الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب الاعتكاف
214- عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده.
وفي لفظٍ: كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه.
215- وعن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تُرَجِّل النبيَّ ﷺ وهي حائض، وهو مُعتكفٌ في المسجد، وهي في حُجرتها، يُناولها رأسه.
وفي روايةٍ: كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.
وفي روايةٍ: أن عائشة قالت: إني كنتُ لا أدخل البيت إلا للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارَّةٌ.
216- وعن عمر بن الخطاب قال: قلتُ: يا رسول الله، إني كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلةً -وفي روايةٍ: يومًا- في المسجد الحرام. قال: فَأَوْفِ بنذرك.
ولم يذكر بعض الرواة: "يومًا"، ولا "ليلةً".
217- وعن صفية بنت حُيي رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ مُعتكفًا في المسجد، فأتيتُه أزوره ليلًا، فحدثتُه، ثم قمتُ لأنقلب، فقام معي ليقلبني -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد- فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا في المشي، فقال النبي ﷺ: على رِسْلِكما، إنها صفية بنت حُيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! سبحان الله! فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيتُ أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال: شيئًا.
وفي روايةٍ: أنها جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثتْ عنده ساعةً، ثم قامتْ تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يقلبها، حتى إذا بلغ باب المسجد عند باب أم سلمة. ثم ذكره بمعناه.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالاعتكاف.
والاعتكاف مصدر: اعتكف، يعتكف، إذا لبث في المقام، إذا لبث في المكان يُقال له: اعتكف في المكان، إذا لبث فيه وأقام فيه مدةً من الزمن، مثل: لفظ الآية الكريمة: فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ [الأعراف:138] يعني: يُقيمون عندها ويلبثون عندها؛ للتعبد والتَّبرك بها وعبادتها من دون الله.
والاعتكاف الشرعي هو: اللُّبْث لطاعة الله ، ويُسمى: اعتكافًا، إذا بقي في المسجد بنية التعبد والعبادة يُسمى: اعتكافًا، وهو اللُّبْث، وهو سنةٌ مُستحبةٌ.
وآكد الأوقات: رمضان، ففي رمضان آكد من غيره، ويجوز في غير رمضان، لكن في رمضان أفضل وآكد؛ لفضل الزمان، والتأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه كان في الغالب يعتكف في رمضان.
وقد اعتكف مرةً في شوال، ترك الاعتكاف في العشر الأواخر، واعتكف في شوال، فالاعتكاف في رمضان هو الأكمل والأفضل، ولا بأس به في غير رمضان.
في الحديث الأول: عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، يعني: في كل سنةٍ، ثم اعتكف أزواجه من بعده عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهن.
هذا يدل على شرعية الاعتكاف، وأنه من سُنته ﷺ، وأنه باقٍ لم يُنْسَخ؛ ولهذا فعله الصحابة بعده، فدلَّ ذلك على أنه سنةٌ باقيةٌ.
واستقرَّ فعله ﷺ على أنه يعتكف في العشر الأخيرة من رمضان، وكان قد اعتكف العشر الأُول، ثم اعتكف العشر الأوسط يلتمس ليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأخيرة، فاستقرَّ اعتكافه في العشر الأخيرة من رمضان، وبيَّن ﷺ أن هذه الليلة -وهي ليلة القدر- تكون في العشر الأخيرة من رمضان.
وفيه أيضًا الدلالة على شرعية اعتكاف النساء كالرجال، وأن الاعتكاف يُشرع للجميع: للرجال والنساء، ومحله المساجد، كما قال تعالى: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187].
وإذا اعتكفت المرأة في المسجد فلا بد أن يكون ذلك على وجهٍ ليس فيه فتنةٌ، في محلٍّ مصونٍ، ليس فيه فتنةٌ.
وفي الحديث الثاني: أن الرسول ﷺ كان ربما أدلى لها رأسه تُرَجِّله وهو مُعتكفٌ، وهي حائض، فدلَّ ذلك على أن خروج بعض الإنسان من المسجد لا يحكم عليه بالخروج، إذا خرج رأسه، أو خرجتْ يده أو رجله، حتى يخرج كله؛ لأن المعتكف لا يُسمَّى: خارجًا إلا إذا خرج برجليه كله، أما إذا مدَّ رأسه أو مدَّ رجله ما يُسمَّى: خارجًا.
وفيه جواز استعمال الحائض، فلا بأس أن تُستعمل: تغسل رأسه، تصبُّ عليه الماء، أو تُقرب له متاعه، كل ذلك لا حرج؛ ولهذا لما أمرها الرسول ﷺ أن تأتي بالخُمْرَة التي في المسجد قالت: إني حائض. قال: إن حيضتك ليست في يدك، فأمرُها ونهيُها واستعمالها في حاجات الزوج لا بأس، المحرم عليه جماعها، أما كونه يُضاجعها، أو تُمشط رأسه، أو تغسل ثيابه، أو تُقدم له حاجةً، أو تُضاجعه، كل هذا لا بأس به: اصنعوا كل شيءٍ إلا النكاح كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
وفيه من الفوائد: أنه إذا اعتكف يكون دخول الـمُعْتَكَف بعد صلاة الفجر، فإذا أراد الاعتكاف دخل مُعْتَكَفَه بعد صلاة الفجر، كما قالت عائشة رضي الله عنها، وهذا إذا كان الابتداء بالنهار، فأما إذا أراد الليل يبتدئ من الليل، فإذا أراد أن يبتدئ من الحادية والعشرين أو من الثانية والعشرين من النهار يبدأ بعد صلاة الفجر، وإذا أراد الليل يبدأ من الليل من غروب الشمس، إذا صلى المغرب يبقى في المسجد، وهو سنةٌ، ليس بلازمٍ إلا أن ينذره نذرًا مجردًا وجب عليه، وإلا فهو سنةٌ، له أن يعتكف، وله أن يدع، وله إن نوى عشرًا ثم أراد أن يترك منها بعضها فلا حرج عليه، إذا كان ليس بنذرٍ، إنما هو باختياره، أما إذا نذره وجب عليه الوفاء بالنذر؛ لأنه طاعةٌ.
وفيه من الفوائد: أن الحائض طاهرةٌ، يدها طاهرةٌ، عرقها طاهرٌ، بدنها طاهرٌ إلا ما أصابه الدم؛ ولهذا كانت تغسل رأسه وتُرَجِّله وهي حائض، فإذا أصاب شيءٌ من دمها ثوبًا أو بدنًا يُغسل محل الإصابة فقط، أما بقية الثوب أو بقية البدن فكله طاهرٌ.
وفيه أن الـمُعْتَكِف يشتغل بالاعتكاف، ولا يخرج إلا لحاجة الإنسان: كالبول، والغائط، ونحوه، وإلا فَلْيَبْقَ في مُعْتَكَفه بقية الليل والنهار، هذا هو الأفضل، يلزم المسجد إلا لحاجة الإنسان، يقضي حاجته: بولٌ، غائطٌ، وضوءٌ، غُسلٌ، أكلٌ، شربٌ، إذا كان ما تيسر له مَن يأتي به، أما إذا تيسر مَن يأتي به في المسجد فهو أفضل؛ حتى يقلَّ خروجه، حتى قالت عائشة: إنه يكون المريض في البيت، فما تسأل عنه إلا وهي مَارَّةٌ؛ حرصًا على عودها إلى الـمُعْتَكَف.
فإذا سأل عن مريضٍ في الطريق أو في البيت ما يضرُّه، لكن الأفضل أنه لا يعود مريضًا، ولا يذهب يزور الناس، يبقى في الـمُعْتَكَف يخلو بربه؛ لأن المقصود من الاعتكاف: قطع العلائق عن الخلائق، والاتصال الكامل بالخالق.
المقصود من الاعتكاف: التفرغ للعبادة، والاشتغال بالعبادة عن الاشتغال بالناس وزياراتهم والاجتماع بهم.
وفي حديث عمر الدلالة على أن الكافر إذا نذر في الجاهلية عبادةً يُوفي بها بعد الإسلام، إذا نذر أن يصوم أو يصلي أو يعتكف ثم أسلم يُوفي بنذره؛ ولهذا أمر النبي ﷺ عمر أن يُوفي بنذره، وقد نذر أن يعتكف ليلةً أو يومًا في المسجد الحرام، فقال له: أَوْفِ بنذرك لما أسلم، فإذا قال في حال كفره: لله عليَّ أن أعتكف، أو أتصدق بكذا، أو أُصلي كذا، ثم أسلم، يُؤْمَر بالوفاء بنذره؛ لأنها عبادةٌ نذرها، فينبغي أن يُوفي بها؛ طاعةً لله، وتعظيمًا له، ورغبةً فيما عنده من الأجر.
وحديث صفية يدل على أن المرأة لا بأس أن تزور زوجها وهو مُعتكفٌ، ولا بأس أن يزوره إخوانه وأصدقاؤه، لا حرج في ذلك، ويتحدثون عنده، لا بأس بذلك؛ ولهذا زارته صفية وتحدثتْ عنده، فلما قامتْ قام معها؛ ليقلبها، يعني: يردها إلى بيتها، في المسجد –يعني- قام معها في المسجد حتى وصل باب المسجد، هذا من حُسن خُلُقه، ومن تواضعه، ومن مُعاشرته الطيبة لأهله، قام معها إكرامًا لها، وإيناسًا لها، يمشي معها في المسجد حتى وصلت الباب، هذا يدل على حُسن خُلُقه ﷺ، وتواضعه، وعنايته بأهله، ومُعاشرته لهن بالمعروف.
فلما كان عند الباب مرَّ رجلان من الأنصار، فرأياه، فأسرعا، فقال: على رِسْلِكما يعني: مهلًا، إنها صفية بنت حُيي، خاف أن يظنا سُوءًا، فقالا: سبحان الله! سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيتُ أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال: شيئًا يعني: خشي عليهما أن يُوسوس لهما الشيطان أن هذه امرأةٌ غير شرعيةٍ، فبين لهما عليه الصلاة والسلام أنها زوجته؛ حتى لا يظنا سُوءًا به عليه الصلاة والسلام فيهلكا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ليس مظنة سُوءٍ، وقد عصمه الله من كبائر الذنوب، وعصمه الله في بلاغه للناس، بينما الخلاف في الصغائر: هل تقع من الأنبياء أم لا؟
المقصود: ..... أنه قال لهما هذا الكلام؛ ليبتعدا عن سُوء الظن، وليعلما الحقيقة.
وفي هذا من الفوائد: أن الإنسان إذا كان في موقفٍ قد يُتَّهم فيه يُبين للمارِّ، يقول: إني وقفتُ هنا لأجل كذا وكذا؛ حتى لا يظن به السُّوء.
إذا وقف العالِم أو الرجل الصالح في مكانٍ غير مُناسبٍ، ومرَّ عليه بعض إخوانه يُبين لهم العِلة؛ حتى لا يتَّهموه بأنه انحرف عن الطريق السَّوي.
وفيه أن الشيطان له صِلةٌ بالإنسان شديدةٌ وعظيمةٌ وخفيةٌ، وأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، والشياطين أنواعٌ، ولهم أجسامٌ، ولهم أرواحٌ تليق بهم، لا يعلم كيفيتها إلا الله ، فكونه يصل فيجري من ابن آدم مجرى الدم هذا شيءٌ عظيمٌ، يدل على لطافةٍ شديدةٍ، وأنه عنده من اللطافة والصِّغَر ما يجعله يجري من ابن آدم مجرى الدم، هذا نوعٌ من الشياطين.
ثم الشيطان له لَـمَّةٌ بالإنسان، كما أن الـمَلَكَ له لَـمَّةٌ بالإنسان، كل إنسانٍ معه قرينٌ، معه شيطانٌ يدعوه إلى الشر، ويأمره بالشر، كما أن معه مَلَكًا يدعوه إلى الخير، ويأمره بالخير.
فالواجب الحذر من هذا الشيطان الذي هو مُلازمٌ له، وهو قرينه، والحذر من بقية الشياطين التي قد تهجم عليه، وتُوسوس عليه فيما يضره .....، فيجب أن يحذر، فكل لَـمَّةٍ وكل ما يخطر بالبال من شيءٍ من السوء فهو من الشيطان، وكل ما يخطر بالبال ويَلِمُّ بك من أمرٍ طيبٍ فهو من لَـمَّات الـمَلَك.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
كتاب الحج
باب المواقيت
218- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ وَقَّتَ لأهل المدينة: ذا الحُليفة، ولأهل الشام: الجُحْفَة، ولأهل نجد: قَرن المنازل، ولأهل اليمن: يَلَمْلَم، وقال: هُنَّ لهنَّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحجَّ أو العمرة، ومَن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة.
219- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحُليفة، وأهل الشام من الجُحْفَة، وأهل نجد من قَرن المنازل.
قال: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: ويُهِلُّ أهل اليمن من يَلَمْلَم.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذان الحديثان يتعلقان بالحج.
والحج مصدر: حجَّ، يحج، حجًّا، وهو قصد الجهة الـمُعَظَّمَة، أو الشخص الـمُعَظَّم، يُقال له: حجّ، وسُمِّي أداء المناسك: حجًّا؛ لأنه تَوَجُّهٌ إلى الله لأداء المناسك عند أفضل بقعةٍ، وفي أفضل بقعةٍ، وهي مكة المكرمة، حول المسجد الحرام، حول الكعبة المشرفة؛ ولهذا سُمِّي: حجًّا؛ لأنه مقصودٌ عظيمٌ لـمَلِكٍ عظيمٍ في أفضل بقعةٍ، وبجوار أفضل بيتٍ في الدنيا.
والحج له أركانٌ، وله واجباتٌ، وله شروطٌ دلَّت عليها النصوص، وأوضحها أهل العلم.
فمن شروط الحج: أن يكون الشخص بالغًا، مُكلَّفًا، فلا يجب الحج على صغيرٍ، ولا على مجنونٍ ومعتوهٍ، إنما يجب على البالغ العاقل الذي يجد ما يُوصله إلى المسجد الحرام، إلى مكة المكرمة، ويردّه إلى بلاده، مع بقاء ما يحتاجه أهله إن كان له أهلٌ، فإذا كان مُستطيعًا من جهة المال، بالغًا، عاقلًا، هذا هو الذي يلزمه الحج.
وهكذا العمرة، فإنها زيارةٌ للبيت العتيق، وهي من جنس الحج، تجب مرةً في العمر، كما يجب الحج مرةً في العمر، وتكرارهما مُستحبٌّ وسُنةٌ وقُربةٌ، لكن لا يجب على المكلفين إلا مرةً في العمر، الحج والعمرة جميعًا.
والله جعل له مواقيت، والإحرام من المواقيت من واجبات الحج.
وله أركانٌ -كما تقدم- منها: الوقوف بعرفة، لبس الإحرام، الطواف، والسعي، كل هذه أركان الحج: كونه يُحرم، وكونه يطوف ويسعى، ويقف بعرفة، كل هذه أركانٌ لا بد منها، هذه أربعةٌ.
وله واجباتٌ، منها: أن يُحرم من الميقات؛ ميقات بلده، أو الميقات الذي يمرُّ عليه إذا جاء من طريقٍ آخر؛ ولهذا قال النبي ﷺ في حديث ابن عباسٍ، قال ابن عباسٍ: "وَقَّتَ النبيُّ ﷺ لأهل المدينة ذا الحُليفة" محلٌّ معروفٌ يُقال له الآن: أبيار علي، ويُقال له: وادي العقيق، وهو قُرب المدينة، في طرف المدينة من جهتها الجنوبية.
مَن أراد الحجَّ من طريق المدينة يلزمه الإحرام من ذي الحُليفة.
"ولأهل الشام الجُحْفَة" إذا جاؤوا من طريق الساحل يُحْرِمون من الجُحْفَة، وإن جاؤوا من طريق المدينة أحرموا من ميقات المدينة.
"ولأهل اليمن يَلَمْلَم" ..... موضعٌ معروفٌ.
"ولأهل نجدٍ قَرْن المنازل" ويُسميه الناس: السَّيل، ويُسمَّى: وادي قَرْن.
"هنَّ لهنَّ" لهذه البلدان، "ولمن أتى عليهنَّ من غيرهنَّ" من غير هذه البلدان، إذا جاء النَّجْدي من طريق المدينة أحرم من ميقات المدينة، وإذا جاء المدني من طريق نجدٍ أو من طريق الطائف أحرم من ميقات الطائف؛ ميقات أهل نجدٍ، وإذا جاء من طريق اليمن أحرم من ميقات اليمن، وإذا جاء من طريق الشام أحرم من ميقات الشام؛ ولهذا قال: "هنَّ لهنَّ، ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ ممن أراد الحجَّ أو العمرة".
أما مَن أتى عليهنَّ ما له قصد حجٍّ ولا عمرةٍ، إنما أراد أن يصل جدة فقط، أو أن يصل مكة للزيارة، أو زيارة قريبٍ أو صديقٍ، ما أراد حجًّا ولا عمرةً، هذا ما يلزمه الإحرام، هذا هو الصواب، إنما يلزم الإحرام مَن أتى مكة لقصد الحج أو العمرة، أما مَن أتى مكة لأمرٍ آخر، أو ما أراد مكة، إنما مرَّ بالميقات يريد جدة أو محلًّا آخر: كمُزَينة، أو بَحْرَة، ما أراد مكة، فما عليه إحرامٌ، أو أراد مكة، لكن ما أراد بها حجًّا ولا عمرةً، أرادها للتجارة، أو لزيارة قريبٍ أو صديقٍ، أو علاجٍ في مستشفياتها، أو ما أشبه ذلك، لا يلزمه الإحرام على الصحيح، إنما يلزم مَن أراد الحجَّ أو العمرة، هذا هو الذي بيَّنه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا لما أتى النبي ﷺ يوم الفتح لحرب كفار قريشٍ وإخراجهم من مكة أتاها حلالًا، لم يُحْرِم عليه الصلاة والسلام.
قال: "ومَن كان دون ذلك" يعني: منزله دون المواقيت، "فَمُهَلُّه من حيث أَنْشَأَ" يُحْرِم من مكانه إذا كان دون المواقيت، مثل: أهل جدة يُحْرِمون من جدة، أهل بَحْرَة يُحْرِمون من بَحْرَة، أهل أم السلم يُحْرِمون من أم السلم، أهل مُزَينة يُحْرِمون من مُزَينة.
الذي مسكنه دون المواقيت، أقرب إلى مكة من المواقيت؛ يُحْرم من محله: " فَمُهَلُّه من حيث أَنْشَأَ، حتى أهل مكة من مكة" يُحْرِمون من مكة، يعني: بالحج.
أما العمرة فلا يُحْرِمون من مكة، بل من الحِلِّ، إذا أرادوا العمرة وهم في مكة يخرجون إلى الحِلِّ، كما أمر النبيُّ ﷺ عائشة أن تخرج إلى الحِلِّ، إلى الجِعْرانة مثلًا.
المقصود: إلى الحِلِّ، إلى عرفاتٍ، وما أشبه ذلك مما يكون خارج الحرم.
وأما بالحج فيُحْرم من مكة أو من ضواحيها، لا بأس، الحج أمره أوسع، يُحْرم من مكة من الحرم، من ..... من أطراف مكة، لا بأس.
وهكذا حديث ابن عمر: بيَّن الرسول ﷺ أنه يُحْرم من هذه المواقيت، قال: يُهِلُّ أهل المدينة، فهذا خبرٌ معناه الأمر، يدل على وجوب الإهلال إذا أراد الحجَّ أو العمرة.
يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحُليفة، ويُهِلُّ أهل الشام من الجُحْفَة، ويُهِلُّ أهل اليمن من يَلَمْلَم، ويُهِلُّ أهل نجدٍ من قَرْن، لكن ابن عمر لم يحفظ عن النبي ﷺ إهلال أهل اليمن من يَلَمْلَم، لكنه سمعه من غيره، وقد ثبت في حديث ابن عباسٍ وغيره.
وأهل العراق جاء في حديث عائشة أنهم يُهلون من ذات عِرْقٍ، وتُسمى: الضريبة، محلٌّ يُقال له: الضريبة، وقد وقَّته لهم عمر أيضًا، فصادف اجتهاد عمر ما جاءت به السنة، فميقاتهم: ذات عِرْقٍ، وهو محلٌّ معروفٌ، وإذا جاوزوه وأحرموا من قَرْن ما في بأس، فالأمر واسعٌ.
ومَن جاوزه وهو ناوٍ الحجَّ أو العمرة يلزمه الرجوع إليه، إذا جاوزه تساهُلًا أو جهلًا يعود ويُحْرِم من الميقات، فإذا أحرم من دونه فيلزمه دمٌ بترك الواجب، أو النَّجدي إذا تجاوز ولا أحرم إلا من أم السلم، أو من مُزَينة، أو المدني ما أحرم إلا من جدة يكون عليه دمٌ؛ لأنه ترك واجبًا وهو الإحرام من الميقات.
وقد قال ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما: "مَن ترك نُسُكًا أو نسيه فَلْيُهْرِقْ دمًا"، فهذا جزاءٌ، من باب الجزاء على تفريطه، وعلى إضاعته للواجب، فعليه هذا الجزاء، وهو كفارةٌ وعقوبةٌ.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب ما يلبس الـمُحْرِم من الثياب
220- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يلبس الـمُحْرِم من الثياب؟ قال: لا يلبس القُمُص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخِفاف، إلا أحدٌ لا يجد النعلين فَلْيَلْبَس الخُفَّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئًا مَسَّهُ زعفران أو وَرْس.
وللبخاري: ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القُفَّازين.
221- وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعتُ النبي ﷺ يخطب بعرفات: مَن لم يجد نعلين فَلْيَلْبَس الخُفَّين، ومَن لم يجد إزارًا فَلْيَلْبَس السراويل للمُحْرِم.
222- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن تلبية رسول الله ﷺ: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريكَ لك.
قال: وكان عبدالله بن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والرَّغباء إليك والعمل.
223- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُسافر مسيرة يومٍ وليلةٍ إلا ومعها ذو مَحْرَمٍ.
وفي لفظٍ للبخاري: لا تُسافر يومًا ولا ليلةً إلا مع ذي مَحْرَمٍ.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
الحمد لله، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة تتعلق بما يلبس الـمُحْرِم، وبالتلبية، وبالسفر للمرأة.
أما ما يلبسه الـمُحْرِم فقد أوضح النبي ﷺ ما يُمْنَع منه الـمُحْرِم، وبذلك يُعْرَف ما يلبسه؛ لأنه إذا عُرِفَ الممنوع فما سواه هو مباح اللبس؛ ولهذا لما كان اللباس الذي لا يُمْنَع لا ينحصر بيَّن النبي ﷺ الممنوع.
ذكر في حديث ابن عمر قال: لا يلبس القُمُص.
والقُمُص: جمع قميص، وهو ما يُخاط على قدر البدن، ويُسمى الآن: مِدْرَعة، وجُبَّة، وله أسماء عند الناس، فما يُلبس على البدن كله ويُخاط على قدر البدن هذا يُسمى: قميص، ويُسمى: مِدْرَعة وجُبَّة، ويُسمى الآن: مقطع، كما يُسميه بعض الناس.
فالحاصل: أنه ممنوعٌ للمُحْرِم، لا يجوز لبسه إذا كان ذكرًا.
وهكذا العمائم -ما يُوضع على الرأس- يُمْنَع منها الذكر أيضًا.
وهكذا السَّراويلات يُمْنَع منها الذكر.
والبُرْنُس يُمْنَع منه الذكر.
والبُرْنُس: قميصٌ له رأسٌ متَّصلٌ به، يُورد من المغرب.
والخِفَاف كذلك.
كل هذا في حقِّ الرجل، يُمْنَع الرجل من هذا كلِّه: القميص، والعمامة، والسَّراويلات، والبرانس، وهي القُمُص التي لها رؤوسٌ منها، وهكذا الخِفاف.
أما المرأة فلا حرج عليها أن تلبس القميص؛ لأنها عورةٌ، تلبس القميص والخِمار والسَّراويلات، وإذا كانت ملابس لها رؤوسٌ للنساء كذلك، وهكذا الخِفاف والجوارب تلبسها في رجليها؛ لأنها عورةٌ، لكن تُمْنَع من النقاب والبُرْقُع كما في رواية البخاري: ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القُفَّازين هذا يخصُّها، لا تنتقب.
والرجل مثلها –الـمُحْرِم-، الـمُحْرِم لا يُغطي رأسه ولا وجهه، لا بالنقاب، ولا بغير النقاب، ولا يلبس القُفَّازين أيضًا؛ لأنهما مخيطان على قدر اليدين، فلا يلبسهما الرجل من باب أولى، أما المرأة فلا تلبسهما في حال الإحرام، أما في غير الإحرام فلا بأس أن تلبس النقاب والبُرْقُع إذا كانت غير مُحْرِمةٍ.
ويُمْنَع الرجل والمرأة جميعًا من الثياب التي فيها زعفران أو وَرْس، هذا للجميع، لا يلبس المحرم شيئًا فيه زعفران أو وَرْس أو نوعٌ آخر من الأطياب، لا يُطيب الملابس التي يلبسها، الـمُحْرِم لا يُطيب رداءه وإزاره، والمرأة كذلك لا تُطيب ما تلبسه الـمُحْرِمة، لا بزعفران، ولا بوَرْس، ولا ببخور، ولا بوردٍ، ولا بغيره.
قال عليه الصلاة والسلام: فمَن لم يجد نعلين فليلبس الخُفَّين، وليقطعهما أسفل الكعبين، إذا كان الـمُحْرِم الذكر لم يجد نعلين جاز له لبس الخُفَّين مع قطعهما؛ حتى يكونا أسفل الكعبين، وكان هذا في أول الأمر، ثم نُسِخَ وأُبيح لبسهما بدون قطعٍ؛ ولهذا في حديث ابن عباسٍ: أن النبي ﷺ خطب الناس في عرفات: مَن لم يجد إزارًا فليلبس السَّراويل، ومَن لم يجد نعلين فليلبس الخُفَّين، ولم يقل: وليقطعهما، وذلك من تخفيف الله ورحمته ؛ لأن قطعهما قد يُفسدهما؛ ولأن الحاجة ماسّة إليهما عند فقد النَّعلين، فأشبهت السَّراويل، كما أن السَّراويل لا تُشَقُّ، بل تُلبس عند فقد الإزار، كذلك الخُفُّ لا يُقطع عند فقد النَّعلين، تُلبس هكذا، هذا هو الصواب، وهو الأمر الأخير من النبي عليه الصلاة والسلام.
وقال الجمهور: إنه يقطعهما، وأن هذا مقيدٌ، فالأكثرون على أن حديث ابن عباسٍ مقيدٌ بحديث ابن عمر، وأنه لا بد من القطع، وهذا وجيهٌ على القاعدة المعروفة، وهي: حمل المطلق على المقيد، لكن يعسر على هذا أن النبي ﷺ خطب الناس في عرفاتٍ، وعرفاتٌ فيها الجمع الغفير الذين لم يحضروا خطبته في المدينة، فلو كان القطع أمرًا لازمًا لبَيَّنَه لهؤلاء الأمم الذين لم يحضروا خطبته في المدينة، فلما سكت عن هذا دلَّ على أنه منسوخٌ، وأن القطع ليس بلازمٍ، بل كان أولًا ثم نُسِخَ.
وفي حديث ابن عمر الثاني الدلالة على شرعية التلبية، فيُستحب للمؤمن المحرم أن يُلبِّي بتلبية النبي ﷺ: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، سواء كان بحجٍّ أو بعمرةٍ يُشرع له هذه التلبية.
أولًا: يبدأ: "لبيك عمرةً" أو "لبيك حجًّا"، إن كان حجًّا فحجٌّ، وإن كان عمرةً فعمرةٌ.
يقول: "لبيك عمرةً"، أو قال: "اللهم لبيك عمرةً"، وإن كان حجًّا قال: "اللهم لبيك حجًّا"، أو "لبيك حجًّا"، ثم يُلبي التلبية الشرعية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك هذه يُقال لها: تلبية التوحيد، قال جابرٌ: "فَأَهَلَّ بالتوحيد"؛ لأن فيها إخلاص العبادة له وحده: لبيك لا شريك لك، المعنى: أني أُجيب دعوتك، وأستجيب لأمرك وحدك، لا شريك لك.
معنى "لبيك" يعني: إجابةً بعد إجابةٍ، يُقال: لبَّى فلانٌ لفلانٍ، يعني: أجابه.
معنى "لبيك": أنا أُجيب دعوتك يا ربّ في الحج والعمرة، كما أُجيب ذلك في الأوامر الأخرى.
ثم بيَّن أنه يُخلص له العبادة، قال: لا شريكَ لك.
ثم بيَّن أن هذا الحمد والنعمة لله وحده، والملك له سبحانه، وهو المحمود، وهو ذو الإنعام، وهو المالك لكل شيءٍ ، وهو المستحق لِأَنْ يُلَبِّي له الحُجَّاجُ، ويقصدوه، ويعبدوه؛ لكونه المالك العظيم، الـمُنْعِم، الـمُحْسِن، المستحق للحمد والثناء، وهو سبحانه المستحق لِأَنْ يُعْبَد في الصلاة، وفي الصوم، والحج، والجهاد، وغير ذلك، وهذا هو معنى: "لا إله إلا الله"، فإن معناها: لا معبود بحقٍّ إلا الله، وهو معنى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، ومعنى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] .....
..... يتعاونون في أمور الخير، وفي الحروب والجهاد، لا بأس بهذا.
أما دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، أو بالغائبين، أو بالجن، أو بالملائكة، أو بالأصنام، هذا هو الشرك الأكبر، أو بالحي في شيءٍ لا يقدر عليه، كأن يقول: اشْفِ مريضي، أدخلني الجنة، أنجني من النار. هذا ليس بقُدرة المخلوق، هذا إلى الله .
والحديث الرابع حديث أبي هريرة : يقول النبي ﷺ: لا يحلُّ لامرأةٍ أن تُسافر مسيرة يومٍ وليلةٍ إلا ومعها ذو مَحْرَمٍ يعني: لا للحجِّ ولا غيره، هذا هو وجه إدخاله هنا، ليس لها أن تُسافر للحج ولا لغير الحج إلا بمَحْرَمٍ، شرطٌ، لا يجوز لها أن تُسافر بدون مَحْرَمٍ، وإذا كانت ما حصَّلتْ مَحْرَمًا فلا حجَّ عليها حتى تجد المحرم.
وفي زيادة ابن عمر في التلبية: "لبيك وسعديك، والرَّغباء إليك والعمل" هذا يدل على جواز الزيادة في التلبية من الكلام الصحيح، والكلام الطيب لا بأس به.
وجاء في بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه كان يُلبي يقول: لبيك إله الحقّ لبيك، لبيك ذا المعارج.
إذا لبَّى الإنسان بكلماتٍ طيبةٍ كما لبَّى أنسٌ: "لبيك حقًّا حقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا"، ومثلما قال ابن عمر: "لبيك وسعديك، والرَّغباء إليك والعمل"، كل هذا لا بأس به، أو: "لبيك يا ربّ، أنا عبدك وابن عبدك، لبيك يا ربّ، أنا الفقير إليك"، كله كلامٌ طيبٌ لا بأس به، ولكن لزوم تلبية النبي ﷺ أفضل، كونه يلزمها ويُكررها أفضل من كونه يأتي بشيءٍ من عنده.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب الفدية
224- عن عبدالله بن معقلٍ قال: جلستُ إلى كعب بن عُجْرَة، فسألتُه عن الفدية، فقال: نزلتْ فيَّ خاصةً، وهي لكم عامةً؛ حُمِلْتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنتُ أرى الوجع بلغ بك ما أرى –أو: ما كنتُ أرى الجهد بلغ منك ما أرى- أتجد شاةً؟ فقلتُ: لا. قال: فَصُمْ ثلاثة أيامٍ، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكينٍ نصف صاعٍ.
وفي روايةٍ: فأمره رسول الله ﷺ أن يُطْعِم فَرَقًا بين ستة مساكين، أو يُهدي شاةً، أو يصوم ثلاثة أيامٍ.
باب حُرْمَة مكة
225- عن أبي شُريحٍ خُويلد بن عمرو الخزاعي العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد بن العاص -وهو يبعث البُعُوث إلى مكة-: ائذن لي أيها الأمير أن أُحدثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، فسمعتْه أُذُناي، ووعاه قلبي، وأبصرتْه عيناي حين تكلم به؛ أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن مكة حرَّمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، ولم يُحرمها الناس، فلا يحل لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرةً، فإن أحدٌ ترخَّص بقتال رسول الله ﷺ، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي ساعةً من نهارٍ، وقد عادتْ حُرمتها اليوم كحُرمتها بالأمس، فليُبلغ الشاهدُ الغائبَ.
فقيل لأبي شُريحٍ: ما قال لك عمرو؟
قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شُريح، إن الحرم لا يُعِيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدمٍ، ولا فارًّا بِخَرْبَةٍ.
226- وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا استُنْفِرتم فانفروا، وقال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرامٌ بحُرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحلّ القتال فيه لأحدٍ قبلي، ولم يحلّ لي إلا ساعةً من نهارٍ، وهي ساعتي هذه، فهو حرامٌ بحُرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شوكه، ولا يُنَفَّر صيده، ولا يُلْتَقَط لُقَطَته إلا مَن عرَّفها، ولا يُخْتَلَى خَلَاه، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فإنه لقَيْنِهم وبيوتهم. فقال: إلا الإذخر.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة: الأول في الفدية، والثاني والثالث في تحريم مكة.
يقول كعب بن عُجْرَة : إن آية الفدية نزلتْ فيه، ولكنها لا تخصُّه، بل للناس عامةً، وذلك أنه أُصيب بمرضٍ في رأسه، وتكاثر عليه القمل، فلما رآه النبي ﷺ قال: ما كنتُ أظن الوجع بلغ بك ما أرى، ثم أمره أن يفدي شاةً، أو يصوم ثلاثة أيامٍ، أو يُطْعِم ستة مساكين، وأنزل الله في ذلك: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، فهي فديةٌ مُخيَّرةٌ لمن تأذَّى بمرضٍ في رأسه، واحتاج إلى الحلق، فيحلقه ويفدي بهذه الفدية: يذبح شاةً، ويقوم مقامه سُبْع بَدَنة، أو سُبْع بقرة، أو يصوم ثلاثة أيامٍ، أو يُطْعِم ستة مساكين، لكل مسكينٍ نصف صاعٍ من التمر أو غيره من قوت البلد.
وهكذا إذا احتاج إلى أمثال ذلك عند أهل العلم ألحقوه بهذا، لو احتاج إلى الطِّيب، أو إلى لبس المخيط، أو إلى أن يُغَطِّي رأسه لبَرْدٍ أو مرضٍ، فإنه يفدي بهذه الفدية؛ لأن هذه الأمور من جنس حلق الرأس، كلها معناها: التَّرفه، فإذا احتاج إلى شيءٍ من ذلك، أو دعت الضرورة إلى شيءٍ من ذلك فإنه يفدي بهذه الفدية، وهكذا لو احتاج إلى قَلْم أظفاره لمرضٍ، لو احتاج إليه حال الإحرام يفدي بهذه الفدية.
أما الحرم فهو مُحَرَّمٌ بحُرمة الله إلى يوم القيامة، حرَّم اللهُ مكةَ يوم خلق السماوات والأرض، ولم يُحرمها الناس، فهي حرامٌ بحُرمة الله إلى يوم القيامة.
هكذا أخبر الرسول ﷺ يوم فتح مكة، وقال: فإن أحدٌ تَرَخَّص بقتال رسول الله يعني: إن أحدٌ احتجَّ بأني قاتلتُ فيها يوم الفتح، فقولوا له: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وأنها إنما أُحلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ، وهي ساعتي هذه، ساعة دخوله مكة عليه الصلاة والسلام يوم الفتح.
فبيَّن ﷺ أنه لا يُنَفَّر صيدها، ولا يُسْفَك الدم، ولا يُعْضَد فيها الشجر، ولا يُخْتَلَى خَلَاها، والخَلَى هو الحشيش الأخضر.
قال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فإنه لقَيْنِهم وبيوتهم.
الإذخر: نبتٌ معروفٌ، طيب الرائحة، حشيشٌ، فلا بأس به، وليس داخلًا في التحريم، فهم يستعملونه في الحدادة فيما يحتاجه صاحب الكِير، وهو القَيْن، الحدَّاد.
ولبيوتهم كذلك، قد يسقفون به مع الخشب ونحوه، ويُجعل منه في القبور، في الألحاد؛ لأن الأرض الرديئة يجعلون معها الإذخر هذا؛ ليقيه التراب، فلا بأس بقطع الإذخر.
ومثله ما يُنبته الآدمي، ما أنبته الآدمي من الزروع والشجر له أخذه.
لو زرع حنطةً، أو زرع فواكه في بيته، فهو يأخذ ذلك، أو قَتّ، أو ما أشبه ذلك، فله أخذ ذلك.
وهكذا الثمار التي تكون في الشجر البَرِّي مثل: السدر، يأخذ النَّبْق من السِّدْر؛ لأنها خُلقتْ للمسلمين، فيأخذ الثمر يستفيد منه، ومثله لو نبت حماط أو غيره يأخذ الثمر، لا بأس، لكن لا يحصد الشجرة، ولا يَعْضُدها، ولا يَعْضُد النبات الذي أخرجه الله، العُشْب، بل يُترك للدواب؛ لرعي الدواب، واستفادة الدواب.
ولا يُنَفَّر الصيد، إذا وجده في ظلٍّ لا يُنَفِّره، ولا يقتله من باب أولى، لا يُقْتَل صيده ولا يُنَفَّر.
ولا يُعْضَد شوكه حتى الشوك لا يُعْضَد.
إذا كان شوكٌ في بعض الأرض إذا كان ولا بد يطرح عليه التراب الذي يقيه شرَّه، ولا يُعْضَد؛ لأن الرسول ﷺ نصَّ على أنه لا يُعْضَد شوكها.
والظاهر -والله أعلم- سدّ الباب، يعني: سدَّ الذريعة؛ لأنه قد يُعْضَد الشوك فيُتوصل به إلى عضد غيره، فَسَدَّ الباب عليه الصلاة والسلام في عدم عضد شيءٍ من نباتها، ويكون هذا النبات لحاجة العُمَّار والحُجَّاج؛ لأن دوابهم تحتاج إلى هذا الشيء ..... دوابهم تأكل حاجتها من هذا النبات، ولا يأخذه: لا الحاجّ، ولا غيره، لا يحصده، بل يُترك، يرعون فيه دوابهم أهل مكة وأنعامهم ودوابهم الأخرى، لا بأس، أما عضده وحصده فلا.
وكذلك لا يُقاتَل أهلها، إذا لجأ إليها أحدٌ لا يُقاتَل، ولا يُسفك الدم، حتى يخرج منها، إلا إذا أفسد فيها يُقتل؛ لإفساده فيها.
إذا زنى يُقام عليه الحد، وإذا سرق يُقام عليه الحد، كما أقام النبي ﷺ الحدَّ على المخزومية في مكة، فمَن قتل نفسًا في مكة يُقتل بها؛ لأنه جنى، أما إذا ما جنى، جلس فيها، ولا جنى، ولا تعدى، فيُترك حتى يخرج؛ لأنه ما هتك حُرمتها؛ ولهذا لما بعث البُعُوث عمرو بن سعيد بن العاص في خلافة يزيد بن معاوية -كان يبعث البُعُوث إلى مكة لقتال ابن الزبير- أنكر عليه أبو شُريح الخزاعي، وأخبره أن النبي نهى عن هذا عليه الصلاة والسلام، فردَّ عليه عمرو ردًّا قبيحًا، ردَّ جاهلٍ، قال: أنا أعلم منك يا أبا شُريح، إن الحرم لا يُعِيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدمٍ، ولا فارًّا بِخَرْبَةٍ.
والخربة: الجناية.
وهذا من جهل عمرو بن سعيد، وليس عنده بهذا علم، وإنما طاعة ليزيد بن معاوية فقط، هو غالط، ويزيد غالط، وليس لهما حربٌ في الحرم، ولا قتال أهل الحرم.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب ما يجوز قتله
227- عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ قال: خمسٌ من الدَّواب كلهن فاسقٌ، يُقْتَلْنَ في الحرم: الغُرَاب، والحِدَأة، والعَقْرَب، والفأرة، والكلب العَقُور.
ولمسلمٍ: يُقْتَل خمس فواسق في الحِلِّ والحرم.
باب دخول مكة وغيره
228- عن أنس بن مالك : أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه الـمِغْفَر، فلما نزعه جاء رجلٌ فقال: ابن خَطَلٍ مُتعلقٌ بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه.
229- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كَدَاء من الثَّنِيَّة العُليا التي بالبَطْحَاء، وخرج من الثَّنِيَّة السُّفْلَى.
230- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ البيت وأسامة بن زيد وبلالٌ وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، فلما فتحوا بَعْدُ كنتُ أول مَن وَلَجَ، فلقيتُ بلالًا، فسألتُه: هل صلَّى فيه رسولُ الله ﷺ؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة تتعلق بأحكامٍ تتعلق بالحج ودخول الكعبة، وبعضها يتعلق بالحرم.
الحديث الأول حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: خمسٌ من الدواب كلهن فواسق، يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحرم: الغُرَاب، والحِدَأة، والفَأْرَة، والعَقْرب، والكلب العَقُور، فهذه الدواب تُقتل في الحِلِّ وفي الحرم، في أي مكانٍ؛ لأنها مُؤذيةٌ.
الغراب يُؤذي الناس في زروعهم، وفي دوابهم، وينقب الدَّبَر الذي في الإبل، ويأكل الزروع، يُفسدها، فهو من الفواسق.
والحِدَأَة كذلك، والفَأْرَة مُؤذيةٌ كذلك، والعقرب كذلك، وهكذا الحية كما في الحديث الثاني، وهكذا السِّباع العادية، السِّباع، والكلب العَقُور، كلها تُقتل في الحِلِّ والحرم؛ لدفع أذاها.
ومثل ذلك: البعوض، والذباب، وما أشبه ذلك مما يُؤذي لا بأس بقتله، الذباب، والبعوض، والقَمْل، كل ذلك يُقتل في الحِلِّ والحرم، لا بأس.
الحديث الثاني حديث أنسٍ رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه الـمِغْفَر.
والـمِغْفَر: آلةٌ تُوضع على الرأس تستره عن السلاح، يُسمى: الـمِغْفَر، فدلَّ على أنه غير مُحْرِمٍ، دخلها وليس بمُحْرِمٍ، يعني: ما جاء لحجٍّ ولا لعمرةٍ، وإنما جاء لقتال قريشٍ وفتح مكة للمسلمين؛ ولهذا لم يُحْرِم، فدلَّ ذلك على أن مَن جاء مكة ليس بقصد الحج أو العمرة لا بأس أن يدخلها على غير إحرامٍ؛ ولهذا في حديث ابن عباسٍ لما ذكر المواقيت قال ﷺ: هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة، أما الذي ما أراد الحجَّ ولا العمرة لا يلزمه الإحرام؛ كمَن يأتي مكة للتجارة، أو لزيارة الأقارب، أو لخصومةٍ، فليس عليه إحرامٌ، لكن إن أراد العمرة أحرم، وإن لم يُردها فلا شيء عليه.
وفيه من الفوائد -في حديث أنسٍ-: أنه يجوز قتل مَن ألحد في الحرم، أما مَن يأتي من خارجٍ فيجب أن يُؤَمَّن: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]، لكن الذي يفعل الفساد في الحرم يُقتل، فإذا زنى وهو مُحْصَنٌ رُجِمَ، وإذا سرق يُقْطَع، وإذا سبَّ الدين أو سبَّ الرسول يُقتل؛ لأنه جنى في الحرم، فيُجازى في الحرم؛ ولهذا لما سرقتْ بعض نساء بني مخزوم أمر النبيُّ ﷺ بقطع يدها، وهكذا ابن خَطَلٍ لما كان يَسُبُّ النبيَّ ﷺ ويهجوه أمر النبي ﷺ بقتله؛ لردته.
الحديث الثالث يدل على شرعية دخول مكة من أعلاها، والخروج من أسفلها، يدخل من أعلاها من كَدَاء -بالفتح- الثَّنِيَّة العُليا، ويخرج من الثَّنِيَّة السُّفلى، هذا هو الأفضل.
الداخل مكة يدخل من أعلاها كما دخل النبي ﷺ، ويخرج من أسفلها، وإن دخلها من أي مكانٍ فلا بأس، وإن خرج من أي مكانٍ فلا بأس، لكن هذا هو الأفضل؛ تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام.
والحديث الرابع حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ لما فتح الله عليه مكة دخل الكعبة يوم الفتح، وصلى فيها ركعتين، كان معه بلال بن رباح المؤذن، وأسامة بن زيد مولاه -عتيقه وابن عتيقه- وعثمان بن طلحة الحاجب -من بني شيبة- كانوا معه لما دخل عليه الصلاة والسلام الكعبة، دخلوا وأغلقوا عليهم الباب، وصلى ركعتين في غربي الكعبة بين العمودين اليمانيين، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وصلى بينهما، وكان فيها ستة أعمدةٍ في ذاك الوقت، وجعل الجدار الغربي أمامه، بينه وبينه ثلاثة أذرعٍ، فلما فتحوا الباب دخل ابن عمر وسأل: أين صلى النبي ﷺ؟ فدلُّوه على المحل الذي صلَّى فيه.
وفي حديث ابن عباسٍ: أنه دخل الكعبة، وكبَّر في نواحيها ودعا.
هذا يدل على استحباب دخول الكعبة، وأنه يُستحب، إذا تيسر دخول الكعبة يدخلها، ويُصلي فيها، ويدعو الله، ويُكبر، كما دخل النبي ﷺ، إذا تيسر له دخول الكعبة من دون مشقةٍ، ولا زحمةٍ، ولا أذًى فلا بأس، ولكن ليس من سُنَّة العُمرة، وليس من سُنة الحج، وإنما هو مُستحبٌّ، مُستقلٌّ، مَن دخل فلا بأس، ومَن ترك فلا بأس، وإن كان دخولها يترتب عليه زحمة أو اختلاط بالنساء أو فتنة، فالذي ينبغي له ترك ذلك، لكن إن تيسر من دون فتنة دخل وصلى ركعتين، أو أكثر، ودعا في نواحيها، وكبر تأسيا بالنبي عليه الصلاة والسلام.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
231- عن عمر : أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله وقال: "إني لأعلم أنك حجرٌ، لا تضرُّ، ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبيَّ ﷺ يُقبِّلك ما قبَّلتُك".
232- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسولُ الله ﷺ وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفدٌ وَهَنَهم حُمَّى يَثْرِب. فأمرهم النبي ﷺ أن يَرْمُلُوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الرُّكنين، ولم يمنعهم أن يَرْمُلُوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
233- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيتُ رسول الله ﷺ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يَخُبُّ ثلاثة أشواطٍ.
234- عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعيرٍ، يستلم الركن بِمِحْجَنٍ.
235- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: لم أرَ النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث فيها مسائل بشأن الحج والعمرة.
الأول: حديث عمر ، وهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي، الإمام المشهور، الخليفة الراشد، أفضل الصحابة بعد الصديق رضي الله عن الجميع: أنه قبَّل الحجر، ثم قال: "إني لأعلم أنك حجرٌ، لا تضرُّ، ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبيَّ يُقبلك ما قبَّلتك".
مقصوده البيان أنه لم يُقبله لاعتقاده فيه أنه ينفع ويضرُّ، كاعتقاد الجاهلية في أصنامها أنها تشفع لهم، أو أنها كذا، إنما قبَّله تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال: "إني لأعلم" اللام هذه لام الابتداء، "إني لأعلم" يعني: إني أعلم "أنك حجرٌ، لا تضرُّ، ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبيَّ يُقبلك ما قبَّلتك" يعني: لولا التأسي ما فعلتُ هذا؛ ليعلم الناس أنه ليس لاعتقادٍ كما يعتقده الكفار في أصنامهم، وإنما هو اتباعٌ وتأسٍّ بالنبي عليه الصلاة والسلام.
ولا يمنع ذلك من كونه يشهد لمن استلمه بحقٍّ، كما في الحديث الآخر: يأتي يوم القيامة وله عينان يُبْصِر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد لمن استلمه بحقٍّ، فهذه نعمةٌ من الله لأهل الإيمان: يشهد لهم هذا الحجر بالحق، إذا كانوا استلموه بحقٍّ؛ بإيمانٍ وهدًى وإسلامٍ.
وفيه شرعية التقبيل، وأنه يُستحب تقبيل الحجر في طواف العمرة، وطواف الحج، وطواف التطوع، يُستحب تقبيله إذا تيسر من دون مُزاحمةٍ، أما مع المزاحمة فلا، لا يُزاحم عليه، لا يشقُّ على نفسه، إذا تيسر من دون مشقةٍ وإلا فَلْيَمْضِ، يُشير إليه ويمضي، إذا قابله، إذا حاذاه يُشير إليه هكذا، ويقول: الله أكبر، يُشير بيده ويُكبر ويمضي، كما كان النبي يفعل ﷺ، كان إذا طاف بعض الأحيان أشار إليه وكبَّر عليه الصلاة والسلام.
والحديث الثاني: حديث ابن عباسٍ في قصة طوافهم في عُمرة القضاء، أخبر أن النبي ﷺ أمرهم أن يَرْمُلوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين؛ وذلك لأن المشركين قالوا: إنه يَقْدَم عليكم قومٌ قد وَهَنَتْهُم حُمَّى يثرب.
قال بعضهم لبعضٍ: "إنه يَقْدَم عليكم" يعني: يرد إليكم، يُقال: قَدِمَ يَقْدَم، يعني: من السفر ونحوه، قَدِمَ يَقْدَم؛ كفَرِحَ يَفْرَح، تَعِبَ يَتْعَب.
أما قَدَمَ يَقْدُم، فهذا معناه: تقدَّم القوم، صار أمامهم.
قَدَمَ يَقْدُم من باب نَصَرَ يَنْصُر، يعني: صار أمام القوم، ومنه قوله تعالى في قصة فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [هود:98]، يَقْدُمهم يكون أمامهم، قائدًا لهم، نسأل الله العافية.
وأما قَدُمَ يَقْدُم فهذا معناه: القِدَم، قَدُمَ هذا الشيء يَقْدُم: إذا صار قديمًا، مضى عليه دهرٌ، من باب كَرُمَ يَكْرُم، قَدُمَ يَقْدُم.
هذه ثلاث تصرفاتٍ:
فَعِلَ يَفْعَلُ: إذا قدم من السفر ونحوه.
فَعَلَ يَفْعُلُ: إذا تقدم القوم.
فَعُلَ يَفْعُلُ يعني: صار قديمًا.
"قد وَهَنَتْهُم" أضعفتهم "حُمَّى يثرب" حمى المدينة، تُسمى: يثرب عندهم.
فلما سمع النبي ﷺ هذا الكلام أمرهم أن يَرْمُلوا؛ حتى يُظْهِروا للعدو نشاطهم وقوتهم؛ لأن نشاط المسلمين وقوتهم مما يُحْزِن العدو، مما يغيظ العدو؛ ولهذا أمرهم أن يَرْمُلوا؛ حتى يعلم العدو نشاطهم، وكذب قولهم: إن الحُمَّى وهنتهم.
وأن يمشوا بين الركنين؛ لأنهم إذا كانوا بين الركنين اختفوا عن المشركين، والمشركون كانوا من جهة قعيقعان، من جهة الحِجْر، فإذا كان الطواف بين الركنين ما رأوهم ذاك الوقت.
قال: "ولم يمنعهم أن يَرْمُلُوا الأشواط كلها إلا الإبقاء" لعل النصب أولى، مفعولٌ لأجله، ولم يمنعهم إلا من أجل الإبقاء، يمنعهم النبي ﷺ، "إلا الإبقاء" أي: إلا من أجل الإبقاء، النصب أولى.
والحديث الثالث حديث ابن عباسٍ: أن النبي ﷺ طاف على بعيرٍ، يستلم الركن بمِحْجَنٍ.
هذا يدل على أنه يجوز الطواف على البعير، بالعَرَبَانة يجوز، ولكن الطواف بالمشي أولى وأفضل، فإن طاف على بعيرٍ أو بِعَرَبَانة جاز ذلك.
وقال قومٌ: لا يجوز إلا من عِلَّةٍ كالمرض.
والصواب: أنه يجوز، كما يسعى أيضًا، إن كان أرفق به، أو لثقله، أو لكثرة الزحام طاف من بعيدٍ لا بأس، في عَرَبَانة، أو في سيارةٍ لو قُدِّر، لو وُجِدَ ما يمكن ذلك.
فالحاصل أن مثل هذا يجوز؛ لأن النبي طاف على بعيرٍ عليه الصلاة والسلام لما كثُر عليه الناس، وهكذا سعى عليه الصلاة والسلام، لكن كونه يمشي مع القُدرة أولى وأفضل.
وفيه أنه يستلم الركن بمِحْجَنٍ، وهي عصا لها رأسٌ كالمِشْعَاب، يمده هكذا، ويُقبل المِحْجَن، وهكذا إذا استلمه بيده يُقبل يده، فإن تيسر تقبيله قبَّله كما تقدم في حديث ابن عمر، وإذا ما تيسر استلمه بيده أو بمِحْجَنٍ وقبَّله، فإن لم يتيسر ذلك أشار.
فالأحوال ثلاثة:
- الحالة الأولى: أن يُقبل، يتمكن ويُقبله بدون مشقةٍ، فالسُّنة أن يُقبله ويُكبر ..... يقول: الله أكبر، ويستلمه بيده مع ذلك.
- الحالة الثانية: ألا يستطيع إلا باليد، يستلم بيده، ويُقبل يده، ويُكبر.
- الحالة الثالثة: ألا يستطيع بيده ولا بفمه، ولكن بالعصا يمدها ويستلمه ..... بها، ويُقبل طرفها، إذا تيسر ذلك، أما إن كان في مدِّها أذًى للناس أو مشقةٌ لا، لا يُؤذي الناس، بل يُشير من بعيدٍ، وهذه الحالة الرابعة: الإشارة.
- الحالة الرابعة: يُشير ويُكبر من دون مَسٍّ، يُشير من بعيدٍ ويُكبر.
هكذا حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ خَبَّ ثلاثة أشواطٍ، ومشى أربعةً.
السُّنة أنه في طواف القدوم يَخُبُّ ثلاثة أشواطٍ، يعني: يُعَجِّل، يُهَرول، والأربعة الباقية يمشي مشيًا، هذا في طواف القدوم خاصةً في العمرة والحج، أما بقية الأطوفة: طواف الإفاضة، وطواف الوداع، والأطوفة الأخرى؛ هذه ما يُهرول، يمشي مشيًا إلا طواف القدوم خاصةً، للرجال خاصةً، أما النساء لا يُهرولن، يمشين مشيًا؛ لأنهن عورةٌ.
وهكذا الاضطباع: كونه يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن، وطرفه على عاتقه، هذا في طواف القدوم خاصةً -أي: الاضطباع- وما سواه يجعل رداءه على كتفيه، ويَلُفُّه على صدره، هذا السُّنة، أي: الرداء دائمًا دائمًا في حقِّ الـمُحْرِم إلا في طواف القدوم عند الطواف، فإنه يجعل وسطه تحت إبطه الأيمن ..... ضبعه الأيمن، ويجعل طرفه على عاتقه الأيسر في طواف القدوم خاصةً، وهكذا الرَّمَل في طواف القدوم في الأشواط الثلاثة الأُوَل، أما بقية الأطوفة فليس فيها رَمَلٌ، وليس فيها اضطباعٌ.
الحديث الأخير حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ لم يستلم من الكعبة إلا الركنين اليمانيين، هذه السنة: استلام الركنين اليمانيين، الذي فيه الحَجَر واليماني فقط.
أما الركنان اللذان يتَّصلان بالحِجْر فالسنة ألا يستلمهما، ولا يُكبر عندهما؛ لأن الرسول ما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام، وإنما الاستلام للركنين اليمانيين، وهما: الركن الذي فيه الحَجَر الأسود، والركن الثاني الذي قبله عند الطواف، فهذان يُسْتَلَمَان.
أما التقبيل فيختصُّ بالحَجَر الأسود، فلا يُقبل إلا الحجر الأسود خاصةً، أما الاستلام فلهما جميعًا، والتكبير لهما جميعًا عند الاستلام، فإن لم يتيسر أشار إلى الحجر الأسود، ولم يُشِر إلى الركن اليماني، فإن لم يتيسر الاستلام أشار إلى الحجر الأسود خاصةً وكبَّر، أما اليماني فلا يُشار إليه؛ لأن النبي ﷺ ما كان يُشير إليه.
أما ما يوجد في بعض المناسك من أنه يُشار إليه فليس عليه دليلٌ، الإشارة للحَجَر الأسود خاصةً، أما إذا تمكن من اليماني فيستلمه ويُكبر، أما الركنان الآخران اللذان على حافة الحِجْر فلا يُسْتَلَمَان، ولا يُقَبَّلانِ، ولا يُشار إليهما.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.