قال: يا رسول الله، أنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلا ابنةٌ واحدةٌ.
وكان في ذاك الوقت ما عنده إلا بنتٌ، ما بعد جاءه ذكورٌ ولا إناثٌ أُخريات.
أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلتُ: فالشطر؟ قال: لا، قلتُ: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثيرٌ.
هذا يدل على أنه ينبغي للمُوصي ألا يتجاوز الثلث، بل الثلث فأقلّ، هذا حقُّه، والزائد لا حقَّ له فيه، فإذا أوصى كانت الوصية مُقيدةً بالثلث فأقلّ؛ لهذا الحديث الصحيح.
وبيَّن له النبي ﷺ العِلة والحكمة في ذلك، فقال: إنك أن تَذَرَ ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يتكففون الناس، فكون المؤمن يَذَر ورثته أغنياء قد وسَّع الله عليهم بأسبابه أولى من أن يَدَعهم عالةً –فقراء- يتكففون الناس.
ففي هذا دلالةٌ على أنه إذا أراد الخير واحتسب الخير في ورثته أنه يُؤْجَر على ذلك، وبيَّن له النبي ﷺ قال: إنك لن تُنْفِق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ بها، حتى ما تجعل في في امرأتك يعني: إذا احتسب الأجر فيما يُقربه وفيما يُنفقه فله ذلك، حتى ما يجعل في في امرأته من النفقة إن احتسب ذلك فله أجره، يكون هذا لأجل الواجب.
- وفيه من الفوائد: أن المؤمن ليس له أن يُوصي بأكثر من الثلث.
- وفيه من الفوائد: شرعية عيادة المريض، وأنه كان يعود المرضى عليه الصلاة والسلام، فدلَّ ذلك على شرعية عيادة المرضى.
وفي حديث ابن عباسٍ: "لو أن الناس غَضُّوا من الثلث إلى الربع" يعني: لكان أولى؛ لأن الرسول ﷺ قال: الثلث، والثلث كثيرٌ، كما أوصى الصديقُ بالخمس، فإذا أوصى بالخمس أو بالربع كان أفضل؛ لقوله ﷺ: الثلث، والثلث كثيرٌ؛ ولهذا قال ابن عباسٍ: "لو أن الناس غَضُّوا من الثلث إلى الربع" يعني: لهذا الحديث.
وفي حديث سعدٍ -في آخره- الدلالة على فضل مَن أطال الله عمره في صالح الإسلام والمسلمين، كما قال: يا رسول الله، أُخَلَّف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تُخَلَّف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددتَ به درجةً ورِفْعَةً، ولعلك أن تُخَلَّف حتى ينتفع بك أقوامٌ، ويُضَرَّ بك آخرون.
وقد خُلِّفَ وطالتْ حياته إلى أواخر العقد السادس سنة ستٍّ وخمسين من الهجرة، فعاش بعد النبي ﷺ ستًّا وأربعين سنةً، وقد نفع الله به في الجهاد بعد النبي ﷺ، وحصل على يديه خيرٌ كثيرٌ في جهاد الفرس، فانتفع به أقوامٌ، وانضَرَّ به آخرون كما قال النبي ﷺ.
ثم قال: اللهم أَمْضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم دعاءٌ لهم بأن الله يُعطيهم هجرتهم، ويُمْضِيها لهم، ولا يردّهم على أعقابهم.
فالإنسان يسأل ربه أن الله يُمضي هجرته ويتقبلها منه، وألا يردّه عن ذلك خاسئًا، خائبًا، بل يسأل ربه أن يُبلغه الهجرة، وأن يُثيبه عليها، ويتقبلها منه، مع سؤال الله حُسن الختام، والعافية من مُضلات الفتن، فإن الردَّ على العقب يُوقع في الباطل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: لكن البائس سعد بن خَوْلَة يرثي له أن مات بمكة، يعني: يتوجع له.
هذا يدل على أن المهاجر إذا مات في غير البلد التي هاجر منها يكون أولى، والموت في بلد هجرته غير مرغوبٍ فيه، يعني: شيء تركه لله، فينبغي ألا يعود إليه؛ ولهذا بقي الصحابة في المدينة بعد فتح مكة، وسكنوا فيها حتى مات مَن مات فيها، أو انتقل إلى الجهاد مَن انتقل إلى الجهات الأخرى، ولم يعودوا إلى مكة؛ لأنهم تركوها لله، فلا ينبغي أن يعودوا فيما تركوه لله؛ ولهذا توجع النبي ﷺ لسعد بن خَوْلَة؛ لأنه مات في مكة في محل الهجرة.
ومعلومٌ أن ذلك لا يضرّ إذا كان بغير اختياره، لكن يُبين النبي ﷺ أن كونه يموت في محل هجرته أولى من موته في محله الذي هاجر منه؛ تحريضًا للمسلم على عدم البقاء في محله -المحل الذي هاجر منه- وأنه يبقى فيه بقدر الحاجة، وأنه يُرخص له ثلاثة أيامٍ بعد الحج، ثم ينصرف إلى المدينة.
فالمهاجر ينبغي له إذا أتى القرية التي هاجر منها أو البلد لحاجةٍ ألا يُطول فيها، ثلاثة أيامٍ فأقلّ.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب الفرائض
303- عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ.
وفي روايةٍ: اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجلٍ ذكرٍ.
304- وعن أسامة بن زيدٍ رضي الله عنهما قال: قلتُ: يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيلٌ من رباعٍ أو دورٍ؟ ثم قال: لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ.
305- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وهِبَته.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالمواريث وأحكامها.
يُخبر النبي ﷺ أن الفرائض يُبْدَأ بها قبل أهل التَّعصيب، وما بقي بعدها فهو لأهل التَّعصيب، يعني: في المواريث؛ ولهذا قال ﷺ: ألحقوا الفرائض بأهلها.
والفرائض هي: الأشياء المقدرة، الأنصبة المقدرة يُقال لها: فرائض، وغير المقدرة تُسمى: تعصيبًا.
فما أبقت الفرائض فلأولى رجلٍ ذكرٍ، معنى "أولى" أقرب، أقرب رجلٍ ذكرٍ.
وفي اللفظ الآخر: اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله.
اقسموا المال يعني: المال المخلف من الميت، التركة.
بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما أبقت الفرائض فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ، هذا محل إجماعٍ بين المسلمين، أجمع العلماء على أن الميت إذا خلف أهل فروضٍ وأهل تعصيبٍ، فإنه يُبدأ بأهل الفروض، فما بقي فهو للعصبة.
مثال ذلك: إنسانٌ مات عن أبيه وأمه، وعن ابنٍ، فالأب والأم من أهل الفرائض، فيُقسم المال بينهم على ستة سهامٍ: فالأم لها سدسٌ واحدٌ، والأب له سدسٌ واحدٌ، والباقي للابن العصبة، الأربعة الباقية من الستة للابن عصبةً، هذا معنى: ألحقوا الفرائض بأهلها، تُعطى الأم السدس؛ لأن الله قال: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11]، فهذا أبٌ وأمٌّ، والميت له ولدٌ، وهو الابن، فالأم تُعطى السدس: واحدًا من ستةٍ، والأب: واحدًا من ستةٍ، والباقي للابن، فإذا كان وراءه ستة آلاف ريالٍ تُعطى الأم ألف ريالٍ، والأب ألف ريالٍ، والباقي للابن.
وإذا كان وراءه ستون ألف ريالٍ تُعطى الأم عشرةً، والأب عشرةً، والباقي يدفعونه للابن، أو ابن الابن.
ومثالٌ آخر: مات ميتٌ عن زوجٍ، امرأةٌ ماتت عن زوجها، وعن أمها، وعن أخٍ شقيقٍ، فالزوج صاحب فرضٍ، والأم صاحبة فرضٍ، والأخ صاحب عصبةٍ، فيُعطى الزوج النصف فرضًا؛ لأن الله يقول: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12]، وتُعطى الأم فرضها: الثلث؛ لأن الله أعطى الأم الثلث، كما قال تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء:11]، والباقي للأخ العاصب؛ لأنه ليس من أهل الفروض، فإذا كان وراءها ستة آلافٍ، فيُعطى الزوج ثلاثةً: النصف، والأم تُعطى ألفين، وهو الثلث، ويبقى ألفٌ واحدٌ -وهو السادس- للعصبة: للأخ الشقيق، أو الأخ لأبٍ، أو ابن الأخ، أو ابن العم، يُعطى هذا الباقي، هذا حقُّه؛ لأن الرسول ﷺ قال: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ، أعطينا الزوج ثلاثةً –النصف- وأعطينا الأم الثلث: اثنين من ستةٍ، وبقي واحدٌ للعاصب.
مثالٌ آخر: مات ميتٌ عن أختٍ شقيقةٍ، وعن جدةٍ، وعن أخٍ لأبٍ.
الأخت الشقيقة من أهل الفرائض، والجدة من أهل الفرائض لها السدس، والأخت الشقيقة لها النصف؛ كما قال تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، وقد حكم النبي ﷺ بأن الجدة لها السدس، فالميت يُجْعَل ماله ستة سهامٍ: نصفها للأخت –ثلاثة- والرابع -وهو السدس- للجدة -أم أمه أو أم أبيه- والباقي اثنان لأخ الميت، سواء شقيق، أو لأب، أو عم، أو ابن عم، يُعطى الباقي: اثنان من ستةٍ؛ لأن الأخت أخذت النصف، سواء كانت شقيقةً أو لأبٍ، وأخذت الجدة السدس، سواء كانت أم أبيه، أو أم أمه، والباقي اثنان من ستةٍ للعصبة: لأخ الميت، أو عم الميت، أو ابن عم الميت، أو مُعتق الميت، هذا معنى الحديث: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ، وفي اللفظ الآخر: اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما أبقت الفرائض فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ.
الحديث الثاني: يقول النبي ﷺ: لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ متفقٌ على صحته.
معناه: إذا كان الأقارب مُختلفين في الدين فإنهم لا يتوارثون، فإذا مات إنسانٌ مسلمٌ عن أخٍ مسلمٍ، وعن أبٍ كافرٍ، فالميراث لأخيه المسلم، والأب ليس له شيءٌ؛ لأنه كافرٌ.
إذا مات ميتٌ مسلمٌ عن أخيه المسلم، أو ابن عمه المسلم، وله أبٌ كافرٌ، فالميراث للمسلم، ولو أنه ابن عمٍّ بعيد يُعطى الميراث، وأبوه الكافر ليس له شيءٌ؛ لقول النبي ﷺ: لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ.
كذلك لو مات شخصٌ كافرٌ عن ابنٍ له كافرٍ، وابنٍ له مسلمٍ، فورثه للكافر الذي مثله على دينه، وابنه المسلم لا يرث شيئًا؛ لأن الميت الكافر لا يرثه إلا الكافر.
مثل: إذا مات نصرانيٌّ عن ابنٍ له نصرانيٍّ، وله ابنٌ ثانٍ مسلمٌ، قد هداه الله وأسلم، ما يرث من أبيه النصراني؛ لقول النبي ﷺ: لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ، لا يتوارثون لاختلاف الدين، هذا على دينٍ، وهذا على دينٍ، فلا يتوارثان.
الحديث الثالث عن الرسول ﷺ: يقول ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هِبَته، الرسول ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته، فلا يُباع الولاء، ولا يُوهَب؛ كالنَّسب: لا يُباع، ولا يُوهَب.
وفي اللفظ الآخر: الولاء لُحْمَةٌ كلُحْمَة النَّسب، لا يُباع، ولا يُوهَب، ولا يُورث.
فالولاء مثل النَّسب لا يُباع، فلو أن إنسانًا باع نسبه من أخيه ما يصلح البيع، أو باع نسبه من ولده ما يصلح البيع، أو باع نسبه من ابن عمه لا يصلح البيع، النَّسب لا يُباع، وهكذا الولاء.
والولاء هو ولاء العتق، فلو أنك أعتقتَ زيدًا فأنت الوارث لعصبته، فلو بعته هذا الولاء: ولائي من زيدٍ أبيعه، اشتره مني يا فلان بكذا وكذا، أنت تكون وليَّه بدلًا مني، ما يصح، أو وهبته إياه، تقول: أنا وهبتُك إياه، الولاء ما يصح، ما يكون صحيحًا، لا يرثه إلا أنت وعصبتك، فبيعك للولاء أو هِبَتك باطلةٌ، مثل: لو بعت قرابتك من أخيك، أو قرابتك من أبيك، ما يصح البيع، فالقرابة لا تُباع، ثابتةٌ، تبقى، ولو بعتها فالبيع باطلٌ، فهكذا الولاء: ولاء العتاق.
إذا أعتقتَ إنسانًا، أعتقت رجلًا، أو أعتقت امرأةً، فأنت وليها، إذا ما صار لها ورثةٌ إلا أنت، ما لها أقارب، أنت وليها وعصبتك، فلا تَبِع ولاءك، ولا تهبه، فلو بعتَ هذا الولاء أو وهبته لأحدٍ فالهبة باطلةٌ، والبيع باطلٌ؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هِبَته؛ لأنه كالنَّسب.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "الفرائض":
306- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان في بريرة ثلاث سُنَنٍ: خُيِّرتْ على زوجها حين عتقتْ، وأُهدي لها لحمٌ، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ والبُرْمَة على النار، فدعا بطعامٍ، فأُتِيَ بخبزٍ وأُدُمٍ من أُدُمِ البيت، فقال: ألم أَرَ البُرْمَة على النار فيها لحمٌ؟ فقالوا: بلى، يا رسول الله، ذلك لحمٌ تُصُدق به على بريرة، فكرهنا أن نُطعمك منه. فقال: هو عليها صدقةٌ، وهو لنا منها هديةٌ، وقال النبي ﷺ: إنما الولاء لمن أعتق.
كتاب النكاح
307- عن عبدالله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجَاء.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذان الحديثان الصحيحان عن رسول الله عليه الصلاة والسلام:
أحدهما: حديث عائشة من جهة بريرة.
والثاني: حديث ابن مسعودٍ في الحثِّ على الزواج.
أما حديث عائشة في قصة بريرة فهو حديثٌ عظيمٌ له شأنٌ، وقد ذكرتْ عائشة رضي الله عنها: أن فيه ثلاث سُنَنٍ، يعني: أن من جملة فوائده ثلاث سُنَنٍ، وأحاديث النبي ﷺ كلها فوائد، وكلها من نعم الله العظيمة على العباد؛ لما فيها من التَّوجيه والتَّشريع.
فقصة بريرة فيها سُنَنٌ كثيرةٌ، منها الثلاث التي ذكرتْ عائشة:
إحداها: أنها خُيِّرتْ على زوجها لما عتقتْ، فدلَّ ذلك على أن الجارية المملوكة إذا عتقت وهي تحت زوجٍ مملوكٍ يكون لها الخيار: إن شاءتْ بقيتْ معه، وإن شاءتْ اختارتْ نفسها وبانتْ منه بينونةً صغرى؛ لأنها ملكتْ نفسها، وكان زوجها عبدًا أسود رقيقًا، فدلَّ ذلك على أن الحكم هو هكذا: إذا عتقت جاريةٌ تحت زوجٍ رقيقٍ فإنها بالخيار: إن شاءتْ بقيتْ معه، وإن شاءتْ اختارتْ نفسها.
وقد كان زوجها يُحبها كثيرًا، ويُسمي: مُغيثًا، وكان يبكي عليها كثيرًا؛ لأنها عافته وامتنعتْ منه، فجاءها النبي ﷺ يشفع في قبولها زوجها وعدم فراقه، فقالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: لا، ولكن أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه.
هذه من الفوائد أيضًا: أن الشفاعة ما تلزم ولو كانت شفاعة النبي ﷺ؛ لأنها غير الأمر، فإذا شفع عليه الصلاة والسلام إلى إنسانٍ ليُسقط دَيْنًا عن فلانٍ، أو يُسقط بعضه، أو يُسقط القصاص، أو ما أشبه ذلك، فالمشفوع إليه إن شاء فعل، وإن شاء ترك، ما يلزمه؛ لأن الرسول ﷺ لما قالت بريرة: تأمرني أم تشفع؟ قال: بل أشفع، فقالت: لا حاجة لي فيه. ولم يَلُمْها، ولم يُنكر عليها عدم قبول الشفاعة.
ومن الفوائد: أن بريرة أُهدي لها لحمٌ، وكان النبي ﷺ لا يأكل الصدقة، وهكذا بنو هاشم لا يأكلون الصدقة، فدعا بطعامٍ، فجيء بخبزٍ وأُدُمٍ من أُدُم البيت، فقال: ألم أَرَ البُرْمَة على النار فيها لحمٌ؟ قالوا: بلى، ولكنه تُصُدق به على بريرة، فكرهنا أن نُطعمك منه. فقال عليه الصلاة والسلام: هو عليها صدقةٌ، وهو لنا منها هديةٌ.
هذا يدل على أن الصدقة إذا وصلتْ للفقير بلغتْ محلها، فإذا دفعها إلى مَن تحرم عليه الصدقة جاز له الأكل؛ لأنها ليستْ صدقةً عليه، هديةٌ من الفقير، الفقير يُهديها، وإذا بلغتْ بلغتْ محلها، وتأدَّى الواجب بها، فإذا أهدى الفقير منها إلى غنيٍّ، أو دعا الأغنياء وأكلوا من طعامه، وإن كان من الصدقة لا حرج عليه؛ لأن الصدقة بلغتْ محلها، فإذا أَوْلَم الفقير وليمةً ودعا إليها جيرانه وأقاربه من الأغنياء وغيرهم، فلا بأس أن يأكلوا منها، وإن كانت صدقةً عليه؛ لأنها بلغتْ محلها، فهي لهم هديةٌ، ليست صدقةً عليهم؛ لأنه ليس هو الـمُزَكِّي، الـمُزَكِّي غيره، وإنما هو فقيرٌ أخذها، وبلغتْ محلها.
الفائدة الثالثة أو السنة الثالثة: أنها اشترتْ نفسها من أهلها بأقساطٍ، كل سنةٍ أوقية في تسع سنين، كل سنةٍ أوقية، ثلاثمئةٍ وستين درهمًا، الأوقية: أربعون درهمًا، فجاءت إلى عائشة تطلب العون في تسديد الثمن، فقالت عائشة: إن شاء أهلك عددتُ لهم الدراهم وأعتقتكِ. فقالت لهم، فقالوا: لا بأس إذا كان الولاء لنا. يعني: ولاءها، فسألتْ عائشة النبي ﷺ فقال: لا، إنما الولاء لمن أعتق، قال: اشتريها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق.
وثبت بهذا أن الولاء يكون كالعصوبة، يكون لمن أعتق، فإذا أعتق إنسانٌ إنسانًا فالولاء للمُعْتِق، يرثه، ويكون له الولاء والعصب؛ لأنه المعتق، ولو شرط الولاء لغير المعتق بطل الشرط، يقول النبي ﷺ: كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مئة شرطٍ، قضاء الله أحقُّ، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق.
وفيه من الفوائد، في قصتها من الفوائد: جواز البيع بالتقسيط؛ لأنها اشترتْ نفسها بالتقسيط، ثلاثمئةٍ وستون ريالًا، كل سنةٍ تُعطيهم أربعين ريالًا، فدلَّ ذلك على أن التقسيط جائزٌ.
إذا باع الإنسان بيتًا أو أرضًا أو سيارةً بأقساطٍ معلومةٍ إلى آجالٍ معلومةٍ فلا بأس بذلك؛ لصحة بيع بريرة بأقساطٍ لآجالٍ معلومةٍ، إذا كان المبيع في ملك البائع وحوزته، إذا كان في ملكه وحوزته وباعه فلا بأس بأقساطٍ، أو بثمنٍ مُعجلٍ، أما إذا كان ليس في حوزته فليس له بيعه، يقول النبي ﷺ: لا تَبِعْ ما ليس عندك، لا يحلّ سلفٌ وبيعٌ، ولا بيع ما ليس عندك، الإنسان لا يبيع شيئًا عند الناس، أما إذا ملكه وحازه بالشراء ثم باعه بعد ذلك فلا بأس.
وفي حديث ابن مسعودٍ الدلالة على التأكيد على الشباب في الزواج، وأنه ما ينبغي التأخير لمن قدر، بل يجب البدار بالزواج؛ لما فيه من العِفَّة للفرج، وغَضِّ البصر، وتكثير النَّسل، يقول ﷺ: يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، البَاءة أي: مؤونة الباءة، يعني: مؤونة الزواج.
فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج يعني: النكاح فيه غَضُّ بصرٍ، وإحصان الفرج، فيه إعانةٌ على ذلك.
ومَن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجَاء الرسول ﷺ بيَّن أن الواجب البدار بالزواج على الشباب إذا قدروا، فإن عجزوا شُرِعَ لهم الصوم واتِّخاذ أسباب السلامة، فالصوم يُضيق مجاري الدم، ومجاري الشيطان؛ فيضعف سلطان الشهوة، ولكن متى استطاع الزواج فليُبادر، ولو بالاستدانة والقرض ونحو ذلك، فالله جلَّ وعلا يُعينه؛ في الحديث الصحيح: ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونهم، منهم: المتزوج يريد العفاف.
وذكر الشباب ليس قيدًا، ولكنه تعبيرٌ بالأغلب، يعني: أن الأغلب أن الشباب يكونون أقوى من الشيبان في حاجة الزواج، وإلا فلو كان كبيرًا ويحتاج إلى الزواج يُبادر، ليس له أن يترك الزواج ولو أنه كبيرٌ، إذا كانت فيه شهوةٌ ويقدر فالواجب أن يُبادر ويتزوج، ولا يترك الزواج؛ لما فيه من إحصان الفرج، وغَضِّ البصر، ومصالح كثيرةٍ، لكن عبَّر بالشباب نظرًا لأن الأغلب أن حاجتهم أكثر.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "النكاح":
308- وعن أنس بن مالكٍ قال: إن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السرِّ، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراشٍ. فبلغ النبيَّ ﷺ ذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوامٍ قالوا: كذا وكذا؟! لكني أُصلي وأنام، وأصوم وأُفطر، وأتزوج النساء، فمَن رغب عن سُنتي فليس مني.
309- وعن سعد بن أبي وقاصٍ قال: ردَّ رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون عن التَّبتل، ولو أذن له لاختصينا.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذان الحديثان الشريفان عن رسول الله ﷺ فيهما الدلالة على أنه لا يجوز للمؤمن أن ينقطع للعبادة ويدع ما شرع الله له، أو يتنطع فيزيد في دين الله ما لم يشرعه الله، بل عليه أن يلزم الشرع، وأن يقف عند حدوده، فلا يبتدع، ولا يجفو، ولكن بين ذلك، فَشَرْعُ الله وسطٌ بين طرفين، وحقٌّ بين باطلين: فلا جفاء، ولا إفراط وغلو، ولكن بين ذلك.
وفي حديث أنسٍ: أن جماعةً من الصحابة سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، يعني: عمله في البيت، فلما أخبرنهم أزواج النبي ﷺ كأنهم تَقَالُّوا ذلك، وقالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -كما في الرواية الأخرى- ونحن على خطرٍ؛ فلهذا قال بعضهم: أما أنا فلا أتزوج النساء. يعني: أتفرغ للعبادة، وأنقطع للعبادة، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم. وقال الآخر: أما أنا فلا أنام على فراشٍ.
وفي روايةٍ أخرى: قال آخر: أما أنا فأُصلي ولا أنام. وآخر قال: أما أنا فأصوم ولا أُفطر. يعني: أرادوا التَّكلف في العبادة وإتعاب أنفسهم بما لم يشرعه الله.
فلما بلغ النبيَّ ﷺ ذلك خطب الناس عليه الصلاة والسلام كعادته في التَّنبيه على الأمور المهمة في الخطبة عليه الصلاة والسلام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوامٍ قالوا: كذا وكذا؟! وهذه عادته أيضًا: لا يُسمِّي الناس، يقول: ما بال أقوامٍ؟ ولا يُعين فلانًا وفلانًا؛ لأن ذلك أستر لهم.
ما بال أقوامٍ قالوا: كذا وكذا؟! يعني: قال بعضهم: كذا، وقال بعضهم: كذا، ذكر أقوالهم، قال بعضهم: أما أنا فأُصلي ولا أنام. والآخر قال: أنا أصوم ولا أُفطر. وقال الآخر: لا آكل اللحم. وقال آخر: لا أتزوج النساء .. إلخ.
ثم قال: لكني أُصلي وأنام، وأصوم وأُفطر، وأتزوج النساء، وفي الرواية الأخرى: وآكل اللحم، وأنام على الفراش، فمَن رَغِبَ ......
قال سعدٌ: "ولو أذن له لاختصينا" لو أذن له بالتَّبتل والانقطاع عن الزوجات وعن الدنيا لاختصينا؛ حتى نسلم من شرِّ الشهوة، لكن الرسول أنكر ذلك عليه الصلاة والسلام، وأخبر أنه يأتي النساء ويتزوج النساء: فمَن رغب عن سُنتي فليس مني، فدلَّ ذلك على وجوب التَّقيد بالشرع، وأنه لا يجوز للمسلم أن يتنطع ويزيد في دين الله ما لم يأذن به الله.
وقد ذمَّ الله قومًا فعلوا ذلك فقال: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، وقال عليه الصلاة والسلام: مَن رغب عن سُنتي فليس مني، وقال: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ، وقال: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ، وقال: شرُّ الأمور مُحدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالةٌ.
فليس للناس أن يُحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله، ولا يكون له أن يتعبد بهذا ويتنطع، أو لا ينام على الفراش وينام على الأرض، أو على التراب، أو لا يتزوج النساء، أو يصوم دائمًا ولا يُفطر، أو يُصلي الليل كله ولا ينام، كل هذا تنطعٌ لا يجوز، وتكلفٌ، والله يقول للرسل -وهم أفضل الناس-: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون:51]، ويقول لأهل الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172].
والنبي ﷺ هو سيد المتوكلين، وسيد الزاهدين، وسيد أهل التقوى، ينام على السرير، وينام على الفراش، ويأكل اللحم، ويتزوج النساء، وعنده تسعٌ عليه الصلاة والسلام، ويصوم ويُفطر، ويقوم وينام، يقوم بعض الليل وينام، فالخير كله في اتِّباعه عليه الصلاة والسلام، وفي السير على منهاجه، أما الزيادة على ذلك والتَّنطع والتَّكلف وتعذيب النفس فهذا لا يجوز، وكذلك الجفاء: كون الإنسان يجفو ويتساهل ويرتكب المعاصي، هذا أيضًا لا يجوز، ولكن الوسط، الوسط، الوسط، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] يعني: عَدْلًا، خيارًا، لا جُفاةً مُتساهلين، ولا مُتنطعين، مُتكلفين، مُبتدعين، ولكنه الوسط، وهو لزوم الحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام قولًا وعملًا.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "النكاح":
310- وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما أنها قالت: يا رسول الله، انكح أختي ابنة أبي سفيان. فقال: أوتُحبين ذلك؟ فقلتُ: نعم، لستُ لك بمُخْلَيَةٍ، وأحبُّ مَن شاركني في خيرٍ أختي. فقال النبي ﷺ: إن ذلك لا يحلُّ لي، قالت: فإنا نُحدَّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: بنت أم سلمة؟ قلتُ: نعم. فقال: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّتْ لي؛ إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثُويبة -مولاةٌ لأبي لهبٍ- فلا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتكن، ولا أخواتكن.
قال عروة: وثويبة مولاةٌ لأبي لهبٍ، كان أبو لهبٍ أعتقها، فأرضعت النبيَّ ﷺ، فلما مات أبو لهبٍ أُرِيَه بعض أهله بِشَرِّ حيبةٍ، فقال له: ماذا لقيتَ؟ قال له أبو لهبٍ: لم أَلْقَ بعدكم خيرًا، غير أني سُقيتُ في هذه بعتاقتي ثويبة.
311- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها.
312- وعن عقبة بن عامرٍ قال: قال رسول الله ﷺ: إن أحقَّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتُم به الفروج.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالنكاح.
الحديث الأول: حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها، أنها قالت: يا رسول الله، انكح أختي ابنة أبي سفيان. فقال لها عليه الصلاة والسلام: أوتُحبين ذلك؟ يعني: استغرب النبي ﷺ؛ لأن المرأة -في الغالب- ما ترضى أن تكون لها جارةٌ، فأجابت بقولها: "لستُ لك بمُخْلَيَةٍ" أي: لستُ لك بمتروكةٍ، لا بد من جاراتٍ، وإذا كان لا بد من جاراتٍ فأحب مَن شاركني في خيرٍ أختي.
معناه: لو كنتُ أسلم من الجارات ما أحببتُ أن تنكح أختي، لكن إذا كان لا بد من جاراتٍ فأختي أولى من غيرها.
وهذا يدل على عقلها وفضلها؛ ولهذا قالت: "وأحبّ مَن شاركني في خيرٍ أختي"؛ لأن زواج النبي ﷺ من أعظم الخير لها.
فقال لها رسول الله ﷺ: إن ذلكِ يُخاطب المرأة -بكسر الكاف- إن ذلكِ لا يحلُّ لي يعني: أن جمعه بين المرأة وأختها لا يحلُّ له؛ لأن الله قال: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [النساء:23]، فلا يحل للرجل أن يجمع بين أختين في نكاحٍ، ولا بين المرأة وعمَّتها -كما في الحديث الثاني- ولا بين المرأة وخالتها؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن الجمع بين المرأة وعمَّتها، والمرأة وخالتها.
والحكمة من ذلك -والله أعلم- كما قال جمعٌ من أهل العلم: القطيعة، أنه وسيلةٌ للقطيعة؛ لأن من عادة النساء فيما بينهن بُغْض الجارة، فإذا كانت أختها ضرَّةً لها أو عمّتها أو خالتها سبب القطيعة، فمن رحمة الله أن حرَّم نكاح المرأة على أختها، أو عمَّتها، أو خالتها.
أما بنت العم فلا بأس، وبنت الخال؛ لأنها قرابةٌ بعيدةٌ، فلا بأس أن يجمع بين المرأتين من بنات العم، أو بنات الخال، أو بنات الخالة، لا حرج في ذلك.
قالت: "إنا نُحدَّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة" ابن عبد الأسد.
قال: بنت أم سلمة؟ قالت: نعم. قال عليه الصلاة والسلام: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّتْ لي؛ إنها ابنة أخي من الرضاعة، والله حرَّم بنت الأخ من الرضاعة، كما حرَّم بنت الأخ من النَّسب في المحرمات التي ذكرها الله سبحانه في النساء: وَبَنَاتُ الْأَخِ [النساء:23]، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب، فدلَّ ذلك على أن بنت الأخ من الرضاع حرامٌ، كما أن بنت الأخ من النَّسب كذلك.
أرضعتني وأبا سلمة ثُويبة، مولاةٌ لأبي لهب دلَّ على أنها مُحرمةٌ من جهتين:
- مُحرمةٌ من جهة أنها ابنة أخيه من الرضاع.
- ومُحرمةٌ من جهة أنها بنت أم سلمة: ربيبة، قد دخل بأمها، والله يقول: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23].
فصارت بنت أم سلمة مُحرمةً من جهتين: من جهة أنها بنت زوجته، ومن جهة أنها بنت أخيه من الرضاعة؛ ولهذا قال: فلا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتكن، ولا أخواتكن.
"تَعْرِضْنَ" الخطاب للنساء، "بناتكن" يعني: بنت الزوجة المدخول بها ما تصلح له، ولا أخواتكن، لكن فرقٌ بينهما: بنت الزوجة مُحرمةٌ على الأبد إذا دخل بأمها، تحريمًا أبديًّا، أما تحريم الأخت فهو تحريمٌ أمدي، له أمدٌ، فإذا فارق أختها، أو ماتت أختها؛ حلَّت أختها، فتحريم الأخت والعمة والخالة ليس مُؤبدًا، بل مُؤمَّدًا، له أمدٌ محدودٌ، وهو موت الأخت، موت الزوجة، إذا ماتت الزوجة أو طلقت وانتهت عِدَّتها؛ حلَّتْ أختها، أو عمَّتها، أو خالتها.
وقوله في حديث أبي هريرة: "نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها ....." هذا يعمُّ النَّسب والرضاع، يعمُّ عمتها من النَّسب، أو من الرضاع، وكذلك ..... الخالات من النَّسب والرضاع، لا يجوز الجمع بينهما بالنصِّ من السنة.
أما الجمع بين الأخوات فهذا مُحرمٌ بالإجماع بالنص من القرآن.
وأما الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، فهذا مُحرمٌ بالنص من السنة، وبإجماع أهل العلم، فلا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، لا من النَّسب، ولا من الرضاع.
والحديث الثالث: حديث عقبة بن عامر الجهني ، عن النبي ﷺ أنه قال: إن أحقَّ الشروط أن يُوفى به ما استحللتم به الفروج متفقٌ على صحته.
وهذا حديثٌ عظيمٌ يدل على أن الشروط التي تقع في عقود النكاح من أولى الشروط بالوفاء، بل هي أحقُّ الشروط؛ لأنه يتعلق بها استباحة الفروج، فهي أعظم من شروط البيع وشروط الإجارة ونحوها؛ ولهذا قال: إن أحقَّ الشروط أن يُوفى به ما استحللتم به الفروج، فيدخل فيه شروط الزوجة وشروط الأمة التي يجوز له التَّسري بها، فالشروط فيها مهمةٌ.
فدلَّ ذلك على أنه إذا شُرِطَ على الرجل لحل الزوجة شرطٌ يجب أن يهتم بذلك، فإذا تزوجها على أنه يُعطيها -مثلًا- عشرة آلاف ريالٍ، فالواجب عليه الوفاء؛ لأنه ما استحلَّ فرجها إلا بهذا.
إذا تزوجها على أن يُسكنها في بيتٍ مُستقلٍّ فيُوفي لها بالشرط.
إذا تزوجها على أن ينقلها إلى بلدٍ آخر، اتَّفق على أنه ينقلها إلى مكة، إلى المدينة، إلى الرياض، شرط، لم تَرْضَ إلا بهذا، يُوفي لها بالشرط إلا أن تسمح.
تزوجها على أنه لا يتزوج عليها غيرها، تبقى معه من دون جارةٍ، يُوفي لها بالشرط، فإذا أحبَّ أن يتزوج جارةً شاورها، إن سمحتْ وإلا فلا يتزوج، فإن تزوج فلها الخيار؛ لأنه مشروطٌ عليه، إذا تزوج فلها الخيار: إن شاءتْ بقيتْ، وإن شاءتْ فارقها؛ لأن المسلمين على شروطهم.
وهكذا إذا اشترطت شروطًا جائزةً، شروطًا شرعيةً، فإن لها شرطها، والنبي ﷺ يقول: أحقُّ الشروط أن يُوفى به ما استحللتم به الفروج، وهو لم يستحلّ فرجها إلا بهذه الشروط التي رضيتْ بها، والواجب عليه أن يأتي بها إلا إذا سمحتْ عن شيءٍ، فالحق لها، إذا أسقطتْ حقَّها من الشروط بأن شرطتْ عليه أن يُعطيها عشرة آلافٍ، وسمحتْ عن خمسةٍ، أو سمحتْ عن الجميع، أو شرطتْ أنه ينقلها إلى مكة، أو المدينة، أو الرياض، أو الخرج، أو الحوطة، ..... بهذا ينقلها، فإن سمحتْ سقط الشرط.
وهكذا لو شرطتْ عليه بيتًا، أنه ينقلها عن أهله، وتبقى في بيتٍ، قد لا يرون أن تبقى عند أهله، لا بد من بيتٍ مُستقلٍّ ..... ذلك، ثم سمحتْ وقالت: لا بأس، عند أهلك أو عند أهلي. يسقط الشرط إذا سمحتْ عنه؛ لأن هذا حقٌّ لها، فإذا أسقطته سقط.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "النكاح":
313- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح الشِّغَار.
والشِّغَار: أن يُزوج الرجل ابنته على أن يُزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداقٌ.
314- وعن علي بن أبي طالبٍ : أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية.
315- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بأحكام النكاح.
في الحديث الأول الدلالة على تحريم نكاح الشِّغَار؛ لأن الرسول نهى عنه عليه الصلاة والسلام، وجاء في هذا عدة أخبارٍ عن النبي ﷺ كلها دالةٌ على تحريم نكاح الشِّغار: حديث ابن عمر، وحديث جابر، وحديث أبي هريرة، وغيرها، ومنها: لا شِغَارَ في الإسلام.
والشِّغار هو: أن يشرط كلُّ واحدٍ من الوليين نكاح الثانية، هذا يقول: أُزوجك على أن تُزوجني، أو تُزوج ابني أختك أو بنتك، والآخر كذلك، يتفقان على هذه المشارطة.
قيل: سُمي شِغَارًا؛ لأنه -في الغالب- يخلو من المهر، يُقال: "شغرت البلد" إذا خلتْ من أهلها، "شغر المكان" إذا خلا من الساكن فيه.
وقيل: بأنه يُشبه عمل الكلب إذا شغر برجله ليبول، كأنه يقول: لا ترفع رجلها حتى أرفع رجل موليتك، أو لأنه إذا شغر برجله خلا مكانها.
فالحاصل أن الشغار هو كون كل واحدٍ يشرط على الآخر نكاح الأخرى، يتزوجها على اشتراط كونه يُزوجه مُوليته الأخرى، فهذا يقول: أنا أُزوجك بنتي على أن تُزوجني ابنتك، أو تُزوج ابني أو أخي، والآخر يقول كذلك: أُزوج بنتي على كذا وكذا، فيتشارطان.
ونُهي عن هذا؛ لأنه وسيلةٌ إلى ظلم النساء وجبرهنَّ على النكاح؛ ولأنه عقدٌ في عقدٍ، فأشبه بيعتين في بيعةٍ؛ ولأنه -في الغالب- يكون تزويجًا بغير مهرٍ، فكأنه زوج المرأة بالمرأة من دون مهرٍ، والله يقول: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ [النساء:24]، فَسَدَّ الشارعُ الذريعة لذلك، فهو مُحرمٌ لعدة عللٍ، ولعدة حِكَمٍ، سواء سُمي فيه مهرٌ، أو لم يُسَمَّ فيه مهرٌ، هذا هو الصواب.
وأما قول الراوي: "والشِّغار: أن يُزوج الرجل ابنته، على أن يُزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداقٌ" فهذا من كلام بعض الرواة، وليس من كلام النبي ﷺ، وإنما هو من كلام نافعٍ الراوي عن ابن عمر.
وقيل: من كلام مالكٍ رحمه الله.
والخلاصة: أنه ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا جاء في حديث أبي هريرة: أن الرسول ﷺ نهى عن الشِّغار، قال: والشِّغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأُزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأُزوجك أختي.
فظاهره أنه من كلام النبي ﷺ، وأنه أن يقول كلُّ واحدٍ هذا الكلام: زوجني أختك وأُزوجك أختي، أو بنتك وأُزوجك بنتي، أو زَوِّج ابني، أو أخي.
وفي حديث معاوية : أنه كتب إليه أمير المدينة عن رجلٍ تزوج امرأةً على أن يُزوجه الآخر امرأةً أخرى، وقد سَمَّيا صداقًا، فكتب معاوية إلى أمير المدينة: فَرِّقْ بينهما. وقال: هذا هو الشِّغار الذي نهى عنه النبي ﷺ، مع أنهما قد سَمَّيا مهرًا.
وبهذا يُعلم أن نكاح الشِّغار مُحرمٌ مطلقًا ولو سُمي فيه مهرٌ ما دامت المشارطة أو التواطؤ قد حصل.
والحديث الثاني: حديث عليٍّ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية.
هذا الحديث الصحيح يدل على تحريم نكاح المتعة، وعلى تحريم أكل الحمر الأهلية.
والحمر الأهلية هي الحمر الموجودة المعروفة، يُقال لها: الإنسية، التي يستعملها الناس في الركوب، وفي ..... عليها، وغير ذلك؛ احترازًا من الحمر الوحشية؛ لأن الحمر الوحشية صيدٌ، لها صفةٌ، ولها لونٌ، ليست كالحمر الأهلية.
وقد أمر النبي ﷺ بإكفاء القدور، لما ذبحها الناس يوم خيبر أمر بإكفاء القدور، وقال: إنها رجسٌ.
وقد أجمع العلماء على تحريمها إلا خلافًا شاذًّا لا يُعول عليه في ذلك.
وأما نكاح المتعة فهو أن يقول: زوجني فلانة لمدة كذا. أو يتفق معها على الزواج لمدةٍ معينةٍ، أو بالعقد عليها شهرًا أو شهرين، وهو النكاح المؤقت: شهرًا، أو شهرين، أو سنةً، أو سنتين، يُقال له: نكاح المتعة، يستمتع بها ثم يدعها.
والعادة في هذا عند الجاهلية: أنه ما يحتاج إلى طلاقٍ ولا غيره؛ لأنه مدةٌ معينةٌ إذا انتهت انتهى النكاح، وهو باطلٌ عند أهل العلم؛ لأن النكاح الشرعي يكون عن رغبةٍ، وعن قصد البقاء معها إذا ناسبته أبدًا، ليس المقصود أن يستمتع بها مدةً معينةً؛ فلهذا نهى الله عن نكاح المتعة على يد رسوله عليه الصلاة والسلام.
فإذا اتَّفقا على أنه يبقى معها شهرًا أو شهرين أو سنةً أو أقلّ أو أكثر ثم ينتهي النكاح، فهذا هو نكاح المتعة الممنوع.
والحديث الثالث: يقول ﷺ: لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن، قالوا: يا رسول الله، كيف إذنها؟ قال: أن تسكت.
فهذا يدل على أنه يجب استئذان المرأة في نكاحها، وألا تُجبر إن كانت أَيِّمًا، وهي التي قد تزوجت وطُلِّقَتْ، أو مات عنها زوجها، لا بد من تصريحها بالإذن، تقول: نعم أُوافق على هذا الشيء.
أما إن كانت بكرًا -لم تتزوج- فيكفي السكوت، إن تكلمت فلا بأس، وإن سكتت كفى السكوت، إذا قال لها وليها: أُزوجك فلانًا، وشرح لها الواقع، وسكتت؛ كفى، ولو كان أبوها، ليس له تزويجها إلا بإذنها حتى لو كان الأب؛ لقوله ﷺ: البكر يستأذنها أبوها، وإذنها سكوتها إلا إذا كانت أقلّ من تسعٍ، صغيرةٌ، أقلّ من تسع سنين، ورأى وليها أن يُزوجها رجلًا صالحًا بقصد المصلحة لها، لا لقصد الطمع، إذا أراد أن يُزوجها وهي صغيرةٌ لقصد المصلحة؛ لكون الزوج صالحًا، مُختارًا، طيبًا، يرغب في أن تكون عنده، فزوجها وهي صغيرةٌ، فلا بأس، إذا كان أبوها خاصةً، الأب خاصةً، كما زوَّج الصديق عائشة على النبي ﷺ وهي دون التسع، بنت ستّ سنين، أو سبع سنين؛ للمصلحة العظيمة للبنت، فإذا كانت صغيرةً دون التسع فلا بأس أن يُزوجها أبوها خاصةً بالشخص الذي يرضاه لها دينًا وخُلُقًا، لا للطمع.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
...........
الثابتة عن رسول الله ﷺ: أن المرأة إذا طُلِّقتْ طلاقًا بائنًا بالثلاث فإنها لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجًا غيره نكاح رغبةٍ، ويدخل بها، يعني: يطأها؛ لقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] يعني: الثالثة، ولحديث عائشة هذا في قصة زوجة رفاعة القرظي، تزوجها فَبَتَّ طلاقها، وفي روايةٍ أخرى: أنه طلَّقها الطلقة الأخيرة الثالثة، فجاءت للنبي ﷺ تستفتيه، فأخبرته أنها نكحتْ بعد رفاعة شخصًا يُقال له: عبدالرحمن بن الزَّبير -بفتح الزاي- وليس عنده إلا مثل هُدْبَة الثوب، ليس عنده إلا ذكرٌ ضعيفٌ، ما استطاع أن يُجامعها، فلما سمع كلامها تبسم عليه الصلاة والسلام وقال: أتُريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيلته، ويذوق عُسَيلتك يعني: حتى يُجامعك الزوج الجديد.
والعُسَيلة كنايةٌ عن حلاوة الجماع، والمعنى: أنها لا تحل للزوج الأول المطلق الطلقة الأخيرة الثالثة حتى يُجامعها الزوج الثاني بنكاحٍ صحيحٍ، ثم يُفارقها بموته، أو بطلاقٍ، وتخرج من العدة.
وفيه من الفوائد: أنه لا بأس بالسؤال في مثل هذا، ولا حياء في هذا، إن الله لا يستحيي من الحق.
ولا بأس أن تسأل وعند المفتي مَن يسمع من الرجال؛ ليستفيد الجميع، فإنها استفتت والصديق حاضرٌ يسمع، وخالد بن الوليد يسمع.
وفي الحديث الثاني من الفوائد: أن الرجل إذا تزوج بكرًا على ثيبٍ قسم لها سبعًا، ثم دار على نسائه، وإذا تزوج ثيبًا قسم ثلاثًا، ثم دار، فإذا كانت عنده زوجةٌ أو أكثر، ثم تزوج بكرًا، فإنه يقسم لها سبعًا مُتواليةً، ثم يذهب إلى الزوجة الثانية، ثم يدور بينهما، كل واحدةٍ لها ليلتها، أما إن كانت الجديدة ثيبًا فإنه يقسم لها ثلاثًا، هكذا فعل النبي ﷺ مع أم سلمة؛ لما تزوجها وهي ثَيِّبٌ قسم لها ثلاثًا ثم دار.
وفي الحديث الثالث الدلالة على أن السنة عند الجِماع التَّسمية، إذا أراد أن يُجامع يقول: "بسم الله، اللهم جَنِّبْنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا"، لما يريد جِماع زوجته يقول: "بسم الله، اللهم جَنِّبْنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا"، وأنه لو يُقدر بينهما ولدٌ بذلك الجِماع الذي فيه التَّسمية لم يضره الشيطان أبدًا.
وهذه فائدةٌ عظيمةٌ، وخيرٌ عظيمٌ، فينبغي للزوج عند الجِماع أن يقول هذا الكلام، عندما يريد الجِماع يقول: "بسم الله، اللهم جَنِّبْنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا"، دعواتٌ قليلةٌ، والفائدة عظيمةٌ.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "النكاح":
319- وعن عقبة بن عامرٍ : أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والدخولَ على النساء، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت.
ولمسلمٍ عن أبي الطاهر، عن ابن وهبٍ قال: سمعتُ الليث يقول: الحمو: أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم ونحوه.
باب الصداق
320- عن أنس بن مالكٍ : أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.
321- وعن سهل بن سعدٍ الساعدي : أن رسول الله ﷺ جاءته امرأةٌ فقالت: إني وهبتُ نفسي لك. فقامتْ طويلًا، فقال رجلٌ: يا رسول الله، زَوِّجْنِيهَا إن لم يكن لك بها حاجةٌ. فقال: هل عندك من شيءٍ تُصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ: إن أعطيتَها إزارك جلستَ ولا إزار لك، فالتمس شيئًا، قال: ما أجد. قال: فالتمس ولو خاتمًا من حديدٍ، فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله ﷺ: هل معك شيءٌ من القرآن؟ قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ: زَوَّجْتُكَهَا بما معك من القرآن.
322- وعن أنس بن مالكٍ : أن رسول الله ﷺ رأى عبدالرحمن بن عوفٍ وعليه ردع زعفران، فقال النبي ﷺ: مَهْيَم؟ فقال: يا رسول الله، تزوجتُ امرأةً. فقال: ما أصدقتها؟ قال: وزن نواةٍ من ذهبٍ. قال رسول الله ﷺ: بارك الله لك، أَوْلِم ولو بشاةٍ.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة: الأول في وجوب الحذر من الخلوة بالنساء، وأن ذلك خطره عظيمٌ حتى سُمي: الموت، والأحاديث الثلاثة ما يتعلق بالصداق، وأنه لا بد منه في النكاح.
يقول ﷺ: إياكم والدخولَ على النساء، هذا معناه: التحذير من الدخول على النساء دون مَحْرَمٍ، الخلوة بالنساء؛ لأن ذلك من أسباب الفتنة ووقوع الفاحشة؛ ولهذا في الحديث يقول ﷺ: لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ، فإن الشيطان ثالثهما، وفي اللفظ الآخر: لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا ومعها ذو مَحْرَمٍ، فلا تجوز الخلوة بالمرأة، ولا الدخول على المرأة التي ليس عندها أحدٌ من غير محارمها؛ لأن ذلك يُفضي إلى الفاحشة والتُّهمة بها.
فقيل: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت.
والحمو: أخو الرجل، أخو الزوج وعمه وابن عمه، يُقال له: حمو.
يعني: إذا خلا بزوجة أخيه أو بزوجة عمِّه كان الشيطان ثالثهما، فالواجب الحذر، وألا يدخل عليها إلا ومعه غيره بما يُزيل التُّهمة، فيحصل بذلك الطمأنينة: كعمِّها، أو أخيها، أو خالها، أو زوجته معه، أو زوجة أخيه، المقصود: لا يخلو بها حتى لا يقع الشر.
وحديث أنسٍ: أن النبي ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.
هذا يدل على أنه لا مانع من إعتاق الجارية على أن يكون عتقُها صداقها، فتكون بدلًا من أنها سُريةٌ، تكون زوجةً.
إذا كان عنده جارية مملوكة وأعتقها، وجعل عتقها صداقها فلا بأس؛ كما فعل النبي ﷺ مع صفية بنت حُيي، ويكون عتقها مقابل ماله المبذول لها، وتكون زوجةً له بدل أن تكون سُريةً، ويُشهد على ذلك ..... شاهدين، وبذلك تكون السُّرية زوجةً له.
وفي حديث سهل بن سعدٍ الدلالة على أن .....