الدرس الحادي عشر

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب التَّمتع

236- عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي قال: سألتُ ابن عباسٍ عن المتعة فأمرني بها، وسألتُه عن الهَدْي فقال: فيه جزورٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ، أو شركٌ في دمٍ.

قال: وكان ناسٌ كرهوها، فنمتُ، فرأيتُ في المنام كأنَّ إنسانًا يُنادي: حجٌّ مبرورٌ، ومُتعةٌ مُتقبلةٌ. فأتيتُ ابن عباسٍ فحدثتُه، فقال: الله أكبر، سُنة أبي القاسم ﷺ.

237- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فَسَاقَ معه الهَدْي من ذي الحُليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فَأَهَلَّ بالعمرة، ثم أَهَلَّ بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ، فَأَهَلَّ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس مَن أهدى، فَسَاقَ الهَدْي من ذي الحُليفة، ومنهم مَن لم يُهْدِ، فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: مَن كان منكم قد أهدى فإنه لا يَحِلُّ من شيءٍ حَرُمَ منه حتى يقضي حجَّه، ومَن لم يكن منكم أهدى فَلْيَطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليُقَصِّر وليَحْلِل، ثم لِيُهِلَّ بالحج وَلْيُهْدِ، فمَن لم يجد هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله.

فطاف رسول الله ﷺ حين قدم إلى مكة، واستلم الركن أول شيءٍ، ثم خَبَّ ثلاثة أشواطٍ من السبع، ومشى أربعةً، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلَّم وانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أشواطٍ، ثم لم يَحِلَّ من شيءٍ حَرُمَ منه حتى قضى حجَّه، ونحر هَدْيَه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حَلَّ من كل شيءٍ حَرُمَ منه، وفعل مثلما فعل رسول الله ﷺ مَن أهدى وساق الهَدْي من النَّاس.

238- وعن حفصة -زوج النبي ﷺ- أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حَلُّوا من العمرة، ولم تَحِلَّ أنت من عُمرتك؟ فقال: إني لَبَّدْتُ رأسي، وقَلَّدْتُ هَدْيي، فلا أَحِلَّ حتى أنحر.

239- وعن عمران بن حصين قال: أُنزلتْ آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ﷺ، ولم ينزل قرآنٌ بحُرمتها، ولم يَنْهَ عنها حتى مات، فقال رجلٌ برأيه ما شاء.

قال البخاري: يُقال: إنه عمر.

ولمسلمٍ: نزلتْ آية المتعة -يعني: مُتعة الحج- وأمرنا بها رسول الله ﷺ، ثم لم تنزل آيةٌ تنسخ آية متعة الحج، ولم يَنْهَ عنها حتى مات.

ولهما بمعناه.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالتمتع بالعمرة إلى الحج، وقد دلَّ كتاب الله وسُنة رسوله عليه الصلاة والسلام على شرعية ذلك، وأن الله جلَّ وعلا شرع لعباده أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج؛ لما في ذلك من جمع النُّسُكين العظيمين؛ ولأن العودة إلى مكة بنُسُكٍ آخر قد يشقُّ على الناس، وقد لا يتيسر لهم، قد يكونون في بلادٍ بعيدةٍ، فَيَسَّرَ الله لهم أن يجمعوا بينهما ولو في سَفْرةٍ واحدةٍ.

والتَّمتع في الحج هو: أنه يُحْرِم بالعمرة والحج جميعًا، ويُسمى: قارنًا، أو يُحْرِم بعمرةٍ، ثم إذا تحلل منها في أشهر الحج بعد رمضان، إذا طاف وسعى وقصَّر حَلَّ، ثم أحرم بالحج في وقته في اليوم الثامن من ذي الحجة، كما فعل أصحاب النبي بأمره عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الأفضل، أفضل من القِرَان.

كونه يُحْرِم بالعمرة بعد رمضان، في شوال، أو في ذي القعدة، أو أول ذي الحجة، ثم يتحلل منها بالطواف والسعي والتقصير، ثم يُلبي بالحج في وقته، هذا هو التمتع الكامل، وهذا هو الأفضل، وهو الذي أرشد إليه النبي ﷺ أصحابه، وأمرهم به إذا كان ما معهم هَدْيٌ، يعني: ما ساقوا هَدْيًا من بلادهم، ولا من الطريق، هذا هو السُّنة: أن يطوفوا ويسعوا ويُقَصِّروا، ويجعلوها عمرةً، حتى لو كانوا سَمَّوا الحجَّ عند الإحرام يَفْسَخُوه إلى عمرةٍ، ولو كانوا سَمَّوا حَجًّا وعمرةً جميعًا يجعلوها عمرةً، كما دلَّ عليه حديث ابن عمر المذكور هنا، فإن الصحابة منهم مَن أحرم بالحج من ذي الحُليفة، ومنهم مَن أحرم بالحج والعمرة جميعًا قِرَانًا، ومنهم مَن أحرم بالعمرة وحدها.

والنبي ﷺ أحرم بالحج والعمرة جميعًا، أَهَلَّ بالعمرة والحج جميعًا، قال: لبيك عُمرةً وحَجًّا كما ذكر ابن عمر، وذكره غيره.

فلما وصل مكة عليه الصلاة والسلام، لما دنا من مكة قال للناس الذين أحرموا بالعمرة، أو بالحج وحده، أو بهما جميعًا: اجعلوها عمرةً، فلما طافوا وسعوا أكَّد عليهم بأن يجعلوها عمرةً الذين ما معهم هَدْيٌ، وأما مَن كان معه هَدْيٌ فأمره أن يطوف ويسعى ويبقى على إحرامه، ومنهم النبي ﷺ، فبقي على إحرامه حتى حَلَّ يوم العيد من عُمرته وحجِّه؛ لأنه قد ساق الهَدْي من المدينة.

وكل مَن ساق الهَدْي من أي بلادٍ أو من الطريق يُشرع له أن يكون مُحْرِمًا بالحج والعمرة جميعًا، وأن يبقى على إحرامه، وإذا كان قد أَهَلَّ بالحج وحده فإنه يبقى على إحرامه حتى يَحِلَّ من حجِّه يوم النحر، وإن كان أحرم بهما أو بالعمرة وحدها فإنه يُلبي بالحج معها، فيبقى على إحرامه ما دام معه الهَدْي.

وبيَّن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما أن المتمتع عليه جزورٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ، أو شِرْكٌ في دمٍ؛ لقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] أي: فليذبح ما استيسر من الهَدْي، والمستيسر: ناقةٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ، أو سَبِيعٌ من البقرة أو البَدَنَة، أحد خمسة أمورٍ: إما ناقةٌ تامَّةٌ، أو بقرةٌ تامَّةٌ، أو شاةٌ، أو سُبْعٌ من بدنةٍ، أو سُبْعٌ من بقرةٍ، إذا كان مُتمتعًا بعمرةٍ، أو مُحْرِمًا بهما جميعًا.

ولما أفتى ابن عباسٍ أبا جمرة، نام أبو جمرة، ورأى في منامه قائلًا يقول له: حجٌّ مبرورٌ، ومُتعةٌ مُتقبلةٌ. فأخبر ابن عباسٍ بالرؤيا المذكورة، فقال له ابن عباسٍ: "سُنة أبي القاسم ﷺ"، يعني: هذه الرؤيا التي رأيتَها هي التي درج عليها الرسول ﷺ، وهي التي أفتى بها ابن عباسٍ، والرؤيا الصالحة تُؤيد الشرع، ولا تُخالفه.

وفي حديث حفصة رضي الله عنها ما يُوافق حديث ابن عمر، قالت: ما شأن الناس حَلُّوا من العمرة، ولم تَحِلَّ أنت من عُمرتك؟ قال: إني لَبَّدْتُ رأسي، وقَلَّدْتُ هَدْيي، فلا أحلَّ حتى أنحر.

حفصة هي بنت عمر، أم المؤمنين، دلَّ حديثها على أن الرسول ﷺ لم يحلَّ؛ لأن معه هَدْيًا، ساق معه ثلاثًا وستين بدنةً من المدينة، وأتاه من اليمن مع عليٍّ سبعٌ وثلاثون بدنةً، فصار الجميع مئة ناقةٍ أهداها عليه الصلاة والسلام.

فهكذا كل مَن أهدى لا يحلّ، بل يطوف ويسعى ويبقى على إحرامه حتى ينحر يوم النحر.

وأما الذي ما معه هَدْيٌ فإنه يطوف ويسعى ويُقَصِّر ويحلّ، كما أمر النبيُّ ﷺ الصحابة في حديث ابن عمر السابق، وفي أحاديث أخرى كثيرةٍ.

تلبيد الرأس: كونه يضم بعضه إلى بعضٍ، ويحطُّ فيه شيئًا يُمسكه -كصَمْغٍ أو نحوه- حتى لا يتشعب، هذا يُسمى: تلبيدًا.

وفي حديث عمران الدلالة على ما دلَّ عليه حديث ابن عمر وابن عباسٍ من أن العمرة باقيةٌ لم تُنْسَخ، وأن السُّنة أن يأتي بالعمرة إذا جاء إلى مكة: إما مُفردة، مُفْرِدًا بالحج، أو بهما جميعًا، إذا كان معه هَدْيٌ لا يحلّ، بل يبقى على إحرامه كما تقدم.

وعمران بن حصين انتقد مَن قال له: يأتي بحجٍّ مُفردٍ، وذكر أن السُّنة جاءت بالمتعة، وأنه قال رجلٌ برأيه ما شاء، يُشير إلى ما جاء عن عمر، وعن الصديق، وعن عثمان، أفتوا بأن الأفضل الحج المفرد، وهذا اجتهادٌ منهم رضي الله عنهم وأرضاهم، فهم أحبّوا أن يتكرر الناس إلى مكة، وأن تكون هناك سفراتٌ كثيرةٌ للحج والعمرة؛ اجتهادًا منهم.

والصواب ما قاله ابن عباسٍ في هذا، وما قاله عمران، وأن الأفضل أن يدخل بعمرةٍ، لا بحجٍّ مُفردٍ، هذا هو السنة، خلافًا لما يُروى عن الصديق، وعن عمر، وعن عثمان رضي الله تعالى عنهم، فهم قالوا عن اجتهادٍ، لكن السُّنة بخلاف ما ذكروا.

فالسنة لمن أتى إلى مكة من أي بلدٍ أن يُحْرِم بالعمرة من الميقات، أو بهما جميعًا، ثم يتحلل بطوافٍ وسعيٍ وتقصيرٍ، ويبقى حلالًا إلى وقت الحج، إلا أن يكون معه هَدْيٌ، إذا كان معه هَدْيٌ لا يحلّ حتى يحلَّ يوم النحر.

وأما إحرامه بالحج وحده فهو غير مشروعٍ، ليس بمشروعٍ، بل الأفضل تركه، لكن يُحْرِم بالعمرة، ثم يتحلل منها، ثم يُحْرِم بالحج في وقته، هذا هو الذي فعله الصحابة بأمر النبي ﷺ.

والنبي ﷺ حجَّ قارنًا؛ لأن معه الهَدْي، فمَن كان معه هَدْيٌ شُرِعَ له أن يفعل ما فعله النبي ﷺ من البقاء على إحرامه، يطوف ويسعى ويبقى على إحرامه حتى يحلَّ يوم النحر، ومَن كان ما معه هَدْيٌ فالسنة أن يفعل ما فعله الصحابة: يطوف ويسعى ويُقَصِّر ويتحلل، ولو كان سمَّى: حجًّا، يجعلها عمرةً، فإذا طاف وسعى وقصَّر تحلل وصارت عمرةً شرعيةً، وعليه الهَدْي إن قدر، فإن لم يستطع صام عشرة أيامٍ كما في حديث ابن عمر: ثلاثةً في الحج، وسبعةً إذا رجع إلى أهله، يعني: ثلاثةً في الحج، أي: قبل يوم عرفة، وسبعةً إذا رجع إلى أهله، فهذه هي السُّنة، كما قال جلَّ وعلا: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196]، هذا هو السنة.

وإن صام الثلاثة في أيام النحر أجزأه خاصةً للمُهْدِي، إذا عجز عن الهَدْي صامها أيام النحر، جازتْ له خاصةً دون بقية الناس، ولكن الأفضل أن يُقدمها على عرفة ويصومها قبل الحج، ثم السبعة عند أهله إذا رجع؛ تيسيرًا من الله وتسهيلًا منه .

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب الهَدْي

240- عن عائشة رضي الله عنها قالت: فَتَلْتُ قلائد هَدْي رسول الله ﷺ بيدي، ثم أشعرها وقلَّدها -أو قلَّدتُها- ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حَرُمَ عليه شيءٌ كان له حِلًّا.

241- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أهدى النبي ﷺ مرةً غَنَمًا.

242- وعن أبي هريرة : أن النبي ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنةً، فقال: اركبها، قال: إنها بدنةٌ! قال: اركبها، فرأيتُه راكبًا يُساير النبي ﷺ.

وفي لفظٍ: قال في الثانية أو الثالثة: اركبها، وَيْلَك! أو: وَيْحَكَ!.

243- وعن علي بن أبي طالب قال: أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بُدْنِه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأَجِلَّتها، وألا أُعطي الجزار منها شيئًا، وقال: نحن نُعطيه من عندنا.

244- وعن زياد بن جبير قال: رأيتُ ابن عمر قد أتى على رجلٍ قد أناخ بَدَنَتَه ينحرها، فقال: ابعثها قيامًا مُقيدةً، سنة محمدٍ ﷺ.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الخمسة كلها تتعلق بالهَدْي، وهو ما يُهْدَى إلى مكة من الهَدْي تَقَرُّبًا إلى الله ؛ ليُذْبَح هناك في الحرم.

والهَدْي إلى هناك سُنَّةٌ وقُرْبَةٌ، وقد أهدى النبي ﷺ غنمًا، وأهدى إبلًا عليه الصلاة والسلام، فالسنة ذبحها هناك، يعني: في الحرم؛ تَقَرُّبًا إلى الله ، وتُوزع بين الفقراء والمساكين -مساكين الحرم- وهذا الهَدْي سُنَّةٌ وقُرْبَةٌ وطاعةٌ.

أما الهَدْي الذي يجب بالتمتع والقِرَان، أو بشيءٍ من ترك الواجبات، أو فعل الـمُحرمات، فهذا يُسمى: هَدْيًا واجبًا، ويُسمى: فِدْيةً أيضًا.

أما هذا الهَدْي الذي ذكرتْ عائشةُ، وذكر عليٌّ وغيره، هذا الهَدْي الذي يتطوع به المؤمن من بلاده، أو يشتريه من الطريق، ويهديه إلى هناك: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95]، يتقرب به إلى الله .

تقول عائشة رضي الله عنها: إنها فَتَلَتْ قلائد هَدْي النبي ﷺ بيديها، ثم أشعرها.

وتقول: إنه أهدى مرةً غَنَمًا.

هذا يدل على أنه يُشرع الهَدْي من الغنم والإبل والبقر، كله قُرْبَةٌ، وكله طاعةٌ، وأن السنة أن تُقلد بقلائد تُعْرَف، وتُشْعَر الإبل.

والإشعار هو: أن تُجْرَح في سنامها جرحًا يُبين أنها هَدْيٌ، حتى لو عَطِبَتْ أو ضَلَّتْ يُعْرَف أنها هَدْيٌ، وهذا في الإبل خاصةً.

والقلائد: كونها تُقلد بقلادةٍ يُعْرَف أنها هَدْيٌ، قلادة معروفة: نعلٌ أو شيءٌ يُعْرَف أنه هَدْيٌ، شيءٌ تعارف الناس فيه أنه يُجعل على الهَدْي؛ حتى إذا ضلَّ أو عَطِبَ يُنْحَر ويُؤْكَل.

وفيه: أن الـمُهْدِي لا يحرم عليه شيءٌ كان له حلالًا؛ ولهذا قالت: "فما حَرُمَ عليه شيءٌ كان له حِلًّا" عليه الصلاة والسلام، فإذا أهدى فله أن يأتي أهله، وله أن يُقلم أظفاره، وله أن يحلق شعره، لا بأس عليه.

أما الـمُضَحِّي فلا، إذا أراد أن يُضحي مع دخول شهر ذي الحجة فإنه لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا، هذا للمُضَحِّي خاصةً، الذي ..... من ماله، يبذل المال ويشتري الضَّحية، يتطوع بها، هذا لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا، أما زوجته وأهله فليس عليهم بأسٌ من ذلك، هو الذي أخرج من ماله يريد أن يُضحي، إذا دخل الشهر -شهر ذي الحجة- فلا يأخذ شيئًا حتى يُضحي، أما إن كان وكيلًا على أنها ضحايا (سبالة) فليس بِمُضَحٍّ، ما عليه شيءٌ، له أن يأخذ من شعره وأظفاره؛ لأنه ليس بِمُضَحٍّ، وإنما هو وكيلٌ.

كذلك حديث البدنة، ركوب البدنة لا بأس، الإنسان إذا أهدى بدنةً له أن يركبها عند الحاجة، إذا احتاج إليها له أن يركب ركوبًا لا يضرها، وله أن يضع عليها الشيء الخفيف الذي لا يضرها، لا بأس بذلك؛ ولهذا قال له النبي ﷺ: اركبها وَيْلَكَ! أو: وَيْحَكَ!، فإذا احتاج إليها لا يمشي على الأرض، يركبها حتى يصل ركوبًا لا يضرها.

كذلك حديث عليٍّ فيه: أن الهَدْي يُقسم كله: لحومه وجلوده وأَجِلَّته؛ ولهذا قسم عليٌّ هَدْي النبي ﷺ، قسم لحمها وجلودها وأَجِلَّتها.

والجِلال إذا كان نواه الـمُهْدِي أنه هَدْيٌ يُقسم، وإن كان ما نواه، وإنما أراد تجليلها به ثم أخذه؛ فله نيته، فإذا نوى أنه هَدْيٌ فإنه يُوزع على الفقراء مع أَجِلَّتها، أو مع لحمها، أما إذا ما نواه هَدْيًا، وإنما جعله مُؤقتًا حتى تصل البلد، أو حتى تُنْحَر؛ فله نيته، وهذا التقسيم واجبٌ؛ لأنها للفقراء والمساكين، فتُقسم عليهم في الحرم: اللحوم والجلود والأَجِلَّة، إذا نوى تقسيمها تُقسم على الفقراء والمحاويج.

وفي هذا أن الجزار لا يُعطى شيئًا من اللحم، ولا من الجلود؛ ولهذا قال له: نحن نُعطيه من عندنا، فدلَّ ذلك على أن الجزار لا يُعطى أجرته من الهَدْي، وإنما يُعطى من الخارج، والهَدْي كله يكون لله، لا تكون فيه أجرة الجزار، ولا غير الجزار.

وفي حديث ابن عمر -وهو الحديث الخامس- الدلالة على أن الإبل تُذْبَح واقفةً، تُنْحَر واقفةً، معقولةً يدها اليُسرى.

هذا إذا تيسر، إذا استطاعوا، إذا استطاع النَّاحر أن يذبحها واقفةً نحرها واقفةً، وتُعقل يدها اليُسرى، تُنْحَر وهي على ثلاثٍ، هذا هو السنة، فإن لم يتيسر ذلك أناخها ونحرها ولا بأس، إذا خاف منها أو لم يستطع؛ لكونها شديدةً.

والمقصود من ذلك أنه إذا لم يتيسر نحرها وهي واقفةٌ، فلا مانع من نحرها وهي مُناخةٌ، وإن تيسر أن تُنْحَر وهي واقفةٌ معقولةٌ يدها اليُسرى فهذا هو الأفضل وهو السنة.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب الغُسْل للمُحرم

245- عن عبدالله بن حُنَين: أن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما والـمِسْوَر بن مَخْرَمَة اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباسٍ: يغسل الـمُحْرِم رأسَه. وقال المسور: لا يغسل الـمُحْرِم رأسه. قال: فأرسلني ابن عباسٍ إلى أبي أيوب الأنصاري، فوجدتُه يغتسل بين القرنين، وهو يستتر بثوبٍ، فسلمتُ عليه. فقال: مَن هذا؟ فقلتُ: أنا عبدالله بن حُنَين، أرسلني إليك ابن عباسٍ يسألك: كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو مُحْرِمٌ؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب فَطَأْطَأَه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسانٍ يَصُبُّ عليه الماء: اصْبُبْ. فَصَبَّ على رأسه، ثم حرَّك رأسه بيديه، ثم أقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيتُه ﷺ يفعل.

وفي روايةٍ: فقال المسور لابن عباسٍ: لا أُماريك بعدها أبدًا.

باب فسخ الحج إلى العمرة

246- عن جابرٍ قال: أَهَلَّ النبيُّ ﷺ وأصحابُه بالحج، وليس مع أحدٍ منهم هَدْيٌ غير النبي ﷺ وطلحة، وقدم عليٌّ من اليمن فقال: أَهْلَلْتُ بما أَهَلَّ به النبيُّ ﷺ. فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرةً؛ فيطوفوا، ثم يُقَصِّروا ويَحِلُّوا، إلا مَن كان معه الهَدْي، فقالوا: ننطلق إلى مِنًى وذكر أحدنا يقطر! فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أن معي الهَدْي لأحللتُ.

وحاضتْ عائشة، فَنَسَكَت المناسك كلها غير أنها لم تَطُف بالبيت، فلما طهرتْ طافتْ بالبيت، قالت: يا رسول الله، ينطلقون بحجٍّ وعمرةٍ وأنطلق بحجٍّ! فأمر عبدالرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التَّنعيم، فاعتمرتْ بعد الحج.

247- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرةً.

248- وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعةٍ من ذي الحجة مُهِلِّين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرةً، فقالوا: يا رسول الله، أي الحِلّ؟ قال: الحِلّ كله.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث تتعلق بشؤون الحج.

الحديث الأول: حديث ابن عباسٍ والمسور في قصة الغُسل للمُحْرِم، حديث ابن عباسٍ والمسور في اختلافهما في ذلك.

قال ابن عباسٍ: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسله.

ووجه إشكال المسور: أن المسور بن مَخْرَمَة -وهو صحابيٌّ صغيرٌ- ظنَّ أن الغُسل لا يجوز للمُحرم؛ لأنه قد يُسبب شيئًا من السقوط للشعر عند تحريك غَسْل الرأس.

وابن عباسٍ استند إلى ما جاء عن النبي ﷺ في ذلك؛ فلهذا أرسل عبدالله بن حُنَين إلى أبي أيوب الأنصاري -وهو خالد بن زيد الأنصاري- يسأله عن ذلك، فبيَّن له أبو أيوب أن الرسول كان يغسل رأسه عليه الصلاة والسلام، كان يَصُبُّ الماء على رأسه، فَيَمُرّ بيديه على رأسه، فدلَّ ذلك على أنه لا بأس من اغتسال المحرم، وهذا هو الصواب؛ لأنه فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

فالمحرم لا بأس أن يغتسل للحَرِّ، أو لإزالة الوَسَخ، أو نحو ذلك، أو قد يحتلم -تُصيبه جنابةٌ بالاحتلام- فيغتسل، لا يضرُّه ذلك، ولو أَمَرَّ يديه على رأسه لا يضرُّ حتى لو سقط شيءٌ من الشعر؛ لأن الشعر الذي يسقط قد يكون شعرًا ميتًا لا يضرُّ، فلو سقط شيءٌ من الشعر عند مروره بيديه على رأسه لم يضرَّه ذلك؛ لأن مثل هذا الشعر إنما يكون شعرًا ميتًا يسقط بأقلّ لمسٍ.

وبذلك ظهر إصابة ابن عباسٍ في جواز غَسْل الـمُحْرِم رأسه؛ ولهذا قال المسور: "لا أُماريك بعدها أبدًا"، يعني: لظهور الحُجَّة معه والدليل.

وكان ابن عباسٍ بحرًا في العلم، قد أعطاه الله علمًا كثيرًا، وحفظ من السنة الشيء الكثير، وتفقه فيها، وسأل عنها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ ولهذا حصل على علمٍ كثيرٍ ؛ ولهذا يُقال له: حبر الأمة، وترجُمان القرآن رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وفي الأحاديث الثلاثة -حديث جابرٍ، وجابر، وابن عباسٍ- الدلالة على شرعية فسخ الحج إلى العمرة، وأن مَن قدم مكة بحجٍّ مُفردٍ، أو بحجٍّ وعُمرةٍ قارنًا، وليس معه هَدْيٌ، فإن السنة أن يفسخ حجَّه إلى عمرةٍ، يعني: يجعل إحرامه عمرةً؛ لأن الرسول ﷺ أمر الصحابة بذلك لما قدموا في حجة الوداع، أشار عليهم أن يجعلوها عمرةً لما دنوا من مكة، فلما طافوا وسعوا أمرهم أن يجعلوها عمرةً، وسألوه: أيّ الحِلّ؟ قال: الحِلّ كله.

وكان أغلبهم ليس معه هَدْيٌ، وإنما أهدى النبيُّ ﷺ وطلحة، وقدم عليٌّ بإبلٍ من اليمن، فأمره النبيُّ ﷺ أن يبقى على إحرامه؛ لأنه مُهْدٍ، وأمر الذين ليس معهم هَدْيٌ أن يحلُّوا ويطوفوا بالبيت وبالصفا والمروة، ثم يُقَصِّروا ويحلُّوا حِلًّا كاملًا، تكون عمرةً مُستقلةً كاملةً، له أن يلبس المخيط عند ذلك، وله أن يُجامع أهله ويتطيب؛ لأنه حِلٌّ كاملٌ.

وقال عليه الصلاة والسلام: لولا أن معي الهَدْي لأحللتُ، ولو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولجعلتُها عمرةً؛ لما رأى عندهم من الشك والتوقف، حتى بَصَّرهم وبيَّن لهم عليه الصلاة والسلام أن هذا الأمر هو الأمر المشروع، فسمعوا وأطاعوا وحلُّوا بعدما طافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة، فدلَّ ذلك على أن هذا هو الأفضل، وأن مَن قدم إلى بيت الله العتيق بعد رمضان في أشهر الحج فالأفضل له أن يجعلها عمرةً، ومن باب أولى مَن قدم قبل ذلك يُحْرِم بالعمرة فقط.

وأَنْسَاك العمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسعيٌ، وتقصيرٌ أو حلقٌ.

هذه أَنْسَاكها: يُحْرِم من الميقات بنية الدخول في العمرة، ثم يُلبي، ثم يَسْتَهِلُّ بالتلبية الشرعية: لبيك اللهم لبيك .. إلى آخره، فإذا وصل مكة طاف بالبيت سبعة أشواطٍ، وصلى ركعتين خلف المقام، ثم سعى سبعة أشواطٍ بين الصفا والمروة، ثم قصَّر أو حلق، هذه هي العمرة.

ثم يبقى إذا كان قصده الحج، يبقى حتى يأتي وقت الحج، فإذا جاء وقت الحج لبَّى بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة، هذا هو الأفضل كما فعل الصحابة بأمر النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع؛ أمرهم لما كان اليوم الثامن أن يُلَبُّوا بالحج، وبقي على إحرامه هو عليه الصلاة والسلام؛ لأنه ساق الهَدْي، وهكذا مَن ساق الهَدْي من أصحابه بقي على إحرامه.

وقالت عائشةُ رضي الله عنها: "يا رسول الله، تنطلقون بحجةٍ وعمرةٍ وأنطلق بحجٍّ!"؛ لأنها حاضتْ فلم يتيسر لها أن تَحِلَّ من العمرة مثلما حَلَّ الناس، وأمرها النبي ﷺ أن تدخل حجّها بالعمرة؛ لأنه جاء وقت الخروج من مِنًى وهي في حيضها، فأمرها أن تُهِلَّ بالحج، وأن تكون قارنةً، فَأَهَلَّتْ بالحج، وصارتْ قارنةً، فلما جاء يوم النحر طافتْ وسعتْ وقصَّرتْ، وقال: يُجزئك هذا عن حجِّك وعُمرتك، صارت قارنةً، أجزأها طوافها وسعيها.

فقالتْ: "يا رسول الله، تنطلقون بحجةٍ وعمرةٍ" أي: بحجةٍ مُفردةٍ، وعُمرةٍ مُفردةٍ، تعني: أصحابها الذين ليس معهم هَدْيٌ، وأزواج النبي ﷺ كلهن ليس معهن هَدْيٌ، كل أزواج النبي ﷺ حَلَلْنَ، جعلنها عمرةً؛ فلهذا أمر النبي ﷺ عبدالرحمن أخاها أن يُعْمِرها من التنعيم، يعني: يخرج بها إلى التنعيم، وهو حِلٌّ قريبٌ من مكة، أقرب الحِلِّ إلى مكة، فخرج بها، وأحرمتْ من هناك بالعمرة، وطافتْ وسعتْ وقصَّرتْ، وصارت لها عمرةٌ مُستقلةٌ بعد الحج.

فدلَّ ذلك على أنه لا حرج لمن أراد عمرةً من مكة أن يخرج إلى التنعيم، أو إلى أدنى الحِلِّ فيعتمر، وهكذا مَن حجَّ قارنًا، ثم أراد أن يأخذ عمرةً مُفردةً كما فعلتْ عائشة فلا بأس.

أما النبي ﷺ وأصحابه فاكتفوا بعُمرتهم، ولم يخرجوا إلى الحِلِّ، فدلَّ ذلك على أن الأمر واسعٌ؛ مَن أراد أخذ عمرةٍ فلا بأس، ومَن ترك فلا بأس.

وفيه: أن هذا الحِلَّ حِلٌّ كاملٌ كما قال ابن عباسٍ، حِلٌّ كاملٌ مثل حِلِّه بعد الحج، كما أن الحَالَّ في الحج إذا طاف وسعى وقصَّر يوم العيد، أو حلق ورمى الجمرة يوم العيد يكون حِلُّه كاملًا، رمى الجمرة، وطاف بالبيت، وسعى، وقصَّر أو حلق؛ تمَّ حِلُّه، فهكذا العمرة، إذا طاف وسعى وقصَّر حِلٌّ كاملٌ، له أن يأتي النساء، ويلبس المخيط الرجل ويتطيب، والمرأة كذلك لها أن يُباشرها زوجها، وأن تتطيب؛ لأنها حَلَّتْ حِلًّا كاملًا بطوافها وسعيها وتقصيرها بالعمرة.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "فسخ الحج إلى العمرة":

249- وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: سُئل أسامة بن زيدٍ -وأنا جالسٌ-: كيف كان رسول الله ﷺ يسير حين دفع؟ فقال: كان يسير العَنَق، فإذا وجد فَجْوَةً نَصَّ.

250- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه.

الشيخ: وعن عبدالله؟

القارئ: وعن عبدالله بن عمر.

الشيخ: عبدالله بن عمرو، بالواو.

القارئ: عمرو؟

الشيخ: بالواو، نعم، ابن العاص، عمرو بن العاص.

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجلٌ: لم أشعر فحلقتُ قبل أن أذبح؟ قال: اذبح، ولا حرج، وقال الآخر: لم أشعر فَنَحَرْتُ قبل أن أرمي؟ فقال: ارْمِ، ولا حرج، فما سُئل يومئذٍ عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّرَ إلا قال: افعل، ولا حرج.

251- وعن عبدالرحمن بن يزيد النخعي: أنه حجَّ مع ابن مسعودٍ، فرآه يرمي الجمرة الكُبرى بسبع حصياتٍ، فجعل البيت عن يساره، ومِنًى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي أُنزلتْ عليه سورة البقرة ﷺ.

252- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: والمقصرين.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بشؤون الحج.

الحديث الأول: أن أسامة بن زيد -وهو ابن حارثة مولى النبي ﷺ وحِبِّه وابن حِبِّه أيضًا- سُئل عن كيفية سير النبي ﷺ لما دفع، أي: من عرفاتٍ إلى مُزدلفة، قال: "كان يسير العَنَق، فإذا وجد فجوةً نَصَّ".

الدفع من عرفاتٍ إلى مُزدلفة في الغالب يكون فيه الزحام والكثرة، فكان ﷺ يسير سيرًا مُنْبَسِطًا، خفيفًا، ليس فيه عجلةٌ؛ لئلا تحصل مَضَرَّةٌ على الناس، وكان يقول لهم: أيها الناس، السكينة، السكينة كما في حديث جابرٍ: فإن البِرَّ ليس بالإيضاع أي: ليس بالإسراع، فالسنة للناس إذا دفعوا من عرفاتٍ ألا يعجلوا، وأن يطمئنوا، سواء في السيارات، أو على أقدامهم، أو على إبلٍ، أو غير ذلك، فالسنة لهم عدم العجلة؛ حتى لا يضرَّ بعضهم بعضًا.

ومعنى "العَنَق" يعني: السير الخفيف الذي ليس فيه سرعةٌ.

"فإذا وجد فَجْوَةً" يعني: مُتَّسَعًا، "نَصَّ" يعني: أسرع قليلًا إذا وجد مُتَّسَعًا؛ حتى يُخفف على الناس ينطلق، هكذا ينبغي عند وجود مُتَّسعٍ يعجل قليلًا، وإذا كان المقام ليس مقام سعةٍ رَفَقَ، ولم يُسرع: لا في دابته، ولا في سيارته، ولا بقدمه، يرفق؛ حتى لا يضرَّ أحدًا من الناس.

وهكذا في مواضع الزحام: كالانصراف من مُزدلفة إلى مِنًى، ومن مِنًى إلى مكة، إذا كان هناك زحامٌ هكذا ينبغي أن يكون في عدم السرعة إلا إذا كانت هناك فجوةٌ؛ فإنه يعجل قليلًا على وجهٍ لا يضرّ أحدًا، وكان لما أتى مُحَسِّرًا أسرع قليلًا عليه الصلاة والسلام عند انصرافه من مُزدلفة إلى مِنًى.

والحديث الثاني حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ سُئل يوم العيد -يوم النحر- وهو واقفٌ للناس يسألونه بين الجمرتين، لما رمى جمرة العقبة، فقال له بعض الناس: يا رسول الله، لم أشعر فحلقتُ قبل أن أذبح؟ قال: اذبح، ولا حرج، وقال آخر: نحرتُ قبل أن أرمي؟ قال: ارْمِ، ولا حرج، فما سُئل يومئذٍ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّر إلا قال: افعل ولا حرج.

هذا يدل على التيسير في هذه الأمور التي تُفعل يوم العيد، وأنه إذا قُدِّم بعضها على بعضٍ فلا حرج، لكن السنة أن يبدأ بالرمي، يرمي جمرة العقبة كما فعل النبي ﷺ، ثم ينحر إن كان عنده نحرٌ، ثم يحلق أو يُقصر، والحلق أفضل، ثم يطوف، هذه السنة بهذا الترتيب:

  • أولًا: الرمي، يرمي جمرة العقبة يوم العيد.
  • ثانيًا: ينحر إن كان عنده نحرٌ، إن كان عنده ذبحٌ.
  • ثالثًا: يحلق رأسه بعد الذبح، هذا هو الأفضل، أو يُقصر، والحلق أفضل، الحلق: التحسين، يُسميه الناس: التحسين، يعني: إزالة الشعر بالموسى كله، والتقصير: أخذ بعضه من الأطراف.
    والحلق في الحج أفضل، وهكذا في العمرة إذا كانت العمرة بعيدةً عن الحج، أما إذا كانت العمرة حول الحج وقُرْب الحج فالسنة فيها التقصير؛ حتى يبقى الحلق للحج.
  • الرابع: الطواف والسعي إن كان عليه سعيٌ، وهو الأخير، هذا هو الأفضل، لكن لو قَدَّم بعضها على بعضٍ بأن حلق قبل أن يذبح، أو نحر قبل أن يرمي، أو طاف قبل أن يرمي، أو طاف قبل أن يذبح، كله جائزٌ -والحمد لله- هذه توسعةٌ؛ ولهذا قال: ما سُئل يومئذٍ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قال: افعل ولا حرج، وهكذا جاء هذا المعنى عن ابن عباسٍ وغيره.

والأعمال يوم العيد: من رميٍ، وذبحٍ، وحلقٍ أو تقصيرٍ، وطوافٍ، وسعيٍ، كل هذه إذا قَدَّم بعضها على بعضٍ فلا حرج، لكن الترتيب أفضل، الترتيب هو الأفضل مع القُدرة، ومع التيسير: يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق أو يُقصر -والحلق أفضل- ثم يطوف، ثم يسعى، هذا الترتيب المشروع.

والحديث الثالث حديث ابن مسعودٍ: لما رمى الجمرة يوم العيد جعل البيت عن يساره، ومِنًى عن يمينه ، ورمى الجمرة مُستقبلًا لها.

جعل البيت –يعني: الكعبة- عن يساره، ومِنًى عن يمينه، مُستقبلًا الشمال من جهة الجنوب، البيت عن يساره، ومِنًى عن يمينه، والشمال أمامه، يعني: الجمرة أمامه، ورماها بسبع حصياتٍ، يُكبر مع كل حصاةٍ، ويقول: "هذا مقام الذي أُنزلتْ عليه سورة البقرة" يعني: النبي ﷺ.

وكونه نصَّ على البقرة؛ لأن فيها غالب أعمال الحج؛ ولهذا نصَّ عليها، قال: سورة البقرة، يعني: هو .... تفسيرها، هذا مقام، وهذا موقف، وهذا هو الأفضل.

وإن رمى من أي جانبٍ أجزأه، إذا رماها من أي جانبٍ في الحوض أجزأه، ولكن كونه يرمي من هذا المكان أفضل، كما ذكر ابن مسعودٍ، يعني: جعلها أمامه، والبيت عن يساره، ومِنًى عن يمينه، هذا هو الأفضل، ولو رماها من أي جهةٍ حتى سقطت الحصاة في الحوض كفى ذلك.

والحديث الرابع حديث عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين. قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين. قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين. قال: والمقصرين في الرابعة.

هذا يدل على أن الحلق أفضل، والحلق: أخذ شعر الرأس كله بالموسى، هذا هو الحلق، هذا هو الأفضل في الحج، وإن قصَّر فلا بأس، ولكن الحلق أفضل؛ ولهذا دعا للحالقين بالمغفرة والرحمة ثلاث مراتٍ، والمقصرين في الرابعة، فدلَّ هذا على أن الحلق أفضل.

وهكذا في العمرة الحلق أفضل إلا إذا كانت العمرة قريبةً من الحج في ذي القعدة، أو أول ذي الحجة، فالتقصير فيها أفضل؛ ولهذا أمر النبيُّ ﷺ أصحابه لما اعتمروا في ذي الحجة أن يُقصروا؛ حتى يكون التحليق ..... في نُسُك الحج؛ لأن الحج أفضل وأعظم، فيكون الأعظم للأعظم، والمفضول للمفضول، فالعمرة دون الحج، والتقصير دون الحلق، والتقصير للعمرة إذا كانت قريبةً من الحج يكون أفضل، ويبقى الحلق للحج؛ حتى لا يذهب الرأس كله للعمرة، يأخذ من الرأس ما تيسر من التقصير بالمقراض -أي: بالمقص أو بالماكينة- ويبقى الباقي للحج حَلْقًا.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "فسخ الحج إلى العمرة":

253- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: حججنا مع النبي ﷺ، فأفضنا يوم النحر، فحاضتْ صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلتُ: يا رسول الله، إنها حائض. فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضتْ يوم النحر. قال: اخرجوا.

وفي لفظٍ: قال النبي ﷺ: عَقْرَى، حَلْقَى، أطافتْ يوم النحر؟ قيل: نعم. قال: فانفري.

254- وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض.

255- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: استأذن العباس بن عبدالمطلب رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي مِنًى من أجل سقايته، فأذن له.

256- وعنه قال: جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجَمْعٍ، يجعل لكل واحدةٍ منهما إقامةً، ولم يُسبح بينهما، ولا على إثر واحدةٍ منهما.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة كلها لها تعلقٌ بالحج.

الحديث الأول: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أفضنا مع رسول الله ﷺ يوم النحر، فحاضتْ صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، قيل: يا رسول الله، إنها حائض. قال: أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضتْ. قال: اخرجوا، وفي اللفظ الآخر: انفروا، وفي اللفظ الآخر: عَقْرَى، حَلْقَى، أفاضتْ يوم النحر؟ قالوا: نعم.

هذا يدل على فوائد:

  • منها: أن النكاح يحلُّ للرجل من أهله -جماعه من أهله- إذا أفاضتْ بعد الرمي والتقصير، وبعد رميه وحلقه؛ لأن هذا هو الحِلُّ كله، وقد رمى النبي ﷺ يوم النحر، ونحر وحلق، ثم أفاض، وهكذا زوجاته رَمَيْن، ونحر عنهن عليه الصلاة والسلام، وقَصَّرْنَ وطُفْنَ يوم النحر، فتمَّ الحِلُّ كله.
  • وفيه من الفوائد: أن المرأة تحبس رِفْقَتها إذا كانت حائضًا حتى تطوف طواف الإفاضة، وأن عليهم أن يرقبوها وينتظروها حتى تطوف، وألا يتركوها.
  • وفيه من الفوائد: أن الحائض لا تطوف، فعليها أن تنتظر حتى تغتسل، فليس لها الطواف، كما أنها لا تُصلي كذلك لا تطوف، فالطواف أيضًا صلاةٌ، وكما أنها لا تُصلي حتى تطهر، فهكذا لا تطوف حتى تطهر؛ ولهذا قال: أحابستنا؟ يعني: عن السفر.
  • وفيه من الفوائد: جواز الدعاء غير المقصود، عَقْرَى، حَلْقَى كلمات دعاء غير مقصودةٍ، كما يُقال: تَرِبَتْ يمينك، تَرِبَتْ يداك، ثَكِلَتْكَ أمك، وما أشبه ذلك مما يجري على اللسان من غير قصدٍ؛ للتوبيخ، أو لتأكيد الكلام، أو نحو ذلك، فلا يكون مُؤاخذًا به الإنسان؛ لأنه يجري على اللسان من غير قصد السَّبِّ، وإنما بقصد تأكيد الشيء، أو التحذير منه.
  • وفيه من الفوائد أيضًا: تذكير الإنسان بما قد يفوته ويجهله؛ لأنهم ذكَّروه أنها قد أفاضتْ.
  • وفيه من الفوائد أيضًا: سقوط طواف الوداع عن الحائض؛ لأنه قال: انفروا؛ لأنه لا وداع عليها، الحائض ليس عليها وداعٌ، وهكذا النُّفساء؛ ولهذا في حديث ابن عباسٍ: "أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض"، فالحائض والنُّفساء لا وداع عليهما؛ لأنهما ممنوعتان من الطواف، وفي حبسهما مضرةٌ عليهما، وعلى رِفْقَتهما، فمن رحمة الله أن سامحهما عن ذلك، وعفا عنهما، ولا دم عليهما أيضًا، لا وداع، ولا دم عليهما من جهة الوداع، بل مَعْفُوٌّ عن ذلك.
  • وفيه: أن الوداع يكون آخر شيءٍ عند إنهاء الإقامة وتمام الحج، إذا أراد السفر يطوف للوداع بعدما ينتهي من كل شيءٍ، يكون آخر عهده الطواف بالبيت، وهذا عامٌّ للرجال والنساء إلا الحائض والنُّفساء.

الحديث الثالث: حديث العباس في أنه استأذن في أن يبيت بمكة ليالي مِنًى من أجل سقايته، فأذن له.

هذا يدل على أن السُّقاة ليس عليهم مبيتٌ بمِنًى من أجل سقاية الحاج؛ ولهذا أذن النبي ﷺ للعباس بن عبدالمطلب –عمه- أن يبيت بمكة من أجل السقاية.

ويُلحق بذلك -كما جاء في الحديث الآخر- الرُّعاة، ليس عليهم مبيتٌ، وهكذا مَن كانت لهم حاجةٌ شديدةٌ: كالحارس، والطبيب الذي يُحتاج إليه في أيام مِنًى -في ليالي مِنًى- لحاجة الحجيج ونحوهم، ومَن خاف على أهله، ونحو ذلك ممن له عذرٌ شرعيٌّ؛ إلحاقًا له بسقاية الحاج وبالرُّعاة، والمريض الذي يحتاج للطبيب، ولا يتوفر له في مِنًى ينزل ليالي مِنًى كذلك.

الحديث الأخير: كذلك الجمع بين المغرب والعشاء في مُزدلفة، هذا أيضًا مما يُشرع للحجيج، كما يجمعون في عرفاتٍ بين الظهر والعصر، يُشرع لهم أيضًا الجمع بين المغرب والعشاء في مُزدلفة؛ لأنه فعله النبيُّ ﷺ؛ ولأنهم في حاجةٍ إلى ذلك، إذا جاؤوا من عرفاتٍ فهم في حاجةٍ إلى الجمع؛ حتى يستريحوا بعد ذلك بعد وقوفهم بعرفاتٍ.

فإذا وصل الحاجُّ إلى مُزدلفة بادروا بالصلاة، فصلوا جمعًا المغرب والعشاء، ولو جاؤوا مُبكرين، ولو جاؤوا قبل غروب الشَّفَق، متى وصلوا إلى مُزدلفة شُرِعَ لهم أن يُصلوا بجمعٍ، كما أنهم إذا زالت الشمس في عرفاتٍ شُرِعَ لهم البدار بصلاة الظهر والعصر جمعًا وقَصْرًا؛ حتى يتفرغوا للدعاء والذكر في عرفاتٍ إلى الغروب، فهكذا إذا انصرفوا إلى مُزدلفة يُصلون بها المغرب والعشاء، ثم ينامون ويرتاحون، كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام.

ولا فرق بين كونهم جاؤوها مُبكرين أو مُتأخرين، متى وصلوا صلوا المغرب والعشاء إلا إذا حُبِسُوا في الطريق، وخشوا فوات الوقت صلوا في الطريق؛ لأنه لا يجوز تأخيرها إلى نصف الليل، فإذا كان الحاجُّ لم يتيسر له الوصول إلى مُزدلفة بسبب الزحمة في السيارات أو عطلٍ في السيارة صلى في مكانه، ولا يُؤجل إلى بعد نصف الليل، لا بد أن تكون الصلاة قبل نصف الليل: صلاة المغرب والعشاء؛ لأن وقت العشاء إلى نصف الليل -وقتها الاختياري- ولا يجوز التأخير إلى ما بعد نصف الليل، فإذا حُبِسَ في الطريق، أو تعطلتْ سيارته، أو حصلتْ له زحمةٌ منعته؛ صلى في الطريق، والحمد لله.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب الـمُحْرِم يأكل من صيد الحلال

الشيخ: من صيدِ حلالٍ.

باب الـمُحْرِم يأكل من صيدِ حلالٍ

257- عن أبي قتادة الأنصاري : أن رسول الله ﷺ خرج حاجًّا، فخرجوا معه، فصرف طائفةً منهم -فيهم أبو قتادة- وقال: خُذُوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة، فلم يُحْرِم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُر وَحْشٍ، فحمل أبو قتادة على الحُمُر فعقر منها أتانًا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل من لحم صيدٍ ونحن مُحْرِمون؟! فحملنا ما بقي من لحمها، فأدركنا رسول الله ﷺ، فسألناه عن ذلك، فقال: منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ: فكلوا ما بقي من لحمها.

وفي روايةٍ: هل معكم منه شيءٌ؟ فقلتُ: نعم. فناولتُه العَضُد فأكل منها.

258- وعن الصَّعْب بن جَثَّامَة الليثي : أنه أهدى إلى النبي ﷺ حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء -أو بِوَدَّان- فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نردّه عليك إلا أنا حُرُمٌ.

وفي لفظٍ لمسلمٍ: رِجْل حمارٍ.

وفي لفظٍ: شِقّ حمارٍ.

وفي لفظٍ: عَجُز حمارٍ.

قال المصنف: وجه هذا الحديث: أنه ظنَّ أنه صِيدَ لأجله، والـمُحْرِم لا يأكل ما صِيدَ لأجله.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذان الحديثان الصحيحان -حديث أبي قتادة الأنصاري وحديث الصَّعْب بن جثَّامة الليثي- في شأن الصيد الذي يُهْدَى للمُحْرِم.

الصيد الذي يُهْدَى للمُحْرِم فيه تفصيلٌ: فإن كان الصيد الذي يُهْدَى للمُحْرِم حيًّا -كحمار وحشٍ حيٍّ أو غزالٍ حيٍّ أو أرنبٍ حيَّةٍ- فلا يقبله الـمُحرم، كما ردَّه النبي ﷺ على الصَّعْب بن جَثَّامَة -الحمار الوحشي-؛ لأن الـمُحرم لا يصيد ولا يشتري الصيد وهو مُحْرِمٌ، ولا يقبله هديةً وهو مُحرمٌ.

أما إن كان مذبوحًا فهذا فيه تفصيلٌ: فإن كان الصيد ذبحه مُحْرِمٌ لم يحلّ على الـمُحْرِم، ولا لغير الـمُحرم؛ لأنه ذبحٌ غير شرعيٍّ، إذا كان ذبحه الـمُحرم فيكون في حقِّه كالميتة حرام.

أما إن كان الذي ذبحه حلالًا، ولم يذبحه من أجل الـمُحْرم، بل ذبحه لنفسه، أو ليبيعه، أو ليأكل منه، ثم أهدى منه للمُحْرم؛ فلا بأس، فلا حرج؛ ولهذا لما صاد أبو قتادة الحمار الوحشي، وأهدى منه للصحابة الـمُحْرمين أكلوا، فلما توقفوا وسألوا النبيَّ ﷺ عن ذلك قال: لا بأس، إذا كنتم لم تأمروه، ولم تُشيروا عليه بشيءٍ، فلا بأس. فأكل منه ﷺ، ناولوه العَضُد فأكل منها، فدلَّ ذلك على أن الحلال إذا صاد صيدًا ولم يُساعده الـمُحْرم لا بإشارةٍ، ولا بأمرٍ، ولا بآلةٍ، ولم يصده لأجله؛ فلا حرج.

أما إن كان الـمُحْرم ساعده، أو أشار إليه، أو أعطاه السَّوط، أو أعطاه الرمح، أو ما أشبه ذلك؛ فإنه لا يحلّ له، أو صاده الحلال لأجل الـمُحْرم؛ فلا يحلّ للمُحْرم.

وعلى هذا تُحمل رواية الصَّعْب بن جَثَّامَة التي فيها أنه أهدى رِجْل حمارٍ، أو عَجُز حمارٍ، أو شِقَّ حمارٍ، تُحمل على أنه صاده لأجله، يعني: لأجل النبي ﷺ؛ فلهذا ردَّه النبي ﷺ عليه.

وهذا معنى حديث جابرٍ في السنن، يقول الرسول ﷺ: صيد البَرِّ لكم حلالٌ ما لم تصيدوه أو يُصَدّ لكم، فإذا صاده الـمُحْرم أو صِيدَ من أجله فلا يحلّ، أما إذا كان ما صاده الـمُحرم، ولا صِيد لأجله، وصاده الحلال؛ فلا بأس، وهذا معنى: صيد البَرِّ لكم حلالٌ ما لم تصيدوه أو يُصَدّ لكم، فإذا صاده الـمُحْرم حَرُمَ، أو صِيدَ لأجله حَرُمَ.

أما إذا كان صاده الحلال -كما فعل أبو قتادة- لا من أجل الـمُحْرم فإنه حلالٌ، يأكل منه الـمُحْرم، ويأكل منه الحلال؛ لأنه لم يُصدّ من أجله، ولم يُساعد فيه، ولم يُشارك فيه، فإذا ساعد عليه بإشارةٍ أو بسلاحٍ أو بأمرٍ أو أُعطي حيًّا -سُلِّمَ له حيٌّ- هذا لا يجوز، أو صِيدَ من أجله.

فهذه أحوالٌ ثلاثةٌ:

  • الأولى: أن يُصاد لأجله.
  • الثانية: أن يُساعد فيه ويُشير إليه.
  • الثالثة: أن يكون حيًّا.

ففي هذه الثلاث لا يحلّ للمُحْرِم، أما غير هذه الثلاث فلا بأس، إذا صاده الحلال وليس له نيةٌ أن يُعطيه الـمُحْرم، ولم يُساعده الـمُحْرم، ولم يُعْطِه إلا قطعةً من الصيد، ما أعطاه حيوانًا حيًّا؛ فلا بأس.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

كتاب البيوع

259- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا تبايع الرجلان فكل واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا وكانا جميعًا، أو يُخَيِّر أحدهما الآخر.

الشيخ: بالجزم: أو يُخَيِّرْ، ما لم يتفرَّقا .. أو يُخَيِّرْ عطفًا على: يتفرَّقا.

أو يُخَيِّر أحدهما الآخر.

قال: فإن خَيَّرَ أحدُهما الآخر فَتَبَايَعَا على ذلك فقد وجب البيع.

260- وعن حكيم بن حزامٍ قال: قال رسول الله ﷺ: البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا -أو قال: حتى يتفرَّقا-، فإن صَدَقَا وبَيَّنَا بُورِك لهما في بيعهما، وإن كَتَمَا وكَذَبَا مُحِقَتْ بركة بيعهما.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذان الحديثان الصحيحان في شأن الخيار في البيع -من طريق ابن عمر رضي الله عنهما، وهو عبدالله بن عمر بن الخطاب، ومن طريق حكيم بن حزام القرشي المعروف رضي الله عن الجميع- يدلان على أن البَيِّعين بالخيار.

والبيع معروفٌ، هو مُبادلة مالٍ بمالٍ، يُقال له: بيعٌ، مُبادلة المال بالمال، سواء كان المال عينًا أو منفعةً يُسمى: بيعًا في لغة العرب، كما قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275] يعني: التبادل، تبادل المال بشروط، منها: الرضا، والملك ..... والرُّشد، إلى غير هذا من شروط البيع المعروفة.

فإذا تمَّت شروطه فهو صحيحٌ، ولصاحبه الخيار، وللمُشتري كذلك ما لم يتفرقا، ما داما في المجلس، فإذا تمَّ البيع بينهما في أرضٍ -مثلًا- أو سيارةٍ أو حيوانٍ -بعير أو فرس- أو غير ذلك تمَّ البيع بينهم، اتَّفقوا على الثمن، وانتهى البيع، كل واحدٍ بالخيار ما داما في المجلس، ما داما في البيت محل البيع، في المجلس الذي في السوق، في المجلس الذي في الطريق واقفين، في السيارة كل واحدٍ بالخيار، في الطائرة كذلك كل واحدٍ بالخيار إلا إذا تفرقا لزم البيع.

إذا راح كل واحدٍ ..... والآخر مشى، أو خرج أحدهما من البيت، أو تفرقا من البيت، أو نزلا من الطيارة، كل واحدٍ راح لشأنه، أو خرج من السيارة، ..... من السيارة، أو كل واحدٍ راح في جهةٍ؛ تمَّ البيع، لزم البيع، وما داما في محل البيع، أو في الطيارة، أو في السيارة ما نزل أحدٌ؛ فكل واحدٍ بالخيار، يريد أن يُهَوِّن يُهَوِّن ولو قد تمَّ البيع، قال: أنا هَوَّنْتُ، ما طابتُ نفسي من البيع. سواء كان البائع أو المشتري له الخيار، الكل يُهَوِّن حتى يتفرقا -وهذا الذي عليه المحققون من أهل العلم، وهو صريح الأحاديث، فيه هذا الحديث، وفيه أحاديث أخرى؛ حديث عبدالله بن عمرو بن العاص وغيره- إلا إذا خيَّر أحدهما الآخر؛ ولهذا قال: ما لم يتفرقا .. أو يُخَيِّر.

فإذا خيَّر أحدهما الآخر قال: ترى ما بيننا خيارٌ، الآن. إذا خيَّر أحدهما الآخر فقد تمَّ البيع، ..... تعاقدا، وقال: تَرَى يا فلان، ما بيننا خيارٌ، الآن. ثبت البيع، وما في خيار، ولا يصح الخيار.

إذا أسقطاه بينهما، وقال أحدهما للآخر: ما في خيار من الآن. قال: نعم، أنا مُوافقٌ، ما في خيار؛ تم البيع ولو ما تفرَّقا؛ لأن المقصود أن الإنسان قد يستدرك، وقد يبدو له شيءٌ، فإذا جزم بإسقاط الخيار، والآخر جزم بإسقاط الخيار، فالمعنى: أنهم قد تأكدوا أن الصفقة صالحةٌ، وأن كل واحدٍ ما عليه غضاضةٌ في ذلك.

ثم حثَّ النبي ﷺ على الصدق والبيان، وعدم الكذب، وعدم الخيانة، قال: فإن صدقا يعني: في بيعهما وبَيَّنا بُورِك لهما في بيعهما أي: إن صدقا فيما قالا، هذا يقول: السلعة طيبةٌ، وتراها كذا، وتراها كذا، وصفتها كذا. والآخر يقول: الثمن كذا، وصفته كذا. ولا كَذَبَا، كل واحدٍ يُبين الحقيقة، وإن كانت فيها عيوبٌ بَيَّنها، فهذا من أسباب البركة، إذا كل واحدٍ أخبر بالحقيقة قال: تَرَى السيارة فيها كذا، تَرَى الناقة فيها مرضٌ صفته كذا وكذا، تَرَى البيت الذي بيننا فيه دفينةٌ، ريالٌ كل سنةٍ، عشرةٌ آخر كل سنةٍ، مئة ريالٍ كل سنةٍ، تَرَى فيه عيبٌ، الجدار الفلاني فيه عيبٌ، تَرَى ..... فيها عيب .....، بَيَّن الذي يلزم، ما غَشَّه، إذا بيَّن وصدق في ذلك فهذا من أسباب البركة للبائع والمشتري؛ من أسباب البركة للمُشتري في المبيع، ومن أسباب البركة للبائع في الثمن.

وإن كَتَمَا يعني: كتما بعض العيوب؛ البائع كتم العيب الذي في المبيع، أو المشتري كتم العيب الذي في الثمن.

أو كذبا مثل: أن يقول: إن هذه السيارة عليَّ بعشرين ألفًا، وهي عليه بخمسة عشر، كذب، أو قال: إنها سليمةٌ، وهي ليست سليمةً.