لا بأس، مَن قرأ الفاتحة ثم قرأ بعدها: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج]، أو قرأ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق]، أو قرأ فيها إِذَا زُلْزِلَتِ [الزلزلة]، والعاديات، والقارعة، لا حرج، هذا الإمام قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ومعها زيادةً، لا بأس بذلك.

وكان النبي ﷺ في الغالب يقرأ سورةً واحدةً مع الفاتحة، وجاء عن ابن مسعودٍ ما يدل على أنه ربما قرأ ثنتين، فالأمر في هذا واسعٌ، كما فعله الإمام الأنصاري هنا.

فإذا قرأ الإمام بالفاتحة، وقرأ معها آياتٍ وسورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، أو قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، أو قرأ سورةً أخرى، أو سورتين من غير ذلك، فالأمر في هذا واسعٌ؛ لأنه قال: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل:20]، والنبي ﷺ قال: ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، لكن استعمال سورةً مستقلةً مع الفاتحة اقتداءً به ﷺ في الأغلب أفضل، وإذا قرأ بعض الأحيان بسورتين: سورة وآيات مع الفاتحة، كل ذلك لا بأس به، ولا حرج فيه، ولا كراهة فيه، والحمد لله.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

**

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب ترك الجهر بـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

108- عن أنس بن مالكٍ : أن النبي ﷺ وأبا بكرٍ وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة].

وفي روايةٍ: صلَّيتُ مع أبي بكرٍ وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

109- ولمسلمٍ: صلَّيتُ خلف النبي ﷺ وأبي بكرٍ وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول قراءةٍ، ولا في آخرها.

باب سجود السهو

110- عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العَشِيِّ. قال ابن سيرين: وسمَّاها أبو هريرة، ولكن نسيتُ أنا. قال: فصلَّى بنا ركعتين ثم سلَّم، فقام إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجد فَاتَّكَأَ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليُمنى على اليُسرى، وشَبَّكَ بين أصابعه، وخرجت السَّرَعَانُ من أبواب المسجد، فقالوا: قُصِرَتِ الصلاةُ. وفي القوم أبو بكرٍ وعمر، فهابا أن يُكَلِّماه، وفي القوم رجلٌ في يديه طُولٌ يُقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أَنَسِيتَ أم قُصِرَتِ الصلاة؟ قال: لم أَنْسَ، ولم تُقْصَرْ، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدَّم فصلَّى ما ترك، ثم سلَّم، ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبَّر، ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبَّر، فربما سألوه، ثم سلَّم.

قال: فَنُبِّئْتُ أن عمران بن حُصينٍ قال: ثم سلَّم.

111- وعن عبدالله ابن بُحَينةَ -وكان من أصحاب النبي ﷺ-: أن النبي ﷺ صلَّى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأُوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناسُ تَسْلِيمَه كبَّر وهو جالسٌ فسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم، ثم سلَّم.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة: الأول منها يتعلق بقراءة البسملة في أول القراءة، والثاني والثالث يتعلقان بما فعله في سجود السهو.

في حديث أنسٍ المتقدم الروايات كلها تدل على أنه لا يُشرع للإمام الجهر بالتسمية عند القراءة، فإذا كبَّر بالصلاة استفتح ويتعوذ ويُسمي سرًّا، ثم يجهر بالفاتحة في المغرب والعشاء والفجر والجمعة والعيد، لا يجهر بالبسملة، هذا هو الأفضل؛ ولهذا قال أنسٌ : إن الرسول ﷺ كان لا يجهر بـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهكذا أبو بكرٍ وعمر وعثمان بعده عليه الصلاة والسلام كانوا يُسرون، فالسنة الإسرار بها، إذا كبَّر واستفتح يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم" سرًّا، ثم يجهر ويقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ويقرأ الفاتحة، هذا هو السنة.

ولو جهر بعض الأحيان للتعليم؛ حتى يعلم مَن خلفه أنه يقرأها فلا بأس، كما روى أبو هريرة وآخرون من باب التعليم، إذا جهر بها بعض الأحيان جهرًا خفيفًا؛ ليسمعها مَن خلفه أنه يقرأها من باب التعليم فلا بأس، لكن السنة الإسرار بالتعوذ والتسمية، والجهر يكون بأول الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2، 3] فيما يُجْهَر فيه: كالمغرب، والعشاء، والفجر، والجمعة.

هذا المقصود من رواية أنسٍ ، فليس المعنى أنهم يتركونها، لكن لا يجهرون بها؛ ولهذا في اللفظ الآخر: "كانوا لا يجهرون بـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وهذا هو السنة.

وأما حديث أبي هريرة من طريق ابن سيرين فهو يدل على أن الإمام إذا سها -وهكذا المنفرد إذا سها- في الصلاة وسلَّم من ثنتين في الظهر أو العصر أو العشاء أو المغرب، إذا سلَّم من ثنتين ثم نُبِّه أو تذكر فإنه يُكمل صلاته، فإذا كملها وقرأ التحيات يُسلم، ثم يسجد للسهو سجدتين بعد السلام، هذا هو الأفضل، يكون سجوده بعد السلام، إذا سلَّم عن نقص ركعةٍ أو ركعتين يكون سجوده بعد السلام، يُكمل، إذا نُبِّه أو تنبه يُكمل صلاته، ثم بعدما يُكملها يسجد سجدتين للسهو بعد السلام، ثم يُسلم تسليمةً ثانيةً بعد السجدتين، هذا إذا كان عن نقص ركعةٍ أو ركعتين.

ويقول في السجود مثلما يقول في الصلاة: "سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى"، أو يدعو مثل سجود الصلاة سواء.

وفي هذا من الفوائد: أن الرسل يجري عليهم السهو مثلما يجري على غيرهم، مثلما قال ﷺ: إنما أنا بشرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فالرسل عليهم الصلاة والسلام يُصيبهم النسيان كما يُصيب غيرهم، لكنهم معصومون فيما يُبلغون عن الله أن يقع خطأٌ، فكل ما يُبلغونه عن الله فهو محفوظٌ: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4]، فليس فيه خطأٌ، بل هم معصومون أن ينقلوا عن الله من الشريعة ما هو خطأٌ، بل هم معصومون في ذلك، كل ما يُبلغونه عن الله فهو حقٌّ، لكن يقع منهم السهو، ولا يُقَرُّون عليه، يُنَبَّهون، إما أن يتنبه أو يُنبَّه، مثلما جرى في قصة ذي اليدين؛ سلَّم من ثنتين عليه الصلاة والسلام في صلاة العصر، كما في الرواية الثانية، ثم قام وجلس في مقدم المسجد، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيتَ؟ فقال: لم أنسَ، ولم تُقصر، وكان قد نسي عليه الصلاة والسلام، فسأل الناس، فصوَّبوا ذا اليدين؛ فقام وكمَّل عليه الصلاة والسلام، ثم بعدما كمَّل وسلَّم من التشهد سجد سجدتي السهو، ثم سلَّم منها عليه الصلاة والسلام، هذا هو السنة.

وإن سجد قبل السلام أجزأه، لكن الأفضل بعد السلام في مثل هذا؛ إذا كان النقص عن ركعةٍ أو ركعتين يكون سجوده بعد السلام، هذا هو الأفضل.

أما إذا كان سهوه عن غير ذلك، مثل: إن ترك التشهد الأول ناسيًا، وقام للثالثة، هذا يسجد قبل السلام، هذا يكون سجوده قبل السلام، وهكذا جميع أنواع السهو كله قبل السلام، كله يسجد قبل السلام ثم يُسلم: إذا نسي التشهد الأول، أو نسي التكبير عند الركوع أو عند السجود، أو نسي: "ربِّ اغفر لي" بين السجدتين، أو نسي أن يقول: "سمع الله لمن حمده"، هذه كلها يسجد لها قبل السلام سجدتين للسهو، وهكذا المنفرد مثله سواءً بسواءٍ.

أما المأموم فما عليه شيءٌ، فهو تبعٌ لإمامه، لو سها المأموم الذي دخل من أول الصلاة ليس عليه شيءٌ، فهو تابعٌ لإمامه، إلا إذا كان مسبوقًا بشيءٍ فإنه يسجد للسهو، إذا كان مسبوقًا بركعةٍ أو أكثر فإنه إذا سها يسجد للسهو بعدما يقضي ما عليه، إذا قضى ما عليه يسجد للسهو قبل السلام، إلا إذا كان سلَّم عن ركعةٍ أو ركعتين نقصًا؛ يكون سجوده بعد السلام كما تقدم في حديث ابن سيرين.

وبهذا تعلم أن السهو له حالان:

  • إحداهما: أن يكون ساهيًا في ترك ركعتين أو ركعةٍ، وسلَّم منها، ثم نُبِّه وكمَّل، هذا يكون سجوده بعد السلام، هذا هو الأفضل، وإن سجد قبل السلام أجزأه.
  • الثاني: إذا غلب على ظنِّه الصواب، فهذا يسجد للسهو بعد السلام أيضًا، يتحرى الصواب ويُتم عليه، ويسجد بعد السلام.

هاتان الحالتان سجودهما بعد السلام أفضل، وإن سجد قبل السلام فلا بأس.

النوع الثاني: يكون سهوه غير ذلك، مثل: يترك التشهد الأول، أو يترك التَّسبيح في السجود أو في الركوع، أو يشك: هل صلى ثنتين أم ثلاثًا؟ يجعلها ثنتين ويسجد للسهو قبل السلام أفضل، أو شكَّ في ثلاثٍ أو أربعٍ، يجعلها ثلاثًا، ثم يُكمل، ثم يسجد للسهو قبل السلام، هذا هو الأفضل، وإن سجد بعد السلام أجزأه.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

**

والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب المرور بين يدي المصلي

112- عن أبي جهم بن الحارث بن الصِّمَّة.

الشيخ: عن أبي؟

القارئ: عن أبي جهم بن الحارث.

الشيخ: كذا عندك؟

القارئ: نعم.

الشيخ: بدون ياء؟

القارئ: أبو جهم.

الشيخ: عن أبي جُهَيم بن الحارث.

القارئ: لا، لا، بدون ياء.

الشيخ: طيب، نعم.

القارئ: عن أبي جهم بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: لو يعلم المارُّ بين يدي المصلِّي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرَّ بين يديه.

قال أبو النَّضر: لا أدري قال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنةً.

113- وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إذا صلَّى أحدكم إلى شيءٍ يَسْتُرُه من الناس، فأراد أحدٌ أن يَجْتَازَ بين يديه فَلْيَدْفَعْه، فإن أبى فَلْيُقَاتِلْهُ؛ فإنما هو شيطانٌ.

114- وعن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: أقبلتُ راكبًا على حمارٍ أتانٍ، وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلام، ورسول الله ﷺ يُصلِّي بالناس بمنًى إلى غير جدارٍ، فمررتُ بين يدي بعض الصَّفِّ، فنزلتُ وأرسلتُ الأتان تَرْتَعُ، ودخلتُ في الصفِّ، فلم يُنْكِر ذلك عليَّ أحدٌ.

115- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنتُ أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورِجْلاي في قِبْلته، فإذا سجد غَمَزَني؛ فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وإذا قام بَسَطْتُهما، والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

..... فيما يتعلق بالمرور بين يدي المصلي: من المعلوم أنه لا يجوز المرور بين يدي المصلي قريبًا منه، ولا بينه وبين السُّترة التي وضعها؛ للأحاديث المذكورة في الباب، ولغيرها من الأحاديث الدالة على أنه لا يجوز المرور بين يديه؛ لما فيه من التشويش عليه، أو قطع صلاته إن كان المارُّ مما يقطعها.

ومن أدلة التحريم: قوله عليه الصلاة والسلام: لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرَّ بين يديه.

ماذا عليه يعني: من الإثم، ذكر المؤلف: "من الإثم"، وهي ليست من رواية الصحيحين، وإنما ذكرها بالمعنى، والصواب أنها غير مذكورةٍ في الحديث، وإنما رواها بالمعنى من السياق.

ويدل ذلك على تحريم المرور بين يديه إذا كان لو يعلم ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين، سواء كانت شهورًا، أو أعوامًا، أو أيامًا؛ كله عظيمٌ.

ويدل على شدة التحريم، وأنه لا يجوز للمسلم أن يمرَّ بين يدي أخيه وهو يصلي قريبًا منه أو بين يديه وبين السُّترة التي وضعها من جدارٍ، أو ساريةٍ، أو عَنَزَةٍ، أو غير ذلك.

واختُلف فيما إذا كان ليس بين يديه سُترةٌ، فمتى يكون بين يديه؟

والأرجح أنه إذا كان في مساحة ثلاثة أذرعٍ فأقلّ فهو بين يديه، وإذا كان بعيدًا فإنه لا يضره ذلك.

ومن أدلة ذلك: أنه ﷺ صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار الذي أمامه ثلاثة أذرعٍ.

قال بعض أهل العلم: هذا يدل على أنه يكون بين يديه إذا كانت ثلاثة أذرعٍ فأقلّ، أما إذا كان بعيدًا فإنه لا يكون بين يديه، ولا يضره مروره، سواء كان المارُّ رجلًا أو امرأةً أو دابةً.

أما الذي يقطع الصلاة فقد روى مسلمٌ في "صحيحه" أنه يقطع صلاة المرء المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مُؤْخِرَة الرَّحْل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود.

هكذا روى مسلمٌ في "صحيحه" من حديث أبي ذرٍّ .

وروى معناه مسلمٌ عن أبي هريرة ، لكن بغير ذِكْر: الأسود.

وروى بعضهم أيضًا كما روى النسائي بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: المرأة، والحمار.

وهذا يدل على أنه إذا مرَّت بين يديه امرأةٌ بالغةٌ -كما في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما- أو حمارٌ أو كلبٌ أسود يقطع صلاته، وهكذا بينه وبين السُّترة.

وقد استنكرتْ عائشة ذلك رضي الله عنها فيما يتعلق بالمرأة، فقالت: "كنتُ أنام بين يديه ورِجْلاي في قِبْلته، فإذا سجد غَمَزَني؛ فقبضتُ رِجْليَّ، وإذا قام بسطتُهما"، قالت: "بئسما شبَّهتُمونا بالحمير والكلاب".

وهذا منها رضي الله عنها اجتهادٌ ورأيٌ، ولم تعلم السُّنة التي جاءت عن النبي ﷺ، وليس مدُّ الرِّجْلين مثل المرور، المرور شيءٌ، ومدُّ الرِّجْلين شيءٌ آخر، فَمَدُّ الرِّجْلين إلى المصلي ما يقطع صلاته، وإنما يقطعها المرور من جانبٍ إلى جانبٍ، سواءٌ كان المارُّ امرأةً أو حمارًا أو كلبًا أسود، هذا هو الذي يقطع.

أما مرور الرجل أو الدابة غير الكلب الأسود أو كلبٍ ليس بأسود هذا لا يقطع الصلاة، لكنه يُمنع، ينبغي أن يُمنع، لا يمر، المصلي ينبغي أن يمنع المارَّ ولو كان المارُّ رجلًا أو دابةً غير الكلب أو الكلب، كله يُمنع، لا يدع شيئًا يمر بين يديه؛ ولهذا في حديث أبي سعيدٍ ، أن النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم إلى شيءٍ يستره من الناس فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليُقاتله؛ فإنما هو شيطانٌ.

معنى "يُقاتله" أي: يُدافعه بقوةٍ، المقاتلة: المدافعة بقوةٍ، ليس المراد: يضربه بالسيف ويقتله، لا، المراد: أنه يُدافعه بقوةٍ؛ لأنه من شياطين الإنس؛ ولهذا وجب أن يُدفع حتى لا يُشوش على المصلي صلاته، ولو كان رجلًا.

أما إن كان المارُّ امرأةً يحصل التشويش والقطع أيضًا، وهكذا الحمار مطلقًا، والكلب الأسود خاصةً؛ لأنه شيطانٌ.

والشيطان من كل جنسٍ مُتمرده، فشيطان بني آدم المتمرد المؤذي الذي يُؤذي الناس ويضرهم، وشيطان الكلاب هو الأسود منها، وشيطان كل جنسٍ ما فيه الأذى والضَّرر والتعدي.

وفي حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما الدلالة على أن المرور بين يدي المأمومين لا يضر، إنما هذا بين يدي الإمام أو المنفرد، أما لو مرَّ بين الصفوف ما يضرهم؛ لأنهم تبع إمامهم، وسترته سترةٌ لهم، فلا يضر المرور بين أيديهم، فلو مرَّ بين أيديهم حمارٌ أو كلبٌ أو امرأةٌ لا يقطع صلاة المأمومين؛ اكتفاءً بسُترة الإمام؛ ولهذا ترك الأتان تَرْتَع، ولم يُنكر ذلك عليه أحدٌ؛ لأنها لا تقطع صلاتهم.

وهكذا لو مرَّت امرأةٌ بينهم أو كلبٌ لم يقطع صلاتهم، فالمأموم مربوطٌ بإمامه، ولا يضره مَن مرَّ بين يديه، ولكن ينبغي للمؤمن إذا كانت له مندوحةٌ ألا يُشوش عليهم، إذا كانت له مندوحةٌ، أما إذا لم تكن له مندوحةٌ بأن رأى فُرْجةً فذهب إليها ليسدَّها، أو ليس له طريقٌ إلا المرور عليهم؛ فلا يضرهم، ولا بأس بذلك، ولا يضر صلاتهم.

وفَّق الله الجميع.

س: يسأل سائلٌ: الطفل الصغير يقطع الصلاة؟

ج: يُمنع من المرور، ولا يقطع، حتى الرجل الكبير ما يقطع، والمرأة الصغيرة التي لم تبلغ لا تقطع، لكن يُمنعوا من المرور، لا يمر ولو لم يقطع؛ ولهذا في الحديث: فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فليدفعه، وكان النبي ﷺ قد رأى دابةً تريد أن تمر فتقدَّم حتى يمنعها من المرور.

وفَّق الله الجميع.

**

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

بابٌ جامعٌ

116- وعن أبي قتادة الحارث بن رِبْعِيٍّ الأنصاري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يُصلِّي ركعتين.

الشيخ: الأول الذي عندك: أبو جُهيم، الذي عندك غلطٌ، بالياء: أبو جُهيم.

القارئ: أبي جُهيم؟

الشيخ: الذي تقدَّم: لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ....

القارئ: نعم.

قال رسول الله ﷺ: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يُصلِّي ركعتين.

117- وعن زيد بن أرقم قال: كنَّا نتكلم في الصلاة، يُكَلِّم الرجلُ منا صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلتْ: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، فأُمِرْنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام.

118- وعن عبدالله بن عمر وأبي هريرة ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا اشتدَّ الحرُّ فَأَبْرِدُوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحرِّ من فَيْحِ جهنم.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة: تتعلق ..... يتعلق بتحية المسجد، والثاني يتعلق بالكلام في الصلاة، والثالث يتعلق بتأخير الصلاة -صلاة الظهر- عند شدة الحرِّ.

يقول النبي ﷺ: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين، وهذا جاء في عدة أحاديث، يدل على شرعية وتأكد صلاة ركعتين لمن دخل المسجد وهو على وضوءٍ، وهو طاهرٌ، وهذا محل وِفاقٍ بين أهل العلم، إذا كان الوقت ليس وقت نهيٍ: كالضحى، والظهر، والليل.

أما إذا كان الوقت وقت نهيٍ: كبعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، اختلف العلماء في ذلك على قولين، أصحهما وأصوبهما: أنه يفعلها ولو في وقت النهي؛ لأنها من ذوات الأسباب: كصلاة الطواف بعد العصر والصبح، وكالخسوف -صلاة الخسوف-، وكقضاء الفوائت، تُفعل في كل وقتٍ؛ لعموم قوله ﷺ: فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين، هذا يعمُّ جميع الأوقات.

وهكذا ثبت عنه ﷺ أنه لما رأى رجلًا دخل وهو يخطب يوم الجمعة، فقال: قُمْ فَصَلِّ ركعتين، وهو يخطب عليه الصلاة والسلام، مع أنهم مشغولون باستماع الخطبة، ومع ذلك أمره النبي ﷺ أن يُصلي ركعتين، وقال: إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فليُصَلِّ ركعتين وليَتَجوز فيهما.

وهذا كله إذا كان الداخل للمسجد على وضوءٍ، أما إذا كان ليس على وضوءٍ فإنه يجلس، ولا يجوز له أن يُصلي وهو على غير وضوءٍ؛ لأن من شرط الصلاة: الطهارة.

الحديث الثاني: حديث زيد بن أرقم الأنصاري قال: "كنا نتكلم في عهد النبي ﷺ في الصلاة، يُكلم أحدنا صاحبه لحاجته، حتى نزل قول الله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ، فأُمِرْنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام".

وهكذا جاء عن ابن مسعودٍ : أنهم كانوا يُكلمون النبي ﷺ في الصلاة، ثم إنه قال: إن الله قد أحدث من أمره ......

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إذا ناب أحدكم شيءٌ في صلاته فَلْيُسبِّح الرجال، ولتُصفِّق النساء.

أما الكلام فممنوعٌ في الصلاة حتى يُسلِّم، وهذا مما استقرت عليه الشريعة، وكان ناسخًا لما قبله من إباحة الكلام في الحاجة.

والحديث الثالث: حديث ابن عمر وأبي هريرة في شدة الحرِّ، يقول ﷺ: إذا اشتدَّ الحرُّ فَأَبْرِدُوا بالصلاة؛ فإن شدة الحرِّ من فَيْح جهنم، وكان في بعض أسفاره يأمرهم بالإبراد حتى يروا فَيْء التُّلُول وهم في السفر، ثم يُصلون صلاة الظهر، هذا هو السُّنة في شدة الحرِّ في المدن والقُرى، وللمسافر أيضًا، فالسُّنة للجميع أن يُؤخروا الصلاة بعض الشيء حتى ينكسر الحرُّ، حتى يخفَّ الحرُّ بعض الوقت، ومعلومٌ أنه يتأخر إلى بعد العصر: شدة الحرِّ، لكن المقصود أنه يُؤخرها بعض الشيء حتى يكثر الظلُّ في الأسواق، وحتى يتسهل للناس المشي إلى المساجد في الظلِّ، في ظلِّ الحِيطان بعدما تميل الشمس إلى جهة الغرب كثيرًا؛ ليتيسر لهم الظل، وينكسر الحرُّ والشدة.

ولهذا قال أنسٌ : "كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحرِّ حتى إذا لم يستطع أحدنا أن يُمكِّن جبهته من الأرض بسط ثوبه وسجد عليه"، فدلَّ على أنهم يصلون وهناك حَرٌّ شديدٌ، لكن بعدما ينكسر بعض الشيء، فيُؤخر بعض الوقت، مثل: نصف ساعةٍ أو ساعة، أو ما يُقارب ذلك؛ حتى ينكسر الحرُّ بعد الزوال في شدة الحرِّ، سواء كان في مدينةٍ، أو في قريةٍ، أو في سفرٍ.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

**

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب جامع":

119- وعن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ: مَن نسي صلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها، لا كفَّارةَ لها إلا ذلك، وتلا قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه:14].

ولمسلمٍ: مَن نسي صلاةً أو نام عنها فكفَّارتها أن يُصلِّيها إذا ذكرها.

120- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن معاذ بن جبلٍ كان يُصلِّي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيُصلِّي بهم تلك الصلاة.

121- وعن أنس بن مالكٍ قال: كنا نُصلِّي مع رسول الله ﷺ في شدة الحرِّ، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض بَسَطَ ثوبَه فسجد عليه.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة عن النبي ﷺ تدل على أنه ينبغي للمؤمن إذا فاتته الصلاة أو نام عنها أو نسيها أن يُبادر بالقضاء؛ لقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي؛ ولهذا لما سُئل عليه الصلاة والسلام عن ذلك أجاب: مَن نام عن الصلاة أو نسيها فليُصلها إذا ذكرها، لا كفَّارة لها إلا ذلك.

فإذا عرض للمسلم نسيانٌ أو نومٌ عن أي صلاةٍ، فليُبادر بقضائها من حين يتذكر، أو من حين يستيقظ: فجرًا، أو ظهرًا، أو عصرًا، أو مغربًا، أو عشاء، والواجب عليه عند النوم أن يتثبت في الأمر، وأن يعمل ما يلزم مما يُعينه على الاستيقاظ في الوقت: كالساعة، أو تكليف أهله بأن يُوقظوه؛ حتى لا ينام عنها، سواء كانت الفجر أو غيرها، وليس له التساهل في هذا، بل يجب عليه أن يعمل ما يلزم؛ حتى تتيسر له اليقظة وقت الصلاة.

وقد يسَّر الله الساعات الآن، ففيها إعانةٌ على هذا الأمر، إذا كان ركَّبها في الوقت بأن يُنبَّه على الوقت؛ فإن هذا مما يُعينه، وكذلك البكرة وعدم السهر؛ لأنه إذا سهر قد لا يسمع صوت الساعة من شدة النوم، ولكن ينبغي له أن يُبكر ولا يسهر؛ حتى يُعينه ذلك على اليقظة وأداء الصلاة في وقتها مع المسلمين.

وفي الحديث الثاني: حديث صلاة معاذٍ بأصحابه، كان يصلي بأصحابه العشاء بعدما صلى مع النبي ﷺ.

وهذا يدل على أنه لا بأس بأن يصلي الإنسان الفريضة مع إمامٍ، ثم يُصليها مع جماعته نافلةً له، وهي لهم فريضةٌ، لا حرج في ذلك.

وكان معاذٌ يصلي مع النبي ﷺ ليتعلم ويستفيد، ثم يرجع فيصلي بأصحابه صلاة العشاء، والنبي أقرَّه على هذا عليه الصلاة والسلام، فدلَّ ذلك على أنه لا بأس أن يكون الإمام مُتنفلًا، والجماعة مُفترضين، لا حرج في ذلك.

ومن هذا أن النبي ﷺ في صلاة الخوف صلَّى بطائفةٍ ركعتين في بعض أسفاره -بعض غزواته- ثم صلى بآخرين ركعتين، فكانت الأولى له فريضةً، والثانية له نافلةً، ولأصحابه فريضة رضي الله عنهم وأرضاهم.

هذا كله يدل على جواز مثل هذا، وأنه لا حرج في ذلك: أن يكون الإمام مُتنفلًا، ويكون الجماعة مُفترضين، لا حرج في ذلك، والنية هي العمدة، فـالأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى.

الحديث الأخير: كان الصحابة ربما صلوا في شدة الحرِّ والأرض حارَّةٌ، فيبسط أحدهم ثوبه ليسجد عليه، لا حرج في ذلك، إذا كانت الأرض باردةً أو حارَّةً وبسط رداءه أو سجادةً أو أطراف أكمامه عن الحرارة والبرودة فلا حرج في ذلك، أو عمامته، لا حرج في ذلك.

وفق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

**

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب جامع":

122- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا يُصَلِّ أحدُكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيءٌ.

123- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: مَن أكل ثُومًا أو بَصلًا فليعتزِلْنا، أو ليعتزلْ مسجدَنا، وليقعُدْ في بيته.

وأُتِيَ بِقِدْرٍ فيه خَضِراتٌ من بُقولٍ، فوجد لها ريحًا، فسأل عنها، فأُخبر بما فيها من البقول، فقال: قَرِّبُوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كَرِهَ أكلَها قال: كُلْ؛ فإني أُناجي مَن لا تُناجي.

124- وعن جابرٍ : أن النبي ﷺ قال: مَن أكل البصل أو الثُّوم أو الكُرَّاثَ فلا يَقْربنَّ مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنسان، وفي روايةٍ: بنو آدم، وفي روايةٍ: الآدميون.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالصلاة:

الحديث الأول: يقول عليه الصلاة والسلام: ..... ليس على عاتقه منه شيءٌ، وفي الرواية الأخرى: ليس على عاتقيه منه شيءٌ، وهذا يدل على وجوب ستر العاتقين أو أحدهما في الصلاة.

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك واجبٌ في الفرض والنفل، وذهب آخرون إلى أنه واجبٌ في الفرض فقط، وذهب الأكثرون إلى أنه سُنَّةٌ، ويُجزئه أن يُصلي في الإزار فقط، أو السراويل فقط؛ لأنه ستر العورة المغلظة ما بين السُّرة والركبة.

والصواب ما دلَّ عليه الحديث، وأنه لا يجوز أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيءٌ، إن كان واسعًا يلتحف به، وإن كان ضيقًا يَأْتَزر به، ويجعل على عاتقه رداءً مُستقلًّا مع القدرة، أو يلبس قميصًا، أو ما أشبه ذلك مما يستر العاتقين أو أحدهما؛ عملًا بهذا الحديث الصحيح، رواه الشيخان في الصحيحين.

ولا فرق بين الفرض والنفل؛ لعموم الحديث؛ لأن لا يُصلِّ عامٌّ يعمُّ الفرض والنفل، وهذا القول هو الصواب من الأقوال الثلاثة: يجب ستر العاتقين أو أحدهما في الفرض والنفل؛ لهذا الحديث الصحيح وما جاء في معناه من الأحاديث الدالة على أنه كان ﷺ يصلي في الثوب الواحد يشتمله، وقال لجابرٍ : إن كان واسعًا فَالْتَحِفْ به، وإن كان ضيقًا فَأْتَزر به، فهذا كله دليلٌ على أنه مع القدرة المصلي يستر العاتقين أو أحدهما، ومع العجز يكفي المئزر أو السراويل؛ لأن الله لا يُكلف نفسًا إلا وسعها.

والحديث الثاني والثالث فيما يتعلق بالثوم والبصل والكُرَّاث، وأن مَن أكل شيئًا منها فإن عليه أن يعتزل المساجد، ويعتزل المسلمين، ولا يُصلي معهم؛ لأنه يُؤذيهم بذلك؛ ولهذا قال: فليعتزلنا، وليقعد في بيته.

هذا يدل على أنه لا يجوز له حضور المساجد؛ لأنه يُؤذي المسلمين، ويُؤذي الملائكة؛ ولهذا قال: فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان، فلا ينبغي له أن يحضر في المساجد، حتى ولو في غير الجماعة، ولو لمجرد القراءة في المسجد، أو نحو ذلك؛ لأنه يُؤذي الملائكة؛ ولهذا قال: فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.

ولا ينبغي له أن يأكله ما دام يعوقه عن الصلاة في الجماعة إلا من حاجةٍ، إذا أكله لحاجةٍ -من جوعٍ ومن دواءٍ- فلا بأس، وإذا تيسر أن يتعاطى ما يُزيل الرائحة من الأدوية التي تُزيل الرائحة فذلك كافٍ، وإذا أماته طبخًا فإنه يُزيل الرائحة، إذا أماته طبخًا جيدًا فإنه يُزيل الرائحة، وإذا بقي شيءٌ فيتعاطى ما يُزيل الباقي من أنواع المزيلات التي يعرفها الأطباء ونحوهم ممن جرَّب هذه الأمور.

وفيه أنه عُرض عليه طبقٌ من خَضِرَاتٍ، يعني: قِدْرًا فيه خَضِرَاتٌ، فوجد لها ريحًا، فقال: قَدِّموها لبعض أصحابه، فلما رآه لم يأكل منها، ذلك الصحابي كَرِهَ أن يتعاطاها، فقال: كُلْ؛ فإني أُناجي مَن لا تُناجي يعني: جبرائيل عليه الصلاة والسلام.

فهذه البقول غير الثوم والبصل، بقولٌ وجد فيها رِيحًا ما ناسبته عليه الصلاة والسلام فتركها؛ لئلا يتأذى بها جبرائيل عليه الصلاة والسلام، وأَذِنَ لأصحابه في أكلها.

فالبقول التي ليس فيها رائحة الثوم والبصل والكُرَّاث لا بأس أن يأكلها الإنسان، لا حرج في ذلك؛ كأنواع البقول والجرجير والخسّ، وأشباه ذلك مما ليس له رائحةٌ كريهةٌ، فلا حرج في أكله، وإن كرهه بعض الناس لبعض رائحته، لكن ليس مثل الثوم والبصل والكُرَّاث، فهذه ينبغي تركها إلا من حاجةٍ، وإذا أكلها فلا يحضر المساجد، ولا يُصلِّ مع الناس؛ لئلا يُؤذيهم بذلك.

وفي معنى ذلك كل رائحةٍ كريهةٍ؛ كالصِّنان الذي يُبتلى به بعض الناس، إن كانت له رائحةٌ شديدةٌ يُؤذي بها الناس فلا يحضر حتى يغسل نفسه ويتطهر ويتنظف ويُجاهد؛ لعله يزول ما عليه من هذه الرائحة الكريهة.

وهكذا التدخين، يجب عليه أن يجتهد حتى لا يُؤذي الناس برائحة الدخان، فإذا كان يتعاطاه فليستر على نفسه، ويتباعد عن إظهار هذا المنكر؛ لأن هذا منكرٌ، التدخين منكرٌ، فيجمع بين إظهار المنكر وإيذاء الناس بالرائحة، فالواجب عليه أن يستتر بستر الله، وأن يحرص على ألَّا تظهر الرائحة لأحدٍ من الناس؛ حتى يستتر عن ظهور هذا المنكر، وحتى لا يُؤذي به المسلمين الذين لم يعتادوه ولم يشربوه، لا في الصلاة، ولا في غيرها.

رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

س: ......؟

ج: نعم، نعم، النهي للتحريم.

**

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب التشهد

125- عن عبدالله بن مسعودٍ ﷺ قال: علَّمني رسول الله ﷺ التَّشهد -كَفِّي بين كفَّيه- كما يُعلِّمني السورة من القرآن: التحيات لله والصَّلوات والطَّيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

126- وفي لفظٍ: إذا قعد أحدكم في الصلاة فَلْيَقُلْ: التحيات لله ... وذكره، وفيه: فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلَّمْتُم على كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض، وفيه: فَلْيَتَخَيَّر من المسألة ما شاء.

127- وعن عبدالرحمن ابن أبي ليلى قال: لَقِيَني كعب بن عُجْرَة فقال: ألا أُهْدِي لك هديةً؟ إن النبي ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد عَلِمْنا كيف نُسَلِّم عليك، فكيف نُصلِّي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذان الحديثان العظيمان الصحيحان عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذكرهما بيان كيفية التشهد الذي يأتي به المسلم في الصلاة، وبيان كيفية الصلاة على النبي ﷺ أيضًا في الصلاة.

أما التشهد فكان الصحابة في أول الأمر إذا جلسوا في التشهد الأول والتشهد الأخير يقولون: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلانٍ وفلانٍ. فعلَّمهم النبي ﷺ كيف يقولون، وقال: إذا قعد أحدكم يعني: للتشهد فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

هذا هو التشهد، يُقال في التشهد الأول بعد الركعتين، ويُقال في التشهد الأخير قبل السلام.

ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به، وفي اللفظ الآخر: ثم يتخير من المسألة ما شاء يعني: بعد هذا يدعو، يعني: بعد هذا وبعد الصلاة على النبي ﷺ.

وقال لهم ﷺ: إذا فعلتم هذا فقد سلَّمتم على كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض يعني: إذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فمعناه: أنه سلَّم على كل عبدٍ صالحٍ من الأنبياء وغيرهم في السماء والأرض، يعني: دعا لهم.

السلام دعاء، فمعنى: السلام علينا أي: السلامة والعافية علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وهكذا السلام عليك أيها النبي يعني: السلامة لك أيها النبي والرحمة والبركة، يدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة، ويدعو لعباد الله الصالحين بالسلامة ولنفسه كذلك: علينا وعلى عباد الله الصالحين.

فالمؤمن في تشهده يدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة، ويُعظِّم الله بقوله: التحيات لله، التحيات: التعظيمات من الركوع والسجود والثناء، كله لله وحده .

وهكذا "الصلوات لله" الصلوات الخمس والنافلة وجميع الدعاء كله لله وحده.

والطيبات الطيبات من أقوالنا وأعمالنا يجب أن تكون لله وحده، ثم يأتي بعد هذا بالتشهد: أشهد أن لا إله إلا الله، وفي الرواية الأخرى: وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

"أشهد" يعني: أعلم وأعترف وأُقرُّ بأنه لا إله إلا الله، يعني: لا معبود حقّ إلا الله، هذا معنى "لا إله إلا الله"، أي: لا معبود حقّ -لا في الأرض، ولا في السماء- إلا الله وحده سبحانه، كما قال في كتابه العظيم: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62]، وقال: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه:98]، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

هذا معنى: لا إله إلا الله، معناها: لا معبود حقّ -لا في الأرض، ولا في السماء- إلا الله.

أما المعبودات التي عبدها الناس من الأصنام أو الأشجار أو الملائكة أو الأنبياء أو الجنِّ، كل ذلك باطلٌ، العبادة حقٌّ لله وحده ، فلا يُدْعَى مع الله أحدٌ: لا ملك، ولا نبيَّ، ولا جني، ولا شجر، ولا صنم، ولا غير ذلك، فالعبادة حق الله وحده، فهو الذي يُدْعَى، وهو الذي يُرْجَى، ويُصلى له، ويُركع له، ويُسجد له، ويُذبح له، ويُنذر له؛ رجاء ثوابه، وحذر عقابه .

مع الشهادة بأن محمدًا –يعني: ابن عبدالله بن عبدالمطلب الهاشمي- عبدالله ورسوله، خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وآخرهم، هو محمد -هذا اسمه- بن عبدالله -هذا اسم أبيه- بن عبدالمطلب -هذا جده- بن هاشم -أبي جده- القرشي، أفضل العرب، وأفضل الخلق، وأفضل ولد آدم عليه الصلاة والسلام، ختم الله به الأنبياء، وجعله رسولًا للناس عامةً من الجنِّ والإنس: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28] عليه الصلاة والسلام.

ثم يقول بعد هذا -كما في حديث كعب بن عُجْرَة ﷺ-: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.

هذا التشهد مع الصلاة على النبي ﷺ.

ثم يقوم للثالثة في المغرب والظهر والعصر والعشاء.

وفي التشهد الأخير قبل أن يُسلم يأتي بعد هذا بـ: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال"، وهكذا في التشهد يوم الجمعة والفجر إذا صلَّى على النبي ﷺ يأتي بعد هذا بـ: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال"، هذا في التشهد الأخير قبل أن يُسلِّم.

ويدعو بما تيسر، يقول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار، اللهم أعِنِّي على ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم"، هذا من الدعاء الطيب قبل أن يُسلِّم.

اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، هذا أيضًا دعا به النبي ﷺ قبل أن يُسلِّم عليه الصلاة والسلام.

ومن دعائه: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُرَدَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر، فهذا مما دعا به النبي قبل أن يُسلم عليه الصلاة والسلام.

وما تيسر من الدعاء يكفي بعد الصلاة على النبي ﷺ.

ثم يُسلم تسليمتين: "السلام عليكم ورحمة الله" عن يمينه، "السلام عليكم ورحمة الله" عن شماله، وبهذا تمت الصلاة: النفل والفرض.

وهذه الصلاة على النبي ﷺ فرضٌ في أصح قولي العلماء، يجب أن يأتي بها في التشهد الأخير، أما في الأول فهي مُستحبةٌ، ما هي بلازمةٍ، الصلاة على النبي ﷺ ما هي بلازمةٍ، إذا قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله" بعد الثانية في الظهر والعصر والمغرب والعشاء كفى، ويقوم إلى الثالثة، وإن صلى على النبي ﷺ بعد هذا فهو أفضل، يصلي على النبي ﷺ ثم يقوم إلى الثالثة، أما في التشهد الأخير فيأتي بالصلاة على النبي ﷺ، هذا هو الواجب: يأتي بها، ثم يدعو بعدها، ثم يُسلم في الفرض والنفل جميعًا.

ومعنى "آل محمد" يعني: أزواجه وذُريته وأصحابه وأتباعه، هم آله، "آل النبي" أزواجه وذُريته المؤمنون وأصحابه وأتباعه، كلهم داخلون في آله عليه الصلاة والسلام.

وفق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله.

**

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب التشهد":

128- وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يدعو في صلاته: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال.

وفي لفظٍ لمسلمٍ: إذا تشهد أحدُكم فَلْيَسْتَعِذْ بالله من أربعٍ، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ...، ثم ذكر نحوه.

129- وعن عبدالله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكرٍ الصديق أنه قال لرسول الله ﷺ: عَلِّمْني دعاءً أدعو به في صلاتي. قال: قل: اللهم إني ظَلَمْتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فَاغْفِرْ لي مغفرةً من عندك، وارْحَمْني، إنك أنت الغفور الرحيم.

130- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما صلَّى رسول الله ﷺ صلاةً بعد أن نزلت عليه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر] إلا يقول فيها: سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.

وفي لفظٍ: كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالدعاء في الصلاة، ولا سيما في آخرها قبل السلام، وقد سبق الحديث الصحيح من حديث ابن مسعودٍ ، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لمَّا علَّم أصحابه التشهد قال: ثم يتخير من المسألة ما شاء، وفي اللفظ الآخر: ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به، فدلَّ ذلك على أنه يُستحب للمؤمن أن يدعو في آخر الصلاة بعد التشهد، وأن يجتهد في الدعاء، وأنه لا ينحصر في المأثور، بل له أن يدعو بما شاء ولو غير المأثور؛ لأن الإنسان له حاجاتٌ، فليدع بحاجته، ولو كانت حاجةً دنيويةً، كأن يقول: اللهم اقضِ دَيني، أو: اللهم ارزقني كسبًا حلالًا، أو: اللهم ارزقني زوجةً صالحةً، هذا أيضًا له تعلقٌ بالدِّين، فالزوجة الصالحة لها شأنٌ عظيمٌ.

فالمقصود أن يدعو بما أحبَّ من الدعوات الطيبة، وإذا تيسر المأثور فالمأثور أفضل إلا إذا بدتْ حاجةٌ ليست في الدعاء المأثور فيدعو بها؛ لأن الرسول ﷺ قال: ثم ليَخْتَرْ من المسألة ما شاء، أو فَلْيَخْتَرْ من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به، فإذا دعا أن الله يشفيه من مرضه، أو يقضي دَينه، أو يرزقه الكسب الحلال، أو يرزقه الصديق الطيب، أو الصَّحْب الخيار، وما أشبه ذلك كله لا بأس به.

ومن ذلك ما كان يدعو به ﷺ في آخر الصلاة من التعوذ من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.

كان ﷺ في التشهد الأخير يدعو بهذه الدعوات، كما جاء في الصحيحين، كما ذكره المؤلف هنا: يتعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ويقول: صلوا كما رأيتُموني أُصلي، وفي اللفظ الآخر الأمر بذلك؛ قال: إذا تشهد أحدكم فَلْيَسْتَعِذْ بالله من أربعٍ، هذا أمرٌ، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، وهذا يقتضي التأكد.

وقد ذهب أهل العلم كافةً إلى شرعية هذا الدعاء وتأكده؛ لهذا الأمر به؛ لأنه من فعله ﷺ، وقد أمر به.

وذهب طاوس -التابعي الجليل- إلى وجوبه، وأنه دعاءٌ واجبٌ، وكان يأمر مَن تركه أن يُعيد الصلاة؛ لأنه يراه دعاء واجبًا.

أما الأئمة الأربعة والجمهور فيرون أنه مُستحبٌّ، سُنَّةٌ مُتأكدةٌ، فلا ينبغي تركه، وهو التعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، في آخر كل صلاةٍ؛ لهذا الحديث الصحيح.

ويُستحب أيضًا أن يدعو بالدعوات التي علَّمها النبي ﷺ الصديق، كما في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنهم أنه قال: "يا رسول الله، علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي"، هكذا يقول الصديق للنبي ﷺ: "علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي"، وفي اللفظ الآخر: "وفي بيتي"، كما رواه مسلمٌ: "في صلاتي، وفي بيتي"، قال: قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم.

وهذا يدل على فضل هذا الدعاء، وأنه دعاءٌ عظيمٌ مهمٌّ، علَّمه النبي ﷺ أفضل صحابي، وأفضل الأُمَّة بعد الأنبياء، هذا الرجل الكريم أبو بكر الصديق علَّمه النبيُّ ﷺ هذا الدعاء العظيم: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم.

وإذا كان الصديق يُعلَّم هذا الدعاء فكيف بغيره؟

وفي هذا أن الإنسان لا يُعجب بنفسه، ولا يعتقد أنه سليمٌ من كل شيءٍ؛ ولهذا قال النبي ﷺ للصديق : قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وهو الصديق أفضل الأُمة، ومشهودٌ له بالجنة، وأحد العشرة وأفضلهم، وأفضل الأُمة بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومع هذا يُعلمه النبي ﷺ هذا الدعاء العظيم الذي فيه الاعتراف بأنه ظلم نفسه ظلمًا كثيرًا.

فينبغي للمؤمن أن يُكثر من هذا الدعاء في الصلاة وفي غيرها؛ لأنه دعاءٌ عظيمٌ، فيه الضَّراعة إلى الله، والانكسار، والتَّذلل، والاعتراف بظلمه لنفسه، وأن الله هو الذي يغفر الذنوب، لا يغفرها غيره ، وفيه الدعاء: فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، دعاءٌ وتوسلٌ لله بأسمائه الحسنى، وانكسارٌ بين يديه، واعترافٌ بظلمه لنفسه، وهو حريٌّ بالإجابة.

وهذا يعمُّ النافلة والفريضة، ويعمُّ الدعوات في غير الصلاة؛ ولهذا قال: "في بيتي" إذا دعا به في غير الصلاة، كل ذلك حسنٌ.

ومن دعائه في آخر الصلاة عليه الصلاة والسلام: اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ ......