الدرس الثاني عشر

والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب ما نهى الله عنه من البيوع

261- عن أبي سعيدٍ الخدري : أن النبي ﷺ نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة: لمس الرجل الثوب ولا ينظر إليه.

262- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: لا تَلَقَّوا الرُّكْبَان، ولا يَبِعْ بعضكم على بيع بعضٍ، ولا تَنَاجَشُوا، ولا يَبِعْ حاضرٌ لِبَادٍ، ولا تصروا الإبل والغنم.

الشيخ: تُصَرُّوا.

ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، ومَن ابتاعها فهو بخير النَّظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سَخِطَها ردَّها وصاعًا من تمرٍ.

الشيخ: أعد، أعد: لا تَلَقَّوا الرُّكْبَان، نعم.

262- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: لا تَلَقَّوا الرُّكْبَان، ولا يَبِعْ بعضكم على بيع بعضٍ، ولا تَنَاجَشُوا، ولا يَبِعْ حاضرٌ لِبَادٍ، ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، ومَن ابتاعها فهو بخير النَّظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سَخِطَها ردَّها وصاعًا من تمرٍ.

وفي لفظٍ: وهو بالخيار ثلاثًا.

263- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حَبَل الحَبَلَة.

الشيخ: بركة.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه جملة أحاديث تتعلق بما نهى الله عنه من البيوع، في البيوع المنهي عنها، ذكر المؤلف منها جملةً؛ ليعلمها المؤمن ويبتعد عنها.

والله جلَّ وعلا إنما ينهى عباده عما يضرهم، ويأمرهم بما فيه مصلحتهم، وهو الحكيم العليم جلَّ وعلا فيما يأمر به، وبما ينهى عنه، فأوامره على المصلحة والخير والحكمة، ونواهيه كذلك.

ومن ذلك: حديث أبي سعيدٍ ، وهو سعد بن مالك بن سِنان الخدري رضي الله عنه وعن أبيه، عن النبي ﷺ أنه نهى عن المنابذة والملامسة في البيع، والمنابذة والملامسة فيها غررٌ؛ ولهذا نُهِيَ عنها.

والمنابذة معناها أن يقول: أي ثوبٍ نبذتُه إليك فهو عليك بكذا، أو: أي ثوبٍ نبذه إليك فلانٌ فهو عليك بكذا، أو: أي عباءةٍ، أو: أي إناءٍ، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز؛ لأن فيه غَرَرًا، ما قلبه ولا نظر فيه؛ لأن البيع يحتاج إلى نظرٍ وتأملٍ حتى لا يُغْبَن، حتى لا يشتري إلا على بصيرةٍ.

فإذا قال: أي ثوبٍ نبذتُه إليك، أو طرحتُه إليك، أو طرحه لك فلانٌ، أو نبذه لك فلانٌ، أو: أي ثوبٍ لمسته، أو لمسه فلانٌ –بالملامسة- فهو عليك بكذا لا يصلح؛ لما فيه من الغَرَر وعدم التَّثبت في الأمر، والله سبحانه أعلم بمصالح عباده، وهو أرحم بهم من أنفسهم، فمن رحمته لهم وإحسانه إليهم أن نهاهم عما يضرهم، فالمشتري ينظر ويتأمل المبيع حتى يُقدم على بصيرةٍ؛ فلهذا نُهِيَ عن الملامسة والمنابذة؛ لما فيها من الغَرَر والجهالة والإقدام على غير بصيرةٍ.

وهكذا في الحديث الثاني حديث أبي هريرة في النهي عن خمسة أشياء: عن تَلَقِّي الرُّكْبَان، وعن بيع بعضهم على بعضٍ، وعن بيع حاضرٍ لِبَادٍ، وعن التَّناجُش، وعن التَّصرية، وهي التَّحيين: تحيين اللبن، العوام يُسمونها: مُحينة، يعني: مُصَرَّاة.

فتلقي الرُّكْبَان؛ لأن فيه غررًا على القادمين وخِدَاعًا لهم، فلا يُتلقون.

الرُّكْبَان الذين يقدمون بالـمِيرَة: بالتمر، بالحبوب، بالدهن، بغير ذلك، لا يجوز تلقيهم والشراء منهم في الطريق؛ لأنه يخدعهم في الغالب، يخدعهم يقول: السعر رديءٌ، والسعر كذا، والسعر كذا، يخدعهم، فلا يتلقون، فإن تُلُقُّوا وباعوا وقدموا البلد فلهم الخيار إذا رأوا أنهم مغبونون، كما جاء في الحديث الصحيح؛ حتى يتلافوا ما غُلِبُوه، وهذا من رحمة الله أيضًا بالوافدين والقادمين؛ حتى لا يخدعهم أهل البلد، فينبغي ألا يبيعوا عليهم، بل يصبروا حتى يقدموا البلد، حتى ينظروا في الأسواق؛ حتى لا يُخْدَعوا، فإن باعوا ثم هبطوا الأسواق ووجدوا أنهم مغبونون فلهم الخيار.

والثانية: لا يَبِع بعضهم على بيع بعضٍ، وهذا لأنه يُكْسِب الشَّحناء بين الناس والبغضاء، فلا يجوز أن يبيع بعضهم على بيع بعضٍ، فإذا باع الإنسان سلعةً –مثلًا- على أخيه بمئة ريالٍ فلا يجوز لشخصٍ آخر أن يقول له: أنا أُعطيك إياها بتسعين ريالًا، حتى يبيع على بيع أخيه، حتى يُهَوِّن؛ لأن هذا يُكْسِب الشَّحناء والعداوة: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعضٍ.

وهكذا لا يشتري على شرائه، يذهب للبائع ويقول: أنا آخذها بأحسن من فلانٍ، أو أعطنيها بثمن فلانٍ. يريد أن يُهون عن بيعها على فلانٍ، ويبيع عليه، كذلك هذا مما يُسبب الشَّحناء والبغضاء.

والإسلام جاء بالدعوة إلى التَّحاب في الله، والتعاون على الخير والأُلْفَة، وعدم التَّهاجر والتَّباغض؛ ولهذا في الحديث الآخر: لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يَبِع بعضكم على بيع بعضٍ، وكونوا عباد الله إخوانًا.

والثالثة: النهي عن بيع الحاضر لبادٍ، إذا قدموا بالـمِيرَة: بالتمر، والحبوب، والدهن، وغير ذلك مما يقدم به البوادي، لا يبيع لهم الحاضر، دعهم يبيعون هم، هم يتولون البيع؛ حتى يكون ذلك أرخص للناس، وأرفق بالناس.

لا يقول: أنا أبيع لكم؛ حتى يُشدد على الناس في التسعير، ويُغلي عليهم، لا، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعضٍ، فلا يبيع للبوادي والقادمين بالسلع، وإن كانوا غير بوادي.

إذا قدم بالإبل أو بالبقر أو بالدهن أو بالحبوب إلى السوق، قدم –مثلًا- من الدوادمي إلى الرياض، من الخرج، من الحوطة إلى الرياض، إلى مكة، إلى المدينة، يبيعون سلعهم، لا يقوم الحاضر يبيع لهم: وأنا أتولى لهم البيع؛ لأن هذا يضرُّ الناس، الحاضر يعرف الأسعار معرفةً تامةً، وربما شدد على الناس، فَلْيَدَع البادي أو القادم هو الذي يتولى البيع بما قسم الله له.

الرابعة: ولا تناجشوا التَّناجُش: كونه يزيد في السلعة، وما يريد الشراء، هذا يزيد، وهذا يزيد، وهو ما قصده الشراء، قصده أن ينفع البائع حتى يزيد الثمن، أو قصده أن يؤذي المشتري، إذا كان يعرف أن هذا سيشتريها فأراد أن يُغليها عليه، أو يعبث، ما له شغلٌ، يعبث، يلعب، ما يجوز هذا، لا يزيد إلا إذا كان سيشتري، أما كونه يزيد وما هو بِشَارٍ ما يجوز له؛ لأن هذا يضر الناس، يضر الـمُشترين، يُصدقونه ويزيدون كلما زاد، يحسبونه صادقًا، فلا يزيد إلا إذا كانت له نية الشراء، أما بنية الخداع وإيذاء الـمُشترين أو نفع البائع، فهذا لا يجوز.

والخامسة: ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، وهكذا البقر لا تُصَرّ.

والتَّصرية: كونه يترك فيها لبنًا وجبةً أخرى؛ حتى يضمن المشتري أن لبنها واجدٌ، إذا جاء يبيعها في الصبح ترك لبن الليل مع لبن الصبح؛ حتى يصير اللبن كثيرًا، يقول: هذا لبن الصبح. يكذب عليهم ويقول: هذا لبن الصبح. فيشترون على أن لبنها كثيرٌ، وهو خادعهم، هذا يُقال له: التَّصرية، ويُسميه بعض العامة: التَّحيين، نُحين.

فإذا اشترى وتبين له أنها مُصَرَّاةٌ له الخيار ثلاثة أيامٍ، إذا تبين له أنها مُصَرَّاةٌ يردها وصاعًا من تمرٍ عن اللبن الذي حلب منها، الذي دخلتْ عليه به، ردَّها وصاعًا من تمرٍ بدلًا من اللبن الذي أخذه منها حين دخلتْ عليه، جعل له الخيار ثلاثة أيامٍ؛ لأنه قد يتغير لبنها، فإذا صبر ثلاثة أيامٍ قد يرجع لبنها إلى حالته الأولى إذا كان صادقًا، فإن اعترف أنه مُصَرِّيها فلا يحتاج، يردها في الحال، له الرد في الحال، ما يحتاج.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "ما نهى الله عنه من البيوع":

263- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حَبَل الحَبَلَة، وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية؛ كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تُنْتَج الناقة، ثم تُنْتَج التي في بطنها.

قيل: إنه كان يبيع الشَّارف -هي الكبيرة المسنة- بِنِتَاج الجنين الذي في بطن ناقته.

264- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري.

265- وعن أنس بن مالك : أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تُزْهِي، قيل: وما تُزْهِي؟ قال: حتى تَحْمَرَّ أو تَصْفَرَّ، قال: أرأيتَ إن منع الله الثمرة، بِمَ يَسْتَحِلّ أحدكم مال أخيه؟.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق ببعض البيوع التي نهى عنها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لما فيها من الغَرَر والخطر، والشريعة الكاملة جاءتْ بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.

فالأول عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع حَبَل الحَبَلَة، وهذا البيع يبتاعه أهل الجاهلية، وهو يُفَسَّر بأمرين:

أحدهما: أنه يبيع الناقة إلى أجلٍ مجهولٍ، فيبيع هذا البعير أو هذه الناقة إلى أن تُنْتَج الناقة الفلانية، ثم يُنْتَج الذي في بطنها، فهو معناه: إلى أن تلد هذه الناقة، ثم تحمل البكرة التي ولدتها وتُنْتج، وهذا أجلٌ لا يُدْرَى متى ينتهي، ولا يُدْرَى متى يحصل، فهو جهلٌ كبيرٌ، وهذه الصيغة صيغة مجهولٍ: تُنْتَج، والمراد بها صيغة الفاعل بمعنى: تُنْتِج، لكنها جاءت عن العرب بصيغة المجهول: تُنْتَج.

فهو يبيع الناقة إلى أن تُنْتَج الناقة المعينة ما في بطنها، ثم يُنْتج الذي في بطنها بعد ذلك، وهذا أجلٌ مجهولٌ.

وفي الحال الثاني: كأن يبيع الناقة الكبيرة الـمُسِنَّة بِنِتَاج الجنين الذي في بطن ناقته، يصير الثمن معدومًا مجهولًا، وهذا أيضًا لا يجوز؛ لأنه غَرَرٌ مَنْهِيٌّ عنه، وهذا غَرَرٌ عظيمٌ؛ كونه يبيع ناقةً موجودةً بِنِتَاج الجنين الذي في بطن أمه، حتى نفس الحمل مجهولٌ، فكيف بِنِتَاجه؟!

والصور تصير أربعةً كلها منهيٌّ عنها:

  • الصورة الأولى: أن يبيع الناقة إلى أن تُنْتَج الناقة الأخرى، هذا أجلٌ مجهولٌ.
  • الصورة الثانية: أن يبيعها إلى أن تُنْتَج، ثم يُنْتَج الذي في بطنها، هذا أشد في الجهالة.
  • الصورة الثالثة: أن يبيع الناقة بِنِتَاج ناقةٍ أخرى.
  • والرابعة: أن يبيعها بِنِتَاج النِّتاج، وهو أشد في الجهالة والغَرَر.

والحديث الثاني والثالث: النهي عن بيع الثِّمار حتى يبدو صلاحها، لا يبيع حتى يبدو صلاحها؛ لتأمن العاهة، وفي اللفظ الآخر: "حتى تُزْهِي"، قالوا: وما تُزْهِي؟ قال: تَحْمَارُّ وتَصْفَارُّ، ثم بيَّن العِلة فقال: أرأيت إن منع الله الثمرة، بِمَ يستحلّ أحدكم مال أخيه؟ فلا يبيع ثمرة النخل إلا إذا بدا صلاحها، ولا ثمرة العنب إلا إذا بدا صلاحها، ولا الزرع إلا إذا اشتدَّ واستوى إذا كان بشرط البقاء.

أما إذا باع الزرع ليُحْصَد في الحال، أو باع الثمرة لتُقطع في الحال –بُسْر- فلا بأس؛ لعدم الغَرَر، أما إذا باعها وهي ..... على أن تبقى في رؤوس النخل حتى تستوي، هذا لا يجوز؛ لأنه قد يعتريها عارضٌ، قد يُصيبها عارضٌ، فلا تُباع حتى يبدو صلاحها، حتى يتعين، تصير فيها رُطَب، وتأمن العاهة، وهذا معنى: "حتى تُزْهِي"، تَحْمَارّ، أو تَصْفَارّ، يعني: ينقلب لونها، حتى يوجد فيها رُطَب، وبهذا تأمن العاهة، فلا بأس في هذه الحالة أن يبيعها، والمشتري يحل محل البائع؛ يأكل الرُّطَب يومًا بعد يومٍ حتى ينتهي على عادة الناس، أما إذا باعها قبل أن تستوي فلا يجوز؛ لأنه في هذه الحالة مُعَرَّضٌ للخطر، قد تنزل بها عاهةٌ فيندم.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "ما نهى الله عنه من البيوع":

266- وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ أن تُتلقى الرُّكْبَان، وأن يبيع حاضرٌ لبادٍ.

قال: فقلتُ لابن عباسٍ: ما قوله حاضرٌ لِبَادٍ؟ قال: لا يكون له سمسارًا.

267- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ عن الـمُزَابنة، وهي: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمرٍ كيلًا، وإن كان كَرْمًا أن يبيعه بزبيبٍ كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعامٍ. نهى عن ذلك كله.

268- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: نهى النبي ﷺ عن الـمُخابرة والـمُحاقلة، وعن الـمُزابنة، وعن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وألا تُباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث في بيان بعض البيوع التي نهى عنها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لما فيها من الغَرَر أو الغَبْن على البائع أو المشتري؛ ولهذا نهى عليه الصلاة والسلام عن كل ما يضر المتبايعين أو يُوقعهما في الغَرَر أو في الربا.

حديث ابن عباسٍ: نهى عليه الصلاة والسلام عن تلقي الرُّكْبان، وأن يبيع حاضرٌ لِبَادٍ.

تلقي الرُّكْبان؛ لأنه قد يُسبب غلطًا على البائعين، قد يُخْدَعون، قد يُشْتَرى منهم الشيء بأقلّ من قيمته، فيحصل عليهم ضررٌ؛ لأنهم لا يعرفون الأسواق، فيتلقاهم قبل أن يهبطوا الأسواق، فيخدعهم، فيشتري منهم بِرُخْصٍ؛ فلهذا نهى الرسول ﷺ عن تلقي الرُّكْبان، وتقدم حديث أبي هريرة عن تلقي الجَلَب، وأمر أن يُتركوا حتى يهبطوا الأسواق، وجعل لهم الخيار، إذا هبطوا الأسواق فلهم الخيار.

قال العلماء: يعني: إذا هبطوا الأسواق ورأوا أن هناك غَبْنًا فلهم الخيار؛ لأنه غبنهم، فإذا سمع بأنه قد جاء أناسٌ يبيعون أَقِطًا، أو تمرًا، أو إبلًا، أو غنمًا، فذهب يتلقاهم قبل أن يصلوا، فهم بالخيار إذا غُبِنُوا، إذا وصلوا الأسواق وعرفوا أنهم غُبِنُوا فلهم الخيار، فهذا من أجل دفع الضَّرر عن البائعين.

وأما بيع الحاضر لِبَادٍ فهذا لدفع الضَّرر عن المشترين؛ لأنه إذا تولى الحاضر للبادي أغلى الأسعار، وشقَّ على المبتاعين -على المشترين-؛ لأنه يعرف الأسعار، وربما دقَّق عليهم وشدَّد عليهم إذا كان سمسارًا -والسمسار هو الدَّلال- فلا يبيع الحاضر للبادي، فإذا قدموا يبيعون بأنفسهم، لا يتولى الحاضر البيع لهم، بل يبيعون بأنفسهم، لكن لا مانع أن يستشيروا الحاضر في البيع، لا بأس، أما أنه هو الذي يتولى البيع ويكون هو السمسار فلا.

والحكمة في ذلك: أنه يضر المشترين؛ لأنه يعرف الأسواق، ويعرف ثمن المبيعات، فلا تكون فائدةٌ للناس من هذا الجَلَب، والجَلَب ينفع الله به الناس، إذا باعوا بأنفسهم يكون أرخص من بيع الحاضر، وينتشر الرُّخْص في الأسواق، وتنزل الحاجات التي تُجلب بسبب هؤلاء، فإذا تولى الحاضر البيع لهم شدَّد ودقَّق في الحساب؛ فلم تحصل فائدةٌ لأهل البلد من هذا الجَلَب.

والحديث الثاني: حديث ابن عمر في النهي عن بيع المزابنة.

والمزابنة: أن يُباع الشيء الذي على رؤوس النخل أو الزروع التي لم تُحْصَد أو العنب بأشياء موجودةٍ مكيلةٍ؛ ولهذا قال: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمرٍ كيلًا، وإن كان زرعًا بكيل طعامٍ، وإن كان فاكهةً -كالعنب مثلًا- بزبيبٍ كيلًا -وهو الكَرْم- فلا يُباع هكذا؛ لأنه لا يحصل التَّماثل.

فالحَبُّ المكيل، والتمر المكيل، والزبيب المكيل ما يتماثل مع الموجود في رؤوس النخل، أو في الزرع، بل تكون بينهم مُخالفةٌ وتفاوتٌ، والشيء لا يُباع بمثله إلا مثلًا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، فلا يُباع التمر بالتمر إلا مثلًا بمثلٍ، ولا يُباع الحَبُّ بالحَبِّ إلا مثلًا بمثلٍ، ولا يُباع الزبيب إلا مثلًا بمثلٍ؛ فلهذا يُقال لها: مُزابنة، من الزَّبْن، وهو الدفع، وهو: أن يبيع شيئًا مجهولًا بشيءٍ معلومٍ، هذا ضابطه: أن يبيع شيئًا مجهولًا من الربويات بمثله معلومًا، فيحصل بهذا تحقق التَّفاضل، أو جهل التَّماثل، فلا يصح، فلا يُباع شيءٌ من الحبوب بمثله إلا سواءً بسواءٍ، كيلًا بكيلٍ، ولا شيء من التمور إلا مثلًا بمثلٍ، كيلًا بكيلٍ، ولا من الزبيب إلا مثلًا بمثلٍ، كيلًا بكيلٍ، فإذا باع الثمر أو الزرع أو الكَرْم بشيءٍ مكيلٍ لم يحصل التماثل؛ ولهذا مُنِعَ.

وهكذا الحديث الأخير في النهي عن بيع الحبوب والزبيب وغيرها إلا العرايا، فالعرايا لا بأس أن يبيع ثمرًا بخرصه تمرًا، فلا بأس؛ لأنه عند الحاجة يكون الخرص قائمًا مقام الكيل، فإذا باع الثمرة في رؤوس النخل رُطَبًا بخرصها تمرًا؛ لمسيس الحاجة إلى التمتع بالرُّطب، فلا بأس، مثلًا بمثلٍ، ويكون الخرص حينئذٍ قائمًا مقام الكيل للحاجة، هذا بيعٌ مُستثنًى فقط، وهو العرايا فيما دون خمسة أوسقٍ، لا بد أن تكون في أقلّ من خمسة أوسقٍ، كما في حديث أبي هريرة: "رخَّص في العرايا فيما دون خمسة أوسقٍ، أو في خمسة أوسقٍ" شكٌّ من الراوي؛ ولهذا قال: لا بد أن يكون دون خمسة أوسقٍ؛ عملًا باليقين، ويكون بخرصها تمرًا، لا زيادة، ويكون يدًا بيدٍ، يُسلم له التمر، ويُخلِّي بينه وبين الثمر؛ لقوله ﷺ: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ؛ ولقوله في التمر ونحوه: مثلًا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيدٍ، فهذا تمرٌ بتمرٍ رُخِّص فيه للحاجة وشدة الحاجة، لكن يدًا بيدٍ، فهذا بالكيل، وهذا بالخرص، وهذه مسألةٌ مُستثناةٌ خاصةٌ يُقال لها: مسألة العرايا.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "ما نهى الله عنه من البيوع":

269- وعن أبي مسعودٍ الأنصاري : أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن.

270- وعن رافع بن خديجٍ : أن رسول الله ﷺ قال: ثمن الكلب خبيثٌ، ومهر البغي خبيثٌ، وكسب الحَجَّام خبيثٌ.

باب العرايا وغير ذلك

271- عن زيد بن ثابتٍ : أن رسول الله ﷺ رخَّص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها.

ولمسلمٍ: بخرصها تمرًا، يأكلونه رُطَبًا.

272- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ رخَّص في بيع العرايا في خمسة أوسقٍ، أو دون خمسة أوسقٍ.

273- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: مَن باع نخلًا قد أُبِّرَتْ فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع.

ولمسلمٍ: مَن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فالحديثان الأولان يدلان على تحريم بيع الكلب، وأن ثمنه خبيثٌ، وزجر النبي ﷺ عن ثمن الكلب، وعن ثمن السِّنَّور –وهو القط-، فلا يجوز بيع القط، ولا بيع الكلب، كما روى مسلمٌ في صحيحه قال: "زجر النبي ﷺ عن ثمن السنور والكلب"، وهنا قال: "نهى الرسول عن مهر البغي، وثمن الكلب، وحلوان الكاهن".

وفي حديث رافع: ثمن الكلب خبيثٌ، ومهر البغي خبيثٌ، وكسب الحَجَّام خبيثٌ، فهذا يدل على تحريم هذه المكاسب الخبيثة التي هي ثمن الكلب، وثمن القط -كما تقدم- ومهر البغي.

والبغي هي الزانية، ما تُعطاه في مقابل الزنا يُقال له: مهر، ويُقال له: أجر، وهذا حرامٌ؛ لأنه في مقابل الحرامٍ، فما كان في مقابل حرامٍ يكون حرامًا، فالزنا حرامٌ، وما يُدفع إليها في مقابل ذلك حرامٌ ومُنكرٌ وسُحْتٌ.

وهكذا حلوان الكاهن، وحلوان الكاهن ما يُدفع إليه؛ ليُخبر عن المغيبات، فالمشعوذون يُعطون فلوسًا حتى يُخبروا عن مصير كذا، وأيش يصير كذا؟ أنا سأتزوج ..... وأيش يرى في كذا؟ وأيش صار في كذا؟ مرضي كذا، وأيش أسباب كذا؟ من هؤلاء المشعوذين.

هذا المال الذي يُدفع إليهم حرامٌ؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن سؤال السَّحرة والكهنة والعرَّافين، وعن تصديقهم، فما يُدفع إليهم بسبب أخبارهم التي يدَّعونها عن المغيبات كله منكرٌ، والثمن حرامٌ، فلا يجوز أن يُدفع إليهم مالٌ، ولا يجوز أن يُسألوا، ولا يُصدقوا أيضًا، ولو بغير مالٍ.

النبي عليه السلام قال: مَن أتى عَرَّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا، وسُئل عن الكُهَّان فقال: لا تأتوهم، وقال: ليسوا بشيءٍ، وقال: مَن أتى كاهنًا أو عَرَّافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء يدَّعون علوم الغيب، ويدَّعون أنهم يعرفون المغيبات، هؤلاء لا يُؤتَون، أو يُعرف من حالهم، أو من فَحْوَى كلامهم ومن عاداتهم ما يدل على أنهم يدَّعون علم الغيب، أو استخدام الجن، فهؤلاء لا يُسألون، ولا يُصدقون، ولا يُعطون فلوسًا، وكذلك الفلوس التي يأخذونها حرامٌ عليهم، والواجب أن يُزْجَروا ويُمنعوا ويُستتابوا، فإن تابوا وإلا وجب قتلهم إذا لم ينزجروا إلا بذلك؛ تعزيرًا لهم، حتى لا يقع فسادٌ في الأرض، والذي يُصِرُّ على دعوى علم الغيب يكون كافرًا -نسأل الله العافية-؛ لأن الله يقول جلَّ وعلا: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65].

أما كسب الحَجَّام فهذا سُمِّي: خبيثًا ..... النبي ﷺ سمَّى البصل والكُرَّاث: شجرتين خبيثتين، والثوم، والخبيث ما فيها من الرائحة الكريهة، والحَجَّام كسبه خبيثٌ؛ لما فيه من الدَّناءة؛ لكونه في مقابل استخراج الدم، فيه نوع خُبْثٍ، لكن لا يكون حرامًا، ليس من جنس مهر البغي، ولا من جنس حلوان الكاهن، ولا من جنس ثمن الكلب؛ لأن له خصوصيةً: خُبْثَه ورداءته، هو كسبٌ رديءٌ، ولكن ليس بحرامٍ مثلما قال النبي ﷺ في الثوم والبصل: إنهما شجرتان خبيثتان.

فالحاصل أنه ينبغي أن يكون في غير المأكل والمشرب.

وقد حجم النبيَّ ﷺ رجلٌ يُقال له: أبو طيبة، وأعطاه أجره على الحجامة، ولو كان حرامًا لم يُعْطِه عليه الصلاة والسلام.

أما حديث زيد بن ثابت وأبي هريرة في العرايا فهما يدلان على جواز العرايا.

والعرايا مثلما بيَّنها زيد بن ثابتٍ عن النبي ﷺ أنه رخَّص في بيع العَرِية أن تُؤخذ بخَرْصها تمرًا يأكله أهله رُطَبًا.

وهكذا حديث أبي هريرة: أن الرسول ﷺ رخَّص في العرايا في خمسة أوسقٍ، أو فيما دون خمسة أوسقٍ، والصواب: فيما دون؛ لأنه شَكَّ، العلماء أخذوا فيما دون؛ لأن الراوي شكَّ، قال: "خمسة أو دون"، فيُؤخذ بالاحتياط ويكون شرط ذلك: أن يكون دون خمسة أوسقٍ.

والوسق: ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ.

فالمعنى: أنه لا بأس بالعرايا في أقلّ من ثلاثمئة صاعٍ بصاع النبي ﷺ، وهي: أن يكون الإنسان عنده تمرٌ، ولا يكون عنده نقودٌ في الغالب، ما يتيسر له الشراء بالنقود، فيشتري ثمر نخلةٍ أو نخلتين بالخَرْص، ويُسلم لهم تمرًا مقابل ذلك، فإذا خرصوا النخلة –مثلًا- عشرين صاعًا أعطاهم عشرين صاعًا من التمر، خَرَصوها ثلاثين أعطاهم ثلاثين مثلًا بمثلٍ، لكن هذا بالكيل، والرُّطَب يكون بالخرص بما يؤول إليه تمرًا، تُخْرَص هذه النخلة أو النخلات بما تؤول إليه إذا أتمرت، ويُؤخذ مقابلها من صاحب العَرِية، من صاحب المال الذي يريد الشراء، يأخذ مقابلها تمرًا، أصواعًا بأصواعٍ، مثلًا بمثلٍ، هذه العرايا.

وشرطها: أن يكون في أقلّ من خمسة أوسقٍ.

وشرطها: أن يكون يدًا بيدٍ، هذا يُسلم التمر، وهذا يُخَلِّي بينه وبين النخلة أو النخلات، ويكون بالخَرْص؛ خرصه تمرًا.

وإذا كان يستطيع النقود فينبغي أن يشتري بالنقود، ويدع هذا الأمر المشتبه، يشتري بالنقود؛ حتى يكون أبعد له عن الشُّبْهة.

حديث ابن عمر: يقول ﷺ: مَن باع نخلًا قد أُبِّرَتْ فثمرتها للبائع إلا أن يشترط الـمُبْتَاع.

إذا باع نخلًا قد لُقِّحَتْ -التَّأبير: التَّلقيح- فالثمرة للبائع؛ لأنها قد ظهرتْ فتكون للبائع، تبقى على حساب البائع إلى أن تنضج، ثم يأخذها البائع مشروطةً على المشتري، إلا أن يشترط المبتاع يقول المبتاع: ترى الثمرة لي. فإذا شرطها المبتاع فهي للمُشتري إذا شرطها، وإلا فالأصل أنها بعد التأبير تكون للبائع، أما قبل التأبير فللمُشتري، إذا باع النخل قبل أن يُؤبّر، ولو كان قد أطلع، لكن ما بعد شَقَّ، وما بعد أُبِّر؛ يكون للمُشتري، فإن كان قد أُبِّر فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع –المشتري- إذا اشترط قال: ..... النخل والثمرة لي ..... يُدْخَل على هذا، اشترط هذا على البائع؛ تكون الثمرة له مع الأصل.

هكذا مَن باع عبدًا له مالٌ فماله للبائع إلا أن يشترطه المشتري، فإذا باع عبدًا –مثلًا- له مالٌ؛ باع عبدًا له فرسٌ، له سلاحٌ، فهي للبائع، ما تكون تبعه، تكون للبائع إلا أن يشترطه المشتري، قال: ترى فرسه معه، ترى سلاحه معه، إلا الثياب العادية، الثياب التي يلبسها، والشيء الذي يتبعه في العادة، هذا يكون تبعه: ملابسه العادية تكون تبعًا له، سواء ثياب جمالٍ، أو ثيابًا عاديةً تكون تبعًا له، أما المال الذي ليس مما يتبعه في العادة: كالسلاح، مثل: المطية، مثل: الفرس، مثل: أثاث البيت؛ هذا يكون للبائع إلا أن يشترطه المشتري، إذا شرطه فهو له: المسلمون على شروطهم.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "العرايا وغير ذلك":

274- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: مَن ابتاع طعامًا فلا يَبِعْه حتى يستوفيه.

وفي لفظٍ: حتى يقبضه.

وعن ابن عباسٍ مثله.

275- وعن جابرٍ : أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح: إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؟ فإنها يُطْلَى بها السفن، ويُدْهَن بها الجلود، ويَسْتَصْبِح بها الناس. فقال: لا، هو حرامٌ، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرَّم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة: الأول منها والثاني يتعلقان ببيع الطعام وما في حكمه.

نهى الرسول ﷺ عن بيع الطعام إذا اشتراه حتى يستوفيه، فَيُنْهَى مَن اشترى طعامًا أن يبيعه حتى يستوفيه، كما دلَّ عليه حديث ابن عمر وحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما.

وجاء في هذا المعنى عدة أحاديث كلها تدل على أنه لا يجوز بيع الطعام حتى يُستوفى.

قال ابن عمر: "كنا نُضْرَب على ذلك حتى ننقله من أعلى السوق إلى أسفله"، وفي اللفظ الآخر: "حتى ننقله إلى رِحَالنا".

قال ابن عباسٍ: "وما أظن إلا غير الطعام مثله".

فلا يُباع شيءٌ حتى يُستوفى ويُقبض، ويدل على هذا أيضًا حديث زيد بن ثابتٍ رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ: أنه نهى أن تُباع السلع حيث تُبتاع حتى يحوزها التُّجار إلى رِحَالهم.

وهكذا حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يحل سلفٌ وبيعٌ، ولا بيع ما ليس عندك.

وحديث حكيم بن حزامٍ، عن النبي ﷺ أنه قال: لا تَبِعْ ما ليس عندك.

فهذه كلها تدل على أنه لا يُباع المبيع وأنت ما قبضتَه؛ لأنه ما دام عند البائع فهو ليس في قُدرتك، وهو محل خطرٍ، قد تستوفيه، وقد لا تستوفيه، وقد يبدو للبائع أشياء تحول بينك وبين قبضه، فلا تَبِعْ حتى تستوفي وتقبض، سواء كان طعامًا أو غير طعامٍ، وإذا كان الطعام بالكيل حتى يُكتال أيضًا، وإن كان بالجزاف حتى يُقبض ويُستوفى.

وهكذا الإبل والبقر والغنم والأموال الأخرى حتى تُقبض بما جرت العادة به، بالعُرْف الذي تُقبض به؛ بالتخلية: كالعقار والأرض ونحو ذلك، أو بالنقل: كقبض البعير، وقبض الشاة، وقبض المتاع، وقبض السيارة، يعني: حتى تزول يد البائع، وحتى تستقر يد المشتري عليه.

في حديث جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، خطب الناس يوم الفتح -يعني: فتح مكة- وبيَّن لهم أنَّ الله حرَّم بيع الخمر؛ لأنها خبيثةٌ، وبيعها إعانةٌ على شُربها، والله يقول جلَّ وعلا: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

وثبت عنه ﷺ أنه حرَّم في الخمر عشرةً، بل لعن فيها عشرةً: لعن الخمر، وشاربها، وساقيها، وعاصرها، ومُعْتَصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومُشتريها، وآكل ثمنها، عشرةٌ، الخمر نفسها ملعونةٌ، أي: مذمومةٌ وقبيحةٌ ومُنكرةٌ، وهكذا مَن ذُكِرَ.

لعن الخمر، وعاصرها، ومُعْتَصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومُشتريها، وآكل ثمنها، والشَّارب، والسَّاقي، كلهم ملعونون، نعوذ بالله.

فيجب الحذر من هذا الشراب الخبيث الذي يغتال العقول، ويُسبب الوقوع في أنواعٍ من الشرور؛ لفساد العقل.

وكل ما أسكر فهو خمرٌ من أنواع المشارب والمآكل: كالحشيشة، والحبوب الـمُسْكِرة، وأنواع الأشربة التي تُغير العقل كلها تُسمى: خمرًا، قال عليه الصلاة والسلام: كل مُسْكِرٍ خمرٌ، وكل مُسْكِرٍ حرامٌ.

وهكذا الميتة حرَّم الله بيعها؛ لأنها لا يجوز أكلها، خبيثةٌ، نجسةٌ، فلا تُباع إلا ميتة السمك، والجراد كالسمك يُباع حيًّا وميتًا، وهكذا السمك حيًّا وميتًا، فهو مُباحٌ لنا، كما في حديث ابن عمر: أُحِلَّتْ لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: الجراد والحوت، والدَّمان: الكبد والطّحال.

والخنزير كذلك، هذا النوع الثالث، الخنازير مُحرَّمٌ بيعها وأكلها جميعًا؛ لخُبْثِها، فلا تُؤْكَل، ولا تُباع.

والأصنام –الصور- لا تُباع؛ لأنها تشبيهٌ بخلق الله، ومُضاهاةٌ لخلق الله؛ ولأنها من أسباب الشِّرك، فإن وجود الأصنام والصور في البيوت والمنازل وفي المتعبَّدات من أسباب الشرك، ولا سيما إذا كانت من صور الـمُعَظَّمين: كالملوك، والرؤساء، وذوي المال، والعلماء، وأشباههم ممن يُعَظَّم، فإن المشركين كانوا في غابر الأزمان يعبدون صور ملوكهم ومُعَظَّميهم، وهكذا مَن بعدهم تبعهم في ذلك إلى يومنا هذا؛ فلهذا حرَّم الله بيع الأصنام كلها، سواء كانت على صور الحيوانات، أو بني آدم، أو الطيور، أو غير ذلك؛ لأن بيعها وسيلةٌ إلى شرٍّ كثيرٍ؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة الذين يُضاهؤون بخلق الله، وفي اللفظ الآخر: أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، فلا يجوز بيع الصور: لا النسائية، ولا الرجالية، ولا صور الحيوان البهيم، ولا صور بني آدم، كلها ممنوعةٌ؛ لأن الله حرَّمها، وحرَّم ثمنها.

فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؟ -الشحوم- يُطْلَى بها السفن، ويُدْهَن بها الجلود، ويَسْتَصْبِح بها الناس. فقال: لا، هو حرامٌ، ثم قال: قاتل الله اليهود، لما حرَّم الله عليهم الشحوم جَمَلوها، ثم باعوها وأكلوا أثمانها يعني: تحيَّلوا، قالوا: ما حرَّم علينا إلا الأكل، ونحن لا نأكل. فَجَمَلوها، يعني: أذابوها، مَيَّعوها على النار حتى صارت ذوبًا، وصارت دهنًا، قالوا: ما بِعْنا شَحْمًا، بِعْنا دهنًا. ثم أكلوا الثمن، فدعا عليهم النبي ﷺ؛ لتعاطيهم هذه الحيل.

واليهود أصحاب حيلٍ وجرأةٍ على محارم الله، فلا يجوز للمسلم التَّشبه بهم في استحلال ما حرَّم الله: كأكل شُحوم الميتة أو استعمالها فيما ذُكِرَ من دهن السفن، والاستصباح، ودهن الجلود، بل يجب إتلافها، الميتة لحمها وشَحْمها كلها حرامٌ، لا يُستعمل: لا الشحم، ولا اللحم، إلا الجلد إذا دُبِغَ فلا بأس، إذا دُبِغَ جلد الميتة من الإبل أو البقر أو الغنم أو غيرها مما يُؤكل لحمه إذا دُبِغَ حلَّ، صار الدباغ له طهورًا، أما اللحم والشَّحْم فنجسٌ، خبيثٌ، يجب إتلافه.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب السلم

276- عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهم يُسْلِفون في الثِّمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: مَن أسلف في شيءٍ فَلْيُسْلِف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ.

باب الشروط في البيع

277- عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبتُ أهلي على تسع أواقٍ، في كل عامٍ أوقية، فَأَعِينِينِي. فقلتُ: إن أحبَّ أهلك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤكِ لي فعلتُ. فذهبتْ بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالسٌ، فقالت: إني عرضتُ ذلك على أهلي فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء. فأخبرتْ عائشةُ النبيَّ ﷺ، فقال: خُذِيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلتْ عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فما بال رجالٍ يشترطون شروطًا ليس في كتاب الله؟! ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مئة شرطٍ، قضاء الله أحقُّ، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق.

278- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه كان يسير على جملٍ له فَأَعْيَا، فأراد أن يُسيبه، قال: فلحقني النبي ﷺ، فدعا لي وضربه، فسار سيرًا لم يَسِرْ مثله قط، فقال: بِعْنِيهِ بأوقية، قلتُ: لا. ثم قال: بِعْنِيهِ، فبعتُه بأوقية، واستثنيتُ حُمْلَانه إلى أهلي، فلما بلغتُ أتيتُه بالجمل، فَنَقَدَني ثمنه، ثم رجعتُ، فأرسل في إِثْرِي، فقال: أتراني ماكَسْتُك لآخذ جملك؟ خُذْ جملك ودراهمك، فهو لك.

279- وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لِبَادٍ، ولا تناجشوا، ولا يَبِع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لِتَكْفَأَ ما في إنائها.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربع كلها تتعلق بشروط البيع، وأحكام البيع، والشروط فيه.

الأول: ما يتعلق بالسَّلَم، والسَّلَم هو: شراء المكيلات، أو الموزونات، أو الموصوفات المنضبطة من الذمة، يُقال له: سَلَم، إذا نَقَدَ الثمن، وأجَّل الـمُثْمَن في الذمة إلى أجلٍ معلومٍ يُسمَّى: سَلَمًا، ويُسمى: سَلَفًا.

كان النبي ﷺ لما قدم المدينة وجدهم يُسْلِفون في الثمار، أهل المدينة من الأنصار يُسْلِفون في الثمار، يعني: يشترون الثمار في الذمم، فقال: مَن أسلف في شيءٍ فَلْيُسْلِف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ، وهذا العمل جارٍ عند الناس من قديم الدهر، ويستعمله الناس مع الفلاحين، ويُقال له: السَّلَم، ويُقال له: السَّلَف، ويُقال له: الاستدانة، ويُقال له: الـمُداينة، له أسماء في عُرْف الناس.

والضابط في هذا: أن مَن أراد أن يشتري شيئًا في ذمة أحدٍ فيكون ذلك بصفةٍ مضبوطةٍ، يعني: بأوصافٍ معلومةٍ، وآجالٍ معلومةٍ؛ حتى لا يكون نزاعٌ، فإن كان حبوبًا فلا بد من كيلٍ معلومٍ، وهكذا الثمار كيلٌ معلومٌ، وإن كان غير ذلك لا بد من صفاتٍ معلومةٍ، وإن كان يُوزن فبوزنٍ معلومٍ؛ ولهذا قال ﷺ: مَن أسلف في شيءٍ فَلْيُسْلِف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ، فيقول –مثلًا-: أنا آخذ من ذمتك –مثلًا- ألف صاعٍ من الحنطة، أو من الذُّرة، أو من الأرز، كل صاعٍ بريالٍ، كل صاعٍ بريالين، إلى أجلٍ معلومٍ إلى انسلاخ ذي الحجة، إلى انسلاخ المحرم، إلى انسلاخ صفر، إلى دخول صفر، إلى دخول ربيع أول، أجلٌ معلومٌ.

هكذا إذا كان حيوانًا تكون صفته كذا، وصفته كذا، وسِنُّه كذا، إلى أجلٍ معلومٍ، أو شيئًا موزونًا من الحديد، أو النحاس، أو القطن، أو غير ذلك، بوزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ، لا بأس بذلك.

وهكذا السيارات الآن، يشتري منه سيارةً معروفًا مُوديلها، مضبوطةً بالصفات إلى أجلٍ معلومٍ: سنة، سنتين، يُسلمها له، ويُقدم له الثمن الآن، يُعطيه الثمن: ألفًا، ألفين، عشرةً، عشرين ألفًا، إلى أجلٍ معلومٍ، يُسلم له السيارة، أو يُسلم له التمر، أو يُسلم له الأرز، أو الحنطة، أو الذُّرة، أو القطن، لا بد أن يكون معلومًا: إما بالوزن إن كان يُوزن، أو بالكيل إذا كان يُكال، أو بالصفات المنضبطة في مثل: الحيوانات، والسيارات، وأشباه ذلك.

الحديث الثاني حديث عائشة رضي الله عنها: أن امرأةً يُقال لها: بريرة، مملوكة، جاءت إليها وقالت: إن سادتي، إني كاتبتُ أعمامي على تسع أواقٍ، في كل عامٍ أوقية، يعني: اشترتْ نفسها منهم، وهذا يُسمى: مُكاتبة.

العبد أو الأمة إذا اشترى نفسه من سادته قال: يا سادتي، يا عمي فلان، أو: يا عمتي فلانة، أنا أشتري نفسي؛ حتى يعتق، حتى يكون حرًّا، فيتفق مع سيده على شيءٍ معلومٍ، مثل: ألف ريال، يُعطيهم كل شهرٍ مئة ريالٍ، أو عشرة آلاف ريال، يُعطيهم كل سنةٍ ألف ريالٍ، هذا يُسمى: المكاتبة، فإذا أدَّى ما عليه عتق.

فهذه امرأةٌ يقال لها: بريرة، عبدة، شارطتهم على تسع أواقٍ، كل أوقيةٍ في سنةٍ، تسع سنين، هذا يُسمى الآن: بيع التقسيط، اتَّفقتْ معهم على تسعة أقساطٍ، كل سنةٍ أربعين ريالًا، وهو الأوقية، فجاءت تستعين عائشة في الثمن، فقالت لها عائشة: "إن أحبَّ أهلك أن أعدَّها لهم" يعني: نقدًا، ما فيه تأجيل، "ويكون ولاؤك لي فعلتُ"، فشاورتهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم.

الولاء يعني: مُتعلقات العتق؛ يكونون هم عصبتها، لو ماتت يكونون هم أولياؤها، يرثونها ويرثون ذُريتها؛ لأنهم عصبتها.

فلما قالت لهم ذلك أبوا، قالوا: لا، إلا أن يكون الولاء لهم، يعني: يكون ولاء العتيقة لهم بحيث لو ماتت ورثوها، وورثوا أبناءها إذا لم يكن لهم ورثةٌ، إذا لم يكن لها ورثةٌ ورثوها، فأخبرتْ عائشةُ النبيَّ ﷺ بذلك، فأمرها أن تشتريها وتعتقها، والولاء لها، وقال: إنما الولاء لمن أعتق.

خطب الناس عليه الصلاة والسلام وأخبرهم قال: ما بال أناسٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟! ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ وإن كان مئة شرطٍ، وكتاب الله أي: في حكم الله وشرعه، ليس من شرطه أن يكون منصوصًا في القرآن، بل المراد: في حكم الله، وفي شرع الله، وإن كان مئة شرطٍ، وإن كان أضافه صاحبه مئة مرةٍ وأكَّده فهو باطلٌ.

قضاء الله أحقُّ، وشرط الله أوثق من شروط الناس.

وإنما الولاء لمن أعتق فجعل الولاء لمن أعتق العبد أو الأَمَة؛ لأنه صاحب النعمة، الـمُعْتِق هو صاحب النعمة؛ فيكون له الولاء.

وفي هذا دليلٌ على جواز بيع التقسيط، وأنه إذا باع إنسانٌ أرضًا بأقساطٍ، أو بيتًا، أو جملًا، أو سيارةً إلى أقساطٍ لا بأس إذا كانت الآجال معلومةً، فإذا قال: اشْتَرِ مني هذا البيت بمئة ألف ريالٍ، كل سنةٍ عشرة آلافٍ، أو هذه السيارة بخمسين ألفًا، كل سنةٍ خمسة آلافٍ، أو كل شهرٍ ألف ريالٍ، ما فيه بأسٌ، يُسمى: بيع التقسيط، إذا كانت الآجال معلومةً، والمبيع معلومًا عند البائع، مملوكًا عند البائع، حاضرًا، السيارة حاضرةٌ، الأرض عنده، مملوكةٌ له، البيت مملوكٌ له، ثم باع على أقساطٍ لا بأس، لا حرج في ذلك.

أما حديث جابرٍ وحديث أبي هريرة في الدرس القادم، إن شاء الله.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "الشروط في البيع":

278- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه كان يسير على جملٍ له فَأَعْيَا، فأراد أن يُسيبه، قال: فلحقني النبي ﷺ، فدعا لي وضربه، فسار سيرًا لم يَسِرْ مثله قط، فقال: بِعْنِيهِ بأوقية، قلتُ: لا. ثم قال: بِعْنِيهِ، فبعتُه بأوقية، واستثنيتُ حُمْلَانه إلى أهلي، فلما بلغتُ أتيتُه بالجمل، فَنَقَدَني ثمنه، ثم رجعتُ، فأرسل في إِثْرِي، فقال: أتراني ماكَسْتُك لآخذ جملك؟ خُذْ جملك ودراهمك، فهو لك.

279- وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لِبَادٍ، ولا تناجشوا، ولا يَبِع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لِتَكْفَأَ ما في إنائها.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذان الحديثان الشريفان عن النبي عليه الصلاة والسلام فيهما مسائل متعددة من مسائل البيع وأحكامه، والـمُسَاومة والـمُنَاجَشة بين الناس.

في حديث جابرٍ : أنه كان يسير على جملٍ قد أَعْيَا، أي: قد تعب، فلحقه النبي ﷺ وضربه ودعا له؛ فسار سيرًا لم يَسِرْ مثله قط، ثم قال له النبيُّ ﷺ: بِعْنِيهِ بأوقية، فلم يزل به حتى باعه إياه عليه الصلاة والسلام، فلما قدم إلى المدينة أتاه جابرٌ بالجمل، وكان قد اشترط حُمْلَانه إلى أهله، اشترط على النبيِّ ﷺ أن يكون له ظهره حتى يصل المدينة، فلما وصل المدينة أتاه بالجمل، فأعطاه النبي ﷺ الثمن، وفي اللفظ الآخر: وزاد وأرجح له، ثم قال له: أتراني ماكَسْتُك لآخذ جملك؟ خُذْ جملك ودراهمك، فأعطاه الجمل، وأعطاه الدراهم.

والنبي ﷺ بيَّن هذا؛ ليعلم الناس الحكم، وليستفيدوا من هذه الأحكام التي فعلها ﷺ، منها: أنه ينبغي للمؤمن أن يرفق بأخيه، وأن يُساعده على الخير، ولا سيما إذا أَعْيَا بعيره، أو فرسه، أو نحو ذلك، أن يُساعده بما يرى من مالٍ أو دعاءٍ لأخيه.

ومنها: أنه لا مانع من الـمُماكسة في البيع.

والـمُماكسة: الـمُكاسرة، كون البائع يقول كذا، والمشتري يقول كذا، البائع يقول: أنا أبيعه بمئةٍ. والمشتري يقول: على ثمانين، تسعين، يُكاسِر، هذه مُماكسةٌ، لا بأس بهذا بين البائع والمشتري، والبائع له رضاه، لا يبيع إلا بما يرضى.

فالمماكسة معناها المكاسرة، يعني: يطلب المشتري التنزيل، والبائع يطلب الرفع.

وفيه من الفوائد: حُسن خُلُقه ﷺ، وجوده وكرمه عليه الصلاة والسلام.

كان حسن الخُلُق، كريم المعاشرة، كريم المحادثة عليه الصلاة والسلام، جوادًا، كريمًا، أعطاه الجمل، وأعطاه الثمن جميعًا عليه الصلاة والسلام.

والمقصود هو بيان الحكم الشرعي؛ حتى يعلم الناس الحكم: لا بأس بالمماكسة بين البائع والمشتري، ولا بأس أن يُعطيه المبيع بعدما يشتريه ويردّه إليه؛ هبةً وجودًا وكرمًا.

ولا بأس بالشرط؛ كون الإنسان يشتري شيئًا ويشترط عليه شرطًا لا يُخالف الشرع، كأن يقول له البائع: أنا أشترط عليك البعير يكون تحتي حتى أصل البلد، حتى يُوصلني البلد. أو يقول: البيت لي سُكناه سنةً، بعد السنة أُسلمه لك، أو الدكان يكون في يدي سنةً حتى أُسلمه لك. وما أشبه ذلك من الشروط الجائزة، لا بأس بذلك.

والحديث الثاني: حديث أبي هريرة فيه مسائل خمس:

الأولى: النهي عن بيع الحاضر للبادي، تقدم في الحديث السابق.

ومعنى "بيع الحاضر للبادي" يعني: أن المقيم في البلد لا يتولى البيع للوافدين من البادية وغير البادية؛ لأنه إذا تولى البيع لهم كاسر الناس، وشدد على الناس؛ لأنه يعلم السعر، فتكون على الناس بهذا مشقةٌ، ولكن يتركهم، البادية هم الذين يبيعون، القادمون هم الذين يبيعون بأنفسهم؛ لأن بيعهم يكون أرفق بالناس، وأنفع للناس، وأرخص للناس؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعضٍ، لا يبيع للقادم، سواء كان بدويًّا أو حضريًّا، لا يبيع لمن قدم: من دهنٍ، من حبوبٍ، من أَقِطٍ، من حيواناتٍ، يتولى البيع بنفسه؛ حتى يكون هذا أرفق بالمسلمين، وأقلّ لرفع الأسعار.

وفي المسألة الثانية: التَّناجُش، أي: أنه قال: لا تَنَاجَشوا، والتَّناجُش: كون الإنسان يزيد في السعر وهو ما يريد الشراء، قصده المغالطة والإيذاء: إما لينفع البائع، أو لأجل أن يُغْرِي المشتري، أو يتلاعب، هذا لا يجوز، لا يزيد إلا إذا كانت له رغبةٌ، وإذا كان ما له رغبةٌ لا يزيد.