والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب الوتر
131- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ -وهو على المنبر-: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: مثنى، مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدةً، فأوترتْ له ما صلى، وأنه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا.
132- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ: من أول الليل، وأوسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السَّحر.
133- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يُوتر من ذلك بخمسٍ، لا يجلس في شيءٍ إلا في آخرها.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالوتر، والوتر سنةٌ مُؤكدةٌ فعلها النبي ﷺ، وأمر بها، وبيَّن فضلها عليه الصلاة والسلام، فهي سنةٌ مُؤكدةٌ، ووقتها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، كما في حديث خارجة بن حذافة، عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله أمدكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمْر النَّعَم، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، هذا وقتها، حين الفراغ من صلاة العشاء ولو مجموعة إلى المغرب، ولو جُمعت العشاء إلى المغرب جمع تقديمٍ في مطرٍ، أو في سفرٍ، أو مرضٍ، يدخل وقت الوتر بعد صلاة العشاء في وقتها، أو مجموعة إلى ما قبلها، وينتهي بطلوع الفجر وانتهاء الليل.
يقول عليه الصلاة والسلام لما سُئل على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: مثنى، مثنى يعني: صلوها مثنى، مثنى، يعني: ثنتين، ثنتين، يُسلم من كل ثنتين، فإذا خشي أحدكم الصبحَ صلى ركعةً واحدةً تُوتر له ما قد صلى، هذا هو السنة: أن يصلي ثنتين، ثنتين، ثم يُوتر بواحدةٍ.
وقال عليه الصلاة والسلام: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا أي: اجعلوا الركعة الأخيرة هي آخر صلاتكم، يختم بها تهجده في الليل: ركعة واحدة.
وفي حديث عائشة الثاني تقول رضي الله عنها: "كان يصلي من الليل عشر ركعاتٍ، يُسلم من كل ثنتين، ثم يُوتر بواحدةٍ" عليه الصلاة والسلام، وربما صلى ثنتين بعد الوتر وهو جالسٌ؛ ليعلم الناس أنه لا حرج أن يُصلَّى بعد الوتر، لكن الأفضل أن يكون الوتر هو الأخير، لكن لو صلى في أول الليل، ثم يسَّر الله له القيام في آخر الليل، صلى ما شاء من دون وترٍ، يكفيه الوتر الأول، صلى ركعتين، أو أربعًا، أو ستًّا، أو ما أشبه ذلك، لكن بدون وترٍ، يكفيه الوتر الأول؛ لقوله ﷺ: لا وتران في ليلةٍ.
فإذا تيسر له التهجد في الليل، ثم نام، ثم استيقظ وقد بقيتْ بقيةٌ، لا مانع أن يصلي فيها ركعتين أو أكثر، ويكتفي بالوتر الأول، ليس وقت نهيٍ بعد الوتر، لكن الأفضل أن يكون الوتر هو الآخر، يختم بالركعة الأخيرة صلاته بالليل.
وتقول رضي الله عنها: "من كل الليل قد أوتر رسول الله؛ من أوله، وآخره، وأوسطه، وانتهى وتره إلى السَّحر" يعني: في بعض الأحيان أوتر في أول الليل، وفي بعض الأحيان أوتر في جوف الليل، وفي بعض الأحيان أوتر في آخر الليل، ثم انتهى وتره في الأخير إلى السَّحر، وصار في آخر حياته يُوتر في السَّحر، استقرَّ في آخر الليل؛ لأنه وقت التَّنزل الإلهي؛ لأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلةٍ حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فأُعطيه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟ حتى يُضيء الفجر، فإذا تيسر أن يكون التهجد والوتر في الثلث الأخير فهذا أفضل، وإن كان في جوف الليل أو في أوله فلا بأس، كله واسعٌ، والحمد لله.
في الحديث الأخير تقول رضي الله عنها: أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يوتر منها بخمسٍ، يسردها.
هذا في بعض الأحيان عليه الصلاة والسلام، ثم صلى ثنتين، ثنتين، وأوتر بواحدةٍ، كما تقدم في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: أنه كان يصلي عشر ركعاتٍ، يُسلم من كل ثنتين، ثم يُوتر بواحدةٍ، وهذا موافقٌ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: صلاة الليل مثنى، مثنى.
وربما أوتر بثلاث عشرة، يصلي ركعتين، ركعتين، ثماني ركعاتٍ، ثم يختم بخمسٍ، يسردها سردًا، ولا يجلس إلا في آخرها، وربما أوتر بثلاثٍ يسردها سردًا، ولكن الأغلب والأكثر والأفضل أن يُسلم من كل ثنتين، ثم يُوتر بواحدةٍ، كما أمر به ﷺ في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: صلاة الليل مثنى، مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعةً واحدةً تُوتر له ما قد صلى، لكن إذا فعل هذا بعض الأحيان -سرد خمسًا، أو سرد سبعًا، أو سرد تسعًا، أو سرد ثلاثًا- لا بأس، لكن إذا سرد سبعًا أو تسعًا فالأفضل أن يجلس في السادسة للتشهد الأول، ثم يأتي بالسابعة، وفي الثامنة يجلس يأتي بالتشهد الأول، ثم يأتي بالتاسعة، وإن سلَّم من كل ثنتين فهذا هو الأفضل: ثنتين، ثنتين، ولا يصلي الثلاث كالمغرب، لا، يسردها سردًا، أو يُسلم من كل ثنتين، ولا يُصليها كالمغرب، يُشبهها بالمغرب، لا، ليس هذا بمشروعٍ، يُكره ويُنهى عنه.
وفي لفظٍ آخر: صلاة الليل والنهار، زيادة "النهار"، وهو لفظٌ لا بأس به، صحيحٌ، ويدل على أن النهار كذلك الأفضل ثنتين، ثنتين، الأفضل إذا صلى الضحى –مثلًا- يصلي ثنتين، ثنتين، تسليمةً، تسليمةً، صلى أربعًا يُسلم تسليمتين، صلى ستًّا يُسلم ثلاث تسليماتٍ، ثمانٍ يُسلم أربع تسليماتٍ، هذا هو الأفضل؛ لقوله في الحديث الآخر: صلاة الليل والنهار مثنى، مثنى، وكان يصلي ثنتين، ثنتين عليه الصلاة والسلام، يصلي تحية المسجد ثنتين، سنة الضحى ثنتين، أربعًا قبل الظهر يُسلم من كل ثنتين، هكذا عليه الصلاة والسلام، فالأفضل ثنتان، ثنتان، حتى في النهار السنة ثنتان، ثنتان.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب الذكر عقيب الصلاة
134- عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ.
قال ابن عباسٍ: كنتُ أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعتُه.
وفي لفظٍ: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير.
135- وعن وَرَّاد -مولى المغيرة بن شعبة- قال: أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتابٍ إلى معاوية: أن النبي ﷺ كان يقول في دُبُر كل صلاةٍ مكتوبةٍ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ، ثم وفدتُ بعد ذلك على معاوية فسمعتُه يأمر الناس بذلك.
وفي لفظٍ: كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وكان ينهى عن عقوق الأمهات، ووَأْد البنات، ومنعٍ وهات.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذان الحديثان عن النبي ﷺ كلاهما يدل على شرعية الذكر عقب الصلاة، وأنه يُرفع به الصوت؛ حتى يتعلم الجاهل، ويتذكر الناسي.
وظنُّ بعض الناس أن الأفضل السر غلطٌ، مُخالفٌ للسنة، بل السنة رفع الصوت بالذكر بعد الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر؛ حتى يسمع مَن حول المسجد أنهم صلوا؛ ولهذا في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ.
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "كنتُ أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعتُه"، إذا سمع مَن حول المسجد عرفوا أن الصلاة انتهت.
وفي لفظٍ: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير"، التكبير، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، يعرف مَن حول المسجد أنهم صلوا.
فهذا واضحٌ في شرعية الجهر بالذكر عقب الصلاة، يقول: "أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجد" بعد كل صلاةٍ، هكذا كما جاء في حديث المغيرة كما هنا، ذكر: "لا إله إلا الله، اللهم لا مانع لما أعطيتَ".
وجاء في حديث ابن الزبير رضي الله عنهما عند مسلمٍ بقية الذكر، له زيادة: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مُخلصين له الدين، ولو كره الكافرون.
ففي هذين الحديثين -حديث المغيرة وحديث ابن الزبير - ثبت هذا الذكر العظيم، وفي حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما ثبت رفع الصوت بالذكر.
حديث المغيرة يدل على رفع الصوت؛ لأنهم كانوا يسمعون النبيَّ ﷺ يقول هذا، ولولا أنه رفع صوته ما سمعوه، فدلَّ ذلك على أن السنة رفع الصوت بالذكر رفعًا متوسطًا، ليس فيه إزعاجٌ، رفعٌ متوسطٌ يسمعه مَن حول المسجد، إذا جاء عند الباب سمع أن الناس صلوا.
وفي الحديث دلالةٌ على أنه يُكبر في الذكر، والمشروع: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر" ثلاثًا وثلاثين مرةً، سواء أفردها: "سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله" حتى يُكمل ثلاثًا وثلاثين، و"الحمد لله" حتى يُكمل ثلاثًا وثلاثين، و"الله أكبر" حتى يُكمل ثلاثًا وثلاثين، أو جمعها يقول: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر" ثلاثًا وثلاثين مرةً جميعًا، فهذه تسعةٌ وتسعون، والأفضل أن يقول تمام المئة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ"؛ لأنه صحَّ عن النبي ﷺ هذا عند مسلمٍ من حديث أبي هريرة .
وفي حديث المغيرة الدلالة على أنه يقول: "اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ" أي: لا مانع لما أعطى الله، ولا مُعطي لما منع الله، فالأمر بيده ، هو المتصرف بالكائنات كلها، فلا مانع لما أعطى الله، ولا مُعطي لما منع الله، وهذا مثل قوله سبحانه: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:2]، فالأمور بيده .
وهكذا قوله سبحانه: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107]، هو المتصرف بعباده كما يشاء، هو المعطي، هو المانع، هو النافع، هو الضار، هو المحيي، هو المميت، هو الخالق، هو الرازق، كل شيءٍ بيده .
وقوله: ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ أي: ولا ينفع ذا الغِنَى.
والجَدّ بفتح الجيم، هذا هو الصواب في الرواية: ذا الجَدِّ منك الجَدُّ أي: لا ينفع ذا الغِنَى والحظ والرياسة ونحو ذلك جَدُّه وحظه وغِنَاه.
منك أي: بدلًا منك يا ربنا، بل الجميع فقراء إلى الله، كلهم فقراء إلى الله، ما ينفعهم ولا يُغنيهم جَدُّهم، يعني: لا مالهم، ولا ثروتهم، ولا وظائفهم، ولا مُلكهم، بل كلهم فقراء إلى الله جلَّ وعلا.
وفي حديث المغيرة : أن الرسول ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وعن عقوق الأمهات، ووَأْد البنات، ومنع وهات.
وفي لفظٍ آخر يقول المغيرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات، ووَأْد البنات، ومنعًا وهات، وكَرِهَ لكم قيل وقال، وفي اللفظ الآخر: ويسخط لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.
هذه ستة أمورٍ في النهي عنها، أعظمها: عقوق الأمهات، فيحرم عقوق الأمهات.
والعقوق: القطيعة والإيذاء للأمهات، وهكذا الأب، لكن الأم أشدّ، حقُّ الأم أعظم، فعقوقها أشدّ وأخطر.
والأب كذلك بِرُّه واجبٌ، وعقوقه مُحرمٌ، كبيرةٌ من كبائر الذنوب.
والواجب بِرُّهما، والإحسان إليهما، والرفق بهما، ومُصاحبتهما بالمعروف، والسمع والطاعة لهما بالمعروف، وعدم رفع الصوت عليهما، وعدم إيذائهما بأي أذًى: لا قولي، ولا فعلي، كما قال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23-24].
وسُئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي؟ قال: بِرُّ الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله.
وقال عليه الصلاة والسلام: ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان مُتَّكئًا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، وشهادة الزور.
فهذه من أعظم الكبائر وأكبرها وأخطرها: الشرك بالله، ثم عقوق الوالدين، ثم شهادة الزور، فينبغي الحذر دائمًا من هذه الأمور المحرمة.
وهكذا وَأْد البنات، وكانوا في الجاهلية يَئِدُون البنات، بعض أهل الجاهلية يقتل بنته وهي حيةٌ؛ يخاف من العار، أو من الفقر؛ فيقتلها، وهذا من المنكرات العظيمة، ومن الكبائر، ومن قطيعة الرحم؛ ولهذا حرَّم الله ذلك.
وهكذا بعضهم يقتل الأولاد الذكور أيضًا خشية الفقر، كما قال الله جلَّ وعلا: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31]، فالإملاق: الفقر، فبعض أهل الجاهلية يقتل الولد الذكر خوف الفقر، ويقتل البنت خوف الفقر وخوف العار، فحرَّم الله ذلك على المسلمين.
وهكذا منع وهات أي: يمنع الحقَّ ويطلب ما ليس له.
منع أي: يمنع الواجب من زكاةٍ وغيرها.
وهات أي: يطلب ما ليس له من الكسب الحرام، فهذا مُحرمٌ، فيجب على المؤمن أن يُؤدي الواجب، وأن يحذر المحرم.
كذا قيل وقال، لا ينبغي للمؤمن أن يكون كثير القيل والقال؛ لأنه إذا فعل ذلك وقع في الكذب؛ ولهذا سخط الله لنا قيل وقال، فالذي ينبغي للمؤمن أن يكون حافظًا للسانه، قليل الكلام إلا فيما ينفع، إلا في الخير؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، وفي حديث معاذٍ : وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم، نسأل الله السلامة.
وخلط الكلام فيه خطرٌ، فينبغي للمؤمن أن يُقلل الكلام، وأن يحتاط للكلام؛ حتى لا يقول إلا خيرًا.
وقد صحَّ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يُلقي لها بالًا، يَزِلُّ بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض، نسأل الله العافية، فالخطر عظيمٌ في الكلام، فينبغي الحذر.
كذلك إضاعة المال، لا تجوز إضاعة المال في الخمور والمحرمات وآلات الملاهي، وأشباه ذلك، يجب حفظ المال حتى لا يُصرف إلا في وجهه، لا تجوز إضاعته فيما لا يجوز من المسكرات، أو الملاهي، أو أشياء تضرُّ ولا تنفع، بل يجب أن يُصان المال ويُحفظ حتى يُصرف في وجهه الشرعي.
والسادسة: كثرة السؤال، وفُسر بالسؤال عن العلم، وفُسر بسؤال الدنيا.
أما كثرة السؤال في العلم فهذا منهيٌّ عنه إذا كان لقصد الأغلوطات وإيقاع المسؤول في الأغلاط وإيذاء المسؤول، أو لقصد إظهار جودة الفهم، وأنه يفهم، وأنه حريصٌ على طلب العلم؛ رياءً وسمعةً، فينبغي له ألا يُكثر السؤال؛ لأن فيه خطرًا: إما أن يُؤذي المسؤول، وإما ألا يفهم هو، تكثر عليه المسائل فيغلط ولا يفهم، فينبغي له أن يقتصد، يسأل في كل وقتٍ ما يُناسبه مع الاقتصاد؛ حتى لا يغلط، وحتى لا يُؤذي غيره، وحتى لا يقع في الرياء.
وهكذا في الدنيا لا يسأل الناس أموالهم وعنده ما يكفي، حرامٌ على المؤمن، حرامٌ على المسلم أن يسأل الناس أموالهم وهو عنده ما يكفي، يقول النبي ﷺ: مَن سأل الناس أموالهم تكثرًا فإنما يسأل جمرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أو ليَسْتَكْثِر، نسأل الله العافية.
فالواجب على المؤمن الحذر من السؤال إلا من حاجةٍ، وقد بيَّنها النبي ﷺ في أمورٍ ثلاثةٍ فقال: إن المسألة لا تحلُّ إلا لأحد ثلاثةٍ: رجلٍ تحمل حمالةً فحلَّت له المسألة حتى يُصيبها ثم يُمسك، تحمل حمالةً في الإصلاح بين الناس، في حاجة أهله غَرِمَ، وليس عنده قضاءٌ؛ يسأل بقدر الحاجة.
والثاني: أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله من غرقٍ، أو حرقٍ، أو جرادٍ، حتى ذهب ماله، ولم يبقَ عنده ما يقوم بحاله، فحلَّت له المسألة حتى يُصيب قِوَامًا من عيشٍ يعني: حتى يُصيب سِدَادًا من عيشٍ وقدر حاجته، ثم يُمسك عن السؤال.
الثالث: الإنسان الذي أصابته فاقةٌ، حلَّت به مصيبةٌ، ذهبتْ أمواله بسبب خسارةٍ في التجارة، أو أسبابٍ أخرى غير الجائحة حتى افتقر، فإذا شهد له ثلاثةٌ من ذوي الحِجَا من قومه أنه افتقر حلَّتْ له المسألة حتى يُصيب قِوَامًا من عيشٍ، يعني: حتى يُصيب سِدَادًا من عيشٍ، يعني: بقدر الحاجة.
هؤلاء الثلاثة هم الذين تُباح لهم المسألة، قال: وما سوى ذلك سُحْتٌ يأكله صاحبه سُحْتًا رواه مسلمٌ في الصحيح.
فهذه المسائل الثلاث هي التي تُحلُّ السؤال، وما سواها يحرم على المؤمن تعاطيه.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب الذكر عقيب الصلاة":
136- وعن سُمَيٍّ -مولى أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام-، عن أبي صالح السَّمان، عن أبي هريرة : أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العُلَى والنَّعيم المقيم. فقال: وما ذاك؟ قالوا: يُصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله ﷺ: أفلا أُعلمكم شيئًا تُدركون به مَن سبقكم، وتسبقون به مَن بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضل منكم إلا مَن صنع مثلما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تُسبحون وتُكبرون وتحمدون دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين مرةً.
قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله! فقال رسول الله ﷺ: ذلك فضل الله يُؤتيه مَن يشاء.
قال سُمَي: فحدثتُ بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وهمتَ، إنما قال: تُسبح الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتُكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فرجعتُ إلى أبي صالح، فقلتُ له ذلك، فقال: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين.
137- وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ صلى في خَمِيصَةٍ لها أعلامٌ، فنظر إلى أعلامها نظرةً، فلما انصرف قال: اذهبوا بِخَمِيصَتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأَنْبِجَانِيَّة أبي جهم؛ فإنها أَلْهَتْني آنفًا عن صلاتي.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذان الحديثان الأول منهما فيما يتعلق بالذكر عقب الصلاة، والثاني فيما يتعلق بالخشوع في الصلاة، والابتعاد عن كل ما يشغل فيها.
الحديث الأول: أن فقراء المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ أتوا النبي ﷺ فقالوا: "يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثور بالأجور"، الدُّثور: الأموال، "يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويعتقون ولا نعتق"، فسألهم النبي ﷺ عن ذلك، فأخبروه أن ذلك بسبب هذا: أنهم يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، لكن يزيدون علينا بأنهم يتصدقون، ونحن ما عندنا مالٌ، ويعتقون ونحن ما عندنا ما نعتق.
وفي اللفظ الآخر: "ذهب أهل الدُّثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم"، قال: وما ذاك؟ لماذا؟ قالوا: "يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق"؛ لأننا فقراء، وهم عندهم مالٌ يستطيعون به الصدقة وشراء العبيد والعتق، ونحن ما عندنا شيءٌ، فهم –يعني- سبقونا في هذا الخير.
فقال عليه الصلاة والسلام: ألا أدلكم على شيءٍ تُدركون به مَن سبقكم، وتسبقون به مَن بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضل منكم إلا مَن صنع مثلما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تُسبحون، وتحمدون، وتُكبرون دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين.
هذا يدل على فضل هذا التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير بعد كل صلاةٍ، وأنه يقوم مقام الصدقة والعتق لمن عجز عن ذلك، وهذا من فضل الله ، فإن المؤمن إذا ترك العمل الصالح عجزًا عنه، وهو يُحب أن يعمله ويريده لولا العجز، كتب الله له مثل أجر العاملين؛ فضلًا منه وإحسانًا، كما في الحديث الصحيح، يقول ﷺ: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل وهو صحيحٌ مُقيمٌ.
وفي حديث أبي كَبْشَة الأنماري قال النبي ﷺ: الدنيا لأربعةٍ: رجل أعطاه الله علمًا، وأعطاه مالًا، فهو يتَّقي في ماله ربَّه، ويصل فيه رحمه، ويعلم أن لله فيه حقًّا، قال: فهو بخير المنازل.
والثاني: رجل أعطاه الله علمًا، ولم يُعطه مالًا، فقال: لو كان لي من المال مثل فلانٍ لعملتُ مثل عمله، قال: فهذا بنيته، فهما في الأجر سواء؛ لأنه عاجزٌ، فصار بنيته الصادقة مع عجزه يُعطى مثل أجر العامل، وهذا من فضل الله وجوده وكرمه .
قال: ورجل آتاه الله مالًا، ولم يُعطه علمًا، فهو لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم أن لله فيه حقًّا، قال: فهذا في شرِّ المنازل.
والرابع: رجل لم يُعطه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي من المال مثل فلانٍ لعملتُ مثل عمله يعني: مثل عمله السيئ، قال: فهذا بنيته، فهما في الوِزْر سواء.
هذا يدل على أن الإنسان إذا كانت له نيةٌ سيئةٌ وهو لو قَدَر لعمل؛ يكون شريكًا مُساويًا لمن فعل الشر، والعياذ بالله.
ولهذا في الحديث الصحيح: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما شأن المقتول؟ قال: لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه، فاستويا في العقوبة، نسأل الله العافية.
وفي هذا أن فقراء المهاجرين لما عجزوا عن الصدقة والعتق صار تسبيحهم وتحميدهم وتكبيرهم ونيتهم الصالحة قائمةً مقام ذلك، وصاروا مثلهم في الأجر.
قال الفقراء لما رجعوا إلى النبي ﷺ: إن إخواننا أهل الأموال سمعوا بما قلتَ لنا فعملوا مثل عملنا. فقال النبي ﷺ: ذلك فضل الله يُؤتيه مَن يشاء، يعني: سمع التجار من الصحابة والأخيار من الصحابة من الأثرياء، سمعوا ما قاله النبي ﷺ للفقراء من التَّسبيح والتحميد والتكبير، ففعلوه أيضًا، مع ما قاموا به من الصدقة والإحسان والعتق، وهذا فضل الله يُؤتيه مَن يشاء .
ففي هذا الحديث الحث على الإكثار من الذكر، وهو يقوم مقام الصدقات، ويقوم مقام العتق، وله فضلٌ عظيمٌ.
يقول النبي ﷺ: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمس، ويقول: أحبُّ الكلام إلى الله أربعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويقول: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول ﷺ: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، هذا فضلٌ كبيرٌ.
فيُستحب للمؤمن والمؤمنة بعد كل صلاةٍ أن يقول: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر" ثلاثًا وثلاثين مرةً، يعقدها: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر" ثلاثًا وثلاثين مرةً، الجميع تسعةٌ وتسعون، وإن أفردها قال: "سبحان الله" ثلاثًا وثلاثين مرةً، و"الحمد لله" ثلاثًا وثلاثين، و"الله أكبر" ثلاثًا وثلاثين، فلا بأس، لكن جمعها أيسر عليه وأضبط.
ثم يقول تمام المئة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ"، جاء هذا في حديثٍ آخر عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن سبَّح الله دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعةٌ وتسعون، وقال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ؛ غُفرتْ خطاياه ولو كانت مثل زَبَد البحر.
هذا يدل على فضل هذا الذكر، وأن العبد إذا قاله عن صدقٍ، وعن إخلاصٍ، وعن إيمانٍ، وعن عدم إصرارٍ على الذنوب؛ كفَّر الله له خطاياه.
وهذا من أحاديث الفضائل، من أحاديث الرجاء .....
ينبغي للمُصلي أن تكون ملابسه بعيدةً عما يشغله عن الصلاة ويُؤذيه ويُشوش عليه خشوعه، وهكذا مُصلاه يكون سادةً، ليس فيه ما يُشوش عليه، هذا هو الأفضل.
الأفضل أن يتحرى الملابس التي لا تشغله في الصلاة، ولا تُشوش عليه خشوعه، وهكذا المصلَّى؛ تكون السجادة التي يصلي عليها ما فيها نقوشٌ تشغله عن الصلاة، وهكذا في المساجد تكون السجادات ليس فيها نقوشٌ، هذا هو الأفضل؛ حتى لا يشتغل المصلي بالنظر إليها، أو التفكير فيها، والصلاة صحيحةٌ، لا يضرّ، لكن ترك هذا أفضل، كونه يصلي في ملابس ليس فيها ما يشغله، ويصلي على بساطٍ أو سجادةٍ ليس فيها ما يشغله، يكون هذا هو الأفضل، وهذا هو الأكمل.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب الجمع بين الصلاتين في السفر
138- عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يجمع في السفر بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظَهْر سَيْرٍ، ويجمع بين المغرب والعشاء.
باب قصر الصلاة في السفر
139- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: صحبتُ رسول الله ﷺ، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكرٍ، وعمر، وعثمان كذلك.
باب الجمعة
140- عن سهل بن سعدٍ الساعدي : أن رجالًا تماروا في منبر رسول الله ﷺ: من أي عودٍ هو؟ فقال سهلٌ: من طَرْفاء الغابة، وقد رأيتُ رسول الله ﷺ قام عليه فكبَّر، وكبَّر الناس وراءه، وهو على المنبر، ثم ركع فنزل القَهْقَرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إنما صنعتُ هذا لِتَأْتَمُّوا بي، ولتعلموا صلاتي.
وفي لفظٍ: فصلى وهو عليها، ثم كبَّر عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القَهْقَرى.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة في الجمع بين الصلاتين، وفي قصر الصلاة في السفر، وفي بيان صلاة النبي ﷺ على منبره؛ ليعلم الناس.
يقول ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما: "كان النبي ﷺ يجمع بين الظهر والعصر إذا كان على ظَهْر سَيْرٍ، ويجمع بين المغرب والعشاء".
هذا يدل على أنه إذا كان على ظَهْر سَيْرٍ فالأفضل الجمع؛ لأنه أرفق بالمسافر.
وقد فسَّر ذلك -كما في رواية أنسٍ - أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر مع العصر، وجمعهما جمع تأخيرٍ، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس قدَّم العصر مع الظهر، وجمعهما جمع تقديمٍ، وهكذا المغرب والعشاء.
فإذا كان المسافر على ظَهْر سَيْرٍ شُرِعَ له الجمع؛ لأنه أرفق به، وإذا كان نازلًا مُقيمًا فالأفضل عدم الجمع؛ فلهذا لما نزل النبي ﷺ في مِنًى لم يجمع؛ لأنه مُقيمٌ، فصلى كل صلاةٍ في وقتها في يوم العيد، وفي اليوم الحادي عشر والثاني عشر؛ لأنه مُقيمٌ.
فالأفضل للمُقيم في أثناء السفر، وما يتخلل السفر من الإقامات، الأفضل له عدم الجمع، وإن دَعَت الحاجة للجمع فلا بأس؛ كما ثبت عنه ﷺ أنه جمع في تبوك وهو نازلٌ.
وإذا أجمع المسافر على إقامةٍ جازمةٍ أكثر من أربعة أيامٍ فإنه لا يَقْصُر ولا يجمع، ينتهي بهذا حكم السفر، حتى يُجدد سفرًا جديدًا، أما إذا أقام وهو ليس عنده نية الإقامة، بل لا يدري متى يَظْعَن، ينتظر حاجةً، وليس عنده نيةٌ جازمةٌ على شيءٍ؛ فإنه يقصر ويجمع ولو أقام طويلًا.
وهكذا السنة في القصر، السنة أن يلزم القصر مطلقًا، ظاعنًا أو مُقيمًا؛ لأن القصر آكد من الجمع، سنةٌ مُؤكدةٌ، والجمع رخصةٌ على حسب الحاجة، فالسنة للمسافر أن يصلي ركعتين الظهر والعصر والعشاء، وأما المغرب فإنها ثلاثٌ في السفر والحضر، لا تُقصر، وهكذا الفجر اثنتان، لا تُقصر، وإنما القصر في الظهر والعصر والعشاء، الرباعية يُصليها ثنتين في حال السفر، سواءٌ كان سائرًا أو مُقيمًا، ما دام له حكم السفر.
وإذا صلى المسافر مع المقيم أتمَّ أربعًا، إذا صلى المسافر مع المقيمين أتمَّ معهم أربعًا، ولا يقصر.
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: هكذا السنة.
وإذا صلى المقيم خلف المسافر أتمَّ، إذا سلَّم المسافر من ثنتين قام المقيم وكمَّل صلاته.
وفي حديث سهل بن سعدٍ : أن النبي ﷺ اتَّخذ منبرًا من طَرْفاء تُشبه الأَثْل، صنعته له امرأةٌ من الأنصار، وكان يخطب عليه يوم الجمعة، وكان أولًا يخطب على الأرض، ويتَّكئ على جذعٍ من النخل -قطعة جذعٍ من النخل- ثم صُنع له المنبر من طَرْفاء الغابة فخطب عليه.
ولما تجاوز الجذع يريد أن يصعد المنبر حَنَّ الجذع حنينًا سمعه الناس، حتى جاءه وهدَّأه حتى سكن عليه الصلاة والسلام، وهذا من آيات الله، ومن المعجزات، حَنَّ حنينًا يسمعه الناس؛ شوقًا إلى صوته واتِّكائه عليه الصلاة والسلام عليه، فهذا من الآيات والمعجزات.
قال الحسن رحمه الله: إذا كان جذعٌ أصمُّ يَحِنُّ ويتألم لفراق النبي ﷺ، فكيف بالمكلف؟
المكلف جديرٌ بأن يحرص على سُنته واتِّباعها وتعظيمها.
وفي حديث سهلٍ أنه صلى عليه ليُعلم الناس، صلى عليه: كبَّر وقرأ وهو عليه، وركع وهو عليه، ثم رجع القَهْقَرى خلفه فسجد في أصل المنبر، ثم عاد فصعد فصلى وكمَّل عليه، فلما فرغ قال: إنما فعلتُ هذا لتَأْتَمُّوا بي، ولتعلموا صلاتي، قال للناس، يعني: ليعلموا وليُشاهدوا صلاته، البعيدون يُشاهدونه ويرون صلاته، وليعلموا أن هذا الصعود وهذا الارتفاع ما يضرُّ، كون الإمام يصعد في محلٍّ مُرتفعٍ قليلًا؛ ليراه الناس، أو لضيق المسجد، فلا بأس بذلك، وكونه يخطو خطواتٍ للحاجة -كأن يتقدم الصفوف عند الضيق والمصلون يتقدمون- لا بأس، أو يتقدم ليمنع المارَّ بين يديه لا بأس، فالتقدم والتأخر للحاجة والمصلحة لا يضرُّ في الصلاة، وقد فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
وهكذا لو كانت أمام المصلي فرجةٌ في الصفِّ الأول سدَّها، أو في الصف الثاني، أو في الثالث سدَّها، ولا يضره مشيه إليها؛ لأنه إصلاحٌ، وهو من كمال الصلاة.
وفق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب الجمعة":
141- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: مَن جاء منكم الجمعة فليغتسل.
142- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: جاء رجلٌ والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: صليتَ يا فلان؟ قال: لا. قال: قُمْ فاركع ركعتين، وفي روايةٍ: فَصَلِّ ركعتين.
143- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين وهو قائمٌ، يفصل بينهما بجلوسٍ.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة: الأول منها يتعلق بالغسل يوم الجمعة، يقول عليه الصلاة والسلام: مَن جاء منكم الجمعة فليغتسل، وهذا يدل على شرعية الغسل يوم الجمعة، وأنه يُستحب ويُشرع للمؤمن إذا قصد الجمعة أن يغتسل قبل أن يذهب إليها، كما في الحديث الآخر: غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل مُحتلمٍ، وأن يَسْتاك ويتطيب.
فالسنة للمؤمن أن يغتسل ويتطيب ويستعمل السواك عند وضوئه، وعند صلاته، كما أمر النبي ﷺ بذلك، وفي روايةٍ أخرى: على كل مسلمٍ في كل سبعة أيامٍ أن يغتسل يعني: يوم الجمعة.
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب ذلك: أنه يجب ويتعين الغسل، كما في رواية أبي سعيدٍ : غسل الجمعة واجبٌ على كل مُحتلمٍ يعني: على كل بالغٍ.
فينبغي للمؤمن ألا يُفرط في ذلك، وينبغي أن يحرص على الغسل عند ذهابه إلى الجمعة، ويتطيب ما تيسر من الطيب، ويلبس من أحسن ثيابه، هكذا السنة يوم الجمعة، ولكنه ليس بواجبٍ، ولكنه سنةٌ مُؤكدةٌ في أصح قولي العلماء؛ ولهذا في اللفظ الآخر: مَن توضأ يوم الجمعة، ثم أتى المسجد، فصلى ما قُدِّر له، ثم أنصت ... إلى آخره، فدلَّ على أن الغسل ليس بواجبٍ، وإنما هو سنةٌ، وفي اللفظ الآخر: مَن توضأ يوم الجمعة فَبِهَا ونعمتْ، ومَن اغتسل فالغسل أفضل.
والحديث الثاني: يقول ﷺ لرجلٍ جلس يوم الجمعة ولم يُصلِّ ركعتين: أصليتَ يا فلان؟ قال: لا. قال: قُمْ فاركع ركعتين، وفي اللفظ الآخر يقول ﷺ: مَن جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليَتَجَوَّز فيهما.
هذا يدل على أن تحية المسجد سنةٌ مؤكدةٌ ولو في حال الخطبة، فكل مَن دخل المسجد وهو على طهارةٍ شُرع له أن يصلي ركعتين حتى في أوقات النهي على الصحيح؛ لأنها من ذوات الأسباب، وحتى وقت الخطبة، فإذا دخل والإمام يخطب فالسنة أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، ثم يجلس ويُنْصِت للخطيب؛ لهذا الحديث الصحيح، ولغيره من الأحاديث الدالة على تأكد ركعتي التحية لمن دخل المسجد.
س: لكن إذا جلس .....؟
ج: يُعلم، مثلما قال النبي ﷺ: قُمْ فَصَلِّ ركعتين، السنة لك يا أخي أن تُصلي ركعتين، أو المشروع لك أن تُصلي ركعتين، يُعلم الأفضل.
والحديث الثالث كذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما: كان يخطب خطبتين عليه الصلاة والسلام، يفصل بينهما بجلوسٍ.
هذا هو المشروع للخطيب: أن يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوسٍ، والسنة الإيجاز والاقتصاد وعدم التطويل، وأن يُضَمِّنهما موعظة الناس وتذكيرهم بأمر الله ونهيه، وبأمور القيامة، وبالجنة والنار، يتحرى ما يُحرك القلوب، وإن كانت هناك أمورٌ واقعةٌ ينبغي التنبيه عليها نبَّه عليها، مما قد يفعله بعض الناس من المنكرات الظاهرة؛ حتى ينتبه الناس.
والمقصود من الخطبة –مقصودها-: تذكير الناس، وتعليمهم، وتوجيههم إلى الخير، وتحذيرهم مما حرَّم الله عليهم، مع تحري الألفاظ الواضحة، والأدلة البينة، وعدم التطويل في الخطبتين جميعًا، ويذكر فيهما بعض الآيات، ولا مانع من الدعاء أيضًا، فالنبي ﷺ كان يدعو في الخطبة، ويذكر بعض الآيات عليه الصلاة والسلام.
وقد ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أن من شرط الجمعة: وجود الخطبتين، لا بد من خطبتين قبل صلاة الجمعة، وأن هذا من شروطها، والسنة أن يفصل بينهما بجلسةٍ خفيفةٍ، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وحديث جابر بن سمرة .
والسنة أن يخطب وهو قائمٌ، وأن يرفع صوته بقدر الحاجة؛ حتى يُسْمِع الناس ويُبَلِّغ الناس، وعند وجود المكبرات الآن لا يحتاج إلى رفع الصوت كثيرًا؛ لأن المكبر يُبَلِّغ الناس.
وفَّق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله.
س: في خطبة العيدين -طال عمرك- ..... يجلس بينهما؟
ج: يوم العيد خطبتان أيضًا.
س: خطبتان مثل الجمعة؟
ج: ..... الجمعة.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب الجمعة":
144- عن أبي هريرة : أن النبي ﷺ قال: إذا قلتَ لصاحبك: أَنْصِتْ يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لَغَوْتَ.
145- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: مَن اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنةً، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرةً، ومَن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرن، ومَن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجةً، ومَن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضةً، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر.
146- وعن سلمة بن الأكوع -وكان من أصحاب الشجرة - قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظِلٌّ نستظل به.
وفي لفظٍ: كنا نُجَمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع فنتتبع الفيء.
147- وعن أبي هريرة أنه قال: كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الم تَنْزِيلُ [السجدة]، وهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ [الإنسان].
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كلها تتعلق بالجمعة.
الأول يدل على وجوب الإنصات للخطيب، فلا يجوز للجماعة أن يتكلموا ويتحدثوا وهو يخطب، بل الواجب الإنصات والاستماع؛ لأن المقصود من الخطبة الوعظ والتذكير لهؤلاء الحاضرين، فلا يليق منهم أن يُعْرِضوا عنها بالتحدث، بل الواجب الإنصات؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إذا قلتَ لصاحبك: أَنْصِتْ يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لَغَوْتَ، وفي الحديث الآخر: مَن لغا فلا جمعةَ له، وفي اللفظ الآخر: مَن مسَّ الحصى فقد لغا، وفي الحديث الآخر: الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أَنْصِتْ ليس له جمعة ليس له ثوابها.
فالحاصل أن الواجب الإنصات، وأنه لا يجوز في هذا التشاغل بالكلام، ولا بالعبث بِمَسِّ الحصى ونحوه، ولكن يُنْصِت ويُقبل على الخطيب، يستمع، ويُنْصِت، ويستفيد، هكذا ينبغي للمؤمن، وهذا الواجب عليه.
والحديث الثاني يدل على فضيلة التقدم والمسارعة إلى الجمعة، وأنه ينبغي للمؤمن أن يُبَكِّر إليها؛ ليحوز الفضل العظيم؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: مَن راح يوم الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنةً الساعة الأولى من النهار، يعني: بعد ارتفاع الشمس، هذا هو أحسن ما قيل في ذلك: بعد ارتفاع الشمس، فإن النهار اثنتا عشرة ساعة من ارتفاع الشمس إلى غروبها، من طلوعها إلى غروبها، فمَن راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنةً، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرةً، ومَن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرن، وهذا يدل على فضل الكبش الأقرن للضحايا والهدايا، وكان النبي يُضَحِّي بكبشين أقرنين عليه الصلاة والسلام.
ومَن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجةً، ومَن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضةً، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر.
هذا يدل على فضل التقدم والمسارعة يوم الجمعة، وأنهم على هذه المراتب في التبكير، وأنه بعد انتهاء المدة وخروج الإمام تحضر الملائكة تستمع الذكر، فينبغي للمؤمن أن يكون من المسارعين والمواظبين؛ ليحوز هذا الفضل.
وكل ذلك تطوعٌ، والواجب حضورها وأداؤها مع المسلمين، لكن إذا تقدَّم وسارع إليها يكون له هذا الفضل على حسب هذه المراتب.
وفي حديث سلمة بن الأكوع الدلالة على أنه كان يُبَكِّر ﷺ بالجمعة، كان عليه الصلاة والسلام يُبَكِّر بالجمعة حتى يصلي بالناس من حين تزول الشمس، ويرجعون يتتبعون الفيء، وفي لفظٍ آخر: "وليس للحيطان ظِلٌّ نستظل به"، وذلك من جهة أنه كان يُبَكِّر بها عليه الصلاة والسلام.
والحكمة من ذلك -والله أعلم-: أن الناس يُبَكِّرون وينتظرون، فشُرع التَّبكير بها؛ حتى لا يشقَّ عليهم؛ لأنه إذا تأخر عليهم قد يشق على بعض الناس، ولا سيما مَن جاء مُبكرًا.
فالسنة للإمام أن يُبَكِّر بالجمعة من حين تزول الشمس؛ حتى يُخفف على المبكرين المنتظرين الذين قد يشقُّ عليهم الجلوس، وهم جاءوا مُبَكِّرين، فينبغي أن يُراعوا، وألا يتأخر عن إقامتها في أول الوقت؛ تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام، وتقديرًا لهؤلاء المتقدمين ورحمةً لهم.
وفي الحديث الرابع الدلالة على أنه يُشرع في صلاة الفجر يوم الجمعة أن يقرأ: الم تَنْزِيلُ [السجدة]، وفي الثانية: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ [الإنسان]، هذه السنة، ثبت هذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة ، وفي صحيح مسلمٍ من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، ومن حديث ابن مسعودٍ عند الطبراني، وكان يُديم ذلك كما رواه ابن مسعودٍ ، يُديم قراءتهما يوم الجمعة في الفجر: الم تَنْزِيلُ [السجدة]، وهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ، هذه السنة، يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ بعدها في الأولى: الم تَنْزِيلُ [السجدة] من أولها إلى آخرها، وفي الثانية بعد الفاتحة: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ.
والحكمة في ذلك -والله أعلم-: أن يوم الجمعة يومٌ تقوم فيه الساعة، وهو اليوم الذي خلق الله فيه آدم -أول الخلق آدم-، وفي هاتين السورتين التذكير بالمبدأ بخلق آدم وخلق الإنسان، وفيهما التذكير بالجنة والنار، وأعمال هؤلاء، وأعمال هؤلاء، فناسب قراءتهما صباح الجمعة؛ حتى يستفيد المسلمون، وحتى ينتبهوا لهذا اليوم العظيم الذي فيه بدء خلق أبيهم آدم، وفيه تقوم الساعة؛ حتى يستعدوا للقاء الله، ويتذكروا الجنة والنار، والإعداد لذلك.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب صلاة العيدين
148- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي ﷺ وأبو بكرٍ وعمر يُصلون العيدين قبل الخطبة.
149- وعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنهما قال: خطبنا النبي ﷺ يوم الأضحى بعد الصلاة فقال: مَن صلى صلاتنا، ونَسَكَ نُسُكنا، فقد أصاب النُّسُك، ومَن نَسَكَ قبل الصلاة فلا نُسُكَ له، فقال أبو بُردة بن نِيَار -خال البراء بن عازب-: يا رسول الله، إني نَسَكْتُ شاتي قبل الصلاة، وعرفتُ أن اليوم يوم أكلٍ وشربٍ، وأحببتُ أن تكون شاتي أول ما يُذْبَح في بيتي، فذبحتُ شاتي، وتغديتُ قبل أن آتي الصلاة. قال: شاتك شاة لحمٍ، قال: يا رسول الله، فإن عندنا عَنَاقًا، وهي أحبُّ إلينا من شاتين، أفتُجزئ عني؟ قال: نعم، ولن تُجزئ عن أحدٍ بعدك.
150- وعن جُنْدُب بن عبدالله البجلي قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح، وقال: مَن ذبح قبل أن يُصلي فليذبح أخرى مكانها، ومَن لم يذبح فليذبح باسم الله.
151- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، ثم قام مُتَوَكِّئًا على بلالٍ، فأمر بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فَوَعَظَهن وذَكَّرهن، فقال: تَصَدَّقْنَ، فإنكن أكثر حطب جهنم، فقامت امرأةٌ من سِطَة النساء، سَفْعَاء الخَدَّين، فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ فقال: لأنكن تُكْثِرْنَ الشَّكَاة، وتَكْفُرْنَ العَشِير، قال: فَجَعَلْنَ يتصدقن من حُلِيِّهنَّ، يُلْقِين في ثوب بلالٍ من أَقْرَاطِهنَّ وخواتيمهنَّ.
152- عن أم عطية -نسيبة الأنصارية رضي الله عنها- قالت: أمرنا -تعني: النبيَّ ﷺ- أن نُخْرِج في العيدين العواتق وذوات الخُدُور، وأمر الحُيَّض أن يعتزلن مُصَلَّى المسلمين.
وفي لفظٍ: كنا نُؤْمَر أن نخرج يوم العيد، حتى نُخْرِج البكر من خِدْرِها، وحتى نُخْرِج الحُيَّض فَيَكُنَّ خلف الناس، فَيُكَبِّرْنَ بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهْرَته.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الخمسة كلها تتعلق بصلاة العيد، وصلاة العيد فرضٌ على أصح الأقوال، فرضٌ على المسلمين كالجمعة، فعليهم أن يصلوا صلاة العيد فرضًا على الرجال، ومُستحبةً للنساء.
صلاة عيد النحر كعيد الفطر ركعتان، ومعهما خطبةٌ بعد الصلاة كالجمعة، إلا أن الجمعة خطبتها قبل الصلاة، والعيد خطبتها بعد الصلاة.
وقال جمعٌ من أهل العلم: إنها فرض كفايةٍ، إذا قام بها مَن يكفي سقطتْ عن الباقين، وصارتْ في حقِّهم سُنةً.
وقال آخرون: إنها سنةٌ.
والأرجح والصواب: أنها فرضٌ كالجمعة، تجب على الرجال المكلَّفين كالجمعة، ويُستحب حضورها للنساء، وهي صلاة العام، صلاة عيد الفطر، وصلاة عيد الأضحى.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: "كان النبي ﷺ وأبو بكرٍ وعمر يُصلون العيد قبل الخطبة"، هكذا كانت السنة: العيد تُصلَّى ثم الخطبة بعدها، هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا الصديق، وهكذا عمر، وهكذا المسلمون بعدهم.
فالسنة أن تكون الصلاة أولًا، ثم يخطب بعد ذلك، عكس الجمعة، الجمعة يخطب أولًا ثم يُصلي، أما العيد فإنه يُصلي أولًا ثم يخطب.
وهكذا حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وعن أبيه -فالعازب صحابيٌّ أيضًا- ذكر أن النبي ﷺ قال: مَن صلى صلاتنا، ونَسَكَ نُسُكَنا، فقد أصاب النُّسُك أي: مَن فعل مثلنا؛ صلى كما صلينا ونَسَكَ، يعني: ذبح كما ذبحنا بعد الصلاة، فقد أصاب النُّسُك، النُّسُك: الذبح.
ومَن نَسَكَ قبل الصلاة أي: ذبح قبل الصلاة فلا نُسُكَ له يعني: غير مُجزئةٍ الضَّحية التي ذبحها يوم عيد النحر قبل الصلاة.
فقال له أبو بُردة بن نِيَار -خال البراء بن عازب-: يا رسول الله، إني عرفتُ أن اليوم يوم أكلٍ وشُربٍ، وأحببتُ أن تكون شاتي أول ما يُؤْكَل في بيتي –يعني: ضحيتي- قال: فذبحتها قبل الصلاة وتغديتُ. قال له: شاتك شاة لحمٍ يعني: لا تُجزئ، فقال: يا رسول الله، فإن عندنا عَنَاقًا هي أحبُّ إلينا من شاتين. قال: اذبحها، ولن تُجزئ عن أحدٍ بعدك، هذه خاصةٌ بأبي بُرْدَة، وهي العَنَاق التي لم تبلغ السن، الثَّنية، يعني: سنة كاملة.
قال ..... أهل السنة: تُجزئ عنه وحده، ولن تُجزئ عن أحدٍ بعده، فهذا يكون من خصائصه، من خصائص أبي بُردة بن نِيَار، أما غيره فلا بد أن تكون مُسِنَّةً، قد تمَّت لها سنةٌ، وهي الثَّنية من المعز.
أما الضَّأن فيُجزئ منه الجذع، إذا صار جذعًا، قد أكمل ستة أشهرٍ أجزأ من الضأن.
ومن البقر لا يُجزئ إلا ما تمَّت له سنتان.
ومن الإبل ما تمَّت له خمس سنين في الضحايا والهدايا.
وفي هذا من الفوائد: أنه يجوز في الشرع التخصيص لإنسانٍ أو جماعةٍ بحكمٍ؛ لحكمةٍ بالغةٍ؛ ولهذا جاء في هذا تخصيص أبي بُردة بن نِيَار بهذا العمل -وهو ذبيحة العَنَاق- لما كان غلط وضَحَّى قبل الصلاة رُخِّصَ له في ذلك، فصارت خاصةً به رضي الله عنه وأرضاه، فلا يكون الشيء خاصًّا إلا بدليلٍ، والأصل أن النصَّ عامٌّ، والعموم في الأحكام كلها، ما ثبت في حقِّ الواحد ثبت في حقِّ الجميع من الرجال والنساء إلا مَن خصَّه الدليل، فمَن خصَّه الدليل فإنه يُستثنى؛ كالنساء فإنه خصَّهن الدليل بأنهن لا جمعة عليهن في المساجد، يُصلين في البيوت، ولا تلزمهن الجماعة، وليس لهن أذانٌ ولا إقامةٌ، وتخصيصهن بوجوب الحجاب عن الرجال، كل هذا من الخصائص.
وكذلك خُصَّ النبي ﷺ بأنه يجوز له أن يتزوج أكثر من أربعٍ، أما غيره فليس له إلا أربعٌ فقط من النساء.
والمقصود أن الأصل في الأحكام العموم، ما ثبت في حقِّ الرجل ثبت في حقِّ المرأة، وما ثبت في حقِّ الواحد ثبت في حقِّ الجميع.