الدرس الثامن

وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الجنائز:

171- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي ﷺ ذَكَرَ بعضُ نسائه كنيسةً رَأَيْنَها بأرض الحبشة يُقال لها: مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حُسْنِها وتصاوير فيها، فرفع رأسه ﷺ وقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شِرار الخلق عند الله.

172- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت: ولولا ذلك لأُبرز قبره، غير أنه خُشِيَ أن يُتَّخذ مسجدًا.

173- وعن ابن مسعودٍ ، عن النبي ﷺ أنه قال: ليس منا مَن ضرب الخدود، وشَقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية.

174- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: مَن شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها فله قيراطٌ، ومَن شهدها حتى تُدْفَن فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين.

ولمسلمٍ: أصغرهما مثل أُحُدٍ.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة بعضها يتعلق بالبناء على القبور واتِّخاذ المساجد عليها، وبيان شدة التحريم في ذلك، وبعضها يتعلق بالجزع عند المصيبة وعدم الصبر، والرابع يتعلق بشهود الجنازة -شهود الصلاة على الجنازة- واتباعها.

الحديث الأول: ذكر بعض أزواج النبي ﷺ للنبي ﷺ كنيسةً في أرض الحبشة، وكانت أم سلمة وأم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما رأتاها في أرض الحبشة، وكانتا ممن هاجر إلى الحبشة، كل واحدةٍ مع زوجها في الهجرة الأولى قبل الهجرة إلى المدينة، وذكرتا للنبي ﷺ ما رأتا من حُسْنها وتصاوير فيها، فقال عليه الصلاة والسلام: أولئك الخطاب للمرأة أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شِرار الخلق عند الله يُخاطب المرأة التي ذكرتْ له الكلام.

هذا يُبين لنا أن البناء على القبور من شأن النصارى واليهود، ومن أعمالهم الخبيثة، وأنهم بهذا من شِرار الخلق، فينبغي للمؤمن الحذر من ذلك، وألا يتشبه بأعداء الله -اليهود والنصارى- بالبناء على القبور، واتِّخاذ المساجد عليها، ووضع الصور فوقها، كل هذا من أعمالهم الخبيثة، ومن وسائل الشرك؛ ولهذا قال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شِرار الخلق عند الله؛ لأنهم فعلوا أشياء تَجُرُّ الناس إلى الشرك، فإن البناء على القبور من وسائل الشرك، وهكذا اتِّخاذ الصور عليها -صور الصالحين أو صور الأنبياء- من وسائل الشرك؛ فلهذا نهى النبي ﷺ عن هذا، ولعن مَن فعله عليه الصلاة والسلام.

ولهذا في الحديث الثاني لما كان في مرض موته عليه الصلاة والسلام جعل يقول: لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يُحذِّر ما صنعوا، وهو في مرض موته؛ خوفًا على أُمته أن تقع فيما وقع به أولئك الأشرار.

ومع هذا التحذير واللعن وقع كثيرٌ من الناس في هذا البلاء، وبنوا على القبور، واتَّخذوا عليها المساجد -كما يوجد في دولٍ كثيرةٍ- حتى عُبدتْ من دون الله، وصارتْ أوثانًا تُعبد من دون الله، نعوذ بالله من ذلك.

فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا ذلك، وأن يُزيلوا ما على القبور من المساجد، أو أن يتركوها ضاحيةً شامسةً تحت السماء، ليس عليها بناء، كما كانت في عهد النبي ﷺ في البقيع وغيره هكذا؛ لأن البناء عليها، واتِّخاذ المساجد عليها، والصلاة عندها؛ كل هذا من وسائل الشرك، ومن وسائل عبادتها من دون الله ، كما وقع ذلك في دولٍ كثيرةٍ، وفي جهاتٍ كثيرةٍ، عَظَّموا القبور، وبنوا عليها المساجد، وجَصَّصوها، وزخرفوها، فعُبِدَتْ من دون الله ، وصارتْ أوثانًا تُعبد من دون الله، نسأل الله السلامة.

وفي الحديث الثالث يقول عليه الصلاة والسلام: ليس منا مَن ضرب الخدود، وشَقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية، وفي اللفظ الآخر: ليس منا مَن ضرب الخدود، أو شَقَّ الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية، فكلها من أعمال الجاهلية:

  • ضرب الخدود؛ جزعًا عند المصيبة.
  • شَقّ الثوب كذلك.
  • حلق الشعر كذلك أو نتفه.
  • الدعاء بدعوى الجاهلية من الكلام الرديء: وا ناصراه! وا كاسياه! وا عَضُداه! وا فاجعة قلباه! وا .. وا ..، كل هذا لا يجوز، من دعاء الجاهلية وأعمالهم.

فيجب على المؤمن إذا وقعت عليه الحادثة -وهكذا المؤمنة- الصبر والاحتساب، وعدم الجزع، فلا يشقّ ثوبًا، ولا يلطم الخدَّ، ولا ينتف شعره ولا يحلقه، ولا يتكلم بالكلام السيئ -كلام الجاهلية- ولكن يصبر ويحتسب، ولا بأس بدمع العين، دمع العين لا يضرّ، وحزن القلب لا يضرّ، إنما المنكر هو رفع الصوت بالنياحة، أو شقّ الثياب، أو لطم الخدود، أو نَتْف الشعر وحلقه، هذا هو المنكر الذي هو من أعمال الجاهلية؛ ولهذا لما مات إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام قال عليه الصلاة والسلام: العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، فدمع العين لا يضرّ، رحمة.

ولما حضر وفاة ابنٍ لإحدى بناته ورأى نفسه تقعقع دمعتْ عيناه عليه الصلاة والسلام؛ رحمةً له، فسأله بعض الصحابة: يا رسول الله، تبكي؟ قال: نعم، إنها رحمةٌ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، فدمع العين من الرحمة، وإنما المنكر: الصياح، والنياحة، وشقّ الثياب، ولطم الخدود، والكلام السيئ من كلام الجاهلية.

وفي حديث أبي موسى يقول الرسول ﷺ: أنا بريءٌ من الصَّالقة والحالقة والشَّاقَّة كما تقدم.

تبرأ النبي ﷺ ممن حَلَقَ، أو صَلَقَ، أو شَقَّ.

الصَّالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة.

والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة.

والشَّاقَّة: التي تشقُّ ثوبها عند المصيبة، نسأل الله السلامة.

الحديث الرابع: يقول ﷺ: مَن شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها فله قيراطٌ، ومَن شهدها حتى تُدْفَن فله قيراطان، قيل: يا رسول الله، ما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين يعني: من الأجر.

وفي رواية مسلمٍ: أصغرهما مثل جبل أُحُدٍ.

هذا فيه الدلالة على عظم أجر مَن شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها، وعظم أجر مَن شهدها حتى تُدْفَن؛ أن له أجرين كبيرين، عظيمين.

فينبغي للمؤمن ألا يُفوت هذا الخير، فيتبع الجنائز، ويحضر الصلاة عليها والدفن حيثما استطاع ذلك؛ لما فيه من الخير العظيم.

وفي اللفظ الآخر يقول ﷺ: مَن تبع جنازةً حتى يُصلَّى عليها ويُفْرَغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراطٍ مثل جبل أُحُدٍ.

ويقول البراء بن عازب : "أمرنا رسول الله ﷺ بسبعٍ"، وذكر منها: اتباع الجنائز.

اتباع الجنائز فيه عِظَةٌ، وفيه ذِكْرى للموت، وفيه ترقيقٌ للقلوب، وفيه جبرٌ للمُصابين ومُساعدةٌ لهم، فيه مصالح كثيرةٌ، فيُشرع للمسلم اتباع الجنائز، والصلاة عليها، والدفن؛ لما في ذلك من العِظَة له، والتَّذكير له بالموت الذي سوف يمرُّ عليه كما مرَّ على مَن قبله، وهكذا الإعداد لهذا المصرع العظيم -مصرع الموت- وما بعده، ومع ذلك يُعَزِّي إخوانه، ويجبر مُصابهم، ويُواسيهم.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

كتاب الزكاة

176- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قومًا أهل كتابٍ، فإذا جئتهم فَادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فَتُرَدّ على فُقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتَّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ.

177- وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقةٌ، ولا فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقةٌ، ولا فيما دون خمسة أَوْسُقٍ صدقةٌ.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذان الحديثان يتعلقان بالزكاة، والزكاة حقُّ المال، وهي فرضٌ من الفرائض، وركنٌ من أركان الإسلام الخمسة، فإن الله جلَّ وعلا بنى هذا الدين على خمسة أركانٍ، أعظمها وأهمها وأساسها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، عن علمٍ ويقينٍ وصدقٍ وإخلاصٍ في ذلك، ثم يلي ذلك الصلاة، ثم الزكاة.

فالزكاة لها شأنٌ عظيمٌ، وهي طُهْرَةٌ للمُزَكِّي، وطُهْرَةٌ لماله، كما قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، فهي من الزَّكاء، وهو النمو، فالزكاة تُنَمِّي المال، وتكون سببًا للبركة فيه وسلامته من الآفات.

والواجب على كل مؤمنٍ -وعلى كل مؤمنةٍ- مَلَكَ نِصَابَ الزكاة أن يُزَكِّي إذا حال عليه الحول، وفي ذلك أيضًا مصالح أخرى من جهة إخوانه الفقراء وغيرهم من أصناف الزكاة؛ يُحْسِن إليهم، ويجود عليهم مما أعطاه الله، فيُؤدي حقَّ الله، ويسعى في رضاه، وفي بركة ماله وسلامته، ومع هذا ينفع الضعيف من فقراء ومساكين، ومُؤلفة قلوبهم، وعتق رقاب، وغارمين، وفي جهادٍ في سبيل الله، وفي أبناء السَّبيل، في مصالح عظيمةٍ في هذا المال.

وفي حديث ابن عباسٍ المذكور بيان أن الداعي إلى الله جلَّ وعلا الذي يُوجَّه إلى الكفار -أو يتوجه إلى الكفار- يدعوهم يبدأ بالأمر الأول؛ لأنه الأساس، فلا زكاة ولا صلاة ولا غير ذلك إلا بعد الأساس، بعد صحة التوحيد والدخول في الإسلام؛ ولهذا أمر النبي ﷺ معاذًا أن يبدأ أهل اليمن بالدعوة إلى توحيد الله فقال: إنك تأتي قومًا أهل كتابٍ يعني: اليهود والنصارى.

كان أهل اليمن في ذاك الوقت يهود ونصارى، فأمره أن يبدأهم بالتوحيد قبل كل شيءٍ، فيدعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله عن إيمانٍ وصدقٍ، وأن محمدًا رسول الله عن إيمانٍ وصدقٍ، فإذا فعلوا ذلك طلب منهم أن يُصلوا؛ ولهذا ذكر إلى: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وفي اللفظ الآخر: فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وفي اللفظ الآخر: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وفي اللفظ الآخر: فادعُهم إلى أن يُوحدوا الله.

فهي ألفاظٌ متقاربة المعنى، يُفسر بعضُها بعضًا، والمعنى: أنه يدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له، وهو معنى: لا إله إلا الله، ويدعوهم إلى الإيمان بالرسول ﷺ الذي بعثه الله رحمةً للعالمين؛ لأنه أُرْسِل إلى جميع الناس، الثقلين: الجن والإنس، وأن عليهم مُتابعته واتِّباعه والاستقامة على ما جاء به.

فإذا آمنوا بهذا وصدقوا والتزموا بتوحيد الله والإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ يُدْعَون إلى الصلاة: فإن أجابوا لذلك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يُخبرهم بها بعد ذلك، ويدعوهم إلى الالتزام بها والاستقامة عليها، فإذا أجابوا لذلك دعاهم إلى الزكاة، وأخبرهم بها، وأنصبائها، وكيفية أدائها، وبيان المؤدَّى ما هو.

ثم قال: تُؤْخَذ من أغنيائهم فَتُردّ في فقرائهم يعني: هذه الزكاة مُواساةٌ، إحسانٌ إلى الفقراء، وإحسانٌ من الأغنياء، فهي تخرج من الأغنياء، ومُواساةٌ للفقراء.

وذكر الفقراء؛ لأنهم أعمُّ أصنافها وأهمهم؛ ولهذا بدأ الله بهم في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ .. إلى آخر الآية [التوبة:60]، فهم أعمُّ الأصناف، وأهم الأصناف.

ثم قال: فإن هم أجابوا ذلك فإياك وكرائم أموالهم يعني: إذا وافقوا على التوحيد والصلاة والزكاة فإياك وكرائم أموالهم يعني: احذر أن تظلمهم، خُذْ من أوساط أموالهم، ولا تأخذ الكرائم إلا برضاهم، إذا أذنوا فلا بأس.

والكريمة: البالغة في الحُسْن النهاية؛ لأن المال أقسامٌ ثلاثةٌ: وسطٌ، وحقيرٌ، وكريمٌ.

فالزكاة من الوسط، فلا تُؤخذ من الحقير الدَّنيء، ولا من الأثمن، ولكن من الوسط، فإذا كان فيه إبلٌ وغنمٌ وبقرٌ ذات لبنٍ، أو ذات سمنٍ زائدٍ، أو ذات قيمةٍ غاليةٍ، فلا يأخذ منها، يأخذ من الوسط، إلا أن تطيب نفوسهم بالطيب والعالي، فهذا يُقبل منهم إذا طابتْ نفوسهم، وإلا فَلْيَتَحَرَّ الوسط من الأمور.

ثم قال: واتَّقِ دعوة المظلوم يعني: لا تتساهل في هذا، واحذر أن تظلم أحدًا؛ لأن دعوة المظلوم مُستجابةٌ، فاحذر، واتَّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ يعني: بل تُرفع إلى الله ، وصاحبها موعودٌ بالنصر.

فينبغي للمؤمن الحذر من دعوة المظلوم، والحرص على تحري العدل في كل أموره، ولا سيما القُضاة والأمراء؛ فإنهم على خطرٍ، فالواجب أن يتحروا العدل، ويبتعدوا عن الظلم.

وفي الحديث الثاني -حديث أبي سعيدٍ- الدلالة على أنصباء الزكاة: ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ من الحبوب والثِّمار، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقةٌ من الفضة، وليس فيما دون خمسة ذَوْدٍ من الإبل صدقةٌ يعني: أقلّ نِصَاب الإبل خمسٌ سائمةٌ راعيةٌ، فإذا كانت أقلّ فليست فيها زكاةٌ إلا إذا كانت للتجارة -للبيع والشراء- يُزكيها زكاة التجارة، أما إذا كانت للدَّرِّ والنَّسْل فليس فيها زكاةٌ إلا إذا كانت سائمةً.

إذا كانت خمسًا فأكثر ففيها شاةٌ واحدةٌ حتى تبلغ عشرًا، فإذا بلغتْ عشرًا صار فيها شاتان إلى خمسة عشر، فإذا صارت خمسة عشر صار فيها ثلاث شِيَاهٍ إلى عشرين، فإذا بلغتْ عشرين صار فيها أربع شِيَاهٍ، وإذا زادتْ إلى خمسٍ وعشرين صار فيها من الإبل؛ ففيها رأسٌ من الإبل صغيرٌ: بنت مَخَاضٍ تمَّ لها سنةٌ، فإن لم توجد فابن لَبُونٍ تمَّ له سنتان، ثم هكذا تتدرج الفرائض في الإبل كما هو مُبين في الأحاديث الصحيحة، وفي كلام أهل العلم.

والغنم أقلّ نِصَابها أربعون.

والبقرة أقلّ نِصَابها ثلاثون فأكثر.

أما النقود فخمس أواقٍ في الفضة، مئتا درهم، مقدارها بالريال السعودي 56 في الفضة، ستةٌ وخمسون ريالًا فيها مقدار خمس أواقٍ، مئتان من الدرهم الإسلامي في عهد النبي ﷺ .....

فالنصاب من الفضة ستةٌ وخمسون ريال فضةٍ، قيمتها تُعادل مئةً وأربعين مثقالًا، وما يقوم مقامها من العُمَل تُجزئ في الزكاة، ما يُساوي ستةً وخمسين ريالًا من الفضة تُجزئ في الزكاة، وهكذا كل ما زاد فيه الزكاة سهمٌ من أربعين سهمًا، يعني: ربع العُشْر، في المئتين ..... خمس، وفي الألف خمسةٌ وعشرون، وهكذا، ربع العُشْر.

أما الحبوب فالنصاب فيها خمسة أَوْسُقٍ، والوَسْق ستون صاعًا من صاع النبي ﷺ، فيكون الجميع ثلاثمئة صاعٍ، هذا نِصَاب الحبوب والثمار: كالتمر والزبيب، خمسة أوسقٍ، يعني: ثلاثمئة صاعٍ من صاع النبي ﷺ، وصاع النبي ﷺ أربع حفناتٍ بيدين مُعتدلتين مملوءتين، أربعٌ تُعتبر صاعًا من صاع النبي ﷺ ..... قليلًا.

فإذا بلغت الحبوب ثلاثمئة صاعٍ من صاع النبي ﷺ وجبتْ فيها الزكاة، وهكذا التمور والزبيب مثل الحبوب، فإذا كان أقلّ من ذلك فليس فيه شيءٌ، إذا كان عنده أقلّ من ثلاثمئة صاعٍ فليس فيها زكاةٌ، وهذا من رحمة الله؛ لأن ما كان أقلّ قد يحتاجه الإنسان صاحب ..... لمأكله وحاجاته، وليس فيه سعةٌ للزكاة، فإذا بلغ خمسة أوسقٍ -ثلاثمئة صاعٍ- صار محلًّا للزكاة، كل ما زاد هكذا فيه الزكاة، سواء كان حنطةً، أو شعيرًا، أو ذُرةً، أو غير ذلك بعد التصفية، بعدما ..... ويُصفيه يُخرج زكاته للفقراء والمساكين ومَن في حكمهم.

وهذا من رحمة الله للعباد: أن جعل في أموال أغنيائهم سدًّا لحاجة فُقرائهم، وهذا يُوجب التعاون لدى الجميع، والعطف من غَنِيِّهم على فقيرهم، وهو مما يُسبب المحبة بينهم، فهذا يعطف على أخيه بالزكاة، ويسدّ حاجته، والـمُعْطَى يجد في ذلك أثرًا في قلبه، ومحبةً للمُعْطِي، وتقديرًا لإحسانه إليه، فالزكاة فيها مُواساةٌ، وفيها تعاونٌ، وفيها إزالةٌ للشحناء والضغائن، وفيها تحبُّب الأغنياء إلى الفقراء، وبهذا يكون المجتمع مُتعاونًا بين غنيه وفقيره؛ بسبب عطف الغني على الفقير وإحسانه إليه.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الزكاة":

178- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقةٌ.

وفي لفظٍ: إلا زكاة الفطر في الرقيق.

179- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: العَجْمَاء جُبَارٌ، والبِئْر جُبَارٌ، والمعدن جُبَارٌ، وفي الرِّكاز الخُمْس.

180- وعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابنُ جميلٍ وخالد بن الوليد والعباس عمُّ النبي ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: ما ينقم ابن جميلٍ إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله تعالى، وأما خالدٌ فإنكم تظلمون خالدًا؛ فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليَّ ومثلها، ثم قال: يا عمر، أما شعرتَ أن عمَّ الرجل صِنْوُ أبيه؟.

181- وعن عبدالله بن زيد بن عاصم المازني قال: لما أفاء الله على نبيه ﷺ يوم حنين قسم في الناس، وفي المؤلفة قلوبهم، ولم يُعْطِ الأنصار شيئًا، فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يُصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلَّالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم مُتفرقين فَأَلَّفَكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟.

كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ.

قال: ما يمنعكم أن تُجيبوا رسول الله ﷺ؟.

قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ.

قال: لو شئتُم لقلتُم: جئتنا بكذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رِحَالكم؟ لولا الهجرة لكنتُ امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا أو شِعْبًا لسلكتُ وادي الأنصار وشِعْبها، الأنصار شِعَارٌ، والناس دِثَارٌ، إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة تتعلق بالزكاة، والأخير يتعلق بـ ..... الدَّين.

الحديث الأول: يقول عليه الصلاة والسلام: ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده صدقةٌ، وفي لفظٍ: إلا زكاة الفطر في الرقيق.

معنى هذا: أن الخيل ليس فيها زكاةٌ، وهكذا البِغَال والحَمِير ليس فيها زكاةٌ، إنما الزكاة في الإبل والغنم والبقر إذا كانت سائمةً، أما الخيل والبِغَال فهي عَفْوٌ من الله ، وهكذا الحَمِير كلها ليس فيها زكاةٌ، وهكذا العبيد والمماليك ليس فيهم زكاةٌ إلا زكاة الفطر، لكن إذا كانت الخيل أو الحُمُر أو البِغَال أو العبيد للتجارة والبيع والشراء ففيها زكاة التجارة كسائر العروض التي يشتريها الإنسان للبيع والشراء، فإذا اشترى خيلًا أو بِغَالًا أو حَمِيرًا أو عبيدًا للبيع والتجارة فهذه فيها زكاة التجارة، كلما حال الحول تُقَوَّم وتُزَكَّى قيمتها، أما إذا كانت الخيل للقُنْيَة والاستعمال، أو للجهاد، أو العبيد للخدمة، أو البِغَال والحَمِير للخدمة والاستعمال؛ فليس فيها زكاةٌ .....

الحديث الثاني: يقول ﷺ: البئر جُبَارٌ، والعَجْمَاء جُبَارٌ، والمعدن جُبَارٌ، وفي الرِّكاز الخُمس.

معنى: "جُبَار" هَدْر، أي: ليس فيه شيءٌ، البئر ليس فيها شيءٌ، لو سقط فيها أحدٌ جُبَار، هَدْر، وهكذا العَجْماء إذا نطحتْ أحدًا أو وطئتْ أحدًا جُبَار، هَدْر؛ لأنها لا عقل لها، والمعدن كذلك، ما يحفر الناس من المعادن لو سقط فيها شيءٌ أو مات فيها عابرٌ فَهَدْرٌ، ليس فيه شيءٌ إلا إذا ثبت أن الإنسان فرَّط في ذلك؛ إذا ثبت أن الإنسان فرَّط، حفر بئرًا في طريق المسلمين ولم يَحُطْها، ولم يجعل عليها شيئًا يمنع الناس من خطرها؛ يضمن، أما إذا كانت في محلِّه -في أرضه، في مزرعته- أو في محلٍّ بعيدٍ عن خطر المسلمين فهي جُبَارٌ.

وهكذا المعدن إذا كان ليس في محل طريق المسلمين ..... فهو هَدْرٌ، وهكذا الدابة إذا كان ما معها أحدٌ، ووطئتْ أحدًا، أو عضَّتْ أحدًا، أو ما أشبه ذلك، ليس فيها شيءٌ؛ لأنها لا تكليف عليها إلا إذا عرف صاحبها أنها تُؤذي الناس ..... تُؤذي الناس فإن عليه إمساكها وحفظها، فإذا أهملها يضمن ما يحصل بعملها، وكذلك إذا جعلها حول الزروع -أطلقها حول الزروع- يضمن؛ لأنه حين أطلقها حولها مُفرِّطٌ؛ فعليه الضمان، كما في الحديث: سُئل النبي ﷺ عن المواشي، قال: إذا كانت في النهار فلا ضمان، وإن كان في الليل فعلى أهلها الضمان، لكن إذا أُطلقتْ حول الزروع فهي مثل الليل؛ لأن صاحبها مُتَعَدٍّ، مُفَرِّطٌ، ومَن رعى حول الحمى أوشك أن يقع فيه.

أما الرِّكاز فهو: ما يقع من دفن الجاهلية، الأموال التي يدفنها الجاهلية –الكفار- ذهبٌ أو فضةٌ أو أوانٍ أو سلاحٌ، ويجده المسلمون؛ ففيه الخُمس لبيت المال، والباقي لمن وجده، فمَن وجد خربةً أو أرضًا وجد فيها كنزًا عليه علامة الكفار، فيكون له المال إلا خُمسه فيكون لبيت المال.

والحديث الثالث حديث أبي هريرة في قصة خالدٍ والعباس وابن جميلٍ، كان النبي ﷺ بعث عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميلٍ وخالد بن الوليد والعباس عمُّ النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ لما أُخْبِرَ بهذا: ما ينقم ابن جميلٍ إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله، ما له عذرٌ، فالواجب عليه أن يُؤدي الزكاة، كون الله أغناه هذا يُوجب عليه شُكر الله وأداء الزكاة.

أما خالدٌ فإنه فقيرٌ، ما عنده شيءٌ، أدراعه وأعتاده كلها قد أوقفها في سبيل الله، فليس عنده شيءٌ؛ ولهذا قال: تظلمون خالدًا يعني: ليس من أهل الزكاة، ليس عنده شيءٌ يُزكيه.

وأما العباس فهي عليَّ ومثلها ..... النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: إن عمَّ الرجل صِنْو أبيه .....

تسلف النبي ﷺ زكاة العباس من العباس، وفي روايةٍ: أنها كانت عليه، قال: إنها عليَّ ومثلها، أي: اقترضها من العباس، والمشهور أنه تحملها، قال: هي عليَّ ومثلها، تحملها عن عمِّه عليه الصلاة والسلام، وفي روايةٍ: أنه استسلف منه زكاة عامين ..... بيَّن هذا عليه الصلاة والسلام ..... قال: هي عليَّ ومثلها، ثم قال: أما علمتَ أن عمَّ الرجل صِنْو أبيه؟ فيدل على أنه فعله بِرًّا به وصِلَةً له؛ لأنه صِنْو الأب.

أما الحديث الرابع -حديث عبدالله بن زيد بن عاصم الأنصاري- فهذا في قصة حنين، لما أفاء الله على نبيه غنائم كثيرةً من أهل الطائف نفَّل بعض الناس من العرب والمهاجرين من الأموال والعبيد بعد الفتح، ومن رؤساء العرب نفَّل لهم، هذا يُعْطَى مئةً من الإبل، وهذا يُعْطَى خمسين من الإبل، وهذا يُعْطَى كذا، نفَّل لهم؛ تأليفًا لقلوبهم ..... من إعطاء المؤلفة قلوبهم، وكما فرض الله لهم في الزكاة تأليفًا لقلوبهم، وحتى يستقيموا على الدين، وحتى يُسْلِموا مع قومهم، وحتى يقوى إيمانهم؛ لأنهم رؤساء .....

فلما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام وجد الأنصار في أنفسهم بعض الشيء، قالوا: "يُعطي هؤلاء ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟!" يوم حنين.

فلما بلغه ذلك جمعهم عليه الصلاة والسلام وخطبهم، وقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلَّالًا فهداكم الله بي؟ ومُتفرقين فَأَلَّفكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئًا قالوا: "الله ورسوله أَمَنُّ" يعني: الـمِنَّة لله ورسوله ﷺ.

قال عليه الصلاة والسلام: أما إنكم لو شئتُم لقلتُم: جئتنا بكذا وكذا، ولكن تأدبوا ولم يُجيبوه رضي الله عنهم وأرضاهم.

وفي روايةٍ أنه قال: لو شئتُم لقلتُم: جئتنا طريدًا فآويناك، وفقيرًا فَوَاسَيناك، وذليلًا فنصرناك، لكنهم لم يقولوا هذا تأدبًا مع النبي ﷺ.

جاء من مكة هاربًا من أهل مكة ..... فآواه الأنصار، وآووا أصحابه، ونصروهم، وأشركوهم في أموالهم رضي الله عنهم وأرضاهم، كما قال : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] رضي الله عنهم وأرضاهم.

ثم قال: يا معشر الأنصار، ستكون بعدي أَثَرَةٌ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض أي: سوف تجدون بعدي مَن يستأثر عليكم في الأموال من الولاة فاصبروا.

ثم قال: لو سلك الأنصار واديًا أو شِعْبًا لسلكتُ وادي الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بنبي الله إلى رِحَالكم؟ أي: إلى المدينة.

ثم قال: الأنصار شِعَارٌ، والناس دِثَارٌ الشِّعار: ما يلي الجسد، والدِّثار: ما فوق ذلك.

..... وزال ما في النفوس من بعض الأحداث الذين تكلموا في هذا رضي الله عنهم وأرضاهم.

المقصود أنه بيَّن لهم مَيْلَه إليهم، ومحبته لهم، ومنزلتهم عنده، وأنه لولا الهجرة لكان امرأً من الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم.

فقال: الأنصار شِعَارٌ، والناس دِثَارٌ، ولو سلك الناس واديًا أو شِعْبًا لسلكتُ وادي الأنصار وشعبها، كل هذا فيه تطييبٌ لنفوسهم، والدلالة على منزلتهم العظيمة عنده؛ ليذهب ما في قلوب بعض شبابهم من التأثر.

وفي هذا دلالةٌ على أنه ينبغي لولاة الأمور عند وجود الاعتراض من بعض الناس ..... من بعض الناس أن يُبَيِّنوا العُذر، وأن يستطيبوا النفوس، وأن يُطفئوا الفتن بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، فبيَّن لهم ﷺ أنه أعطى أولئك الرؤساء يتألَّفهم على الإسلام؛ ليجمع قلوبهم عليه؛ لئلا .....، لئلا يكفروا.

المال وزَّعه ﷺ لمصلحة الإسلام والمسلمين؛ فلهذا طيَّب نفوسهم، واعتذر لهم بهذا العذر الواضح، وبيَّن لهم منزلتهم عنده، وأن لهم المنزلة العظيمة الرفيعة، وذلك بما يُطيب النفوس، ويُزيل ما قد يقع في نفوس بعض الشباب من .....

وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب صدقة الفطر

181- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر -أو قال: رمضان- على الذكر والأنثى والحُرِّ والمملوك: صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ. قال: فعدل الناس به نصف صاعٍ من بُرٍّ على الصغير والكبير.

وفي لفظٍ: أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة.

182- وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: كنا نُعطيها في زمان النبي ﷺ صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ، أو صاعًا من زبيبٍ، فلما جاء معاوية، وجاءت السَّمْراء –أي: الحنطة- قال: أرى مُدًّا من هذه يعدل مُدَّين.

قال أبو سعيدٍ: أما أنا فلا أزال أُخرجه كما كنتُ أُخرجه على عهد رسول الله ﷺ.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذان الحديثان الصحيحان عن رسول الله ﷺ في شأن زكاة الفطر.

زكاة الفطر فريضةٌ فرضها رسول الله ﷺ، وأجمع عليها المسلمون، وهي صاعٌ من طعامٍ، صاعٌ من قُوت البلد، تُعْطَى للفقراء والمساكين عن كل رأسٍ من أهل بيته: الرجل وزوجته وأهل بيته جميعًا من أولادٍ وأيتامٍ، ونحو ذلك من أهل بيته، عن الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحُرِّ والعبد من المسلمين، أما لو كان عنده مماليك كفار فليس عليهم زكاة فطرٍ، إنما الزكاة على المسلمين.

وهي تُسمى: زكاة الفطر، وصدقة الفطر، وصدقة رمضان، مَن كان موجودًا عند نهاية رمضان وجبتْ عليه الزكاة؛ لأنها زكاة الفطر، سواء كان ممن يصوم، أو من الصغار الذين لا يصومون، فهي عامةٌ.

"صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ" ودلَّ حديث أبي سعيدٍ على أن جميع هذه الأنواع من الأطعمة كذلك، من البُرِّ والأرز؛ لأنه قال: "صاعًا من طعامٍ"، فيعمّ الأرز والتمر وكل طعامٍ يقتاته الناس مما يُكال ويُقتات، فإذا كان في البلد الذرة أو الدُّخْن أو أشباه ذلك زكوا من طعامهم، وهكذا الأَقِط، البادية يستعملون الأَقِط كثيرًا، يُزَكَّى من الأَقِط لا بأس، أو الزبيب؛ ولهذا في حديث أبي سعيدٍ: "صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من زبيبٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ"، هذه خمسةٌ، ولو كان هناك طعامٌ آخر: كالذُّرة أو كالدُّخْن أو العدس، أو ما أشبه ذلك مما يقتاتونه زكّوا منه، من طعامهم؛ لأنه مُواساةٌ للفقراء، والمواساة تكون ..... مما يتملكه من الطعام.

والواجب إخراجها قبل صلاة العيد؛ كما قال في الحديث: "وأمر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة"، فيُؤديها المسلمون قبل خروجهم إلى صلاة العيد، ويجب أن تُؤدَّى قبل العيد بيومٍ أو يومين كما كان الصحابة يُؤدونها بإذن النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: من اليوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين، وإن تمَّ الشهر فالثلاثون، فالشهر يكون تسعًا وعشرين، ويكون ثلاثين، فقبل العيد بيومين هو اليوم الثامن والعشرون واليوم التاسع والعشرون، وإذا تمَّ الشهر صارت ثلاثةً؛ ولهذا كان ابن عمر يُؤديها قبل العيد بيومين أو ثلاثةٍ؛ لأنه في ..... الغالب تكفي الفقير، ولو ..... قبل العيد بيومٍ أو يومين تبقى له بقيةٌ تكفيه ليوم العيد.

والسنة أن تكون من الشيء الطيب، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة:267]، فالمؤمن يختار الشيء الطيب النظيف، ولا يجوز أن يتصدق من الشيء المعيب الرديء؛ لأن الله قال: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [البقرة:267] أي: ولا تقصدوا الخبيث، وهو الرديء مِنْهُ تُنْفِقُونَ، ولكن تيمموا الطيب، أي: اقصدوا الطيب.

ولا يلزم الأطيب، أطيب شيءٍ لا يلزم، يلزمه الطيب الوسط، لا الرديء، ولا الأطيب، ولكن يلزمه الوسط من طعامه من التمر، أو من الحنطة، أو من الأَقِط، أو من الزبيب، من الشيء الطيب، فيُخرج منه زكاة الفطر، ويكون ذلك يوم العيد قبل الصلاة أفضل، وإن أخرجها يوم التاسع والعشرين أو يوم الثامن والعشرين، أو أخرجها في الليل ليلة التاسع والعشرين، أو ليلة الثلاثين، أو ليلة العيد أجزأه؛ لأنها مُواساةٌ، وهذه الأوقات مُتقاربةٌ: العيد وما قبله بيومٍ أو يومين مُتقاربٌ، والمقصود إغناؤهم عن الطوفان أيام العيد؛ حتى يحصل لهم السرور مع الناس والغِبْطَة، وعدم الحاجة إلى التجول في الأسواق يوم العيد؛ للسؤال وطلب الحاجة.

قال أبو سعيدٍ: فلما قدم معاوية المدينة في ولايته قال: "أرى أن مُدًّا من هذا عدل مُدَّين"، يعني: مُدًّا من الحِنْطَة ..... تعدل مُدَّين من التمر والشعير والزبيب والأَقِط، وهذا اجتهادٌ منه .....، هذا من باب الاجتهاد.

والصواب مثلما قال أبو سعيدٍ: إخراج صاعٍ كما كان النبي يأمر بذلك عليه الصلاة والسلام، صاع من جميع الأقوات: من تمرٍ، أو بُرٍّ، أو غيرهما، وقد يكون البُرُّ في بعض الأحيان أقلّ قيمةً من التمر، وقد يكون أقلّ قيمةً من الزبيب، وقد يكون أقلّ قيمةً من الأَقِط هذا .....، فالواجب إخراج صاعٍ من الجميع كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام.

وأما ما رآه معاوية وبعض أهل العلم فهو قولٌ مرجوحٌ يُخالف ظاهر النص؛ ولهذا قال أبو سعيدٍ: أما أنا فلا أُخرج إلا صاعًا كما كنتُ أُخرجه على عهد النبي عليه الصلاة والسلام.

والواجب على أهل الزكاة أن يتحروا الفقراء، ولا يُعطوها الأغنياء، يتحروا الناس المحتاجين الفقراء؛ حتى يدفعوها إليهم.

والواجب أيضًا أن يُبادروا بها قبل العيد، ولا يجوز تأخيرها بعد العيد، بل تجب المبادرة؛ ولهذا في حديث ابن عباسٍ عند أبي داود والحاكم وغيرهما بسندٍ جيدٍ، يقول ابن عباسٍ: "إن رسول الله فرض زكاة الفطر طُهْرَةً للصائم، وطُعْمَةً للمساكين، فمَن أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومَن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات".

هذا يفيد أنه إذا أدَّاها قبل الصلاة صار له ثواب الزكاة كاملةً، وإذا أدَّاها بعد الصلاة صار له ثواب الصدقات العادية المعروفة؛ لأنه أخلَّ بالواجب، فالواجب أن يُبادر بها ويُخرجها قبل صلاة العيد، هذا هو الواجب، وإن قدَّمها قبل العيد بيومٍ أو يومين فلا حرج في ذلك من باب التوسعة.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

كتاب الصيام

184- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا تَقَدَّموا رمضان بصوم يومٍ أو يومين إلا رجلٌ كان يصوم صومًا فَلْيَصُمْه.

185- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إذا رأيتُموه فصوموا، وإذا رأيتُموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له.

186- وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: تَسَحَّروا؛ فإن في السحور بركةً.

187- وعن أنس بن مالك ، عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ، ثم قام إلى الصلاة.

قال أنسٌ: قلتُ لزيدٍ: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آيةً.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث تتعلق بالصيام، والصيام لغةً: الإمساك عن الكلام، ومنه قوله جلَّ وعلا عن مريم: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم:26]، ومنه قول الشاعر: "خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ" يعني: مُمسكة عن الصَّهيل.

أما في الشرع فهو: إمساكٌ بنيةٍ عن الـمُفَطِّرات ..... الصيام، يُقال: الصيام إذا أمسك بنيةٍ ..... تعريف شرعي .....

فالصيام شرعًا هو: الإمساك بنية التقرب بترك ما حرَّم الله ..... للصائم من المفطرات من أكلٍ وشُرْبٍ وجِمَاعٍ، ونحو ذلك.

والصيام قسمان: فرضٌ، ونفلٌ.

فالفرض هو صيام رمضان، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام الخمسة، وهو شهرٌ واحدٌ من السنة، فرضه الله على المكلَّفين من الرجال والنساء، ويلحق بذلك صوم الكفَّارات، فهو فرضٌ أيضًا: كفَّارة الظِّهار، وكفَّارة الوطء في نهار رمضان، وكفَّارة القتل، هذا فرضٌ، هذا ..... كفَّارة القتل إذا عجز عن العتق، وكفَّارة الظِّهار إذا عجز عن العتق، وكفَّارة الوطء في نهار رمضان إذا عجز عن العتق يكون عليه الصيام إذا استطاع.

ومن الفرض أيضًا النذور، إذا نذر، مثل: لله عليَّ أن أصوم كذا، مثل: يوم الاثنين، أو يوم الخميس، أو أصوم كذا، هذا هو الوفاء بالنذر.

ويكون نَفْلًا مثل: صوم الاثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وصيام ستٍّ من شوال، وصيام يومٍ وفطر يومٍ، هذا يُسمى: صوم تطوع.

يقول النبي ﷺ: لا تَقَدَّموا رمضان بصوم يومٍ أو يومين إلا رجلٌ كان يصوم صومًا فَلْيَصُمْه.

لا يجوز للمسلمين أن يتقدموا رمضان بصوم يومٍ أو يومين على سبيل الاحتياط؛ يخشون أن يفوتهم شيءٌ، ليس لهم ذلك، بل عليهم أن يتحروا دخول الشهر: إما بالرؤية، أو بإكمال شعبان، وليس لهم التقدم على رمضان كما فعلت النصارى وغيرهم، لا، الواجب التقيد الشرعي، فلا يُصام يوم الشك، ولا يُصام اليوم الذي قبله، بل على المسلم التحري، فيُصام لرؤيته، ويُفطر لرؤيته، فإن غُمَّ الهلال وجب إكمال عِدة شعبان ثلاثين يومًا، ثم يصوم المسلمون، ولا يجب التَّحري في ذلك فيصوم يوم الشك، بل لا بد من إكمال العِدة إن لم يُرَ الهلال، فإن رُئِيَ الهلال من ثلاثين من شعبان صام الناس، فإن لم يُرَ أكملوا شعبان ثلاثين، هذا هو الواجب كما في الشرع.

وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، وهذا أبلغ في التحذير، فإذا بقي النصف من شعبان لا يمكن صيام التطوع، أما إذا صام أكثر شعبان فلا بأس؛ كان النبي عليه الصلاة والسلام يصوم أكثره.

حديث ابن عمر رضي الله عنهما: يقول ابن عمر، عن الرسول ﷺ قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدة ثلاثين، معنى هذا الكلام: أن الواجب أن يصوموا لرؤية الهلال، وأن يُفطروا لرؤية الهلال، وليس لهم الصوم بالحساب، ولا بالاحتياط، لا، لا بد من الرؤية أو إكمال العِدة؛ ولهذا قال: فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدة أي: ثلاثين، وفي روايةٍ أخرى: فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدة ثلاثين يومًا، وفي اللفظ الآخر: فإن غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين، فَعُدُّوا ثلاثين، والمعنى واحدٌ، فإذا غُمَّ هلال شعبان يُكمل ثلاثين ..... غُمَّ هلال رمضان يُكمل رمضان ثلاثين.

فالشهر إما تسعةٌ وعشرون أو ثلاثون، فإن رُئِيَ الهلال في ثلاثين من شعبان صام الناس، وإن رُئِيَ في الثلاثين من رمضان أفطر الناس، فإن لم يُرَ كمَّلوا شعبان ثلاثين، وصاموا وكمَّلوا رمضان ثلاثين وأفطروا.

والأحاديث في هذا كثيرةٌ تدل على وجوب اعتماد الرؤية، ولا يجوز اعتماد الحساب، ولا الصوم بمجرد التحري والظن، بل لا بد من الرؤية أو إكمال العِدة، هكذا شرع الله .

وقد أجمع علماء الإسلام على أنه لا يُعتمد في الصيام الحسابُ.

والحديث الثاني: يقول ﷺ: تَسَحَّروا؛ فإن في السحور بركةً.

السحور: ما يُؤْكَل في آخر الليل يُقال له: سحور ..... سُحور -بالضم- الفعل، التَّسحر والأكل، وبالفتح الطعام الذي يُؤْكَل يُقال له: سَحُور، مثل: الوُضُوء، والوَضُوء، والطُّهُور، والطَّهُور، فالطُّهُور والوُضُوء هو الفعل، والوَضُوء والطَّهُور بالفتح: الماء الـمُعَدّ للطهارة يُقال له: وَضُوء، وطَهُور.

والسحور مشروعٌ للمسلمين أن يتسحروا؛ حتى يتقووا به على طاعة الله، كان النبي ﷺ يتسحر، كما قال زيد بن ثابت: "تسحرنا مع النبي ﷺ في رمضان" فقيل: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: "قدر خمسين آيةً".

كان سحوره مُتأخرًا في آخر الليل عليه الصلاة والسلام، وهذا هو السنة: تأخير السحور؛ حتى يكون أقوى للصائم على طاعة الله، فيكون السحور قُرب الأذان، يتحرى قبل الأذان بقليلٍ؛ ولهذا قال زيدٌ لما سُئل: كم كان بين السحور والأذان؟ قال: "قدر خمسين آيةً"، لما سأله أنسٌ عن ذلك قال: "قدر خمسين آيةً"، خمسون آيةً مُتأنيةً مُرتلةً، نحو خمس دقائق أو سبع دقائق إلى عشر دقائق.

والحاصل في هذا أن السُّنة تأخير السحور.

وفي الحديث الآخر: لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْر وأخَّروا السّحور.

وفي صحيح مسلمٍ عن النبي ﷺ أنه قال: فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السَّحَر، فأكلة السَّحَر فيها إقامةٌ للسنة، ومُخالفةٌ لأهل الكتاب، فالمسلمون يحرصون على السحور في آخر الليل، لا في وسط الليل كما يفعل بعض الناس، بل السنة أن يتسحر في آخر الليل؛ تأسيًا بالنبي ﷺ، وسيرًا على منهجه، وعملًا بسُنته، وهذا في النفل والفرض جميعًا.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.