الدرس التاسع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في "كتاب الصيام":

188- وعن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ كان يُدركه الفجر وهو جنبٌ من أهله، ثم يغتسل ويصوم.

189- وعن أبي هريرة : أن النبي ﷺ قال: مَن نسي وهو صائمٌ فأكل أو شرب، فَلْيُتِمَّ صومه، فإنما أَطْعَمَه الله وسقاه.

190- وعن أبي هريرة قال: بينما نحن جلوسٌ عند النبي ﷺ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله، هلكتُ. فقال: ما لك؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان وأنا صائمٌ. وفي روايةٍ: أصبتُ أهلي في رمضان. فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبةً تُعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين مُتتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا. قال: فسكت النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك إذ أُتِيَ النبي ﷺ بِعَرَقٍ فيه تمرٌ، قال: أين السائل؟ قال: أنا. قال: خُذْ هذا فتصدق به، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لَابَتَيْهَا -يريد الحَرَّتين- أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بَدَتْ أنيابه، ثم قال: أَطْعِمْهُ أهلك.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

ففي حديث عائشة وما جاء في معناه من حديث أم سلمة رضي الله عنهما يدلان على أنه لا حرج على مَن أصبح جُنُبًا أن يغتسل بعد الصبح ويصوم، وأن الـمُحَرَّم إنما هو الجِمَاع، فالذي جامع في الليل أو في آخر الليل وأخَّر الغُسْل إلى بعد طلوع الفجر فلا حرج في ذلك، وقد كان النبي يفعله عليه الصلاة والسلام؛ يُصبح جُنُبًا ثم يغتسل ويصوم عليه الصلاة والسلام.

وفي رواية أم سلمة: "ولا يقضي"، فدلَّ ذلك على أنه لا مانع من تأخير الغُسل، فقد يحتاج إلى الشغل في السحور، أو غير ذلك، فإذا أخَّر الغُسل فلا بأس، يغتسل ولو بعد طلوع الفجر، وصومه صحيحٌ، وليس عليه قضاء.

الـمُحَرَّم الجِمَاع بعد طلوع الفجر، أما كونه يُؤجل الغُسل، وهكذا الحائض إذا طهرتْ في آخر الليل، وصامتْ، وانشغلتْ بالسحور، وأخَّرت الغُسل إلى بعد طلوع الفجر، فلا حرج في ذلك، فترك الغُسل لا يضرُّ، لا من الحائض، ولا من النفساء، ولا من الجنب، لكن عليهم المبادرة بالغُسل؛ حتى يُصلوا الصلاة في وقتها.

فعلى الحائض وعلى النفساء أن تُبادر بالغُسل بعد طلوع الفجر إذا رأت الطهارة في آخر الليل، تصوم في رمضان، وتغتسل قبل طلوع الشمس.

وهكذا الرجل الجُنُب يجب عليه أن يغتسل ويُبادر؛ حتى يُصلي مع الجماعة، ولا يضرّ التأخير إلى بعد الأذان، بعد طلوع الفجر.

والحديث الثاني حديث أبي هريرة ، يقول النبي ﷺ: مَن نَسِيَ وهو صائمٌ فأكل أو شرب، فَلْيُتِمَّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه، وهذا من فضل الله ، فالإنسان يَعْتَرِيه النسيان، كما قال النبي ﷺ: إنما أنا بشرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فالبشر من طبيعتهم النسيان، فإذا نسي وهو صائمٌ في رمضان، أو في كفارةٍ، أو غيرهما، فأكل أو شرب، أو تعاطى مُفَطِّرًا آخر نسيانًا، فصومه صحيحٌ؛ لهذا الحديث الصحيح.

وفي روايةٍ أخرى عند الحاكم: مَن أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفَّارة، فلو جامع ناسيًا، أو أكل ناسيًا، أو شرب ناسيًا، فإن صومه صحيحٌ، ولا كفَّارة عليه، ولا فطر عليه، ولا قضاء عليه إذا كان ناسيًا، والله أعلم بالحقائق، فالله يعلم الحقيقة، والله يُعامله على ما هو عليه من صدقٍ أو كذبٍ، لكن إذا كان الإنسان صادقًا أنه ناسٍ فلا قضاء عليه، فصومه صحيحٌ، أما إن كان يكذب فهذا أمره إلى الله، بينه وبين الله ، لا تنفعه الفُتْيا، ولو أفتاه ألف مُفْتٍ، إذا كان كاذبًا فعليه إثم ما فعل -والعياذ بالله- لكن ما دام قال: أنه صادقٌ في أنه ناسٍ، فإن صومه صحيحٌ.

والإنسان يُبتلى بالنسيان -وهو معذورٌ- حتى في الصلاة التي هي أعظم من الصيام، فقد ينسى، وقد يُسلم عن نقصٍ، وقد يترك بعض الأركان، فيعمل ما شرعه الله تعالى في الصلاة؛ إذا نسي ركعةً أتى بركعةٍ أخرى، وكمَّل صلاته، وسجد للسهو، وإذا نسي ركنًا أتى به، وإذا نسي واجبًا سقط عنه وسجد للسهو، فهكذا في الصوم، فالأمر ليس باختيار الإنسان، ولكنه مخلوقٌ على هذه الصفة: ينسى.

وقد نسي النبي ﷺ، وهو أفضل الخلق، وسها في الصلاة عليه الصلاة والسلام، وهكذا بنو آدم كلهم يُبتلون بالنسيان في الصلاة وغيرها، وقد بيَّن الرسول ﷺ أحكام النسيان في الصلاة، وهكذا في الصوم؛ أخبر ﷺ أنه لا يضره أكله وشُربه ناسيًا، وهكذا جِمَاعه، وهكذا حِجَامته، وكل ما مَرَّ من الـمُفَطِّرات إذا فعلها ناسيًا ولم ينتبه إلا بعد ذلك فصومه صحيحٌ.

وهكذا لو جامع عامدًا عليه كفارةٌ؛ ولهذا لما جاءه الرجل وقال: يا رسول الله، هلكتُ. قال: وما أهلكك؟ قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائمٌ. يعني: وقعتُ عليها عامدًا، حمله الهوى والشيطان حتى وقع عليها، فأخبره النبي ﷺ أن عليه الكفارة، وهي: عتق رقبةٍ مؤمنةٍ، فإن عجز صام شهرين مُتتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكينًا، كالظِّهار، كالذي يُظاهر من امرأته يُحَرِّمها؛ عليه كفارةٌ مُرتَّبةٌ: العتق، ثم الصيام، ثم الإطعام، حسب طاقته، فإن استطاع العتق وجب عليه العتق؛ عتق رقبةٍ مؤمنةٍ، ذكرًا أو أنثى، فإن لم يستطع صام شهرين مُتتابعين، وهي مثله، إذا كانت مُطاوعةً مثله عليها الكفارة، أما إذا كانت مقهورةً بالقوة، ليس لها اختيارٌ، وليست لها قُدرةٌ؛ فهي معذورةٌ، فإن عجز يُطْعِم ستين مسكينًا.

وفي هذا الحديث: أن هذا الرجل قال له النبي ﷺ: هل تجد كذا؟ هل تجد كذا؟ قال: لا أستطيع. حتى قال له: هل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا أستطيع. فجلس، وسكت النبي ﷺ.

ثم جيء للنبي ﷺ بِعَرَقٍ من تمرٍ، ودفعه له، وقال: أَطْعِمْ بهذا، تَصَدَّق بهذا. فقال الرجل: يا رسول الله، والله ما بين لَابَتَيْهَا –أي: المدينة- أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي. يعني: أنا أولى بهذا الطعام ..... فقراء، فضحك النبي ﷺ عجبًا من أمره؛ كونه يستفتي عن كفَّارته، ثم طمع فيها لنفسه؛ لحاجته، ثم قال له: اذهب فَأَطْعِمْه أهلك.

هذا يدل على أن الإنسان مُصدَّقٌ في عجزه، وأنه أعلم بنفسه، قال: ما يستطيع الصوم، وما يستطيع العتق، وما يستطيع الإطعام، فهو أعلم بنفسه، والله الذي يُحاسبه على ما كذب فيه.

ويدل على أنه إذا عجز عن الإطعام والصيام والعتق في الوطء في رمضان يسقط عنه، فإن الرسول ﷺ ما قال له: إذا قَدَرْتَ وإذا أَيْسَرْتَ فَكَفِّرْ، بل قال: اذهب فَأَطْعِمْه أهلك، وسكت عنه، فدلَّ على سقوطها، وأنه إذا عجز عن هذه الكفارة سقطتْ عنه؛ رحمةً من الله .

أما في الظِّهار فلا تسقط، في الظِّهار لا تسقط عنه، بل تبقى في ذِمَّته حتى يستطيع واحدًا من ثلاثةٍ: العتق، أو الصيام، أو الإطعام حسب التيسير.

أما في هذا فقد بيَّن النبي ﷺ أنه لا تلزمه في هذا، قال: أَطْعِمْه أهلك، وأهل الإنسان ما هم مَصْرفًا للكفارات، فدلَّ على سقوطها عنه؛ لعجزه.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وآله.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب الصوم في السفر وغيره

190- عن عائشة رضي الله عنها: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ: أصوم في السفر؟ -وكان كثير الصيام- قال: إن شئتَ فَصُمْ، وإن شئتَ فَأَفْطِرْ.

191- وعن أنس بن مالك قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ، فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم.

192- وعن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حَرٍّ شديدٍ، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحرِّ، وما فينا صائمٌ إلا رسول الله ﷺ وعبدالله بن رواحة.

193- وعن جابرٍ قال: كان رسول الله ﷺ في سفرٍ، فرأى زحامًا ورجلًا قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: صائمٌ. قال: ليس من البِرِّ الصوم في السفر.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة تتعلق بالصوم في السفر، وقد دلَّت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ -كما دلَّ القرآن- على أنه لا حرج في الصوم في السفر، ولا حرج في الإفطار، وأنه رخصةٌ من الله ؛ كما قال : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185] يعني: فأفطر فعليه عِدَّةٌ من أيامٍ أُخَر.

فالمسافر مُخَيَّرٌ: إن شاء صام، وإن شاء أفطر إلا إذا كان في الصوم شدةٌ وحرجٌ فالسنة له الإفطار، ويُكره له الصوم؛ لما فيه من المشقة؛ لقوله ﷺ: ليس من البِرِّ الصوم في السفر، ليس من البِرِّ الكامل الصوم في السفر، وذلك لما رأى رجلًا قد ظُلِّلَ عليه، واشتدَّ عليه الزحام بسبب ما أصابه من الشدة؛ كَرِهَ له الصوم عليه الصلاة والسلام، قال: ليس من البِرِّ يعني: البِرَّ الكامل الصوم في السفر، فليس من البِرِّ الصوم في السفر إذا كان فيه مشقةٌ وثِقَلٌ؛ جمعًا بين الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ؛ ولهذا في الحديث الأول -حديث حمزة بن عمرو الأسلمي- قال له: إن شِئْتَ فَصُمْ، وإن شِئْتَ فَأَفْطِرْ، وفي اللفظ الآخر: هي رخصةٌ من الله، فمَن أخذ بها فَحَسَنٌ، ومَن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه.

وفي حديث أنسٍ: أنهم كانوا يُسافرون مع النبي ﷺ، فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم، وكان معهم النبي ﷺ، ربما أفطر، وربما صام عليه الصلاة والسلام.

وفي حديث أبي الدرداء: أنهم كانوا مع النبي ﷺ في شدة الحرِّ، وكانوا مُفطرين، ليس فيهم صائمٌ إلا رسول الله ﷺ وعبدالله بن رواحة، وكان السفر شديدًا، وهذا لعله كان أولًا قبل أن يأتي الوحي بكراهة الصوم في حال الشدة، فَيُحْمَل حديث أبي الدَّرداء على أن هذا كان أولًا، ثم أنزل الله التخفيف والتيسير والحثَّ على الإفطار في السفر إذا كان فيه شدةٌ؛ لحديث جابرٍ.

وهذا هو الجمع بين الأخبار: إن كانت شدةٌ كُرِهَ الصوم، وشُرِعَ الإفطار، يتأكد؛ لقول النبي ﷺ: ليس من البِرِّ الصوم في السفر يعني: ليس من البِرِّ الكامل الصوم في السفر، أو ليس من البِرِّ الصوم في السفر إذا كان الوقت شديد الحرارة ويشقُّ على المؤمن، أما إذا كان الوقت ليس فيه شدةٌ فالأمر بالخيار: إن شاء صام، وإن شاء أفطر، والفطر أفضل في كل حالٍ؛ لعموم قوله: ليس من البِرِّ الصوم في السفر، فالفطر أفضل؛ لما فيه من قبول الرخصة، قال عليه الصلاة والسلام: إن الله يُحب أن تُؤْتَى رُخَصَه، وقال في حديث حمزة بن عمرو من رواية مسلمٍ: هو رخصةٌ من الله، فمَن أخذ بها فَحَسَنٌ، ومَن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه، فدلَّ على أن الصوم ليس فيه جناحٌ، والفطر أفضل؛ ولأن الغالب على المسافر أن يتأثر بالصوم ويشقُّ عليه، حتى لو كان في غير شدة الحرِّ، فإذا أفطر فهو أفضل، وإن صام فلا حرج عليه، أما مع الشدة -مع شدة الحرِّ والتكلف- فإنه يُشرع له الفطر، ويتأكد عليه الفطر.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب الصوم في السفر وغيره":

195- وعن أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فمنا الصائم، ومنا الـمُفْطِر. قال: فنزلنا منزلًا في يومٍ حارٍّ، وأكثرنا ظِلًّا صاحب الكِساء، فمنا مَن يتَّقي الشمس بيده. قال: فسقط الصُّوَّام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الرِّكاب. فقال رسول الله ﷺ: ذهب المفطرون اليوم بالأجر.

196- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان.

197- وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ قال: مَن مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه.

وأخرجه أبو داود وقال: هذا في النذر خاصةً، وهو قول أحمد بن حنبل .

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة أحدها يتعلق بالصوم في السفر، وهو حديث أنسٍ : أنهم كانوا مع النبي في سفرٍ عليه الصلاة والسلام، فنزلوا منزلًا في يومٍ حارٍّ، يعني: شديد الحرِّ، صائف، وأكثرهم ظِلًّا صاحب الكِساء، وفيهم الصائم، وفيهم المفطر، قال: "فسقط الصُّوَّام" أي: ضعفوا وسقطوا في الأرض للراحة من شدة الحرِّ، "وقام المفطرون فضربوا الأبنية" يعني: الخيام، "وسقوا الرِّكاب" يعني: سقوا الإبل، فقال النبي ﷺ: ذهب المفطرون اليوم بالأجر، وهذا يدل على أفضلية الفطر في السفر، ولا سيما عند شدة الحرِّ، فإنه أولى من الصوم، والرخصة ينبغي أن تُقبل، والله يقول سبحانه: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185]، وقال عليه الصلاة والسلام: ليس من البِرِّ الصوم في السفر يعني: ليس من البِرِّ الكامل الصوم في السفر، بل الفطر أفضل، والله يُحب أن تُؤْتَى رُخَصَه، كما يكره أن تُؤْتَى معصيته.

فإذا اشتدَّ الحرُّ صار الفطر مُتأكدًا؛ حتى يقوم كل واحدٍ بحاجته وبعمله، وينشط في خدمة إخوانه، أما إذا صام وأفطر غيره صار عبئًا على إخوانه، وصار مشقةً عليهم؛ لضعفه وعجزه؛ ولأنه في الحقيقة لم يقبل هذه الرخصة التي فيها إنعام الله عليه، وإحسانه إليه، والرفق به، فينبغي أن يقبلها.

وحديث عائشة رضي الله عنها: تقول رضي الله عنها: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان"، هذا يدل على أنه لا بأس بتأخير القضاء، فمَن قضى وبادر فلا بأس، وهو الأفضل، ومَن تأخر فلا حرج، ولا سيما إذا كانت هناك حاجةٌ: كحاجة الزوج إليها، أو مرضها، أو غير ذلك من الأعذار التي تقتضي تأخيرها، فالأمر في هذا واسعٌ -والحمد لله- لها أن تُؤخر إلى شعبان الحائض التي أفطرتْ لأجل الحيض، أو لأجل المرض، أو الرجل كذلك إذا أفطر لأجل المرض أو السفر إذا أخَّر فلا حرج، وإن بادر فهو أفضل، وإن دعت الحاجة إلى التأخير فلا بأس بذلك؛ لهذا الحديث الصحيح؛ ولأن الله سبحانه قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، ولم يقل: مُبادرة، أو فَلْيُبَادر، أو فَلْيَقْضِ، بل قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، فدلَّ على التوسعة.

والحديث الثالث: تقول رضي الله عنها، عن النبي ﷺ قال: مَن مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه.

هذا حديثٌ عظيمٌ يدل على أن مَن مات وعليه صيامٌ يُشرع لأوليائه -وهم القرابة، الولي: القريب- يُشرع لهم أن يصوموا عنه، كأن يموت وعليه نذر طاعةٍ، أو صوم كفارةٍ، أو قضاء من رمضان لم يصمه، وهو يستطيع الصيام، ولكن تساهل وأخَّر القضاء، فإن المشروع لأوليائه أن يقضوا عنه: أولاده، إخوانه، غيرهم من أقاربه، زوجته، ولو صام عنه غير قريبٍ أجزأ؛ لأنه دَينٌ، والله أحق بالقضاء، والدَّين يقضيه القريب وغير القريب، لكن أقاربه أولى وأفضل؛ لما فيه من الإحسان إليه، وصِلَة رحمه، فإن لم يتيسر مَن يقضي عنه أُطْعِمَ عنه عن كل يومٍ مسكينًا.

أما قول أبي داود عن أحمد أن هذا في النذر خاصةً، فقولٌ ضعيفٌ، قولٌ مرجوحٌ.

والصواب: أنه عامٌّ، يعمُّ النذر ..... يعمُّ رمضان، يعمُّ النذر، يعمُّ الكفارة؛ لأن الرسول ﷺ عمَّم، قال: مَن مات وعليه صيامٌ، فهذه نكرةٌ في سياق الشرط تعمُّ جميع أنواع الصيام الواجب، تعمُّ الكفارة والنذر ورمضان، فالحديث يعمُّ الجميع، فلا يجوز تخصيصه بالنذر إلا بدليلٍ، وليس هناك دليلٌ.

وقد ثبت في حديث ابن عباسٍ في مسند أحمد: أن امرأةً قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم رمضان، أفأصوم عنها؟ قال: أفرأيتِ لو كان على أمك دَينٌ أكنتِ قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء.

وسأله سائلون عليه الصلاة والسلام، أحدهم يقول: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهرٍ. والآخر يقول: إن أمي ماتت وعليها صوم شهرين. والآخر يقول: إن أمي ماتت وعليها صوم كذا. فيأمرهم النبي ﷺ بالقضاء، ولا يستفصل، ما يقول: هل هو من رمضان أو من غير رمضان؟ ما يستفصل، فلو كان خاصًّا بالنذر لاستفصل عليه الصلاة والسلام، فلما عمَّم في الفتوى دلَّ على العموم؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: مَن مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه، وهذا عامٌّ، جملةٌ عامةٌ تعمُّ أنواع الصوم الواجب من نذرٍ، أو من كفارةٍ، أو من رمضان إلا إذا كان مَن أفطر في رمضان معذورًا؛ إن كان أفطر من مرضٍ ومات في مرضه، أو أفطر في السفر ومات في سفره؛ فهذا معذورٌ، أو طاب ولكن لم يَعِشْ مقدار الأيام التي عليه، فإنه يُصام عنه ما أدرك وهو صحيحٌ، يُصام عنه، وإن صِيمَ عن كل شيءٍ فهذا أحسن، ولا بأس، لكن لا يجب الصوم عنه إلا إذا فرَّط؛ إذا كان طاب من مرضه وتساهل، ومضتْ أيامٌ بقدر ما عليه ولم يَصُم، أما إذا كان مات في مرضه فهو معذورٌ.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "الصوم في السفر وغيره":

198- وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهرٍ، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دَينٌ أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فَدَين الله أحقُّ أن يُقْضَى.

وفي روايةٍ: جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: أفرأيتِ لو كان على أمك دَينٌ فقضيتيه عنها، أكان يُؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك.

199- وعن سهل بن سعد الساعدي : أن رسول الله ﷺ قال: لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر وأخَّروا السّحور.

200- وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالصوم.

الحديث الأول: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهرٍ، أفأصوم عنها؟ وفي روايةٍ أخرى: أن امرأةً قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذرٍ، أفأصوم عنها؟ فقال لهما النبي ﷺ: أرأيت لو كان على أمك دَينٌ، أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فَدَين الله أحقُّ بالقضاء، وهكذا قال للمرأة: فصومي عنها.

فهذا يدل على أن الرجل إذا مات، أو المرأة إذا ماتت وعليها صوم نذرٍ أو كفارةٍ أو رمضان لم تصمه، وتيسر لها القضاء ولم تَقْضِ، فإنه يُصام عنها؛ لأن الرسول ﷺ عمم وأطلق، ولم يقل: هل هو نذرٌ أم غير نذرٍ؟ ولم يستفصل، فدلَّ ذلك على أن مَن مات وعليه صيامٌ يُصام عنه، ويدل على هذا الحديث السابق -حديث عائشة-: مَن مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه، فإنه عامٌّ، يعمُّ صوم النذر، وصوم الكفارة، وصوم رمضان إذا تساهل ولم يَقْضِه ومات، أما إذا مات في مرضه أو في سفره فهو معذورٌ في رمضان، لكن إذا أخَّر الصيام بغير عذرٍ فإنه يُقْضَى عنه؛ لهذا الحديث الصحيح وما جاء في معناه.

ومَن قال: إنه خاصٌّ بالنذر، فقوله ضعيفٌ، فهو عامٌّ، يعمُّ النذر، ويعمُّ الكفارة، ويعمُّ صوم رمضان، ويدل على هذا ما تقدم من قوله ﷺ: مَن مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه، ولو كان خاصًّا لبَيَّنَه النبي ﷺ، فإنه أفصح الخلق، وأنصح الخلق عليه الصلاة والسلام، وعليه البلاغ، فلو كان هذا يخصُّ النذر لبَيَّنَه عليه الصلاة والسلام.

ويُؤيد هذا ما ثبت في مسند أحمد ..... ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن امرأةً قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم رمضان، أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها.

والحديث الثاني حديث سهل بن سعد الساعدي الأنصاري ، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر، وفي روايةٍ أخرى: وأخَّروا السحور، هذا يدل على شرعية تعجيل الإفطار، وأن الأمة لا تزال بخيرٍ ما دامت تُراعي هذا وتُعجل إذا غابت الشمس، فهذه السنة: إذا غابت الشمس فالبدار بالفطور.

وفي الحديث الآخر يقول الله جلَّ وعلا: أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا، وهكذا السحور يُؤخَّر في آخر الليل، فهذا هو الأفضل: أن يُؤخَّر السحور في آخر الليل كما تقدم في حديث زيد بن ثابت أنهم تسحروا مع النبي ﷺ، فسأله أنسٌ قال: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: "قدر خمسين آية"، يعني: أنه أخَّر السحور عليه الصلاة والسلام إلى آخر الليل.

والسحور سنةٌ مُؤكدةٌ كما قال عليه الصلاة والسلام: تسحروا؛ فإن في السحور بركةً، فهو سنةٌ للصائم في آخر الليل؛ حتى يتقوى به على طاعة الله، والأفضل له أن يُؤخر السحور، ويُعجل الإفطار، هذا هو السنة.

والحديث الثالث حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم، وفي اللفظ الآخر: إذا أقبل الليل من هاهنا يعني: من جهة المشرق، وأدبر النهار من هاهنا أي: من جهة المغرب، من غروب الشمس، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم، ولو بقي نورٌ في الدنيا وصُفْرَةٌ في الدنيا ما عليها عبرةٌ، متى غابت الشمس وسقطت الشمس أفطر الصائم، ولو بقيتْ لها آثار الصُّفْرة في الجبال وفي الأشجار، ما دام غاب القرص وسقط القرص فإنه يُفطر الصائم، أما إذا كانت ما غابتْ، وإنما حال دونها جبلٌ أو قصرٌ أو كذا ما يُفطر حتى يعلم أنها غابتْ، وذلك بغيبوبتها من جهة المغرب، فإذا غابت الشمس أفطر الصائم، ولو بقيتْ لها آثار نورٍ من جهة أطراف الجبال أو أطراف الشجر، صُفْرَة، صُفْرَة أول الليل ما تمنع، المهم غيبتها، فإذا غاب القرص وسقط القرص أفطر الصائم.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "الصوم في السفر وغيره":

201- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، قالوا: يا رسول الله، إنك تُواصل. قال: إني لستُ مثلكم –كهيئتكم-، إني أُطْعَم وأُسْقَى.

ورواه أبو هريرة، وعائشة، وأنس بن مالك .

202- ولمسلمٍ عن أبي سعيدٍ الخدري : فأيّكم أراد أن يُواصل فليُواصل إلى السَّحَر.

باب أفضل الصيام وغيره

203- عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أُخبر النبي ﷺ أني أقول: والله لأصومَنَّ النهار ولأقومَنَّ الليل ما عِشْتُ. فقال النبي ﷺ: أنت الذي قلتَ ذلك؟ فقلتُ له: قد قلتُه، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فقال: فإنك لا تستطيع ذلك، فَصُمْ وأَفْطِرْ، ونَمْ وقُمْ، وصُمْ من الشهر ثلاثة أيامٍ، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، فقلتُ: إني لأُطيق أفضل من ذلك. قال: فَصُمْ يومًا، وأفطر يومين، فقلتُ: إني لأُطيق أفضل من ذلك. قال: فَصُمْ يومًا، وأَفْطِرْ يومًا، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام، فقلتُ: إني لأُطيق أفضل من ذلك. فقال: لا أفضل من ذلك.

وفي روايةٍ قال: لا صوم فوق صوم أخي داود عليه السلام -شطر الدهر- صُمْ يومًا، وأَفْطِرْ يومًا.

204- وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: إن أحبَّ الصيام إلى الله صيام داود، وأحبَّ الصلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سُدُسه، وكان يصوم يومًا، ويُفْطِر يومًا.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله.

في الحديث الأول: أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الوصال، والوصال معناه: أن يصل يومين أو أكثر مع ليلهما بدون أكلٍ ولا شربٍ ولا مُفَطِّرٍ، هذا الوصال: أن يصل النهار والليل جميعًا، ولا يأكل شيئًا: لا في الليل، ولا في النهار، ولا يشرب، ولا يتعاطى شيئًا من الـمُفَطِّرات، هذا يُسمى: الوصال؛ لأنه وصل يومًا بيومٍ، وجعل الليل كالنهار لا يأكل فيه.

الرسول ﷺ نهاهم عن الوصال؛ لما فيه من المشقة والتعب، والله شرع للأمة ما فيه الإحسان إليها، والرحمة لها، والرفق بها؛ فضلًا من الله وإحسانًا، كما قال : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185]، فالله يَسَّرَ ونهى عن الوصال؛ لما فيه من المشقة، فقالوا: يا رسول الله، إنك تُواصل. أي: إنك تفعل هذا أنت، قال: لستُ مثلكم، وفي اللفظ الآخر: لستُ كهيئتكم، إني أُطْعَم وأُسْقَى، وفي اللفظ الآخر: لي مُطْعِمٌ يُطْعِمني، وسَاقٍ يَسْقِينِي، وفي اللفظ الآخر: إني أظلّ عند ربي يُطْعِمُني ويَسْقِينِي، هكذا جاء الحديث عن ابن عمر وأبي هريرة وعائشة وأنس وغيرهم في النهي عن الوصال.

وفي رواية أبي سعيدٍ عند مسلمٍ: فأيّكم أراد أن يُواصل فليُواصل إلى السَّحَر، فإذا كان لا بد من الوصال فليكن إلى السَّحَر، يعني: يصوم النهار مع غالب الليل، ثم يجعل سحوره عشاءه، من السحور إلى السحور لا بأس بهذا، ولكن كونه يُفْطِر في أول الليل أفضل؛ لقوله ﷺ: لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر؛ ولقول الله سبحانه: أحبّ عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا.

فالسنة للصائم أن يُبادر بالإفطار إذا غابت الشمس، لكن لو واصل إلى السَّحَر وترك الأكل والشرب إلى السَّحَر فلا حرج؛ لحديث أبي سعيدٍ هذا وما جاء في معناه، أما أن يُواصل الليل مع النهار فهذا مكروهٌ، لا ينبغي، وليس بحرامٍ، لكنه مكروهٌ؛ ولهذا في حديث أبي هريرة: فواصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر الهلال لزدتكم، كالـمُنَكِّل لهم حين أبوا أن ينتهوا.

هذا يدل على أن الوصال صحيحٌ وجائزٌ، لكن مكروهٌ، منهيٌّ عنه، وليس بحرامٍ؛ لأنه واصل بهم، فلو كان حرامًا ما واصل بهم، ولا أوقعهم في الإثم، لكن يدل على أنه مكروهٌ؛ رفقًا بهم، ورحمةً لهم، فلا ينبغي لهم أن يُواصلوا، ويُكره لهم أن يُواصلوا؛ لهذا الحديث الصحيح الذي فيه النهي عن ذلك، والزجر عن ذلك؛ رحمةً للعباد، وإحسانًا إليهم، ورفقًا بهم، وتيسيرًا عليهم من الله .

وفي حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنه بلغ النبي ﷺ أنه يقول: لأصومَنَّ النهار ولأقومَنَّ الليل ما عِشْتُ. فقال له النبي ﷺ: أنت قلتَ ذلك؟ قال: نعم، بأبي أنت وأمي.

معنى "بأبي أنت وأمي" يعني: أفديك بأبي أنت وأمي.

فقال: إنك لا تُطيق ذلك، الإنسان يتعب من هذا، كونه يصوم يومًا، ويُفطر يومًا دائمًا هذا فيه مشقةٌ؛ ولهذا قال: إنك لا تُطيق ذلك، فَصُمْ وأَفْطِرْ، ونَمْ وقُمْ، وصُمْ من الشهر ثلاثة أيامٍ، فإن الحسنة بعشر أمثالها يعني: يكفيك هذا: أن تصوم ..... تصوم وتُفطر حسب التيسير، وتصوم من الشهر ثلاثة أيامٍ، فالحسنة بعشر أمثالها، ثلاثة أيامٍ بثلاثين، كأنه صام الدهر.

قال: إني أُطيق أفضل من ذلك. قال: فَصُمْ يومًا، وأفطر يومين، قال: إني أُطيق أفضل من ذلك. قال: فَصُمْ يومًا، وأفطر يومًا، قال: إني أُطيق أفضل من ذلك. قال: لا أفضل من ذلك يعني: هذا هو أفضل الصيام صوم داود عليه السلام؛ لأنه كان يصوم يومًا ويُفطر يومًا.

وفي اللفظ الآخر: إن أحبَّ الصيام صيام داود، وإن أحبَّ الصلاة إلى الله صلاة داود أي: النبي داود عليه الصلاة والسلام، كان يصوم يومًا ويُفطر يومًا، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سُدسه هذه صلاة داود: ينام النصف الأول، ويقوم السدس الرابع أو الخامس، وينام السدس الأخير يتقوى به على عمل النهار، وهذا هو أفضل الصلاة، صلاة جوف الليل مع نصف الثلث الأخير.

وأحبّ الصيام إلى الله صيام داود؛ لأنه يصوم يومًا ويُفطر يومًا، هذا أفضل الصيام وأعدله، وإن صام الاثنين والخميس أو ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ كفى، ولم يُكلف نفسه أن يصوم يومًا ويُفطر يومًا كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، قال عبدالله لما كبرتْ سِنُّه: "يا ليتني قبلتُ رُخْصَة رسول الله"، لما كبر عبدالله وضعفتْ قوته تأسف وقال: "يا ليتني قبلتُ رُخْصَة رسول الله عليه الصلاة والسلام"، ولم يُحب أن يدع السنة التي فارق النبي عليها عليه الصلاة والسلام، فكان يصوم أيامًا متعددةً، ثم يُفطر مثلها؛ يتقوى بذلك.

وبهذا يُعلم أن الوصال -كما تقدم- مكروهٌ، لا ينبغي، لكن إذا أراد أن يُواصل إلى السَّحَر فلا بأس، ويُعلم أن أفضل الصيام صيام داود؛ يصوم يومًا ويُفطر يومًا، وإذا اكتفى بصوم الاثنين والخميس، أو صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ فَحَسَنٌ؛ لأنه قد يشقُّ عليه صيام يومٍ وفِطْر يومٍ، لكن مَن قوي على هذا فهو أفضل الصيام، فيصوم يومًا ويُفْطِر يومًا.

ويُبين الحديث أن التهجد في الليل أفضله: أن ينام نصف الليل الأول ويقوم الثلث، يعني: السدس الرابع والخامس، ويستريح السدس الأخير يتقوى به على العمل، وإن صلى في الثلث الأخير ونام في الثلثين الأولين بعد صلاة العشاء كله طيبٌ، كله حسنٌ، فإن شقَّ عليه القيام في آخر الليل فالأفضل أن يُوتر في أول الليل قبل أن ينام بعد صلاة العشاء، يُوتر ثم ينام حتى لا يفوته قيام الليل؛ لقوله ﷺ: مَن خاف ألا يقوم من آخر الليل فليُوتر أوله، ومَن طمع أن يقوم آخر الليل فليُوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودةٌ، وذلك أفضل، آخر الليل أفضل لمن قوي على ذلك، ومَن عجز وخاف ألا يقوم أوتر في أول الليل.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "أفضل الصيام وغيره":

205- عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاثٍ: صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وركعتي الضحى، وأن أُوتر قبل أن أنام.

206- وعن محمد بن عباد بن جعفر قال: سألتُ جابر بن عبدالله: أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم.

وزاد مسلمٌ: وربّ الكعبة.

207- وعن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لا يصومَنَّ أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بأنواعٍ من العبادة.

في الحديث الأول الدلالة على شرعية صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وسنة الضحى، والإيتار قبل النوم، وقد أوصى النبي ﷺ بذلك أبا هريرة، وأوصى بذلك أبا الدرداء أيضًا، وأوصى بذلك أيضًا عبدالله بن عمرو بن العاص، أوصاه بأن يصوم ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وقال له: الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، وأوصى بذلك أبا ذرٍّ أيضًا، وهذا يدل على شرعية صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، سواء في العشر الأول، أو في العشر الوسط، أو في الأخيرة، وسواء كانت مُتتابعةً أو مُفرقةً، كل ذلك حَسَنٌ، والحسنة بعشر أمثالها، فالمعنى: أن كل يومٍ بعشرةٍ، فكأنه صام الدهر كله، وهذا من فضل الله .

وإن صامها أيام البيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فهو أفضل، كما في حديث أبي ذرٍّ.

كذلك سُنة الضحى، صلاة الضحى سنةٌ، أوصى بها النبيُّ ﷺ أبا الدرداء وأبا هريرة، وأوصى بها آخرين.

وقال عليه الصلاة والسلام: يُصبح على كل سُلَامَى من الناس صدقةٌ.

يُصبح على كل سُلَامَى يعني: على كل مِفْصَلٍ من الناس صدقةٌ، فَبِكُلِّ تهليلةٍ صدقةٌ، وبكل تسبيحةٍ صدقةٌ، وبكل تحميدةٍ صدقةٌ، وبكل تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، قال: ويكفي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى، فإذا ركعت ركعتين من الضحى قامتْ مقام هذه الأعمال التي تُؤدي عن مفاصله.

فسُنة الضحى عبادةٌ مُؤكدةٌ، وأقلها ركعتان بعد ارتفاع الشمس إلى وقوف الشمس، كله صلاة ضُحًى، ما بين ارتفاعها قيد رمحٍ إلى وقوفها في كبد السماء، وأفضل ذلك عند شدة الحرِّ، إذا اشتد الضحى قبل الظهر بنحو ساعةٍ، أو ساعةٍ ونصفٍ، أو ساعتين، إذا اشتدَّ الضحى فهذا أفضل، وهي صلاة الأوَّابين حين شدة الضحى، وإذا صلى أربعًا أو ستًّا أو ثمانٍ أو أكثر فكله حسنٌ.

وقد صلى النبي ﷺ يوم الفتح ثماني ركعاتٍ في الضحى عليه الصلاة والسلام، ورُوي عن عائشة أنه صلى عندها ثماني ركعاتٍ صلاة الضحى، فهي سنةٌ مؤكدةٌ من قول النبي ﷺ ومن فعله.

وهكذا الوتر قبل النوم، الوتر سنةٌ مؤكدةٌ ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وأفضل ذلك في آخر الليل، هذا هو الأفضل، وإن خاف ألا يقوم من آخر الليل أوتر في أوله.

ولعل السرَّ في وصية النبي ﷺ لأبي هريرة وأبي الدرداء بالوتر في أول الليل؛ لأنهما كانا لا يستطيعان فعل ذلك في آخر الليل: إما لدرس الحديث، أو لأسبابٍ أخرى؛ فلهذا أوصاهما بالوتر في أول الليل.

أما مَن قدر واستطاع أن يصلي في آخر الليل فهو أفضل، كما ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن خاف ألا يقوم في آخر الليل فليُوتر أوله، ومَن طمع أن يقوم في آخر الليل فليُوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودةٌ، وذلك أفضل رواه مسلمٌ.

ولقوله ﷺ: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلةٍ حين يبقى ثلث الليل الآخر ويُنادي: هل من سائلٍ فيُعطى سُؤْلَه؟ هل من داعٍ فيُستجاب له؟ هل من مُستغفرٍ فيُغْفر له؟ حتى يطلع الفجر، هذا وقتٌ عظيمٌ إذا تيسر فيه القيام والقراءة والدعاء والصلاة.

أما الحديث الثاني والثالث فهما يدلان على أنه لا يجوز إفراد الجمعة بالتطوع؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن إفرادها بالتطوع، الجمعة.

أما إذا صام قبلها يومًا أو بعدها يومًا فلا بأس، إذا صام الخميس مع الجمعة، أو الجمعة مع السبت فلا بأس، أما إفرادها فقد نهى النبي عن ذلك عليه الصلاة والسلام، فهي عيد الأسبوع، فلا تُفرد، ولما رأى بعض أزواجه صامتْ يوم الجمعة -وهي جويرية بنت الحارث- قال لها: أَصُمْتِ أمس؟ قالت: لا. قال: أتُريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا. قال: فأفطري، فدلَّ ذلك على أن يوم الجمعة لا يُصام وحده، ولا يُتطوع به وحده، ولكن يُصام قبله يومٌ أو بعده يومٌ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، ونهى عن إفراده.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "أفضل الصيام وغيره":

208- وعن أبي عبيدة سعد بن عبيدٍ قال: شهدتُ العيد مع عمر بن الخطاب ، فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر الذي تأكلون فيه من نُسُكِكم.

209- وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين: النحر والفطر، وعن اشتمال الصَّمَّاء، وأن يَحْتَبِي الرجل في الثوب الواحد، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر.

أخرجه مسلمٌ بتمامه، وأخرج البخاري الصوم فقط.

210- وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: مَن صام يومًا في سبيل الله بَعَّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفًا.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بمسائل في الصوم، وبمسائل أخرى.

الحديث الأول: النهي عن صوم يومي: عيد الفطر والنحر؛ لأن الله نهى عن صيامهما، وهكذا في حديث أبي سعيدٍ النهي عن صيامهما أيضًا، فهما لا يُصامان: يوم عيد الفطر، ويوم عيد النحر، ومَن صامهما فصومه باطلٌ، وعليه التوبة إلى الله من ذلك؛ لأنها معصيةٌ، وهكذا أيام النحر، أيام التشريق: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، يُقال لها: أيام التشريق، ويُقال لها: أيام النحر، فهذه لا تُصام أيضًا؛ لأنها أيام عيدٍ، فهي خمسة أيامٍ من السنة: يوم عيد الفطر، ويوم عيد النحر، وأيام التشريق الثلاثة، فالجميع خمسةٌ، هذه لا تُصام، يجب على المسلم إفطارها إلا مَن عجز عن الهدي -هدي التمتع أو القران- هذا له أن يصوم أيام التشريق بصفةٍ خاصةٍ، مُستثناةٌ، كما في حديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهما قالا: "لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي" يعني: هدي التمتع، ومَن سواه لا يصوم أيام التشريق.

أما يوم العيد: عيد النحر، وعيد الفطر، فهذان لا يُصامان لجميع الناس، لا لصاحب الهدي، ولا لغيره.

وفي حديث أبي سعيدٍ النهي عن اشتمال الصَّمَّاء، واشتمال الصَّمَّاء كونه يتلفلف في ثوبٍ واحدٍ، يُخْشَى أنه إذا تحرك أو أراد أخذ حاجةٍ ظهرتْ عورته.

وسُميت: صَمَّاء؛ لأنها لا منفذ لها، يتلفلف فيها تلفلفًا غير مضبوطٍ، بخلاف ما إذا كان مُتَّزِرًا بالثوب، يضبطه عليه، أو يجعل أطرافه على عاتقيه، كل هذا لا بأس به، أما إذا اشتملها، لفَّ الثوب عليه من غير ضبطٍ له ولا عنايةٍ، فإن هذا قد تبدو منه العورة، فلا يجوز التلفف بالثوب على وجهٍ يُخْشَى منه ظهور العورة.

وفُسر أيضًا بجعل الثوب على أحد عاتقيه، ويُسْدله على جانبيه من غير ضبطٍ للعورة، ولا سترٍ للعورة؛ لأن الواجب ستر العورة.

"وأن يَحْتَبي الرجل في الثوب الواحد" احتباؤه: كونه ينصب فخذيه وساقيه، ويربط الثوب على ساقيه وعلى أسفل ظهره، يُقال له: احتباء، ويُسمَّى هذا: احتباء؛ لأنه يُبْدِي العورة إلى جهة السماء، وإذا صارت العورة غير مستورةٍ قد يقف عليه ويمر عليه ويقف مَن يُكلمه فيرى عورته، فلا بد أن يكون عليه ثوبٌ آخر، يعني: عليه إزارٌ أو سراويل؛ حتى إذا احتبى تكون العورة مستورةً، أما أن يحتبي ويربط الثوب على أسفل ظهره وعلى رجليه وتبقى عورته بارزةً إلى جهة السماء غير مستورةٍ فهذا لا يجوز.

الوصية الرابعة: نهى ﷺ عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر؛ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغيب الشمس، هذان الوقتان نُهِيَ عن الصلاة فيهما: إذا صلى الناس الفجر نُهي عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمحٍ، وهكذا بعد طلوع الفجر لا يُصلي إلا ركعتي الفجر -سنة الفجر- ثم الفريضة يُصليها، لكن يُستثنى من ذلك لو أتى المسجد صلى تحية المسجد، لو دخل بعد الصبح أو بعد العصر يُصلي تحية المسجد، وصلاة الجنازة يُصلَّى عليها بعد الفجر وبعد العصر في الوقتين الطويلين، وصلاة الكسوف وصلاة الطواف هذه مُستثناةٌ؛ لأنها من ذوات الأسباب، فلو طاف بمكة بعد العصر أو بعد الصبح جاز له أن يصلي ركعتي الطواف؛ لقوله ﷺ: لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلَّى أية ساعةٍ شاء من ليلٍ أو نهارٍ.

والحديث الثالث: حديث أبي سعيدٍ، عن النبي ﷺ قال: مَن صام يومًا في سبيل الله بَعَّدَ الله عن وجهه النار سبعين خريفًا، هذا معناه -والله أعلم- في سبيل طاعة الله، أي: مَن صام يومًا يبتغي وجه الله والدار الآخرة فله هذا الأجر العظيم، وأنه من أسباب بُعْده من النار، وسلامته من دخول النار، فالصيام من أفضل الأعمال، ومن أفضل القُرَب، وهو جُنَّةٌ بين العبد وبين النار إذا صامه ابتغاء وجه الله، لا رياء، ولا سمعة، ولا لمقصودٍ آخر، بل ابتغاء وجه الله؛ فله هذا الأجر العظيم.

قال بعضهم: معناه: في سبيل الله أي: في الجهاد، ولكن ليس بظاهرٍ؛ لأن الجهاد مأمورٌ فيه بالإفطار، المجاهد مأمورٌ بالإفطار؛ لأنه أقوى له على الجهاد، في جهاد الأعداء إذا أفطر يكون أقوى له في الجهاد، لكن المراد -والله أعلم- أن الإنسان إذا صام يومًا في سبيل الله، أي: في طاعة الله، وابتغاء مرضاته، لا رياء، ولا سمعة، ولا لمقاصد أخرى، بل صامه ابتغاء وجه الله، فهذا من أسباب دخول الجنة، وصوم التطوع فيه خيرٌ كثيرٌ، وفضلٌ كبيرٌ.

أما الواجب فرمضان فقط، والكفارات كذلك فريضةٌ، لكن إذا صام يومًا في سبيل الله، في طاعة الله، نفلًا، فله أجرٌ عظيمٌ، وهو من أسباب السلامة من النار.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب ليلة القدر

211- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ: أرى رُؤياكم قد تواطأتْ في السبع الأواخر، فمَن كان منكم مُتَحَرِّيها فَلْيَتَحَرَّها في السبع الأواخر.

212- وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ قال: تَحَرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر.

213- وعن أبي سعيدٍ الخدري : أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين -وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه- قال: مَن اعتكف معي فَلْيَعْتَكِفْ في العشر الأواخر، فقد أُريتُ هذه الليلة، ثم أُنسيتُها، وقد رأيتُني أسجد في ماءٍ وطينٍ من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وترٍ.

قال: فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريشٍ، فَوَكَفَ المسجد، فأبصرتْ عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صُبْح إحدى وعشرين.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تدل على إثبات حصول ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وقد دلَّ القرآن على أن ليلة القدر حقٌّ، وأنها واقعةٌ، وأن الله أنزل فيها القرآن الكريم، كما قال : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ۝ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر].

هذه ليلةٌ عظيمةٌ أنزل الله فيها القرآن في شهرٍ عظيمٍ وهو رمضان، كما قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185] دلَّ على أنها في رمضان.

فهذا الكتاب اجتمعت له أنواع الشرف، فهو أعظم كتابٍ، وأشرف كتابٍ، وأُنزل على أشرف نبيٍّ، وعلى أفضل نبيٍّ، وهو محمدٌ عليه الصلاة والسلام، وأُنزل في أفضل ليلةٍ، وفي أفضل شهرٍ، وهي ليلة القدر في شهر رمضان، وفي أفضل مكانٍ، وهو مكة المكرمة، فاجتمعتْ له أنواع الشرف: المكان، والزمان، وكونه على أشرف الأنبياء وأفضلهم وخاتمهم عليه الصلاة والسلام.

وبيَّن سبحانه في آيةٍ أخرى أنها مباركةٌ، قال سبحانه: حم ۝ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ۝ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ۝ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:1-4]، وهي ليلة القدر، فهي ليلةٌ مُباركةٌ، ويُفْرَق فيها كل أمرٍ حكيمٍ، وهو ما يكون في السنة، تُقدر فيها حوادث السنة تفصيلًا من القدر السابق، وهذا من آيات الله وحكمته ، كما أن كل جنينٍ يُكتب في حقِّه وهو في رحم أمه يُكتب جميع ما يحصل له من الحوادث المستقبلة: أعماله، وأقواله، وشقاوته وسعادته وسروره، وهو تفصيلٌ أيضًا من القدر السابق.

وفي حديث ابن عمر: أن الصحابة تواطأت رُؤاهم في السبع الأواخر، فقال النبي ﷺ: أرى رُؤياكم قد تواطأتْ في السبع الأواخر، فمَن كان مُتَحَرِّيها فَلْيَتَحَرَّها في السبع الأواخر يعني: هي آكد من غيرها، وقد تقع في الأولى والثانية والثالثة، لكن في السبع الأواخر أرجى من غيرها.

وفي حديث عائشة وأبي سعيدٍ الدلالة على أنها تقع في العشر الأخيرة من رمضان، ولكنها في الأوتار آكد: إحدى وعشرين، ثلاثٍ وعشرين، خمسٍ وعشرين، سبعٍ وعشرين، تسعٍ وعشرين، هذه الأوتار آكد من غيرها، وقد تقع في غير الأوتار؛ كما في الحديث الآخر: في تاسعةٍ تبقى، في سابعةٍ تبقى، في خامسةٍ تبقى، في ثالثةٍ تبقى إلى أن قال: في آخر ليلةٍ.

فالمشروع للمؤمنين والمؤمنات تحريها في العشر كلها، وأن تُعْمَر هذه الليالي بالطاعة والعبادة والدعاء والضراعة إلى الله ؛ لفضل هذه العشر، ولرجاء مُوافقة هذه الليلة المباركة.

وقد ذهب جمهور الأمة إلى أنها مُختصةٌ بالعشر، وقد صحَّتْ بذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: أنها في العشر الأواخر من رمضان.

وشَذَّ بعض أهل العلم فقال: إنها في السنة كلها.

وقال بعضهم: إنها في النصف الأخير، يعني: تكون في الخمس الأخيرة من العشر الأوسط.

وهذا كله ضعيفٌ، والصواب: أنها في العشر الأخيرة من رمضان، كما صحَّت بذلك الأخبار المستفيضة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بأنها في العشر الأخيرة من رمضان، كما أن الصحيح أن أوتارها آكد، وأن ليلة سبعٍ وعشرين آكد من غيرها.

وفي هذا الحديث -حديث أبي سعيدٍ- الدلالة على أنها وقعت في ليلة إحدى وعشرين، وأنه ..... ليلة إحدى وعشرين قد أصبح من صبيحتها يسجد في ماءٍ وطينٍ، فمطرت السماء في تلك الليلة، فرأوا على وجهه ﷺ آثار الماء والطين عليه الصلاة والسلام.

وقد قالت عائشة رضي الله عنها: قلتُ: يا رسول الله، إن أدركتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ، تُحب العفو، فَاعْفُ عني.

فالسنة الدعاء فيها بالدعوات الطيبة، والاجتهاد فيها بأنواع الخير من الصدقات، وقيام الليل، والإكثار من ذكر الله، وقراءة القرآن، والدعوات الجامعة، هذا الذي ينبغي في هذه الليالي وأيامها: الحرص على أنواع الخير، والاجتهاد في أنواع الخير من صلاةٍ، وقراءةٍ، وذكرٍ، ودعاءٍ، وصدقةٍ، وسائر أنواع الإحسان؛ لأن الصدقة فيها، والذكر فيها، والصلاة فيها مُضاعفةٌ، قال تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3].

قال العلماء: معنى ذلك: أن العمل فيها والاجتهاد فيها أفضل من العمل في ألف شهرٍ مما سواها، هذا فضلٌ عظيمٌ، ألف شهرٍ: ثلاثٌ وثمانون سنةً وأربعة أشهرٍ، وهو عمرٌ كاملٌ، عمر إنسانٍ كامل لمن أدرك هذه الفضيلة وهذا الخير العظيم، فينبغي للمؤمن الاحتساب، ينبغي الاحتساب في هذه الليلة، وهذه العشر، والاجتهاد في الخير، وسؤال الله التوفيق.

وهي لا تُكلف شيئًا، عشر ليالٍ لا تُكلف كثيرًا، الاجتهاد فيها لا يُكلف كثيرًا؛ لأنها أيامٌ عشرٌ، ليست شهرًا، ولا شهرين، ولا سنةً، عشر ليالٍ الاجتهاد فيها والحرص فيها على أنواع الخير أمرٌ مُيَسَّرٌ والحمد لله.

رزق الله الجميع التوفيق.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله.