والتَّناجش: كون الإنسان يزيد السعر وهو ما يريد الشراء، قصده المغالطة والإيذاء: إما لينفع البائع، أو لأجل أن يُغْرِي المشتري، أو يتلاعب، هذا لا يجوز، لا يزيد إلا إذا كانت له رغبةٌ، وإذا كان ما له رغبةٌ لا يزيد، وهذا هو التناجش.
النَّجش أن تزيد في السعر وأنت لا تريد الشراء، فليس لك أن تفعل ذلك، وليس لك وللآخر أن ..... من دون حاجةٍ، بل من أجل الإيذاء، فلا يجوز: لا لهذا، ولا لهذا، إما أن تكون له رغبةٌ ..... يستطيع الشراء، وهو يريد الشراء ..... ولا ينجش على أخيه.
والرابعة: ولا يَبِعْ بعضكم على بيع بعضٍ، ليس للمسلم أن يبيع على بيع أخيه، وليس له أن يشتري على شراء أخيه، فالمسلمون شيءٌ واحدٌ، إخوةٌ، فليس لهم أن يضرَّ بعضهم بعضًا، ولا أن يُؤذي بعضهم بعضًا؛ لأن بيعه على بيع أخيه وشراءه على شراء أخيه يُسبب الشَّحناء والعداوة بين المسلمين.
ومعنى ذلك: إذا بعتَ على زيدٍ سلعةً بمئة ريالٍ ليس للآخر أن يأتي ويقول: أنا أشتريها منك بمئةٍ وعشرة؛ حتى يُهَوِّن ..... البائع: أنا أشتريها منك بكذا وكذا. هذا الشراء على شراء أخيه.
والبيع على بيعه أن يقول له: أنت يا فلان، أنا أُعطيك سلعةً أحسن منها بتسعين؛ حتى يُهَوِّن ويشتري منه ..... فلا تَبِعْ على بيع أخيك، ولا تَشْتَرِ على شراء أخيك: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعضٍ.
والخامسة: لا يخطب على خطبة أخيه، إذا خطب امرأةً يتركها، لا يخطبها وهو يعلم أنه خطبها؛ حتى يردّوه أو يتركها هو، إذا ردّوه أو تركها هو جازتْ له.
ما دُمْتَ تعلم أن أخاك خطبها لا تخطبها، دعها، حتى يترك الخاطب قبلك ..... أو يردّه أهل المرأة ..... تخطبها بعد ذلك؛ لأن خطبتك لها تُؤذي أخاك، وتضرُّ أخاك، وهو سابقٌ، قد سبقك، والحق لمن سبق، فلا تخطب على خطبة أخيك.
والسادسة: ولا تسأل المرأة طلاق أختها.
ليس للمرأة أن تقول: ما أقبلك حتى تُطلق فلانة. هذا غلطٌ وظلمٌ، إن شاءتْ تتزوج وإلا تركته، ولا تقل له: طلّقها.
وهذا من كثيرٍ من النساء، إذا خُطبتْ أو نُكحتْ ممن معه زوجةٌ قالوا: لا، حتى تُطلق. هذا غلطٌ ..... ولا يقولون: طلّق امرأتك، ..... فهذا منكرٌ وظلمٌ، وليس لهم ذلك.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.
***
280- عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: الذهب بالذهب ربًا إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة ربًا إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء.
281- وعن أبي سعيدٍ الخدري : أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا منها غائبًا بِنَاجِزٍ.
وفي لفظٍ: إلا يدًا بيدٍ.
وفي لفظٍ: إلا وزنًا بوزنٍ، مثلًا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ.
282- وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: جاء بلالٌ إلى النبي ﷺ بتمرٍ بَرْنِيٍّ، فقال النبي ﷺ: من أين هذا؟ قال بلالٌ: كان عندي تمرٌ رديءٌ، فَبِعْتُ منه صاعين بصاعٍ؛ لِـمَطْعَم النبي ﷺ. فقال النبي ﷺ عند ذلك: أَوَّهْ! أَوَّهْ! عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردتَ أن تشتري فَبِعِ التمر ببيعٍ آخر، ثم اشْتَرِ به.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة من أصحِّ الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالربا.
والربا بمعنى: الزيادة، تقول: ربا الشيء يَرْبُو ربًا، إذا زاد، ومنه: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج:5] إذا زادتْ وارتفعتْ.
سُمي الربا: ربًا؛ لما فيه من الزيادة غالبًا، أو التوصل إليها، فالزيادة مثل: درهمٍ بدرهمين، وصاعٍ بصاعين، من جنسٍ واحدٍ، صاعٌ من تمرٍ بصاعين من تمرٍ، أو صاعٌ من بُرٍّ بصاعين من بُرٍّ، فهذا فيه زيادةٌ.
وقد يكون بغير زيادةٍ، لكنه وسيلةٌ للزيادة؛ كأن يكون صاعٌ بصاعٍ من غير قبضٍ، فهذا لا يجوز لأجل النَّسيئة؛ لأن هذا وسيلةٌ إلى الربا، ولا وجه للتأجيل، وهما مُتماثلان، فهذا يجرُّ إلى الزيادة في مقابل النَّسيئة، وقد سدَّ النبيُّ ﷺ الباب، ومنع هذا وهذا؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في حديث عمر: الذهب بالذهب ربًا إلا هاء وهاء يعني: يدًا بيدٍ، يعني: خُذْ وسلم، والفضة بالفضة ربًا إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء يعني: إلا يدًا بيدٍ، فإذا باع –مثلًا- سلعةً من أسورةٍ أو خواتم من الذهب بدنانير ذهبٍ، فلا بد من التساوي، يدًا بيدٍ، فالتساوي والقبض يعني: مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، هاء وهاء، فإن كان ذهبًا؛ أسورةً باعها بفضةٍ فلا بأس أن يكون يدًا بيدٍ، أسورةٌ أو خواتم من الذهب أو قلائد من الذهب باعها بفضةٍ فلا بأس، لكن يدًا بيدٍ، يتقابضان في الحال، لا يتفرقان وبينهما شيءٌ، هذا معنى: هاء وهاء.
وهكذا حديث أبي سعيدٍ: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعضٍ يعني: لا تزيدوا بعضها على بعضٍ، أو: لا تنقصوا بعضها عن بعضٍ.
ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا منها غائبًا بِنَاجِزٍ، لا بد من التقابض في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وبيع أحدهما بالآخر، فإن كان الذهب بالذهب فلا بد من شرطين: التَّماثل، والتَّقابض، وهكذا الفضة بالفضة لا بد من شرطين: التَّماثل، والتَّقابض، وهكذا البُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر ..... لا بد من شرطين: أن يكونا مُتماثلين، وأن يتقابضا في الحال.
أما إذا اختلفت الأجناس فلا بأس بالتَّفاضل، لكن يدًا بيدٍ، كما قال النبي ﷺ في حديث بلالٍ لما اشترى صاعًا من التمر الطيب بصاعين من التمر الرديء، قال: أَوَّهْ! عين الربا، عين الربا، لا تفعل، بِعِ الجَمْع بالدراهم، ثم اشْتَرِ بالدراهم جَنِيبًا، ما يجوز أن يشتري شيئًا طيبًا من التمر بأكثر منه من الرديء، ولا من الذهب، ولا من الفضة، ولا من سائر الأنواع التي يقع فيها الربا، لا يشتري الرديء بشيءٍ جَنِيبٍ من جنسه، لا، يبيع الرديء ثم يشتري الذي يريد، يبيع الرديء ثم يشتري بالثمن التمر الطيب.
أما أن يبيع الصاع بصاعين، صاعان رديئان بصاع تمرٍ طيبٍ، أو صاع بُرٍّ طيبٍ بصاعين بُرٍّ رديءٍ، أو صاعٌ طيبةٌ من الشعير بصاعين شعير رديءٍ، لا، ما يجوز، ..... لا بد من التماثل، ولا بد من القبض يدًا بيدٍ.
لكن إن اختلفتْ هذه الأصناف جاز التَّفاضل، تبيع صاعًا من التمر بصاعين من الشعير، لا بأس، يدًا بيدٍ، صاعًا من البُرِّ بصاعين من الملح، أو صاعين من الشعير، لا بأس ..... مثقالًا من الذهب بمثقالين من الفضة أو بأكثر، وتكون الفضة يدًا بيدٍ، لا بأس، دولار بريالٍ سعودي يدًا بيدٍ، لا بأس، جنيه إسترليني بدراهم سعودية يدًا بيدٍ، لا بأس، بعملةٍ خليجيةٍ يدًا بيدٍ، لا بأس، لكن لا بد من التَّقابض.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "الربا والصرف":
283- وعن أبي المنهال قال: سألتُ البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهما عن الصرف، فكل واحدٍ منهما يقول: هذا خيرٌ مني. وكلاهما يقول: نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الذهب بالوَرِق دَيْنًا.
284- وعن أبي بكرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواءً بسواءٍ، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا. قال: فسأله رجلٌ فقال: يدًا بيدٍ؟ فقال: هكذا سمعتُ.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
تقدم حديث أبي سعيدٍ، يقول ﷺ: لا تبيعوا منها غائبًا بِنَاجِزٍ أي: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعضٍ».
وتقدم حديث بلالٍ في شرائه الصاع بصاعين من التمر، وقول النبي ﷺ له: عين الربا، لا تفعل، بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم ابْتَعْ بالدراهم جَنِيبًا.
وهكذا حديث زيد بن أرقم والبراء بن عازب لما سألهما أبو المنهال عن الصَّرف، كل واحدٍ يقول: اسأل هذا، هو خيرٌ مني.
هذا فيه تواضع الصحابة، تواضعهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وتقدير بعضهم لبعضٍ، وأن كل واحدٍ يفرح أن يقوم صاحبه بالفتوى بدلًا منه؛ ولهذا قالوا جميعًا: إن الرسول ﷺ نهى عن بيع الذهب بالوَرِق دَيْنًا.
الوَرِق: الفضة.
هذا يدل على أنه لا يجوز بيع الذهب بالفضة دَيْنًا، بل يدًا بيدٍ.
وهكذا حديث أبي بكرة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا مثلًا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، وأجاز لهم أن يشتروا الفضة بالذهب كيف شاؤوا، والفضة بالذهب كيف شاؤوا، لكن يدًا بِيَدٍ، فإن اتَّحد الجنس فلا بد من أمرين: التَّماثل والتَّقابض، يدًا بيدٍ، إذا صار الجنس واحدًا: ذهبٌ بذهبٍ، فضةٌ بفضةٍ، تمرٌ بتمرٍ، بُرٌّ بِبُرٍّ، أرزٌ بأرزٍ، شعيرٌ بشعيرٍ، مثلًا بمثلٍ، لا بد من التَّماثل، فلا يجوز أن تبيع درهمًا بدرهمين، ولا دينارًا بدينارين من الذهب، لا بد أن يكونا مثلًا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، ولا بد من شرطٍ ثانٍ هو: أن يكون يدًا بيدٍ، التَّقابض، ولا يتفرقان حتى يتقابضا.
أما إذا اختلف الجنس -مثل: فضة بذهبٍ، أو تمر بِبُرٍّ- فهذا لا بأس بالتفاضل؛ لاختلاف الجنسين، فإذا باع صاعًا من التمر بصاعين من الشعير، أو بصاعين من البُرِّ، يدًا بِيَدٍ، فلا بأس؛ لأنهما جنسان، أو باع مئة مثقالٍ من الفضة بعشرة مثاقيل من الذهب، يدًا بِيَدٍ، هذا سعر المعدن مختلفٌ، كذلك إذا باع صاعًا من البُرِّ بصاعين من الشعير، أو بصاعين من الملح، يدًا بِيَدٍ، فلا بأس؛ لاختلاف الجنس.
هكذا الأوراق اليوم –العُمَل- تقوم مقام الذهب والفضة، فإذا باع عُملةً بعُملةٍ، يدًا بِيَدٍ، فلا بأس، ولو اختلفت، مثل: دولار واحد باعه بثلاثة دراهم أو أربعة دراهم، يدًا بِيَدٍ، لا بأس؛ لأن العُمْلة مختلفةٌ، مثل: الذهب بالفضة، أو باع دنانير أردنية أو عراقية، عشرة دنانير بخمسة دولارات، أو بعشرين دولارًا، لا بأس، يدًا بِيَدٍ؛ لاختلاف الجنسين، أو باع مئةً من الدراهم السعودية بخمسين من الدولارات، أو بعشرين من الدنانير العراقية أو الهاشمية، أو غير ذلك، يدًا بِيَدٍ، فلا بأس؛ لأنها جنسان، والقاعدة: إذا اختلفت ..... جاز التَّفاضل والاختلاف في الكثرة، لكن يدًا بِيَدٍ، فإذا كان الجنس واحدًا فلا بد من شرطين: أن يتماثلا سواءً بسواءٍ، وأن يكون ذلك يدًا بِيَدٍ، التقابض في المجلس.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب الرهن وغيره
285- عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ اشترى من يهوديٍّ طعامًا، ورهنه درعًا من حديدٍ.
286- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: مَطْلُ الغني ظلمٌ، وإذا أُتْبِعَ أحدكم على مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ.
287- وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ. أو قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: مَن أدرك ماله بعينه عند رجلٍ أو إنسانٍ قد أفلس فهو أحقُّ به من غيره.
288- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: جعل -وفي لفظٍ: قضى- النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِفَت الطرق فلا شُفْعَة.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة بعضها يتعلق بالرهن، وبعضها يتعلق بالحَوَالة، وبعضها يتعلق بغير ذلك.
الحديث الأول يدل على أنه لا مانع من مُعاملة الكافر بالشراء منه، والبيع عليه؛ ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: إن النبي ﷺ اشترى من يهوديٍّ طعامًا، ورهنه درعًا من حديدٍ.
وثبت عنه ﷺ أنه تُوفي ودرعه مرهونةٌ في طعامٍ لأهله عليه الصلاة والسلام، اشتراه من يهوديٍّ.
هذا يدل على أنه لا بأس أن يشتري الإنسان من يهوديٍّ، أو نصرانيٍّ، أو غير ذلك بعض الحاجات، ولا يكون ذلك من مُوالاتهم، ولا من محبتهم، فالموالاة: المحبة والنُّصْرة، أما في الشراء منه والبيع عليه فليس من باب الموالاة، ولا حرج في ذلك؛ ولهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
الحديث الثاني يدل على أنه لا يجوز للغني أن يُؤخر الدَّيْن؛ ولهذا قال: مَطْل الغني ظلمٌ، كونه عنده يُسْرٌ، ومع ذلك يمطل أخاه، ولا يُوفيه حقَّه، بل يجب عليه أن يُبادر بقضاء الدَّين إذا كان قادرًا، ولا يمطل أخاه ولا يُؤذيه.
وفي اللفظ الآخر يقول ﷺ: لَيُّ الواجد يُحِلُّ عِرْضَه وعُقوبته.
لَيُّه يعني: مَطْله وتأخيره الحق.
يُحِلُّ عِرْضَه أي: يُقال فيه: إنه مطلني، وإنه تعدَّى عليَّ، وإنه أخذ حقِّي.
وعقوبته بالأدب حتى يُؤدي الحقَّ، بالسجن أو غيره من جهة ولي الأمر؛ حتى يُؤدي الحقَّ إذا كان مُوسِرًا، إنما الإنظار للمُعْسِر؛ كما قال تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، أما الغني فليس له المطل، بل يجب عليه الوفاء وعدم إيذاء صاحب الحق.
وقوله: وإذا أُتْبِعَ أحدكم على مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ يعني: إذا أُحيل على مَلِيءٍ فَلْيَحْتَل، هذا في قبول الحَوَالة إذا كان على مَلِيءٍ، إذا كان لك دَيْنٌ على إنسانٍ، وحوَّلك على مَلِيءٍ، فعليك أن تقبل الحَوَالة، تُطالب إنسانًا بعشرة آلاف ريالٍ، حوَّلك على إنسانٍ مَلِيءٍ، تقبل الحَوَالة، ولا بأس.
الحديث الثالث يدل على أن مَن أدرك ماله عند إنسانٍ قد أفلس فهو أحقُّ به، إذا أدرك ماله عند رجلٍ قد أفلس أو امرأةٍ قد أفلستْ فهو أحقُّ بماله.
فإذا بِعْتَ على إنسانٍ سيارةً أو بعيرًا، ثم بان إفلاسه، وأن ما عنده شيءٌ، مُعْدِمٌ، فلك أن ترجع في مبيعك إذا وجدتَه بعينه، لم يتعلق بحقٍّ للغير، بل وجدتَه بعينه؛ فلك أن ترجع عليه.
وأما إن كان قد تغير بأن زاد زيادةً بَيِّنةً يختلف بها الحكم، أو يزداد بها الثمن، أو وجدتَه قد رهنه، أو وَرِثَه آخر، أو نحو ذلك؛ فلا حقَّ لك، أما إذا وجدتَه بعينه، ولم يَقْضِك من الثمن شيئًا؛ فأنت أولى به، كما في الرواية الأخرى: ولم يَقْضِ من ثمنه شيئًا.
والرابع فيه الدلالة على ثبوت الشفعة في كل شيءٍ لم يُقْسَم، والرسول ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِفت الطرق؛ فلا شفعة.
فإذا باع الإنسان حصته من أرضٍ أو بيتٍ أو سيارةٍ على الصحيح -ولو منقولًا كالسيارة- فشريكه له الشفعة.
إذا كانت الأرض بينك وبين إنسانٍ أنصافًا أو أرباعًا أو أثلاثًا، وباع حقَّه؛ فلك الشفعة إذا علمتَ هذا المشتري، أو سيارةٌ بينك وبينه، وباع نصفها الذي يخصه على واحدٍ؛ الصحيح أن لك الشفعة في هذا النصف الذي باعه على غيرك بالثمن الذي باعه، وهذا عامٌّ، يعمُّ الأراضي، ويعمُّ المنقولات، في كل شيءٍ لم يُقْسَم.
أما إذا وقعت الحدود، وصُرِفت الطرق؛ انتهت الشفعة، إذا ..... وتقاسمتم، وصار كل واحدٍ له طريقٌ يخصُّه ..... بحدودٍ، ثم باع، ما له شفعةٌ؛ لأنه انتهى، صار مُجاورًا، صار جارًا، ما عاد شريكًا، إنما الشفعة في الشركة، أما لو باع والطريق واحدٌ فلك الشفعة، تقاسمتم الأرض ولكن طريقها واحدٌ بينكما، مُشتركٌ، فلك الشفعة؛ لحديث: الجار أحقُّ بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا.
فالجار أحقُّ بشفعة جاره إذا كان الطريق واحدًا، والمسيل واحدًا؛ لأنه يحصل به ضررٌ، فإذا كانت الطرق قد اتَّضحت، كل واحدٍ له طريقٌ مُختصٌّ، واستقلَّ بماله؛ فلا شفعة حينئذٍ.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "الرهن وغيره":
289- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمرُ أرضًا بخيبر، فأتى رسول الله ﷺ يَسْتَأْمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ أرضًا بخيبر لم أُصِبْ مالًا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: إن شئتَ حَبَّسْتَ أصلها، وتصدقتَ بها، قال: فتصدق بها عمرُ غير أنه لا يُباع أصلها، ولا يُورث، ولا يُوهَب.
قال: فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القُربى، وفي الرِّقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على مَن وَلِيَها أن يأكل منها بالمعروف، أو يُطْعِم صديقًا غير مُتَمَوِّلٍ فيه.
وفي لفظٍ: غير مُتَأَثِّلٍ.
290- وعن عمر قال: حملتُ على فرسٍ في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردتُ أن أشتريه، وظننتُ أنه يبيعه بِرُخْصٍ، فسألتُ النبيَّ ﷺ، فقال: لا تَشْتَرِه، ولا تَعُدْ في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهمٍ، فإن العائد في هِبَتِه كالعائد في قَيْئِه.
وفي لفظٍ: فإن الذي يعود في صدقته كالكلب الذي يَقِيء ثم يعود في قَيْئِه.
291- وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: العائد في هِبَتِه كالعائد في قَيْئِه.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة: الأول منها يتعلق بالوقف، والثاني والثالث يتعلقان بالعود في الصدقة.
في قصة عمر: أنه أصاب أرضًا بخيبر، لما فُتحتْ خيبر قَسَّمها النبيُّ ﷺ بين المسلمين، وصار لعمر نصيبه من ذلك، فاستشار النبي ﷺ ماذا يفعل في نصيبه؟ وهو نصيبٌ نفيسٌ، فقال له النبي ﷺ: إن شئتَ حَبَّسْتَ أصلها، وتصدقتَ بها.
حَبَّسْتَ أصلها أي: جعلتَ أصلها حبيسًا، وقفًا، لا يُباع، ولا يُشترى، ولا يُوهَب، ولا يُورث، وغلَّته في سبيل الله، وهذا هو الوقف.
فالوقف هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة في وجوه الخير من عقارٍ أو منقولٍ.
ففعل عمر ذلك؛ فحبَّس الأرض، وجعل غَلَّتها للفقراء والمساكين وذي القُرْبَى وابن السبيل والضيف، يعني: جعلها لوجوه البِرِّ وأعمال الخير، وهذا من الأوقاف الصالحة، الطيبة، وهو داخلٌ في حديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، فهذا من الصدقة الجارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له.
فإذا حبَّس أرضًا أو نخلًا أو منزلًا أو دكانًا –حانوتًا- أو غير ذلك على أنه يتصدق بغَلَّته: بأجرة البيت، بأجرة الأرض، بثمرة النخل، بثمرة البستان، بما فيه من أنواع الأشجار؛ هذا صدقةٌ، قُربةٌ، والأصل يبقى، ويعود أيضًا للمنقول؛ لو وقف دابةً، ناقةً، سِبَالةً، وتصدق بنَسْلِها -بِذُريتها مثلًا- أو لبنها أو صوفها كذلك، أو بقرةً، أو شاةً، صحَّ ذلك؛ لأنه مما يُحْبَس أصله، ويُتصدق بغَلَّته.
ثم قال: لا جناح على مَن وَلِيَها أن يأكل منها بالمعروف غير مُتَأَثِّلٍ، غير مُتَمَوِّلٍ يعني: يأكل بالمعروف من غير إسرافٍ، ولا يتَّخذ له عقارًا منها، ولا أموالًا منها، بل يأكل في مقابل تعبه وعمله.
ويجوز أن يُعْطَى شيئًا مُعينًا عن تعبه -هذا الناظر، هذا الوكيل- من جهة الواقف الـمُسَبِّل، أو من جهة الحاكم الشرعي؛ لأن الأوقاف والعناية بها تحتاج إلى تعبٍ، فإذا رضي بأن يأكل منها كفى، وإن طلب أجرةً جاز أن يُعْطَى أجرةً على تعبه: كخمسةٍ في المئة، عشرةٍ في المئة، أو شيئًا مُعينًا في مقابل تعبه.
لا بأس أن يُهدي منها للفقراء والمساكين والأقارب على حسب ما ينص عليه الموصي الواقف، يلتزم بما نصَّ عليه الواقف وبيَّنه في مصارفها، ويُؤدي الأمانة، ويحرص على النُّصح في أن يحفظ أصلها، ويُنميها ويُكثرها، ويتَّقي الله في ذلك، وتكون له أجرةٌ معينةٌ، أو المشاركة في الأكل منها.
والحديث الثاني والثالث: حديث قصة حمل عمر على فرسٍ في سبيل الله، فالإنسان إذا وهب شيئًا أو تصدق بشيءٍ ليس له الرجوع فيه، فإذا أعطى إنسانًا فرسًا يُجاهد عليها في سبيل الله، أو تصدق عليه ببستانٍ، أو بأرضٍ، أو ببيتٍ، فلا يرجع في ذلك ولو بالثمن؛ لأنه إذا اشتراه في الغالب أن البائع يُنَزِّل له في الثمن؛ يستحيي منه ويُنَزِّل له، ولا يبيع بالمماكسة والمكاسرة، فلا .....؛ ولهذا قال ﷺ: لا تَشْتَرِه ولو أعطاكه بدرهمٍ؛ فإن العائد في هِبَته كالعائد في قَيْئِه، وفي اللفظ الآخر: كالكلب يَقِيء ثم يرجع في قَيْئِه، شُبِّه بالكلب تنفيرًا من العودة وتقبيحًا لها، فلا يرجع في هِبَته، ولا في صدقته؛ لأنه جاء في الحديث: العائد في هِبَته كالعائد في قَيْئِه، والعائد في صدقته كذلك.
وفي الحديث الآخر: لا يحل للمسلم أن يُعطي عطيةً ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يُعطي ولده.
فالحاصل: أنه إذا أعطى عطيةً أو تصدق بصدقةٍ ليس له الرجوع فيها؛ لأنه أخرجها لله، وإن كانت هبةً فكذلك لا يرجع فيها؛ وهذا -والله أعلم- لأن النفوس ميَّالةٌ للدنيا، فإذا أعطاه من دون عِوَضٍ قد يندم ويرجع، فمنعه الشارع من ذلك، وحرَّم عليه الرجوع؛ حتى لا يحصل التلاعب، فإذا وهب وقبضها الموهوب انتهى، فليس له الرجوع.
وهكذا في الصدقة من باب أولى؛ لأنه أخرجها لله، فلا يرجع فيها، لكن الوالد له الرجوع على ولده في العطية.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "الرهن وغيره":
292- وعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما قال: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى يشهد رسول الله ﷺ. فانطلق أبي إلى رسول الله ﷺ ليُشهده على صدقتي، فقال له رسول الله ﷺ: أفعلتَ هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال: اتَّقوا الله واعدلوا بين أولادكم، فرجع أبي فردَّ تلك الصدقة.
وفي لفظٍ قال: فلا تُشْهِدني إذن، فإني لا أشهد على جَوْرٍ.
وفي لفظٍ: فأشهد على هذا غيري.
293- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من تمرٍ أو زرعٍ.
294- وعن رافع بن خديجٍ قال: كنا أكثر الأنصار حَقْلًا، وكنا نُكْرِي الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجتْ هذه، ولم تُخْرِج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما الذهب والوَرِق فلم يَنْهَنا.
295- ولمسلمٍ عن حنظلة بن قيسٍ قال: سألتُ رافع بن خديجٍ عن كِرَاء الأرض بالذهب والوَرِق، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يُؤَاجرون على عهد النبي ﷺ بما على الماذيانات وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويَسْلَم هذا، ويَسْلَم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كِرَاءٌ إلا هذا؛ فلذلك زجر عنه، فأما شيءٌ معلومٌ مضمونٌ فلا بأس به.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بجملةٍ من الأحكام.
الأول فيما يتعلق بالتعديل بين الأولاد، وأنه لا يجوز للأب ولا للأم أن يُفَضِّلا بعضهم على بعضٍ في العطية، أما النفقة يُنفق عليهم؛ لأنهم صغارٌ، يُنفق عليهم كلٌّ بقدر حاجته، أو لأنهم فقراء يُنفق عليهم والدهم على قدر حاجاتهم، الصغير له نفقته، والكبير له نفقته على حسب أحوالهم، أما أن يخصَّهم بعطيةٍ -يخصّ بعضهم دون بعضٍ- فلا يجوز له أن يخصَّ بعضهم دون بعضٍ.
ولهذا لما وهب بشير بن سعدٍ الأنصاري ابنه النعمان غلامًا -أعطاه غلامًا- وأراد أن يُشهد النبي عليه الصلاة والسلام على هذا، قال له ﷺ: أكل ولدك أعطيتَهم مثل هذا؟ قال: لا، قال: فأرجعه يعني: فَرُدَّه، قال: أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جَوْرٍ.
فدلَّ ذلك على أن تخصيص بعض الأولاد دون بعضٍ من الجَوْر، ولا يجوز، بل إما أن يُعطيهم كلهم، وإما أن يدعهم كلهم، إلا إذا كان التخصيص لأجل فقر هذا، هذا فقيرٌ، وهذا غنيٌّ، يُنفق على الفقير قدر حاجته، أو هذا صغيرٌ ما له شيءٌ، وهذا كبيرٌ له أسبابٌ، وله نفقةٌ، يُنفق على الصغير حتى يتيسر له ما يقوم بحاله؛ لأن الوالد يُنفق على عياله، كما قال : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].
فالمقصود أن الولد الفقير على والده الغني أن يُنفق عليه حتى يجد غِنًى يُغْنِيه، أما أن يخصَّ بعضهم بعطيةٍ: هذا يُعطيه بيتًا، هذا يُعطيه غلامًا، هذا يُعطيه سيارةً، والآخر ما يُعْطَى، لا، يعدل بينهم: فـاتَّقوا الله واعدلوا بين أولادكم.
والحديث الثاني حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ: أنه عامل أهل خيبر على ما عندهم من النخيل والأراضي بالشطر، يزرعون الأرض ويسقون النَّخل بالنصف.
هذا يدل على جواز المزارعة والمساقاة بالنصف، أو بالثلث، أو بالربع، أو بأقلّ، أو بأكثر، جزء مشاع، لا بأس بهذا؛ لأنهم شركاء في الغُنْم والغُرْم، فإذا أعطاه أرضه يزرعها بالنصف أو بالربع أو بالثلث أو بالخمس، أو أعطاه النخل، يسقي النخل، وما فيه من الأشجار يسقيها بالنصف أو بالثلث أو بالربع، أو ما أشبه ذلك؛ فلا بأس بذلك، يُقال لها: المزارعة، ويُقال لها: المساقاة إذا كانت على النخل.
أما أن يُزارعهم على أن له ما نبت على الجداول والسَّواقي والأنهار، والباقي للآخر، لا يجوز؛ لأن هذا فيه خطرٌ؛ قد ينبت هذا أكثر من هذا، وقد يهلك هذا ويَسْلَم هذا، هذا زجر عنه النبي ﷺ، لا يجوز.
كونه يقول -مثلًا-: أُعطيك أرضي على أنك تزرعها، فالزرع الشمالي لي، والجنوبي لك، أو الشرقي لك، والغربي لك، أو الذي حول السَّواقي لي أو الأنهار، والبعيدة لك. هذا ما يصلح؛ لأن فيه غَرَرًا، قد يَسْلَم هذا ويهلك هذا، ما يجوز، هذا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام.
أو بجزءٍ مشاعٍ، أو بجزءٍ مجهولٍ، قال: لي-مثلًا- ما أريد، أو لي جزءٌ من الزرع، أو جزءٌ من الثمرة، من غير مُعينٍ، أو دراهم معلومة من الثمرة، يعني: أصواعًا معلومةً من الثمرة، أو من التمر، ما يصلح، لكن إذا أجَّر له الأرض بأجرةٍ معلومةٍ، قال: استأجر مني أرضي بدراهم معلومةٍ، أو بأصواعٍ معلومةٍ، فلا بأس بذلك.
كذلك حديث رافع بن خديج -وهو الثالث- هو في هذا: إذا كان بأجرٍ معلومٍ فلا بأس، من الذهب والفضة، أو الورق، لا بأس، أما أن يقول: لي ما أنبتت السَّواقي وما حولها والأنهار، والباقي لك، هذا -مثلما تقدم- لا يصلح؛ لما فيه من الغَرَر والجهالة، فلا بد أن تكون الأجرة إما في جزءٍ مشاعٍ: نصف، ربع، ثلث، أو دراهم معلومةٍ، أو أصواعٍ معلومةٍ عن شرائه الأرض.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "الرهن وغيره":
296- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قضى النبي ﷺ بالعُمْرَى لمن وُهِبَتْ له.
وفي لفظٍ: مَن أُعْمِرَ عُمْرَى له ولعقبه فإنها للذي أُعطيها، لا ترجع للذي أعطاها؛ لأنه عطاءٌ وقعتْ فيه المواريث.
وقال جابرٌ: إنما العُمْرَى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: "هي لك ولعقبك"، فأما إذا قال: "هي لك ما عشتَ" فإنها ترجع إلى صاحبها.
وفي روايةٍ لمسلمٍ: أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُفسدوها، فإنه مَن أَعْمَر عُمْرَى فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا، ولعقبه.
297- وعن أبي هريرة : أن النبي ﷺ قال: لا يمنعنَّ جارٌ جارَه أن يَغْرِز خشبةً في جداره.
ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعرضين؟! والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم.
298- وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ قال: مَن ظلم من الأرض قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقه من سبع أرضين يوم القيامة.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث في مسائل تتعلق بالعُمْرَى والجوار، يقول النبي ﷺ: مَن أَعْمَر عُمْرَى فهي للذي أُعْمِرَها، وفي اللفظ الآخر: "قضى النبي ﷺ بالعُمْرَى لمن وُهِبَتْ له"، وفي اللفظ الآخر: مَن أَعْمَرَ عُمْرَى فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا، ولعقبه.
قال جابرٌ: إنما العُمْرَى التي أجازها النبي ﷺ أن يقول: "هي لك ولعقبك"، فأما إذا قال: "هي لك ما عشتَ" فإنها ترجع إلى صاحبها.
أما إذا قال: "هي لك ولعقبك" فإنها تنتقل من الـمُعْمِر إلى الـمُعْمَر، وتكون هبةً لازمةً مُستمرةً له ولعقبه، وليس فيها رجوعٌ إذا قبضها الـمُعْمَر.
أما إذا قال: "هي لك ما عشتَ" فهذا محل خلافٍ بين أهل العلم:
قال جابرٌ: إنها ترجع إلى صاحبها.
وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنها للمُعْمَر إلا إذا قال: لك سُكناها، لك الانتفاع بها. أما إذا قال: قد أَعْمَرْتُكَهَا؛ فإنها تكون له ولعقبه.
ومعنى كلام جابرٍ شيءٌ فهمه جابرٌ؛ لأنه لم يقل: قال رسول الله، وإنما أخبر عن فهمه أن هذا هو مُراد النبي ﷺ.
والأحاديث تدل على أنه متى أُعْمِرَ فإنها تكون له ولعقبه، وإذا قال: "هي لك ولعقبك" فهذا من باب التأكيد، ومن باب الإيضاح؛ لأن الإنسان إنما يملك مدة حياته، فإذا مات زال ملكه إلى ورثته؛ ولهذا قال: أمسكوا عليكم أموالكم ولا تُفسدوها، فإنه مَن أَعْمَر عُمْرَى فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا، ولعقبه، دلَّ ذلك على أن العُمْرَى تنقل الأموال وتذهب بأموالهم إلى غيرهم، فأخبرهم النبي ﷺ أن الواجب أن يكونوا على بينةٍ، وعلى بصيرةٍ، وأن يُمْسِكوا عليهم أموالهم؛ حتى لا تخرج عنهم إلا عن علمٍ وعن بصيرةٍ بانتقالها عنهم.
وفي الحديث الثاني: عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: لا يمنعنَّ جارٌ جاره أن يضع خُشُبَه في جداره، وفي روايةٍ: خشبةً في جداره، ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها مُعرضين؟! والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم".
معنى هذا: أن الجار إذا احتاج إلى جاره في وضع الخشب على جداره فإنه لا يُمْنَع إذا كان الجدار يستطيع ذلك، وكان الناس إلى حدٍّ قريبٍ تتلاصق دورهم في الغالب، ويحتاج بعضهم إلى بعضٍ.
فإذا احتاج جارك إلى أن يضع خشبةً في جدارك أو خَشَبَه في جدارك فلا تمنعه من ذلك، فالجار له حقٌّ كبيرٌ على جاره؛ قال النبي ﷺ: ما زال جبريل يُوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيُوَرِّثه، والله أوصى به في كتابه العظيم: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ [النساء:36].
فإذا احتاج جارك إلى وضع الخشب في جدارك؛ لحجرةٍ يُقيمها، أو دِهْلِيزٍ يُقيمه، وما أشبه ذلك، فإنك لا تمنعه إذا كان الجدار قويًّا يستطيع أن يحمل ذلك الخشب، أما إذا كان ضعيفًا لا يستطيع فأنت معذورٌ.
وقوله: "والله لأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم" يعني: السنة، وإن لم ترضوا بها سوف أُصرح بها وأُبَيِّنها براءةً للذمة، لما رآهم عنها مُعرضين؛ لأن من طبيعة البشر عدم التَّحمل في إلزامهم بشيءٍ لغيرهم، ولكن أبا هريرة بيَّن لهم أن هذه سنةٌ أمضاها النبي ﷺ، فلا وجه لإعراضكم، بل الواجب الالتزام بها.
وقال بعض أهل العلم في تفسيره: يعني: إن لم ترضوا بها في الجدار فضعوها على أكتافكم، من باب الزجر، ومن باب الوعيد، ومن باب التَّشديد عليهم؛ ليقبلوا السنة.
والأظهر هو المعنى الأول، يعني: لأُصَرِّحَنَّ بالسنة وأُوضحها؛ لأن الخشب لا يُوضَع على الأكتاف، وإنما يُوضع على الجدران، فأراد بهذا بيان السنة، وأنه سوف يُصرح بها ويُعيدها ويُكررها حتى يعلمها المسلمون فينقادوا لها، ويرتبط بعضهم ببعضٍ؛ لأن الجار في حاجةٍ إلى جاره، وفي منعه من ذلك نوعٌ من الوَحْشَة، وربما سبَّب المصارمة والمقاطعة، وفي تمكينه من الانتفاع بجاره ما يُسبب الوئام والمحبة والتعاون على الخير.
وهكذا ما يحتاجه الجيران فيما بينهم ينبغي أن تكون بينهم المودة والمحبة والتعاون بالهدايا، والدعوة إلى ما قد يقع من ولائم عندهم، والمبادرة بالسلام، والتَّحفي، وعيادة المريض، إلى غير هذا، ينبغي أن تكون بينهم عنايةٌ بأسباب المحبة والوئام والتعاون على الخير، وهذا من حقِّ الجار على أخيه، وهكذا مُواساته إذا كان فقيرًا وجاره غنيٌّ، يعتني بمُواساته، والحرص على سَدِّ خَلَّته.
والحديث الثالث: يقول ﷺ: مَن ظلم شبرًا من الأرض طوَّقه الله إياه من سبع أرضين، هذا وعيدٌ عظيمٌ في الظلم، وأن الواجب الحذر من الظلم في الأرض وغير الأرض، قال النبي ﷺ: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، والله يقول سبحانه: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان:19].
الظلم شرُّه عظيمٌ، وعاقبته وخيمةٌ، كما يقول الله : يا عبادي، إني حرمتُ الظلم على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحَرَّمًا، فلا تظالموا، هذا يعمُّ الأبدان، ويعمُّ الأراضي، ويعمُّ الأعراض، كما قال عليه الصلاة والسلام: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحُرْمَة يومكم هذا يوم النحر، في شهركم هذا يعني: شهر ذي الحجة، في بلدكم هذا يعني: مكة، يُبين شدة الأمر عليه الصلاة والسلام، وإذا كان من الأراضي فإنه يُطوق يوم القيامة من سبع أرضين، وهذا أيضًا وعيدٌ شديدٌ، وعقوبةٌ عظيمةٌ، يعني: يُجعل ما ظلمه من الأرض طوقًا له يُعذب به يوم القيامة، هذا أيضًا من باب التَّشديد والتَّحذير، وأن العاقبة وخيمةٌ، نسأل الله السلامة.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب اللُّقَطَة
299- عن زيد بن خالد الجهني قال: سُئل رسول الله ﷺ عن لُقَطَة الذهب أو الوَرِق، فقال: اعرف وِكَاءَها وعِفَاصَها، ثم عَرِّفْها سنةً، فإن لم تُعْرَف فَاسْتَنْفِقْهَا، ولتكن وديعةً عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فَأَدِّها إليه، وسأله عن ضالَّة الإبل، فقال: ما لك ولها؟ دعها، فإن معها حذاءها وسِقَاءها، تَرِد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربُّها، وسأله عن الشَّاة، فقال: خُذْهَا، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذا الحديث الصحيح يتعلق باللُّقَطَة والضَّوال، والنبي ﷺ بيَّن أحكام اللُّقَطَة وأحكام الضَّوال في هذا الحديث وفي أحاديث أخرى.
أما اللُّقَطة فهي ما عدا الضَّوال من الحيوانات من النُّقود وغيرها من قطع الأموال: كالملابس والمفارش، وأشباه ذلك من اللُّقطات، هذه أخبر النبي ﷺ أن اللَّاقط يُعَرِّفها سنةً، فإن عُرِفَتْ سَلَّمَها لصاحبها، وإلا صارتْ مِلْكًا له كالوديعة، متى جاء طالبها يومًا من الدهر وعرفها أدَّاها إليه، وعليه أن يَعْرِف عِفَاصها ووكاءها.
عِفَاصها: وِعَاؤها، الوعاء، ووِكَاؤها: رباطها إن كانت مربوطةً، وعددها إن كانت معدودةً، وهكذا بقية الصفات إذا كانت لها صفاتٌ أخرى، يكفي أن يعرف صفاتها، حتى يكتبها عنده، ويحفظها عنده، ويُشهد عليها، متى جاء طالبها يومًا من الدهر أعطاها إياه.
وبيَّن أهل العلم أن التعريف يكون في مجامع الناس، مثل: الأسواق -إن كان فيها اجتماعٌ- وأبواب الجوامع، والمحلات التي يكون فيها اجتماعٌ: مَن له اللُّقَطة؟ مَن له الدراهم؟ مَن له الذهب؟ مَن له قطعة كذا؟ من دون أن يُبين الصفات، فإذا جاء مَن يطلب سأله عن الصفات الدقيقة والخفية، فإذا عرفها وضبطها، أو جاء بالبينة عليها؛ أعطاها إياه.
ويكون ذلك في الشهر مرتين، ثلاثًا، أو أكثر، وكلما كان أكثر فهو أبرأ للذمة وأحسن، حتى تكمل السنة، وبعد كمال السنة تكون له اللُّقَطة كسائر ماله، لكنها لا تكون مالًا كُليًّا، بل مالٌ في حكم الوديعة، يعني: في حكم الدَّين الذي عليه، متى جاء صاحبها يومًا من الدهر وعرفها أدَّاها إليه كأنها أمانةٌ، وما نما منها كأولادٍ، ما نما من الربح أو من أولاد الشَّاة ونحوها فهو له، وليس لصاحبها إلا الأصل بعد السنة، ما نما بعد السنة من أرباحٍ أو أولادٍ للشاة ونحوها فهو للاقط، للمُلْتَقِط، لا لصاحبها؛ لأنها ..... ونموها له.
وهكذا الشاة حكمها حكم النقود؛ يُعَرِّفها سنةً، كما في الحديث الآخر: مَن آوى ضَالَّةً فهو ضَالٌّ ما لم يُعَرِّفْهَا، يُعَرِّفها سنةً؛ لأنها لا تدفع عن نفسها، فهي بمنزلة السّجادة والوسادة وأشباه ذلك، لا بد من تعريفها، فإن عُرِفَتْ وإلا فهي له، ثم هو بالخيار: إن شاء باعها وحفظ صفاتها، وإن شاء جعلها عند مَن يرعاها؛ كعند مَن يرعى غنمًا جعلها مع غنمه، إذا كان الوقت ..... فيها كُلْفَةٌ تبقى مع الغنم، وإن شاء ثَمَّنَها قيمة عدلٍ بواسطة أهل الخبرة وأكلها إن كان أكلها أصلح من بيعها.
ويضبط الصفات ويحفظها، ومتى جاء طالبها يومًا من الدهر أدَّاها إليه.
والتعريف سنة كاملة كالنقود؛ لأن الشاة ونحوها لا تدفع عن نفسها، سواء كان من المعز أو من الضَّأن، ذكرًا أو أنثى، لا يدفع عن نفسه، فهي له أو لأخيه أو للذئب، فيأخذها إن شاء، إذا أمن نفسه عليها يأخذها، وإن لم يأمن نفسه تركها، لكن الأفضل له أن يأخذها؛ لقول النبي ﷺ: خُذْها؛ لئلا تضيع.
أما الإبل ونحوها فهذه لا يلتقطها، بل يدعها؛ لأنها تَرِد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها، تدفع عن نفسها من الذئب ونحوه، فلا خطر عليها، فإن كانت في محلٍّ فيه خطرٌ ذكر أهل العلم أنها تُؤخذ وتُسلم لولي الأمر؛ حتى يحفظها مع إبل المسلمين، وإن كانت في محلٍّ ليس فيه خطرٌ، بل فيه الشجر، وفيه الماء، وليس فيه خطرٌ تركها؛ لأن الرسول ﷺ قال: دعها، وكلام النبي ﷺ محمولٌ على أنها في أرضٍ تستطيع أن تعيش فيها، فيها الماء، وفيها الشجر، أما في أرض مَسْبَعَةٍ، فيها الأسود والنمور، أو فيها سُرَّاقٌ، لا يُؤْمَن عليها، في أرضٍ لا تُؤْمَن، فإن قواعد الشرع تقتضي أنه يأخذها ويُسلمها لولي الأمر: أمير البلد، أو حاكم المسلمين ..... حتى يجعلها مع إبل المسلمين، أو يبيعها ويحفظ ثمنها لمن يعرفها ويعرف صفاتها أو سامها.
ومثل الإبل: البقر وأشباهها ممن يدفع عن نفسه، أما الذي لا يدفع عن نفسه: كالحمار وأشباه ذلك، فإن حكمه حكم الشاة؛ يُباع أو يُجْعَل مع الرعية التي عنده إن كان ..... حتى يجده ربُّه، أو يُباع ويُحفظ الثمن والصفات، فإذا جاء طالبه أعطاه إياه، ويُعَرِّفها كالشَّاة.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله.
***
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب الوصايا وغير ذلك
300- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يُوصي فيه يبيت ليلةً أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده.
زاد مسلمٌ: قال ابن عمر: فوالله ما مَرَّتْ عليَّ ليلةٌ منذ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا ووصيتي عندي.
301- وعن سعد بن أبي وقاصٍ قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجعٍ اشتدَّ بي، فقلتُ: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلا ابنةٌ، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلتُ: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا، قلتُ: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثيرٌ، إنك أن تَذَرَ ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يتكففون الناس، وإنك لن تُنْفِق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ بها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك.
قال: فقلتُ: يا رسول الله، أُخَلَّف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تُخَلَّف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددتَ به درجةً ورفعةً، ولعلك أن تُخَلَّف حتى ينتفع بك أقوامٌ، ويُضرَّ بك آخرون، اللهم أَمْضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خَوْلَة، يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة.
302- وعن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: لو أن الناس غَضُّوا من الثلث إلى الربع؛ فإن رسول الله ﷺ قال: الثلث، والثلث كثيرٌ.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذا الباب في الوصايا وغير ذلك، كل الثلاثة متعلقةٌ بالوصايا.
الحديث الأول: يقول ﷺ: ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يريد أن يُوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده.
هذا يدل على تأكد الوصية إذا كان له شيءٌ يريد أن يُوصي فيه، فـما حقُّ امرئٍ مسلمٍ أي: ليس من حقِّه هذا، بل ينبغي له أن يُبادر، وهذا يختلف؛ قد يكون سُنَّةً فقط، وقد يكون واجبًا، فإذا أحبَّ أن يُوصي بالثلث أو بالربع أو بصدقاتٍ استُحِبَّ له أن يكتب ذلك؛ حتى لا يُنْسَى ويُضَيَّع.
أما إن كان الذي عليه شيءٌ واجبٌ: كالديون للناس ليس عليها وثائق، أو رهون، أو حقوق أخرى لازمةٌ له، وليس عليها وثائق، فيلزم أن يُوصي بها؛ حتى لا تضيع، من أجل وجوب أداء الحقوق، إما أن يُعجل بقضائها وهو حيٌّ، وإما أن يُوصي بها؛ حتى تُسلم لأهلها بعد وفاته.
وهذا من محاسن الإسلام، ومن محاسن الشريعة: الحثُّ على العناية بما يريد المؤمن أن ينتفع به بعد وفاته، وألا يتساهل؛ لأن الموت يأتي بغتةً، فينبغي أن يأخذ بالحيطة فيما يُحب أن يتقرب به إلى الله، وما يُحب أن يُوصي به أقاربه، أو الفقراء، أو غير ذلك، ومن ذلك ما يتعلق بالديون والرهون التي عليه للناس، فإن هذه أمورٌ لازمةٌ يجب عليه أن يُؤديها، وأن يفعل الأسباب التي تقتضي أداءها من الوصية بذلك، أو إنجاز صرفها في حياته، أو تسليمها لأهلها.
وفيه فضل ابن عمر ومُسارعته ..... إليه، فمنذ أن سمع الحديث إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده.
هذا يدل على فضله ، وأنه كان يُسابق إلى ما سمع من الخير، وكان من أكثر الناس اجتهادًا في العبادة وحرصًا عليها .
والوصية: ما يَعْهَد به الإنسان إلى غيره بعد الموت، يُقال له: وصية، وهي الشيء المقرر المؤكد، يُقال: أوصى بهذا، أي: أكَّد فيه؛ لأنه وصَّاهم به، يعني: أكَّد عليهم به وألزمهم به.
فالوصية: الأمر المؤكد الذي يُؤكده الإنسان بعد وفاته، ويَعْهَد به بعد وفاته إلى غيره.
والحديث الثاني حديث سعد بن أبي وقاصٍ ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة .