على أنه يجوز أن تهبَّ المرأة نفسها للرجل، فإذا قبلها تزوجها الزواج الشرعي، لا بالهبة، بل بالزواج الشرعي، فإذا لم يقبلها فلا بأس، وإذا زوَّجها على غيره بإذنها بواسطة وليّها إن كان لها وليٌّ جاز ذلك، وإذا لم يكن لها وليٌّ فإن وليَّها السلطان -وهو ولي الأمر- أو نائبه -وهو القاضي- يُزوجها على مَن ترضى، كما فعل النبي ﷺ بهذه المرأة.
وفيه الدلالة على جواز لبس الخاتم من الحديد، وأنه لا حرج في ذلك، وأن الأحاديث الواردة في ذلك في النهي عنه أحاديث شاذة غير صحيحةٍ.
وهذا هو الصواب: لا بأس بلبس الخاتم من الحديد للرجل والمرأة؛ لهذا الحديث الصحيح: التمس ولو خاتمًا من حديدٍ.
ويدل على جواز تزويج المرأة بتعليمها من القرآن، إذا ما تيسر مالٌ يُعلمها سورةً من القرآن، أو سُورًا من القرآن، أو آياتٍ من القرآن، أو أحاديث، أو صنعةً تنفعها، فتكون حلالًا له، وإن تيسر المال تزوجها بالمال؛ لقوله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ [النساء:24]، فإن لم يتيسر مالٌ أصدقها بتعليم آياتٍ أو سورةٍ أو سورٍ من القرآن؛ لهذا الحديث: زوجتُكها بما معك من القرآن، وفي اللفظ الآخر: فعلِّمْها من القرآن.
وهذا من محاسن الشريعة، فإن النكاح خيره عظيمٌ، ومصالحه كثيرةٌ، إذا كان الرجل فقيرًا جاز أن يتزوج بأن يُعلِّم المرأة ما ينفعها من القرآن أو السُّنة أو الصنعات النافعة المفيدة.
وفي حديث عبدالرحمن بن عوفٍ الدلالة على أنه يجوز الصداق ولو بالقليل، قال: ما أصدقتها؟ قال: وزن نواةٍ من ذهبٍ. قال: بارك الله لك، أَوْلِم ولو بشاةٍ، فدلَّ هذا على أنه لا بأس أن يكون الصداق قليلًا، ولا يُشترط أن يكون كثيرًا، ولو قليل.
وفي الحديث أنه تُشرع الوليمة ولو بشاةٍ.
السُّنة في العُرْس أن تكون هناك وليمةٌ: شاة، أو شاتان، أو أكثر، لكن من دون تكلُّفٍ ولا إسرافٍ، بل يصنع وليمةً تُناسب المقام على حسب حال الزوج وأهل الزوج ومَن يُشاركهم في الوليمة.
وفيه الدعاء بالبركة: بارك الله لك، وفي اللفظ الآخر: بارك الله لك وعليك، وجمع بينكما في خيرٍ ......
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
كتاب الطلاق
323- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّه طلَّق امرأته وهي حائضٌ، فذكر ذلك عمرُ لرسول الله ﷺ، فَتَغَيَّظَ منه رسولُ الله ﷺ، ثم قال: لِيُرَاجِعْهَا، ثم يُمْسِكْها حتى تَطْهُر، ثم تحيض، ثم تَطْهُر، فإنْ بَدَا له أن يُطَلِّقها فليُطلقها قبل أن يَمَسَّها، فتلك العِدَّة كما أمر الله .
وفي لفظٍ: حتى تحيض حيضةً مُسْتَقْبَلَةً سوى حيضتها التي طَلَّقَها فيها.
وفي لفظٍ: فَحُسِبَتْ من طلاقها، وراجعها عبدالله كما أمره رسولُ الله ﷺ.
324- وعن فاطمة بنت قيسٍ رضي الله عنها: أنَّ أبا عمرو بن حفصٍ طَلَّقها البَتَّةَ وهو غائبٌ -وفي روايةٍ: طَلَّقها ثلاثًا- فأرسل إليها وكيلَه بشعيرٍ، فَسَخِطَتْه، فقال: واللهِ ما لكِ علينا من شيءٍ. فجاءتْ رسول الله ﷺ، فَذَكَرَتْ ذلك له، فقال: ليس لكِ عليه نفقةٌ، -وفي لفظٍ: ولا سُكْنَى- فأمرها أن تَعْتَدَّ في بيت أمِّ شَرِيكٍ، ثم قال: تلك امرأةٌ يَغْشَاها أصحابي، اعْتَدِّي عند ابن أم مكتومٍ، فإنَّه رجلٌ أعمى، تَضَعِينَ ثيابكِ عنده، فإذا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي.
قالت: فلما حَلَلْتُ ذكرتُ له أنَّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فقال رسول الله ﷺ: أما أبو جَهْمٍ فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصُعْلُوكٌ لا مال له، انْكِحِي أسامة بن زيدٍ، فَكَرِهْتُه، ثم قال: انكِحِي أسامة بن زيدٍ فَنَكَحْتُهُ، فجعل الله فيه خيرًا، وَاغْتَبَطْتُ به.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذان الحديثان في الطلاق، والطلاق: حَلُّ عقدة النكاح، فالطلاق شرعه الله لحل عُقدة النكاح؛ حتى لا تبقى المرأة غُلًّا في عنق الزوج، فمتى أراد طلاقها فالله جلَّ وعلا قد أباح له طلاقها.
وهو تدخله الأحكام الخمسة: قد يُباح، قد يُستحب، قد يجب، قد يُكره، قد يحرم، فتدخله الأحكام الخمسة.
فإذا دعت الحاجة إلى الطلاق؛ لكونها ما ناسبته، أُبيح له الطلاق، فإذا كان إمساكها يضره شُرع له الطلاق، وإذا كانت هناك أسبابٌ تقتضي الطلاق: كالإيلاء وعدم الفيئة وجب عليه الطلاق؛ حتى لا يُضارها، وإذا كانت في حيضٍ أو نفاسٍ أو طُهْرٍ جامعها فيه حرم عليه الطلاق، حتى تكون في حالة حملٍ، أو في طُهْرٍ لم يُجامعها فيه، هذا هو الطلاق الشرعي.
ويُكره الطلاق إذا كان من غير حاجةٍ وبلا أسبابٍ، يُكره.
وفي هذا الحديث: أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائضٌ، فغضب النبي ﷺ عليه وتغيظ، وأنكر عليه ذلك، وأمره أن يُراجعها ويُمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إذا شاء طلَّقها، وإن شاء أمسكها.
هذا يُبين لنا أنه لا يجوز الطلاق في حال الحيض، وهكذا في النفاس، وهكذا في طُهْرٍ جامعها فيه، ليس له أن يُطلق، بل يُطلق في حال الحمل، أو في طُهْرٍ قبل أن يمسَّها.
والحكمة في ذلك -والله أعلم-: أنها في حال الحيض وفي حال النفاس في حالٍ لا يجوز له جماعها، وقد يسهل عليه طلاقها، فمنع من ذلك حتى لا يُطلقها من غير بأسٍ، وكذلك في طُهْرٍ جامعها فيه، قد قضى شهوته، فيسهل عليه طلاقها بعد ذلك، فمُنع من ذلك؛ حفاظًا على الزوجية، ورأفةً بالعباد.
وقيل: لأنها إذا طلقت في الحيض أو في النفاس أو في طُهْرٍ جامعها فيه طالت عليها العِدة.
والحكمة الأولى أظهر.
وفي لفظٍ: "فَحُسِبَتْ عليه تطليقةً"، جاء أن ابن عمر عدَّ هذه، حسبها، ولم يحسبها النبي ﷺ، إنما ابن عمر حسبها على نفسه.
وظاهر الحديث أنها لا تُحْسَب؛ لأن الرسول ﷺ أنكر عليه، وقال: أمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلَّق بعد ذلك.
فدلَّ ذلك على أن الطلقة الأولى لم تُحْسَب، وإنما تقع الطلقة بعد ذلك، إذا طلَّقها بعد الطُّهْر قبل أن يمسَّها، هذا هو ظاهر الحديث؛ ولهذا في الرواية الأخرى: "فَرَدَّها عليَّ، ولم يَرَها شيئًا"، وقال: فإذا طهرت فليُطلق أو ليُمسكها.
فهذا الحديث يُفيدنا أنه لا يجوز للرجل أن يُطلق زوجته الحائض في حال كونها حائضًا أو نُفساء، ولا في حال كونها طاهرةً طُهْرًا قد جامعها فيه، في هذه الأحوال الثلاث لا يُطلق، خلاف السُّنة.
وإنما الطلاق الشرعي في حالين:
- إحداهما: في حال الحمل.
- والثانية: في حال طُهْرٍ لم يُجامعها فيه.
الحديث الثاني: حديث فاطمة بنت قيسٍ القرشية، الفهرية: أن زوجها أبا عمرو بن حفص طلَّقها البَتَّة وهو في اليمن، طلَّقها آخر ثلاثٍ، الطلقة الأخيرة، فأرسل إليها وكيله بشعيرٍ، فسخطته، فاشتكتْ إلى النبي ﷺ، فقال: ليس لكِ عليه نفقةٌ، ولا سُكْنَى، فدلَّ ذلك على أن المرأة إذا طُلِّقت الطلقة الأخيرة الثالثة البائنة لا يكون لها سكنٌ ولا نفقةٌ كذلك على زوجها، وإنما النفقة والسُّكنى إذا كانت رجعيةً، له رجعتها، إذا طلَّقها واحدةً أو اثنتين فله رجعتها، ولها النَّفقة حتى تعتدَّ.
أما إذا طلَّقها الطلقة الأخيرة التي هي البائنة، إذا أبانها، وليس له رجعةٌ؛ فإنه لا نفقة لها ولا سُكْنَى.
وفيه من الفوائد: أنه لا مانع من الجلوس عند الأعمى غير مُتحجبةٍ؛ لأنه قال: اعتدِّي عند ابن أم مكتومٍ؛ فإنه رجلٌ أعمى، تضعين ثيابكِ يعني: لا يراكِ، فدلَّ ذلك على أنه لا حجاب عن الأعمى، إنما الحجاب عن البصير؛ ولهذا قال ﷺ: إنما الاستئذان من أجل النظر، أما حديث: «أَوَعمياوان أنتما» ..... فهو حديثٌ شاذٌّ غير صحيحٍ، يُخالف الأدلة الشرعية.
والصواب: أن الحجاب إنما يجب عن البصير، لا عن الأعمى؛ كما في حديث فاطمة بنت قيسٍ هذا، وهو من أصح الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
.............
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
.........
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالعدة: عِدة الوفاة.
بيَّن النبي ﷺ في الحديث الأول -حديث سُبيعة- أن المرأة إذا كانت حاملًا، ثم وضعتْ، فإنها تخرج من العِدة بوضع الحمل، ولو بعد وفاة الزوج بدقائق أو ساعاتٍ؛ لقوله جلَّ وعلا: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]، وهذا يعمُّ المتوفى عنها وغيرها، فلها أن تتزوج متى شاءتْ بعد وضع الحمل، ولو في النفاس، لكن لا يقربها الزوج إذا تزوجتْ إلا بعد الطُّهْر.
وهكذا في الطلاق، إذا طلَّقها وهي حاملٌ، ثم وضعتْ؛ خرجتْ من العِدة ولو بعد الطلاق بيومٍ أو يومين، ولها أن تتزوج بعد ذلك: كالمتوفى عنها؛ لأن وضع الحمل خروجٌ من العِدة.
وفي حديث زينب بنت أم سلمة وحديث أم عطية وحديث أم سلمة أيضًا الدلالة على أن الـمُحادَّة -وهي المتوفى عنها زوجها- لا تمسّ طِيبًا، ولا تكتحل، ولا تلبس جميل الثياب حتى تخرج من العِدة، وبعد الإحداد، فتترك الزينة والتَّجمل والطِّيب والكحل حتى تخرج من العِدة -عِدة الوفاة- وهي أربعة أشهرٍ وعشرًا.
أما إذا كانت حاملًا فعِدتها بوضع الحمل، إذا وضعتْ ولو بعد يومٍ أو يومين أو ساعةٍ خرجتْ من العِدة، وليس لها أن تكتحل، ولا أن تمسّ طِيبًا، ولا أن تلبس جميل الثياب ولا الحُلي: كالذهب والفضة والماس ونحو ذلك حتى تخرج من العِدة.
أما غير الزوج -كالأخ والعم والأب- فلها أن تحدَّ عليه ثلاثة أيامٍ فقط؛ كما قال الرسول ﷺ: لا تحدَّ امرأةٌ فوق ثلاث ليالٍ إلا على زوجٍ، فدلَّ على أنه لا بأس أن تحدَّ ثلاثة أيامٍ على أبيها أو أخيها بترك الزينة والطِّيب ثلاثة أيامٍ فأقلّ.
ولما تُوفي أبو سفيان حادَّت عليه أم حبيبة -زوج النبي ﷺ- ثلاثة أيامٍ، وفي لفظٍ: "قريب لها"، فلما مضتْ ثلاثة الأيام دعتْ بصُفْرةٍ ومسحتْ ذراعيها، وفي بعض الروايات: "بطِيبٍ"، وقالت: إنها ليس لها حاجةٌ إلا أنها تُبين أنها ليس لها إحدادٌ فوق ثلاثة أيامٍ.
فإذا مات أبوها أو عمها أو أخوها أو ولدها ..... تعتد بمدة الحمل، الحامل مدة الحمل، ولو زادتْ على أربعة أشهرٍ وعشرًا، فلا تلبس الجميل من الثياب، ولا الحُلي، ولا تتطيب، ولا تكتحل حتى تنتهي من العِدة، لكن لها أن تمسَّ البخور عند طُهْرها من الحيض، إذا طهرتْ من حيضها فلا بأس أن تتعاطى بعض البخور من قسطٍ أو أظفارٍ أو عودٍ، تفعل ذلك عند طُهْرها من الحيض فقط، وإذا أصابها وجعٌ في العين لا تكتحل كحل الجمال، ولكن تُداويها من باب الدواء بِصَبر .... تُداوي عينها لا بأس.
أما الكحل الذي هو للجمال لا تفعله ما دامتْ في العِدة، لكن لها أن تُداوي عينها، تُداوي بدنها، تُداوي ..... عند مرضها، ومن ذلك: التَّقطير في العين، أو وضع الصبر في العين، أو ..... في العين، لا بأس بذلك من باب العلاج، أما تعاطي كحل الزينة فلا ما دامت في عِدة الوفاة.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب اللِّعان
329- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن فلان بن فلانٍ قال: يا رسول الله، أَرَأَيْتَ لو وجد أحدُنا امرأته على فاحشةٍ، كيف يصنع؟ إنْ تكلَّم تكلَّم بأمرٍ عظيمٍ، وإنْ سكت سكت على مثل ذلك! قال: فسكت النبيُّ ﷺ فلم يُجِبْه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إنَّ الذي سألتُك عنه قد ابْتُلِيتُ به. فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ .. [النور:6]، فَتَلاهنَّ عليه، وَوَعَظَه، وذَكَّرَه، وأخبره أنَّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا، والذي بَعَثَك بالحقِّ نبيًّا ما كَذَبْتُ عليها. ثم دَعَاها، وَوَعَظَها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالتْ: لا، والذي بَعَثَك بالحقِّ إنه لَكَاذِبٌ.
فبدأ بالرجل، فشَهِدَ أربع شهاداتٍ بالله إنه لَمِنَ الصادقين، والخامسةَ أنَّ لعنة الله عليه إنْ كان من الكاذبين، ثم ثَنَّى بالمرأة، فشَهِدَتْ أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لَمِنَ الكاذبين، والخامسةَ أن غضب الله عليها إنْ كان من الصادقين، ثم فَرَّقَ بينهما، ثم قال: الله يعلم أنَّ أحدكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ ثلاثًا.
وفي لفظٍ: لا سبيلَ لكَ عليها، فقال: يا رسول الله، مالي؟ قال: لا مالَ لكَ، إنْ كنتَ صَدَقْتَ عليها فهو بما اسْتَحْلَلْتَ من فَرْجِها، وإنْ كنتَ كذبتَ عليها فهو أبعد لكَ منها.
330- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا رَمَى امرأتَه، وَانْتَفَى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ، فأمرهما رسولُ الله ﷺ فَتَلاعَنَا كما قال الله تعالى، ثم قضى بالولد للمرأة، وفَرَّقَ بين المُتَلاعِنَيْن.
331- وعن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ من بني فَزَارَةَ إلى النبي ﷺ، فقال: إنَّ امرأتي ولدتْ غلامًا أسود. فقال النبي ﷺ: هل لك إبلٌ؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْرٌ. قال: فهل يكون فيها من أَوْرَقَ؟ قال: إنَّ فيها لَوُرْقًا. قال: فأنَّى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نَزَعَه عِرْقٌ. قال: وهذا عسى أن يكون نَزَعَه عِرْقٌ.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تتعلق باللعان.
واللعان مصدر: لاعن، يُلاعن، لعانًا ومُلاعنةً، إذا لاعن زوجته بسبب تُهمته إياها بالزنا، وهي: أن يشهد أربع شهاداتٍ أنها زانيةٌ، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذبًا، ثم تشهد أربع شهاداتٍ هي بالله إنه كاذبٌ، والخامسة أن عليها غضب الله إن كان صادقًا، ثم يُفرَّق بينهما.
فإذا ادَّعى الرجل عند الحاكم -عند القاضي- أنه رأى امرأته تزني، فهو بين أمرين:
- إما أن يُحضر شهودًا أربعةً لذلك، ويسلم من حدِّ القذف، ويثبت عليها الحد هي، وهو الرجم إذا كانت مُحْصَنَةً.
- وإما أن تُقِرَّ هي، فإذا أقرَّتْ سلم من الحدِّ -حدِّ القذف- ورُجِمَتْ هي بإقرارها.
وإن أنكرتْ، ولم يكن عنده شهودٌ، فهو بين أمرين:
- إما أن يرضى بحدِّ القذف إذا طلبتْ ذلك، وهو أن يُجلد ثمانين جلدةً عن قذفه لها.
- وإما أن يُلاعنها، كما قال الله جلَّ وعلا: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور:6- 9]، هذا هو اللعان.
وقد حدث لبعض الأنصار ذلك، و ..... عند النبي ﷺ وسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، الرجل يرى مع امرأته رجلًا –يعني: يزني بها- فماذا يفعل؟ إن تكلم تكلم بأمرٍ عظيمٍ، وإن سكت سكت على مثل ذلك!
فسكت النبي ﷺ حتى جاءه الرجل مرةً أخرى، وقال: إن الذي سألتُك عنه قد ابتُليتُ به.
يعني: قد وقعتُ فيه، فأنزل الله الآيات من سورة النور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ .. الآيات، فأحضره النبي ﷺ وامرأته، ووعظهما، وذكَّرهما، وأخبرهما أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة؛ لعلهما يرجعان، لعله يرجع عن قوله، أو هي ترجع وتُقرُّ، فَصَمَّمَا على قولهما.
فشهد الرجل أربع شهاداتٍ بالله إنه صادقٌ، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذبًا، وهي شهدتْ أربع شهاداتٍ أنه كاذبٌ، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان صادقًا.
فلما شهدا هذه الشهادات فرَّق النبيُّ ﷺ بينهما، وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ حثَّهما على التوبة.
فقال الرجل: يا رسول الله، مالي؟ قال: لا مالَ لك يعني: المهر إن كنتَ صدقتَ عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنتَ كذبتَ عليها فهو أبعد لك منها، ففرَّق بينهما النبيُّ ﷺ ولم يُعْطِه مهره، كالذي طلَّقها بعد الدخول ليس له مهرٌ، مهرها بما استحلَّ من فرجها، وتحرم عليه أبدًا، أبد الآباد، ما تحلّ له أبدًا ولو بعد زوجٍ؛ تحريمًا مُؤبدًا.
وهكذا حديث ابن عمر في الذي لاعن امرأته وهي حاملٌ، وانتفى من ولدها، فلاعنهما النبي ﷺ، وفرَّق بينهما، ونسب الولد إلى أمه.
فإذا لاعنها على أن الولد ليس منه، وأنه من الزاني، ولاعنها على هذا، فإن الولد ينتفي منه، يكون الولد للأم، يُنْسَب إليها، ويكون بريئًا منه الزوج، وتقع الفُرقة بينهما، فُرقةً مُؤبدةً، إذا كان بينهما ولدٌ، فيُصرح بأنها زانيةٌ، وأن الولد ليس منه، فإذا كمل اللعان على هذا تمت الفُرقة بينهما، وصار الولد لها، وبرئ من الولد ..... قذفها بالزنا ولاعنها، وليس عنده بينةٌ ..... فهذا هو اللعان.
وفي الحديث الثالث: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدتْ غلامًا أسود. وهو يُعرِّض بأن يستنكره، قد استنكره، يعني: هم ما هم بسودٍ، الزوج والزوجة ليسا بأسودين، فجاءت بولدٍ أسود؛ فاستنكره، وهو يُعرِّض بأن ينفيه ويتبرأ منه، فقال له النبي ﷺ: هل لك من إبلٍ؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْرٌ. قال: فهل فيها من أَوْرَق؟ يعني: أسود، قال: إن فيها لَوُرْقًا. يعني: فيها جماعةٌ وُرْقٌ، سُودٌ، وأمهاتها وآباؤها حُمْرٌ.
قال: فَأَنَّى أتاها ذلك؟ قال: لعله نَزَعَه عِرْقٌ. لعل في إبلنا السابقة شيئًا أسود فنزع هذا الولد، فقال النبي ﷺ: لعل ولدك هذا نَزَعَه عِرْقٌ يعني: ما يُنفى الولد من أجل اللون، فلعله صار على جدٍّ له قديمٍ، أو خالٍ، أو عَمٍّ، أو عَمِّ عَمٍّ، قد ينزع الولد إلى بعض أقربائه في الشَّبه من أجداده أو أعمامه، فإذا كان اللون غير لون الزوج ما يقذف، ولا يُلاعنها من أجل هذا، فاللون قد يتغير، قد يكون لون الولد على غير لون أبيه.
وقد كان زيد بن حارثة أبيض، وأسامة بن زيد أسود، ما كان على لون أبيه، وهذا يقع كثيرًا، يكون لون الأب غير لون الولد، وغير لون الأم، فلا يُوجب هذا التُّهمة، ولا يُوجب لِعَانًا، كما بيَّنه النبي ﷺ: لعله نَزَعَه عِرْقٌ.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.