الدرس السابع

..... فمَن ذبح بعد الصلاة فقد أصاب النُّسُك، ومَن ذبح قبل الصلاة فَلْيُعِدْ أخرى مكانها، يعني: لا تُجزئه، ومَن لم يذبح فليذبح باسم الله.

دلَّ على ..... وأن الأضحية لا تُجزئ قبل الصلاة يوم العيد؛ عيد النحر.

وحديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما فيه الدلالة على أن العيد ليس له أذانٌ ولا إقامةٌ، يصلون بدون أذانٍ، وبدون إقامةٍ، ولا: الصلاة جامعةٌ، ليس لها شيءٌ، لا أذان مشروع، ولا غيره، ولا إقامة؛ ولهذا صلَّى بهم النبي ﷺ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ.

فلما صلَّى خطب الناس فأوصاهم بتقوى الله وطاعته، وذكَّرهم، وأمرهم بطاعته ، ثم أتى النساء ووعظهنَّ، وذكَّرهنَّ، وحثَّهن على الصدقة فقال: تَصَدَّقْنَ، فإنكن أكثر حطب جهنم أي: أكثر أهل النار، فقامت امرأةٌ سَفْعَاء الخَدَّين من سِطَة النساء فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ فقال: لأنكن تُكْثِرْنَ اللعن، وتَكْفُرْنَ العَشِير يعني: الزوج، ولو أحسن إلى إحداكن الدهر ثم رأتْ منه شيئًا قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قط يعني: جحدتْ إحسانه ..... فيريد أن كُفْران العَشِير -عدم القيام بحق الزوج- وكثرة السَّبِّ والشتم -وهذا من أسباب اللعن- من أسباب دخول النار، وأن الصدقة والاستقامة من أسباب الوقاية من النار، فينبغي الإكثار من الصدقة والاستغفار والأعمال الصالحة؛ لأنها من أسباب الوقاية من عذاب النار.

وفيه شرعية وَعْظ النساء، إذا كنَّ بعيدات ما سمعن الخطبة يُستحب للإمام أن يعظهن ويُذكِّرهن ويخُصَّهن بموعظةٍ، أما إذا كنَّ يسمعن –كاليوم- بالمكبِّرات أو لأن العدد قليلٌ يسمعن صوت الخطيب كفى.

والحديث الخامس -حديث أم عطية رضي الله عنها- يدل على أنه يُشرع للنساء أن يَحْضُرْنَ صلاة العيد، وأنهن كُنَّ يُؤْمَرْنَ بحضورها، حتى ذوات الخُدُور، وحتى الحُيَّض يحضرن، لكن لا يُصلين، يحضرن حتى يسمعن الخطبة، ويحضرن الدعوات، ويُؤَمِّنَّ على الدعاء، ويُشاركن في الخير، لكن يعتزلن المصلى، ويكن خلف الناس.

وهذا واضحٌ في شرعية حضورهن في صلاة العيد، سواءٌ كنَّ كبيراتٍ أو شاباتٍ، لكن مع العناية بالحجاب والتَّستر، يحضرن الخير ودعوة المسلمين، ويُشاركن في الخير، وتحصل لهن بركة هذا اليوم المبارك، ولكن عليهن أن يَحْتَشِمْنَ ويبتعدن عن أسباب الفتنة، ويكن مُتستِّراتٍ بعيداتٍ عن أسباب الفتنة، فإن لم يفعلن مُنِعْنَ، إذا كن يخرجن بالتَّبرج وإظهار الزينة يُمْنَعْنَ من ذلك، أما إذا تَأَدَّبْنَ وخرجن بالطريقة الشرعية فإنهن يُسْمَح لهن بذلك، وخروجهن مطلوبٌ ومُرَغَّبٌ فيه ومشروعٌ بشرط التَّأدب بالآداب الشرعية، والاحتشام، واعتزال أسباب الفتنة.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب صلاة الكسوف

153- عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ الشمس خسفتْ على عهد رسول الله ﷺ، فبعث مُناديًا يُنادي: الصلاة جامعةٌ، فاجتمعوا، وتقدَّم فكبَّر وصلى أربع ركعاتٍ في ركعتين، وأربع سجداتٍ.

154- وعن أبي مسعودٍ عُقْبة بن عامرٍ، الأنصاري، البدري .

الشيخ: ابن عمرو.

القارئ: ابن عمرو؟ عامر هنا.

الشيخ: غلط، عمرو.

القارئ: عقبة بن عمرو؟

الشيخ: نعم.

عقبة بن عمرو، الأنصاري، البدري قال: قال رسول الله ﷺ: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يُخَوِّف الله بهما عباده، وإنهما لا يَنْكَسفان لموت أحدٍ من الناس ولا لحياته، فإذا رأيتم منهما شيئًا فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم.

155- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ، فقام رسول الله ﷺ فصلَّى بالناس، فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام -وهو دون القيام الأول- ثم ركع فأطال الركوع -وهو دون الركوع الأول- ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثلما فعل في الركعة الأولى، ثم انصرف وقد تَجَلَّت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يَنْخَسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبِّروا، وصلُّوا، وتصدَّقوا، ثم قال: يا أُمة محمدٍ، والله ما من أحدٍ أَغْيَر من الله من أن يَزْنِي عبدُه أو تَزْنِي أَمَتُه، يا أُمة محمدٍ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولَبَكَيْتُم كثيرًا.

وفي لفظٍ: فَاسْتَكْمَل أربع ركعاتٍ وأربع سجداتٍ.

156- وعن أبي موسى الأشعري قال: خسفت الشمس في زمان رسول الله ﷺ، فقام فَزِعًا يَخْشَى أن تكون الساعة، حتى أتى المسجد، فقام فصلَّى بأطول قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ، ما رأيتُه يفعله في صلاةٍ قط، ثم قال: إن هذه الآيات التي يُرْسلها الله  ما تكون لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن الله تعالى يُرْسِلها يُخَوِّف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئًا فَافْزَعُوا إلى ذِكْر الله وإلى دُعائه واستغفاره.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كلها تتعلق بصلاة الكسوف.

يقال: الكسوف، ويقال: الخسوف، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ۝ وَخَسَفَ الْقَمَرُ [القيامة:7-8].

والخسوف والكسوف: ذهاب نور الشمس والقمر، أو ذهاب شيءٍ من ذلك يُقال له: خسوف، ويُقال له: كسوف.

وقد بيَّن النبي ﷺ حكم ذلك، وأن هذا الخسوف والكسوف آيتان من آيات الله يُخَوِّف بهما عباده ، فالشمس والقمر آيتان، والليل والنهار آيتان، كلها من آياته جلَّ وعلا مما يجري عليها الخسوف والكسوف؛ ليعلم العباد أن هذين الكوكبين خاضعان لأمر الله، يتصرف فيهما كيف يشاء .

وقد وقع هذا في عهده ﷺ في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم، وكان صغيرًا لم يُفْطَم، وأمه جاريةٌ يُقال لها: مارية، فظنَّ الناس أنها كُسِفَت الشمس لموته، فقال النبي ﷺ: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن الله يُخَوِّف بهما عباده، كما قال تعالى: وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59] أي: إلا ليحذروا نِقْمَته، وليُبادروا إلى طاعته، وليخشوا عذابه ، وليعلموا أن الله على كل شيءٍ قديرٌ في تعذيبهم وإهلاكهم، أو عافيتهم وسلامتهم، فهو على كل شيءٍ قديرٌ .

ولما وقع هذا بعث مُناديًا يُنادي: الصلاة جامعةٌ، الصلاة جامعةٌ، الصلاة جامعةٌ؛ حتى يعلم الناس أنه حصل كسوفٌ، هذا النداء: الصلاة جامعةٌ.

ثم صلَّى بالناس ركعتين، في كل ركعةٍ ركوعان وسجدتان وقراءتان، كبَّر وقرأ الفاتحة، وقرأ معها وطَوَّل، ثم ركع وأطال، ثم رفع فقرأ أيضًا الفاتحة، ومعها أيضًا قراءةٌ طويلةٌ، لكنها دون الأولى، ثم ركع ركوعًا طويلًا لكن دون الأول، ثم رفع فأطال لكن دون الأول -كما في حديث جابر - ثم سجد سجدتين طويلتين، ثم قام وأتى بالثانية كالأولى؛ قرأ ثم ركع، ثم رفع، ثم قرأ، ثم ركع ركوعًا دون الذي قبله، ثم رفع وأطال بعض الإطالة، ثم سجد سجدتين، ثم خطب الناس.

فالأحاديث في هذا مُستفيضةٌ وصحيحةٌ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

وفي حديث أبي موسى : "فصلى بأطول قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ، ما رأيتُه يفعله في صلاته قط"، فدلَّ على أنه طوَّل في ذلك قراءته وركوعه وسجوده عليه الصلاة والسلام.

وفي حديث أبي موسى : "يخشى أن تكون الساعة"، قبل أن يعلم أنها تتأخر عنه، لا تقوم في زمانه، فإنه أخبر الأمة أنها تقوم بعد ذلك، ولا تقوم في زمانه عليه الصلاة والسلام، كما قد وقع الآن، فإنها لم تزل غير قائمةٍ، وقد مضى بعده أربعة عشر قرنًا عليه الصلاة والسلام.

وفي هذا من الفوائد: أن السنة للمسلمين المبادرة للصلاة إذا وجدوا ذلك، قال: فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره، معنى "افزعوا" أي: بادروا بالتَّوجه إلى الله بالصلاة والذكر والاستغفار والدعاء والتكبير والصدقة.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال: فادعوا الله، وصلوا، وكبِّروا، وتصدقوا، وفي رواية أسماء: أنه أمر بالعتق، فدلَّ ذلك على أنه يُستحب في وقت الكسوف الصدقة وعتق الرقاب والإكثار من ذكر الله من تكبيره وتعظيمه، وصلاة الكسوف، كل هذا مشروعٌ في وقت الكسوف، يصلي ركعتين بقراءتين وركوعين وسجدتين.

والمسلمون يُكثرون من ذكر الله في بيوتهم وأسواقهم ومساجدهم وكل مكانٍ، واستغفاره، والتوبة إليه، ومُحاسبة أنفسهم عما لديهم من المعاصي.

وفيه من الفوائد: يقول عليه الصلاة والسلام: ما من أحدٍ أَغْيَر من الله أن يزني عبده أو تزني أَمَتُه، هذا يفيد الحذر من الزنا والفواحش، وأنها من أسباب غضب الله وعقابه؛ لأنه غيورٌ على نعمه ، وغيورٌ حين تُنْتَهك محارمه.

وذكر الزنا لأنه من أقبح الفواحش، ولأنه من أسباب خسف نور القلب وذهاب نور البصيرة، فالذي أذهب الشمس والقمر بالخسوف قادرٌ على أن يُذْهِب نور العبد وبصيرته وهدايته بمعاصيه التي يقترفها.

وقال عليه الصلاة والسلام: لو تعلمون ما أعلم لضحكتُم قليلًا، ولبكيتُم كثيرًا أي: لو تعلمون ما أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كفر به وعصاه؛ لضحكتُم قليلًا، ولبكيتُم كثيرًا.

وفيه: أنهم يصلون ويدعون إذا رأوا الكسوف: فصلوا وادعوا حتى يُكْشَف ما بكم، فالسنة للمسلمين هكذا؛ أن يُنادوا: الصلاة جامعةٌ، وأن يُصلوا ركعتين كما صلى النبي ﷺ بقراءتين، وركوعين، وسجدتين، ويُطوِّلوا في ذلك كما طوَّل النبي ﷺ، وأن يُكثروا من الصدقة، والتهليل، والتكبير، والاستغفار، وعتق الرقاب، كل هذا من أسباب العافية من العقوبات.

فالنُّذُر من الله كثيرةٌ، والواجب على أهل الإسلام وعلى كل عاقلٍ أن ينتفع من هذه الذكرى وهذه النَّذارة، وأن يخشى الله، وأن يُراقبه، وأن يستفيد من الآيات حتى يعدَّ العُدَّة، ويحذر أسباب الهلاك.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب صلاة الاستسقاء

157- عن عبدالله بن زيد بن عاصم المازني قال: خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحوَّل رداءه، ثم صلَّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة.

وفي لفظٍ: أتى المصلَّى.

158- وعن أنس بن مالكٍ : أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من بابٍ كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائمٌ يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُل، فَادْعُ الله يُغِثْنا.

قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: اللهم أَغِثْنا، اللهم أَغِثْنا، اللهم أَغِثْنا.

قال أنسٌ: ولا والله ما نرى في السماء من سحابٍ ولا قَزَعَةٍ، وما بيننا وبين سَلْعٍ من بيتٍ ولا دارٍ.

قال: فطلعتْ من ورائه سحابةٌ مثل التُّرْس، فلما توسطت السماء انتشرتْ، ثم أَمْطَرَتْ.

قال: فلا والله ما رأينا الشمس سَبْتًا.

قال: ثم دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائمٌ يخطب، فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُل، فَادْعُ الله يُمْسِكها عنا.

قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: اللهم حَوَالَيْنا ولا علينا، اللهم على الآكام، والظِّرَاب، وبطون الأَوْدِية، ومَنَابِت الشجر، قال: فأقلعتْ، وخرجنا نمشي في الشمس.

قال شريكٌ: فسألتُ أنس بن مالكٍ: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذان الحديثان الصحيحان الثابتان عن رسول الله ﷺ كلاهما يدل على شرعية الاستسقاء، وهو طلب السُّقْيا، أي: طلب الغيث، ويُقال لها: الاستغاثة، أي: طلب الغوث، والغوث يكون في طلب إزالة الشدة بسبب الجَدْب والقَحْط وقِلة المياه، يقال: استسقى، طلب السُّقْيا، واستغاث، طلب الغوث؛ لإزالة الشدة، ويقال: الغيث، وهو المطر، طلب الغيث الذي هو المطر، وهذه سنةٌ مُؤكدةٌ؛ لأن الرسول فعلها عليه الصلاة والسلام، فدلَّ ذلك على سُنيتها وتأكدها، وفيها فوائد، منها: الضراعة إلى الله واللجأ إليه، وإظهار العبودية والمسكنة، والانكسار للمولى ، فالله يُحب من عباده أن ينكسروا إليه، وأن يعبدوه، وأن يُعَظِّموه، وأن يذلوا له، وأن يسألوه من فضله، حيث قال سبحانه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وقال : وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32].

وفيه من الفوائد: أنه ينبغي للأمة أن تفعل ذلك، إذا وجدت الجَدْب والقَحْط ينبغي أن يستغيثوا ويسألوا الله من فضله؛ لأن السراء والضَّراء امتحانٌ من الله يختبر بهما العباد، فالمؤمنون عند السراء يشكرون، وعند الضراء يصبرون ويسألون ربهم الغيث والهداية والرحمة والإحسان.

الحديث الأول حديث عبدالله بن زيد بن عاصم الأنصاري: أن النبي ﷺ خرج بالناس إلى الصحراء، فصلى بهم في المصلَّى واستغاث، فرفع يديه ودعا، وطلب السُّقْيا، وحوَّل رداءه الأيمن على الأيسر، والأيسر مع الأيمن، يعني: قلب رداءه، وتوجه إلى القبلة يدعو بعدما قلب رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة.

وفي حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما -كما في السنن- أنه صلَّى كما يُصلي العيد، فدلَّ ذلك على أنه عند الجَدْب والقَحْط يُشرع لولي الأمر والمسلمين أن يستغيثوا ويستسقوا، ويُشرع للعامة أن يطلبوا من ولي الأمر ذلك إذا تأخَّر؛ حتى يستغيث لهم، كما فعله المسلمون مع نبيهم عليه الصلاة والسلام، فإذا عزموا على ذلك خرجوا صباحًا، ويُبَلِّغ الناس ويُعَلِّمهم ويُحدد لهم الوقت؛ كي يجتمعوا، فإذا طلعت الشمس وارتفعت خرج وصلَّى بهم، وخطب بهم، وصلَّى بهم ركعتين، وهو مُخَيَّرٌ: إن شاء صلَّى أولًا ثم خطب -كما جاء في حديث عبدالله بن زيد - وإن شاء قدَّم الصلاة كما في العيد، ثم خطب بعد ذلك، كما في الرواية الأخرى: بدأ بالصلاة ثم خطب، وهما سُنتان، ولعله فعلها ﷺ تارةً وتارةً؛ تارةً بدأ بالصلاة، وتارةً بدأ بالخطبة، كما هنا في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنه صلاهما كما يُصلي في العيد، يعني: صلى ثم خطب.

وفي هذه الصلاة وفي هذا الدعاء يستغيث الله، ويحثُّ الناس على الاستغفار والتوبة والاستقامة على طاعة الله، والحذر من المعاصي، ويذكر الله ويُمَجِّده ، ثم يصلي ركعتين، وإن شاء قدَّم الصلاة، ثم خطب الناس وذكَّرهم واستغاث لهم، وطلب لهم الغيث من الله جلَّ وعلا.

ويجهر بالقراءة في الصلاة كالعيد، يصلي صلاةً جهريةً، يصلي ركعتين، يُكبِّر في الأولى سبعًا بتكبيرة الإحرام، وفي الآخرة خمسًا غير تكبيرة النقل، ثم يقرأ بعد التكبيرات كالعيد.

وله أن يستسقي في الجمعة كما في حديث أنسٍ المذكور، فإنه ﷺ استسقى في خطبة الجمعة، جاءه رجلٌ وقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُل، فَادْعُ الله يُغيثنا. وكان يخطب في الجمعة، فرفع يديه ودعا، قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

قال أنسٌ: (فوالله ما نرى في السماء من سحابٍ ولا قَزَعَةٍ)، السماء خاليةٌ، ما في شيء، (وليس بيننا وبين سَلْعٍ) جبلٌ معروفٌ هناك (بيتٌ ولا دارٌ) يعني: يُشاهدون الجبل عندهم، فبينما هم كذلك إذ طلعت سحابةٌ من وراء الجبل مثل التُّرْس –يعني: صغيرة- ثم انتشرتْ في السماء، ثم أمطرتْ بإذن الله ، والناس في مسجدهم، ما بعد خرجوا من المسجد، وهذا فيه آيةٌ من آيات الله القائل سبحانه: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، كانت الإغاثة بسرعةٍ بأمر الله في حالة الدعاء والصلاة.

وفيه أيضًا دلالةٌ على أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذه من مُعجزاته؛ كونه دعا فأُجيب في الحال فيما ينفع العباد، ولم يخرج الناس من المسجد إلا وهم يمشون في المطر، هذه من آيات الله، ومن نِعَمه العظيمة، ومن الدلائل على قُدرته العظيمة، وأنه ربُّ العالمين، وأنه القادر على كل شيءٍ، وأن محمدًا هو رسوله عليه الصلاة والسلام؛ حيث أجاب دعوته في الحال، وأرسل المطر في الحال على عباده المسلمين.

وفيه من الفوائد: أنه لا مانع أن يتكلم الإنسان مع الإمام في الحاجة وهو يخطب، الواجب على المسلمين الإنصات، لكن إذا كانت هناك حاجةٌ لا مانع أن يتكلم معه بعض الناس، كأن يقول: يا فلان، يا أبا فلان، يا إمامنا، ادعُ الله لنا، استَغِثْ لنا، حصل كذا وكذا، مما يحتاج إلى التَّنبيه في الخطبة، فلا بأس أن يتقدم بعض المأمومين ويقول له شيئًا في الخطبة مما تدعو الحاجة إليه؛ حتى يُنبه عليه وهو في الخطبة.

ولا بأس أن يتكلم الإمام بما يرى في الخطبة من نصيحةٍ أو توجيهٍ أو تنبيه أحدٍ؛ ولهذا في بعض الروايات أنه لما رأى رجلًا دخل المسجد ولم يُصلِّ ركعتين قال: قُمْ فَصَلِّ ركعتين تحية المسجد، وهو في الخطبة عليه الصلاة والسلام.

وفيه: أنه دخل رجلٌ في الجمعة الأخرى، استمرَّ معهم المطر سَبْتًا –أسبوعًا- والسماء تُمْطِر، فجاء رجلٌ يوم الجمعة التي بعدها وقال: (يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُل، فَادْعُ الله أن يُمْسِكها عنا) يُمْسِك المطر، فرفع يديه ﷺ ودعا: اللهم حَوَالينا ولا علينا، اللهم على الظِّراب، والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، قال: فأقلعتْ، يعني: أقلعت السُّحب في الحال، وخرج الناس يمشون في الشمس.

هذه أيضًا من آيات الله جلَّ وعلا، ومن الدلائل العظيمة على قُدرته العظيمة، وأنه يقول للشيء: كن، فيكون ، ومن الدلائل على صدق رسوله ﷺ، وأنه رسول الله حقًّا، حيث أجاب الله دعوته في الحال عليه الصلاة والسلام الأولى والثانية.

وفي بعض الروايات: أنه تبسم عليه الصلاة والسلام؛ لما رأى من ضعف الناس وعدم تحملهم لَمَّا جاءه يقول له: ادعُ الله يُمْسِكها عنَّا، في الجمعة الأولى يسأل ..... المطر، وفي الجمعة الأخرى يطلب الإمساك، فهذا يدل على ضعف بني آدم، وأنهم لا يتحملون الشيء الكثير؛ لأنه قد يُخَرِّب بيوتهم ويضرّهم ويضرّ أنعامهم.

وفيه: أنه لا مانع من طلب مثل هذا الطلب: اللهم حَوَالَينا ولا علينا، ولم يقل: اللهم أمسكها عنا، قال: اللهم حَوَالَينا ولا علينا، فدلَّ على أن هذا هو السنة؛ أن يقول: اللهم حَوَالَينا ولا علينا، ما يقول: أمسكها ..... لكن يقول: اللهم حَوَالَينا ولا علينا، اللهم على الآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر.

الآكام: الأشياء المرتفعة.

بطون الأودية معروفةٌ.

ومنابت الشجر أي: الأراضي التي يحصل فيها النبات؛ حتى ينفعها المطر.

وفيه من الفوائد: أنه ينبغي تكرار الدعاء والإلحاح في الدعاء، أن يُكرر ثلاثًا: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، فيُشرع للخطيب أن يُكرر الدعاء ويُلِحُّ في الدعاء، كما كرر النبي ﷺ في دعائه عليه الصلاة والسلام.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب صلاة الخوف

159- عن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه التي لَقِيَ فيها العدو، فقامتْ طائفةٌ معه، وطائفةٌ بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعةً، ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعةً، وقَضَت الطائفتان ركعةً ركعةً.

160- وعن يزيد بن رومان، عن صالح بن خَوَّات بن جُبَير، عمَّن صلى مع رسول الله ﷺ صلاة ذات الرِّقاع -صلاة الخوف-: أن طائفةً صَفَّتْ معه، وطائفةً وِجَاهَ العدو، فصلى بالذين معه ركعةً، ثم ثبت قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفُّوا وِجَاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلَّى بهم الركعة التي بقيتْ، ثم ثبت جالسًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم.

والرجل الذي صلى مع رسول الله ﷺ هو سَهْل بن أبي حَثْمَة.

161- وعن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فَصَفَفْنا صفين خلف رسول الله ﷺ، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبَّر النبي ﷺ، وكبَّرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصفُّ الذي يليه، وقام الصفُّ المُؤخر في نَحْرِ العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود، وقام الصفُّ الذي يليه، انحدر الصفُّ المُؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصفُّ المُؤخر، وتأخر الصفُّ المُقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصفُّ الذي يليه -الذي كان مُؤخرًا في الركعة الأولى- وقام الصفُّ المُؤخر في نَحْرِ العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصفُّ الذي يليه، انحدر الصفُّ المُؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلَّم النبي ﷺ، وسلمنا جميعًا.

قال جابرٌ: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأُمرائهم.

ذكره مسلمٌ بتمامه.

وذكر البخاري طرفًا منه، وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي ﷺ في الغزوة السابعة؛ غزوة ذات الرِّقاع.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بصلاة الخوف، وصلاة الخوف لها أحوال، ولها أنواع، فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، إذا كان في الإمكان الصلاة والعدو حاضرٌ، أما إذا كان ليس في الإمكان الصلاة، والعدو قد خالط الناس بالقتال؛ فإنها تُؤجل حتى تنتهي الحرب ويتمكن كل مسلمٍ من الصلاة، أما إذا أمكن أن يُصلوا وهم باتجاه العدو، كما كان في عهد النبي ﷺ، كما في العهد الأول على السلاح الأول، فإنه صلَّاها على أنواعٍ، منها ما ذكره ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو: أنهم صفُّوا خلف النبي ﷺ، وصلوا معه ركعةً، صاروا طائفتين: طائفة بقيتْ تحرس وتُقابل العدو، وطائفة صفَّتْ معه، فلما صلَّتْ ركعةً ذهبتْ للحراسة، وقضتْ لنفسها ركعةً بعد ذلك، بعد سلامه ﷺ، ثم جاءت الطائفة الأخرى فَصَلَّتْ معه ركعةً، ثم ذهبتْ تحرس، وقضتْ كل واحدةٍ لنفسها ركعةً، هذه حالةٌ.

والحالة الثانية: أنهم صلوا معه ﷺ، صلَّت الطائفة الأولى معه ركعةً، ثم أَتَمَّتْ لنفسها وهي معه، أَتَمَّتْ لنفسها، ولما سلَّمَتْ ذهبتْ تحرس، ثم جاءت الطائفة الأخرى وصلَّتْ معه الركعة الثانية، وهو واقفٌ، فلما انتهى من ركعته وجلس للتشهد قاموا فَأَتَمُّوا لأنفسهم، ثم جلسوا وسلَّموا معه بسبب العذر، فصار قضاؤهم قبل أن يُسلم، قضوا الركعة الثانية قبل أن يُسلم ..... السجود سجد الصفُّ الثاني، فلما فرغوا من سجودهم قاموا فتقدَّموا، وتأخَّر الصفُّ المقدم، وصلَّى بهم جميعًا قائمًا وراكعًا ورافعًا، ثم لما سجد انحدر معه الصفُّ الأول -الذي كان مُؤخرًا في الأولى- وسجد معه، وبقي الصفُّ الثاني -الذي هو الصف الأول في الركعة الأولى- يحرس، فلما قام من سجوده انحدروا وسجدوا، ثم سلَّم بهم جميعًا.

وكل هذه الأنواع جائزةٌ في صلاة الخوف، فإن اشتدَّ الخوف صلوا رجالًا ورُكْبَانًا، فُرَادًا وجماعاتٍ، كما قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، فإن شقَّ ذلك ولم يتيسر بسبب الاختلاط والمضاربة والمسايفة، وعدم تمكن الإنسان من عقل الصلاة بسبب أنه مُختلطٌ مع العدو في الضرب والكَرِّ والفَرِّ؛ تُؤخَّر وتُؤجَّل، كما فعل النبي ﷺ يوم الأحزاب، فإنه اشتبك مع الكفار يوم الأحزاب فلم يُصلِّ العصر إلا بعد غروب الشمس، بسبب شغله معهم في الحرب أخَّرها حتى صلَّاها بعد المغرب، ثم صلى بعدها المغرب؛ للضرورة، وهذا قد يقع، فإذا اشتدَّ القتال، وحَمِيَ الوَطِيس، ولم يتمكنوا من الصلاة؛ فلا مانع من تأخيرها حتى ينتهي القتال، ثم يصلي المسلمون ولو خرج الوقت؛ للضرورة.

ومن هذا ما فعله الصحابة في قتال العراق أو الفرس يوم تُسْتَر، يوم حاصروا تُسْتَر، لما برق الفجر إذا هم في القتال، وهم مُحاصرو البلد، بعضهم على السور، وبعضهم قد دخل البلد، وبعضهم على الأبواب، والقتال قد حَمِيَ بينهم، فأخَّروها حتى انتهى القتال، وصلَّوها ضُحًى، صلوا الفجر ضُحًى.

قال أنسٌ: "ما أُحبُّ أن لي بها حُمُر النَّعَم"، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنهم أخَّروها قهرًا لشدة القتال.

فهذا نوعٌ من أنواع صلاة الخوف، وهو التأخير للضرورة ولو فات الوقت عند عدم إمكان الصلاة بسبب اختلاطهم مع العدو، واشتغالهم بالضرب والكَرِّ والفَرِّ، وعدم تمكن المؤمن أن يُؤدي الصلاة في تلك الحال.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى

كتاب الجنائز

161- عن أبي هريرة قال: نعى النبي ﷺ النَّجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى، فَصَفَّ بهم، وكبَّر أربعًا.

162- وعن جابرٍ : أن النبي ﷺ صلى على النجاشي، فكنتُ في الصفِّ الثاني أو الثالث.

163- وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ صلى على قبرٍ بعدما دُفِنَ، فكبَّر عليه أربعًا.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث تتعلق بالجنائز، والجنائز جمع جنازةٍ، بكسر الجيم وفتحها: جِنازة، وجَنازة.

والمراد بالجنازة هي الميت، سُميت جنازة؛ لأنها مستورةٌ بالأكفان وغيرها.

ولها أحكامٌ، الجنائز لها أحكامٌ، ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث في ذلك تدل على كثيرٍ من أحكام الجنائز، من ذلك: الصلاة على الغائب؛ لحديث أبي هريرة : أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى، فَصَفَّ بهم، وكبَّر عليه أربعًا.

هذا يدل على جواز الإخبار عن الميت، وأنه مات فلانٌ؛ ليحضر أقاربه وأصدقاؤه حتى يُصلوا عليه، وأن هذا يُسمى: نعيًا، يعني: خبرًا، وهو لا بأس به إذا كان من جنس هذا الذي فعله النبي ﷺ؛ كونه يُخبر أصحابه وأقاربه، ويُخبر جيرانه أنه مات فلانٌ؛ حتى يُصلوا عليه، فهذا لا بأس به.

أما النعي الذي نُهِيَ عنه فهو الذي تفعله الجاهلية؛ كونه يُنادي على المنابر كالأذان: مات فلانٌ، أو يبعث سيارات أو دواب تُنادي في القبائل: مات فلانٌ، هذا من أعمال الجاهلية، وهذا هو المنهي عنه.

أما كون أهل الميت يُخبرون أصحابه وأقاربه؛ حتى يحضروا، فهذا لا بأس به، كما أخبر النبي ﷺ أصحابه أن النجاشي قد مات، ثم خرج بهم إلى المصلَّى، وصَفَّ بهم، وكبَّر أربعًا عليه الصلاة والسلام.

ويدل هذا الحديث على أنه يُكبَّر على الجنازة أربع تكبيراتٍ، وهذا آكد ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام: أربع تكبيراتٍ، لا يجوز النقص منها، يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب، ويصلي على النبي ﷺ في الثانية، وإن قرأ مع الفاتحة شيئًا -سورةً قصيرةً أو آياتٍ- فحسنٌ؛ فقد ثبت عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه قرأ الفاتحة وقرأ معها سورةً عليه الصلاة والسلام، هذا كله لا بأس به، وإن اقتصر على الفاتحة كفى، وإن زاد فهو أفضل، زيادة خفيفة.

ثم يصلي على النبي ﷺ في الثانية كما يصلي على النبي في الصلاة: "اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ .." إلخ، مثلما يصلي عليه في التشهد الأخير: "اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم .." إلخ.

وفي الثالثة يدعو للميت، يقول: "اللهم اغفر لِحَيِّنَا ومَيِّتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا"، الدعاء العام: "اللهم مَن أحييتَه منا فَأَحْيِهِ على الإسلام، ومَن تَوَفَّيْتَه منا فَتَوَفَّهُ على الإيمان" هذا دعاءٌ عامٌّ، وهي أدعيةٌ ثابتةٌ عن النبي ﷺ.

ثم يقول: "اللهم اغفر لفلانٍ الميت، اللهم اغفر له وارحمه"، أو "اللهم اغفر لها" إن كانت امرأةً .. إلخ.

"اللهم اغفر له وارحمه، وعافِه واعفُ عنه، وأكرم نُزُلَه، ووسع مُدْخَلَه، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونَقِّهِ من الخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره، وزوجًا خيرًا من زوجه .." إلخ، كما جاء في حديث عوف بن مالك عند مسلمٍ، "اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تَفْتِنَّا بعده"، هذه دعواتٌ واردةٌ يدعو بها للميت.

س: يرفع بها صوته؟

ج: لا، سِرًّا، لكن إذا رفع بعض الشيء حتى يُعَلِّم الناس بعض الدعاء لا بأس، من باب التعليم، وقد جهر النبي ﷺ بالفاتحة في بعض الأحيان للتعليم، وجهر ابن عباسٍ بذلك للتعليم، قال: "لتعلموا أنها سنةٌ".

ثم يُكبر الرابعة ويُسلم تسليمةً واحدةً، هذا هو السنة، ويقف بعد الرابعة قليلًا؛ لأنه قد جاء في بعض الأحاديث -من حديث عبدالله بن أبي أوفى وحديثٍ آخر- ما يدل على أن الأفضل أن يقف قليلًا ثم يُسلم بعد الرابعة.

س: ما في ذِكْر يا شيخ؟

ج: وليس فيها ذكرٌ ولا دعاء.

وهذا لا فرق فيه بين الرجل والمرأة والجماعة، إذا كانوا جماعةً صلى عليهم جميعًا: اثنين أو ثلاثة أو أربعة يصلي عليهم جميعًا، هذا هو الأفضل؛ لأن الصلاة مبنيةٌ على السرعة، فالنبي ﷺ قال: أسرعوا بالجنازة، فإذا كانوا جماعةً صلى عليهم جميعًا: ذكورًا وإناثًا، ويقف عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، موقف الإمام عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، هذا هو السنة.

أما قول بعض الفقهاء: "عند صدر الرجل" فلا دليل عليه، لكن السنة أن يقف عند رأس الرجل، وعند وسطها.

وإذا كانوا جماعةً جعل وسط المرأة عند رأس الرجل؛ حتى يكون الموقف واحدًا.

إذا كانوا جماعةً -رجالًا ونساءً- جُعلت المرأة وسطها حيال رأس الرجل؛ حتى يكون موقفه منهما موقفًا شرعيًّا.

وفي حديث جابرٍ: أنهم صَفُّوا على النجاشي صفوفًا، قال: كنتُ في الصفِّ الثاني أو الثالث.

هذا يدل على أنه تُشرع الصفوف، يكونون صفوفًا كصلاة الفريضة، يصفون صفوفًا: أول وثانٍ وثالث، وهكذا.

قال مالك بن هُبَيرة -صحابيٌّ جليلٌ-: إذا كانوا قليلين صفَّهم ثلاثًا، ولو على اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة؛ لأنه رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: مَن صلَّى عليه ثلاثة صفوفٍ فقد أوجب، فإذا تيسر يكونون ثلاثة صفوفٍ أو أكثر كان أفضل.

وفي حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما الدلالة على أن النبي ﷺ كبَّر على الميت بعد الدفن أربعًا، فدلَّ على أنه يُصلَّى على الميت بعد الدفن، الذي ما صُلِّيَ عليه في المسجد أو في المصلى يُصلَّى عليه بعد الدفن، كما صلى النبي ﷺ على بعض الأموات بعد الدفن، فيذهب إلى القبر ويصلي عليه بعد الدفن، كما يفعل لو صلَّى عليه وهو حاضرٌ بين يديه في المسجد أو في المصلى؛ يُكبِّر أربعًا، يقرأ في الأولى، ويصلي على النبي ﷺ في الثانية، ويدعو في الثالثة، ثم يُكبر ويُسلم، كما لو صلى عليه وهو بين يديه.

والمعروف عند أهل العلم أن يكون ذلك في حدود الشهر فأقلّ، أما إذا كان أكثر من ذلك كثيرًا فلا تُشرع الصلاة عليه، إذا مضى عليه أكثر من شهرٍ لم تُشرع الصلاة عليه؛ لأن هذا لم يرد، إنما ورد في حدود الشهر فأقلّ، شهر تقريبًا، وما كان أقلّ منه يُصلَّى على الميت، والغائب كذلك.

وفي صلاة الغائب كلامٌ لأهل العلم، فمنهم مَن قال: لا يُصلَّى على الغائب مطلقًا؛ لأن النبي ﷺ إنما صلَّى على النجاشي؛ لأنه ما صُلِّي عليه في بلاده؛ لأنهم كفارٌ ونصارى ما صلوا عليه؛ ولهذا صلى عليه النبي ﷺ.

وقال آخرون من أهل العلم: يُصلَّى على كل غائبٍ، وجاء عن النبي ﷺ أنه صلى على النجاشي، قالوا: وهذا يدل على أنه يُصلَّى على كل غائبٍ.

والقول الثالث التفصيل، وأنه إن كان الغائب له أهمية في الإسلام كالنجاشي، كالعالِم المعروف الداعي إلى الله، له شأنٌ في الإسلام، أو أميرٍ له شأنٌ في الإسلام، أو ملكٍ له شأنٌ في الإسلام ونفعٌ للمسلمين يُصلَّى عليه كما صلى النبي ﷺ على النجاشي من أجل مزيد الخير له؛ بسبب أعماله الطيبة من علمٍ وفضلٍ ودعوةٍ إلى الله، أو كونه ملكًا له شأنٌ في الإسلام، أو رئيس جمهورية له شأنٌ في الإسلام ونفعٌ للإسلام، فلا بأس أن يُصلَّى عليه؛ إظهارًا لفضله وإحسانًا إليه بالدعاء.

أما العاديون الذين ليس لهم شأنٌ فهؤلاء لا يُصلَّى عليهم؛ لأن الرسول ﷺ ما كان يُصلي على كل غائبٍ، إنما صلى على واحدٍ: النجاشي، والناس يموتون في كل مكانٍ في عهده ﷺ، فيموت في مكة ناسٌ، وفي غير مكة، ولم يُصلِّ على الغائبين، إنما صلى على النجاشي خاصةً، فدلَّ على أنه إنما يُصلَّى على مَن كان مثله.

أما أن يُقال بالخصوصية فلا، فهذا لا يخصّ النجاشي كما قاله بعض أهل العلم، ولا دليل على التخصيص، ولكن إذا صُلِّي على مَن له شأنٌ في الإسلام إلحاقًا له بالنجاشي؛ لقيامه بالدعوة إلى الله، أو لحمايته للمسلمين، أو لنشره العلم بين المسلمين أو غيرهم، ونحو ذلك، فهذا يُلحق بالنجاشي، ويُصلَّى عليه إذا كان غائبًا.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

164- ..... أن رسول الله ﷺ كُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ يمانيةٍ بِيضٍ سُحُوليةٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ.

165- وعن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين تُوفيتْ ابنته زينب، فقال: اغْسِلْنَها ثلاثًا أو خَمْسًا أو أكثر من ذلك -إنْ رَأَيْتُنَّ ذلك- بماءٍ وسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافورٍ، فإذا فَرَغْتُنَّ فَآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حَقْوَه، فقال: أَشْعِرْنَهَا إياه، وفي روايةٍ: أو سَبْعًا، وقال: ابْدَأْنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها.

وأن أمَّ عطية قالت: وجعلنا رأسها ثلاثة قرونٍ.

166- وعن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: بينما رجلٌ واقفٌ بعرفة، إذْ وقع عن راحلته، فَوَقَصَتْه -أو قال: فَأَقْعَصَتْه- فقال رسول الله ﷺ: اغْسِلُوهُ بماءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنوه في ثَوْبَيْهِ، ولا تُحَنِّطوه، ولا تُخَمِّروا رأسه، فإنه يُبْعَث يوم القيامة مُلَبِّيًا، وفي روايةٍ: ولا تُخَمِّروا وجهه ولا رأسه.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله .....

هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بتكفين الميت وتغسيله، وقد دلَّت السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام على وجوب تغسيل الميت، وعلى وجوب تكفينه، وأنه يُغسل ويُكفن ويُصلَّى عليه، يعني: الميت المسلم، فيجب أن يُغسل، ويجب أن يُكفن، ويجب أن يُصلَّى عليه ثم يُدْفَن.

وهذه من كرامة الله للمسلم ورحمته له ولأهله: أنه يُغسل ويُنظف ويُطيب ويُصلَّى عليه بعد التكفين ويُدْفَن، ولا يُجْعَل كالجِيَف على الطرقات، بل أكرمه الله بتغسيله وتكفينه وتطييبه والصلاة عليه، ثم دفنه ومُواراته في الأرض حتى يخرج يوم البعث والنُّشور.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ من كُرْسُفٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ.

وفَّق الله الصحابة وكفَّنوه في ثلاثة أثوابٍ، في ثلاث قطعٍ، ثلاث لفائف بُسِطَتْ واحدةٌ فوق واحدةٍ من سُحُول ..... بلدة يُقال لها: سحول في اليمن، وضعوه على هذه اللفائف، ثم ردُّوها عليه وربطوها، وطيَّبوه عليه الصلاة والسلام، وصلى عليه المسلمون فُرادى، ثم دُفِنَ عليه الصلاة والسلام، وليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، هذا هو الأفضل، وإن جُعِلَ فيها قميصٌ وعمامةٌ فلا بأس، كما فعل النبي ﷺ مع عبدالله بن أُبَي حين كفَّنه في قميصٍ، فإذا جُعِلَ في قميصٍ وعمامةٍ ولفافةٍ أجزأ، أو بلفافةٍ واحدةٍ كَفَتْ، واحدةٌ يُلَفُّ فيها كله، ويُربط ما فوق الرأس، ويُربط ما تحت الأرجل، ويُربط الوسط؛ حتى لا ينتشر، ثم يُوضع في لحده مربوطًا، وتُحلّ الرُّبُط بعد ذلك، العُقَد تُحلّ وتبقى في محلها، الرباط تبقى في محلها لكن محلولة.

وهذا الذي اختاره الله للنبي ﷺ على أيدي الصحابة هو الأفضل للرجل: أن يُكفَّن في ثلاثة أثوابٍ –لفائف- واحدةٍ فوق واحدةٍ، ضافية تُغطِّي رأسه ورجليه ورُكبتيه، بِيض، أبيض، من سُحُولٍ أو غير سُحُولٍ، أبيض، كُرْسُف، يعني: من قطن، هذا هو الأفضل، وإن كُفِّن في لفافةٍ واحدةٍ فلا بأس، إذا كانت ساترةً تكفي، فالواجب أن يُكفن ولو في واحدةٍ، لكن إذا جُعل في ثلاثٍ أو في ثنتين يكون أفضل وأكمل، والثلاث أفضل.

وقد رُوي عن عليٍّ أنه كُفِّن في سبعة أثوابٍ عليه الصلاة والسلام، لكن في سنده ضعفٌ، والمحفوظ ما روته عائشة رضي الله عنها أنه كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ، أما الرواية عن عليٍّ أنه كُفِّن عليه الصلاة والسلام في سبعةٍ فهي روايةٌ فيها ضعفٌ من طريق عبدالله بن محمد بن عقيل، وهو لين الحديث.

وفي حديث أم عطية رضي الله عنها -وهي نسيبة الأنصارية- الدلالة على أن تكرار الغُسل أفضل؛ ولهذا لما ماتت بنت النبي زينب رضي الله عنها قال النبي ﷺ لغاسلاتها: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتُنَّ ذلك يعني: حسب الحاجة، الثلاث أفضل، وإن غُسِلَ واحدةً كفى، إذا أُجْرِيَ عليه الماء مرةً واحدةً كفى، هذا الواجب، لكن إذا كُرِّرَ الغُسل ثلاث مراتٍ أو خمس مراتٍ أو سبع مراتٍ إذا دعت الحاجة إليه فهو أفضل، والأفضل ثلاثٌ، إذا لم تكن هناك حاجةٌ الأفضل ثلاثٌ، فإن دعت الحاجة إلى الزيادة لوسخٍ كثيرٍ أو لصوقاتٍ كثيرةٍ يُزاد حتى يُنَظَّف.

والسنة أن يكون بماءٍ وسِدْرٍ؛ لأنه للتنظيف والتليين، بماءٍ وسِدْرٍ، وإن لم يوجد السِّدْر يكون فيه غير السِّدْر كالأُشْنان والصابون و(الشامبو) ونحو ذلك مما يُنَظِّف، والسِّدْر أفضل إذا تيسر.

والأفضل أن يكون فيه كافورٌ، يعني: الغسلة الأخيرة يكون فيها كافورٌ، طِيبٌ معروفٌ يُصَلِّب الجسد، ويُطيب الرائحة، يكون في الغسلة الأخيرة شيءٌ من الكافور؛ لتطييب رائحة الجسم، ولتصليبه وتقويته بعد الغَسْل.

ويُطَيَّب في مَغَابِنِه وأُذُنيه وآباطه ومَغَابِن رجليه وتَرْقُوته ورأسه، يُطَيَّب بمسكٍ أو غيره من أنواع الطِّيب، أو العود، أو الورد، السنة أن يُطَيَّب، وتُطَيَّب أيضًا الأكفان، كل هذا مشروعٌ إلا الـمُحْرِم فلا يُطَيَّب، إذا كان مات وهو مُحْرِمٌ فلا يُطَيَّب، بل يُكَفَّن في ثوبيه، كما يأتي في حديث ابن عباسٍ: أنه مات رجلٌ وهو مُحْرِمٌ في عرفاتٍ، فأمر أن يُغَسَّل بماءٍ وسِدْرٍ، ولم يأمر بالتكرار، قال: اغسلوه بماءٍ وسِدْرٍ، ولم يقل: ثلاثًا، فدلَّ على أنه يكفيه مرة واحدة، إذا غُسِّل مرةً واحدةً كفى، إذا أُجْرِيَ عليه الماء مرةً واحدةً كفى، وإن كرر ثلاثًا فهو أفضل، كما تقدم في حديث أم عطية.

وأمر أن يُكفَّن في ثوبيه، يعني: إزاره ورداءه، ولا يُغطَّى رأسه ولا وجهه، بل يُفْتَشَان؛ لأنه مُحْرِمٌ، ولأنه يُبْعَث يوم القيامة مُلَبِّيًا، ولا يُحَنَّط، والحَنُوط: الطِّيب، لا يُحَنَّط أي: لا يُطَيَّب إذا كان مُحْرِمًا، بل يُغسل ويُكفن في ثوبيه: إزاره ورداءه، ولا يُغطَّى رأسه ولا وجهه، ولا يُطَيَّب؛ لأنه مُحْرِمٌ.

أما غير الـمُحْرِم فإنه يُغَسَّل ويُطَيَّب كما تقدم، والأفضل أن يكون ثلاث غسلاتٍ، وإن دعت الحاجة إلى خمسٍ أو أكثر فلا بأس أن يُزاد في غسله، إذا كانت هناك حاجةٌ؛ لأوساخٍ به أو لُصُوقاتٍ به ونحو ذلك فلا بأس، ويكون غسله بماءٍ وسِدْرٍ إن تيسر السِّدْر، فإن لم يتيسر فبغيره من الـمُزيلات كالأُشْنان ..... وكالصابون و(الشامبو) ونحوه مما يُغسل به ويُنظف به، ويُجعل في الأخيرة الكافور؛ طِيبٌ معروفٌ يُجعل في الغسلة الأخيرة.

والسنة أن يبدأ بالميامن.

غاسل الجنازة يرفعها قليلًا، فإن خرج منه شيءٌ نَجَّاه بخِرْقةٍ، إن خرج منه بولٌ أو غائطٌ نَظَّفه بخرقةٍ، ثم صبَّ عليه الماء، ثم وَضَّأَه وضوء الصلاة، نَظَّف فمه بالماء، بأصابعه بالماء قليلًا قليلًا، يُنَظِّف فمه، ويُنَظِّف أنفه أيضًا بالماء، ويغسل وجهه ثلاثًا أفضل، ثم يديه ثلاثًا ثلاثًا، يمسح رأسه وأُذُنيه، ويغسل قدميه، وضوء الصلاة، ثم يصبُّ الماء على رأسه مع السِّدْر، يغسل رأسه بالسِّدْر -رغوة السِّدْر- ثم يفيض الماء على جنبه الأيمن ثم الأيسر، ثم يُكمل غسله ثلاث مراتٍ على هذه الحالة، وإن دعت الحاجة ورأى الغاسل أنه يحتاج إلى أكثر إذا كان رجلًا أو غاسلةً إذا كانت المرأة تحتاج إلى أكثر زادوا في الغسلات إلى خمسٍ أو سبعٍ حسب الحاجة.

وإذا كانت امرأةٌ أو رجلٌ له رأسٌ يُجعل ثلاثة قرونٍ، هذا الأفضل، يُفْتَل ويُجعل ثلاثة قرونٍ، يعني: تُجمع القرنان والذُّؤابة، تُجعل الذُّؤابة واحدة، والقرنان .....، وتُجعل كلها خلف ظهره، كما فعلت الغاسلات ببنت النبي عليه الصلاة والسلام.

وفيه أنه ﷺ أعطاهن إزاره، "حَقْوَه": إزاره، وقال: أَشْعِرْنَهَا إياه؛ لما جعل الله فيه من البركة؛ لما في إزاره من البركة من مسِّ جسده عليه الصلاة والسلام، فأحبَّ أن يكون إزارًا لها.

والمرأة تُكفن في خمسة أثوابٍ أفضل: إزار ورداء وخِمار ولفافتين، إزار وقميص وخِمار ولفافتين، هذا الأفضل، وإن كُفِّنَتْ في لفافةٍ واحدةٍ كفى، أو في قميصٍ ولفافةٍ كفى، أو في قميصٍ ولفافةٍ وخمارٍ كفى، والأفضل: قميصٌ وإزارٌ وخِمارٌ على رأسها ولفافتان، هذا الأكمل في حقِّها.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

***

..... وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الجنائز:

168- وعن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: نُهِينا عن اتباع الجنائز، ولم يُعْزَم علينا.

169- وعن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: أَسْرِعوا بالجنازة؛ فإنْ تَكُ صالحةً فخيرٌ تُقدِّمونها إليه، وإنْ تَكُ سوى ذلك فَشَرٌّ تضعونه عن رقابكم.

170- وعن سمرة بن جُنْدُب قال: صليتُ وراء النبي ﷺ على امرأةٍ ماتت في نفاسها، فقام وسطها.

171- وعن أبي موسى عبدالله بن قَيْس الأشعري : أن رسول الله ﷺ بريءٌ من الصَّالِقَة والحالِقَة والشَّاقَّة.

الشيخ: أن رسول الله؟

القارئ: وعن أبي موسى الأشعري : أن رسول الله ﷺ بريءٌ من الصَّالِقَة.

الشيخ: قال: أنا بريءٌ.

القارئ: أن رسول الله ﷺ قال: أنا بريءٌ من الصَّالِقَة والحالِقَة والشَّاقَّة.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بأحكام الجنائز والميت.

يقول النبي ﷺ في الحديث الأول: أسرعوا بالجنازة؛ فإن تَكُ صالحةً فخيرٌ تُقدِّمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فَشَرٌّ تضعونه عن رقابكم.

هذا يدل على شرعية المسارعة بالجنازة والبَدَار بها وعدم حبسها بين أظهر أهلها؛ لأنها إما أن تكون صالحةً فخيرٌ تُقدَّم إليه، إلى روضةٍ من رياض الجنة، وإلى خيرٍ عظيمٍ، والراحة من الدنيا وشرِّها، وإن تَكُ غير صالحةٍ فإبعادٌ لها عن الأهل، وشَرٌّ يُوضَع عن الرقاب؛ رقاب الحاملين لها.

وفي الرواية الأخرى: أن الجنازة تتكلم إذا حملوها، تقول إن كانت صالحةً: قدِّموني، قدِّموني؛ لما بُشِّرتْ به من الجنة والكرامة، وإن كانت غير صالحةٍ قالت: يا ويلها! أين يذهبون بها؟! لأنها قد بُشِّرتْ بالشر -ولا حول ولا قوة إلا بالله- وهذا يُوجب لأهل الإسلام أن يُعْنُوا بجنائزهم، وأن يحرصوا على البَدَار بها والإسراع بها وعدم تأخيرها إلا لعلةٍ شرعيةٍ.

وفيه أيضًا من الفوائد: وجوب الاستعداد للآخرة، والحذر من هذا الموقف العظيم؛ فإن الأجل يهجم على غِرَّةٍ، فينبغي للمؤمن أن يستعدَّ لهذا اليوم، وأن يحرص على الاستقامة على طاعة الله ولزوم التوبة من معاصيه وتقصيره؛ حتى إذا هجم الأجل فإذا هو على خير حالٍ.

الحديث الثاني: تقول أم عطية رضي الله عنها: "نُهِينا عن اتباع الجنائز، ولم يُعْزَم علينا" هذا يدل على أنه لا يجوز اتباع الجنائز للنساء إلى المقابر، أما الصلاة عليها فلا بأس، فالمرأة تُصلي على الجنازة في المسجد، أو في المصلى، أو في البيت، الصلاة مشتركةٌ بين الرجال والنساء، أما الذهاب إلى المقابر فلا تذهب، لا تزور المقابر، ولا تتبع الجنائز؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهاهن عن ذلك.

أما قولها: "ولم يُعْزَم علينا" فهذا فيما تظنه، وفيما ظهر لها؛ إذ لم يكن في ذلك تأكيدٌ للعنهن، أو لغضب الله عليهن، أو نحو ذلك، بل فيه النهي المطلق، وهو كافٍ، النهي المطلق من النبي ﷺ كافٍ في المنع؛ لمنع النساء من اتباع الجنائز إلى المقابر؛ وذلك لأن صبرهن قليلٌ، ولأنهن فتنةٌ، فمن رحمة الله ومن إحسانه ومن فضله على عباده: أن منع النساء من الذهاب إلى القبور واتباع الجنائز؛ لئلا يَفْتِنَّ الناس.

والحديث الثالث حديث سمرة بن جندب ، يقول: إنه صلى مع النبي ﷺ على جنازة امرأةٍ، فقام وسطها.

السنة إذا صلى الإمام على الميت، على المرأة يقوم وسطها، حيال وسطها، حيال عَجِيزتها، وإذا صلى على الرجل يقوم حيال رأسه، هذا السنة.

أما قول بعض الفقهاء: "يقوم حيال صدرها" فلا دليل عليه، وإنما السنة أن يقوم عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، هذا هو السنة، والناس خلفه، إلا أن يكون وحيدًا فيكون عن يمينه، أما إذا كانوا جماعةً -اثنين أو أكثر- يكونون خلفه.

والأفضل أن يكونوا صفوفًا ثلاثةً إذا تيسر ذلك؛ لما جاء في الحديث، رُوي عنه ﷺ قال: مَن صلى عليه ثلاثة صفوفٍ فقد أوجب يعني: وجبتْ له الجنة، وفي الحديث الآخر: ما من رجلٍ يصلي عليه أربعون رجلًا لا يُشركون بالله شيئًا، كلهم يشفعون له؛ إلا شفَّعهم الله فيه.

والحديث الرابع حديث أبي موسى الأشعري عبدالله بن قيس ، عن النبي ﷺ أنه برئ من الصَّالقة والحالقة والشَّاقَّة.

النبي ﷺ حذَّر من النياحة على الموتى بِشَقِّ الثياب، ولطم الخدود، وبرئ من الصَّالقة، وهي: التي ترفع صوتها عند المصيبة، هذه يُقال لها: صالقة، وهي النائحة، والشَّاقَّة هي: التي تشُقُّ ثوبها أو خمارها، قال: "برئ رسول الله من الصَّالقة والحالِقة والشَّاقَّة"، والحالِقة هي: التي تحلق شعرها أو تنتفه، كل هذا ممنوعٌ، كله من الكبائر، فيجب الحذر من ذلك، فلا يجوز شَقُّ الثياب على الموتى، ولا لطم الخدود، ولا رفع الأصوات بالنياحة، ولا حلق الرؤوس ولا نتفها، كل هذا لا يجوز، بل هذا من الجزع المحرم.

وفي الحديث الثاني -حديث ابن مسعودٍ - يقول النبي ﷺ: ليس منا مَن ضرب الخدود، أو شَقَّ الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية.

فالواجب على المؤمن الصبر، وهكذا المؤمنة، عليهم بالصبر والاحتساب، والحذر من الجزع.

والجزع يكون بِشَقِّ الثياب، أو رفع الصوت بالبكاء، أو لطم الخدود، أو حلق الشعر، أو ما أشبه ذلك من الجزع والتَّسخط.

أما البكاء من دون صوتٍ بدمع العين فلا بأس، يقول النبي ﷺ لما مات ولده إبراهيم: العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي الربَّ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ويقول ﷺ: إن الله جلَّ وعلا لا يُعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب.