الدرس السادس عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "اللعان":

332- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاصٍ وعَبْدُ بن زَمْعَة في غلامٍ، فقال سعدٌ: يا رسول الله، هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاصٍ، عَهِدَ إليَّ أنه ابنه، وانظر إلى شبهه. وقال عَبْدُ بن زَمْعَة: هذا أخي يا رسول الله، وُلِدَ على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبهًا بَيِّنًا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زَمْعَة، الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر، واحتجبي منه يا سودة، فلم يَرَ سودة قط.

333- وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن رسول الله ﷺ دخل عليَّ مسرورًا، تَبْرُق أسارير وجهه، فقال: ألم تَرَي أن مُجَزِّزًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيدٍ، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعضٍ.

وفي لفظٍ: وكان مُجَزِّزٌ قائفًا.

334- وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: ذُكِرَ العزل لرسول الله ﷺ، فقال: ولِمَ يفعل أحدكم ذلك؟ ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم، فإنه ليست نفسٌ مخلوقةٌ إلا الله خالقها.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة ..... الحديث الأول في قصة عبد بن زَمْعَة وسعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنهما في قصة ابن وليدة زَمْعَة، فيها أن سعدًا ادَّعى أنه ابن أخيه عتبة من وليدة زَمْعَة، وأن أخاه اعتدى عليها وجامعها، فهو ولده، وقال عبدٌ: إنه أخي؛ وُلِدَ على فراش أبي من وليدته.

فحكم بينهما النبي ﷺ بأنه لعبد بن زَمْعَة، يعني: بأنه ولد ..... وقال: الولد للفراش، وللعاهر الحجر مع وجود الشَّبه البَيِّن بعتبة، فدلَّ ذلك على أن المولود على فراش الزوج من زوجته أو من سُريته فهو له، ولو وُطئت، ولو زنى بها أحدٌ، ولو صار الشَّبه للثاني، فلا عبرة بوطء الزنا، ولا بالشَّبه بالزاني، فصاحب الفراش أحقُّ به، وهو ولده، سواء شابهه أم لم يُشابهه.

وهو يدل على أن الفراش بينةٌ قويةٌ، لا تُعارَض بالشَّبه، ولا تُلحق بالزنا، الزاني ظالمٌ، مُعْتَدٍ، ليس له إلا العقوبة، وليس له النَّسب، صاحب الفراش هو الأحق بالنَّسب مطلقًا.

ومع هذا رأى النبيُّ ﷺ أن سودة لا تكشف له؛ من أجل الشُّبهة، هذا حكم ..... كما قال بعض أهل العلم، راعى الحكم الشرعي اللازم وقضى به، وأمر سودة بأمرٍ احتياطيٍّ؛ دَرْءًا للشُّبهة، قال: احتجبي منه يا سودة؛ للشَّبه البَيِّن بعتبة.

فهذا فيه تنفيذ الأحكام اللازمة، والعمل بالحيطة في مسائل الاشتباه.

وأمهات المؤمنين لهن شأنٌ في وجوب الحفاظ على حُرمتهن وبُعْدهن عن أسباب الريب، وعن كل ما قد يُتَنَزَّه عنه؛ لأنهن خير النساء، وأكمل النساء، مع النساء اللواتي فُضِّلن: كمريم، وفاطمة، وآسية ابنة مُزاحم، وعائشة من جملة النساء الـمُفَضَّلات، وهي من أمهات المؤمنين، وخديجة كذلك.

فالحاصل أنهن من خيرة النساء، فينبغي لهن الحيطة ..... من غيرهن.

والحديث الثاني حديث مُجَزِّزٍ: فيه أن الشَّبه يُعتبر إذا لم تكن هناك بينةٌ، أما مع البينة أو الفراش فلا يُلتفت إليه، فالفراش مُقدمٌ، وهكذا البينة العادلة، فإذا تأخر في إثبات النَّسب .....، فإذا لم تكن بينةٌ ولا فراشٌ استُعمل الشَّبه وأُخِذَ به؛ لئلا تضيع الأنساب.

ومما يدل على اعتبار الشَّبه حديث عبد بن زَمْعَة -كما تقدم-، فإن النبي ﷺ راعاه في قصة سودة، وراعاه في قصة أسامة بن زيد وأبيه، فإنه كان يُلْمَز بأسامة ويُقال: كيف؟ لأنه أسود، وأبوه أبيض، وإن كان النَّسب ثابتًا، لكن لما قال مُجَزِّزٌ: "إن هذه الأقدام بعضها من بعضٍ" كان هذا مما يُؤيد ما وقع من الحكم الشرعي، وأن السواد والبياض لا يُؤثر في النَّسب، اختلاف اللون لا يُؤثر.

وتقدم قصة الرجل الذي قال: إن امرأتي ولدتْ غلامًا أسود. وهو يُعَرِّض بأن ينفيه، فقال له النبي ﷺ: هل لك من إبلٍ؟ قال: نعم. فقال: ما ألوانها؟ فقال: حُمْرٌ. قال: فهل فيها من أَوْرَق؟ قال: نعم، إن فيها لَوُرْقًا. قال: فأنَّى أتاها ذلك؟ قال: لعله نزعه عِرْقٌ. قال: فلعل ولدك هذا نزعه عِرْقٌ، وهو السواد.

فهكذا مسألة أسامة وأبيه، نسبهما ثابتٌ، ولكن كلام مُجَزِّزٍ مما يُؤيد الحكم الشرعي، ومما يُبطل شُبهة الـمُشَبِّهين والـمُلَبِّسين والشَّاكين، قال: "إن هذه الأقدام بعضها من بعضٍ"، كانا مستُورَين، وقد بَدَتْ أقدامهما، فلما رأى الأقدام مُجَزِّزٌ قال: "إن هذه الأقدام بعضها من بعضٍ"، فَسُرَّ النبيُّ بهذا عليه الصلاة والسلام.

كذلك حديث أبي سعيدٍ في العزل، فحديث أبي سعيدٍ يدل على أن العزل لا يمنع ما أمر الله بقضائه من النفوس .... ما من نفسٍ منفوسةٍ إلا الله خالقها؛ ولهذا قال: ولِمَ يفعل أحدكم ذلك؟ يعني: أن قدر الله ماضٍ، ولكنهم يفعلونه من باب تعاطي الأسباب في عدم النَّسل في ذلك الوقت، أو تأجيله، أو من جهة المرأة، أو من جهة أهلها، فلم يَنْهَهم، لم يقل: لا يفعل، وإنما قال: لِمَ؟ فأقرَّهم النبي ﷺ على العزل، فدلَّ على جوازه، ولكن يظهر من كلام النبي ﷺ أن تركه أفضل؛ لأنه يحرم لذة الجِماع على التمام، فينبغي تركه إلا إذا دعت الحاجة إليه فلا بأس.

والعزل معناه: أنه إذا جامع المرأة وأحسَّ بخروج المني أخرج ذكره وألقى منيه خارجًا؛ حتى لا تحمل.

وغالبًا ما يُفعل هذا في الجواري، يخشون أن تحمل؛ حتى يمتنع بيعهن، قد يريد بيعها، فإذا ولدتْ امتنع من بيعها، فغالب ما يفعله الناس مع الجواري المملوكات، وقد يفعلونه مع الحرة لأسبابٍ: إما لمرضها، أو لكثرة أولادها، أو لأنه يرغب في فراقها، أو ما أشبه ذلك من الأسباب، فتركه أولى، وإن فعله فلا حرج؛ للمصلحة.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "اللِّعان":

335- وعن جابرٍ ﷺ قال: كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيئًا يُنْهَى عنه لنهانا عنه القرآن.

336- وعن أبي ذرٍّ : أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ليس من رجلٍ ادَّعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر، ومَن ادَّعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومَن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك؛ إلا حار عليه.

كذا عند مسلمٍ، وللبخاري نحوه.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث فيما يتعلق بالعزل عن المرأة، وفي مسائل أخرى.

تقدم حديث أبي سعيدٍ ، عن النبي ﷺ أنه قال لما ذكروا له العزل، قال: لِمَ يفعل أحدكم ذلك؟ ولم يقل: فلا يفعل أحدكم ذلك، ثم قال: إنه ليس من نفسٍ مخلوقةٍ إلا الله خالقها.

ويقول جابرٌ : كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئًا يُنْهَى عنه –أي: العزل- لنهانا عنه القرآن.

وفي لفظٍ لمسلمٍ: فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم يَنْهَنا.

هذا يدل على أنه لا بأس بالعزل إذا رأى المصلحة في ذلك بإذن المرأة الحرة، ولا بأس أن يعزل عن جاريته –مملوكته-، وهو: إخراج ذكره عند الإحساس بنزول المني حتى يقذفه في الخارج؛ لئلا تحمل، هذا هو العزل: كونه ينزع ذكره من فرجها عند الإحساس بخروج المني حتى يُلقيه خارج الفرج؛ كراهة أن تحمل؛ لأسبابٍ تُوجِب ذلك.

فإذا كانت الزوجة راضيةً بذلك، أو كان العزل عن مملوكته فلا بأس، وتركه أفضل؛ ولهذا قال ﷺ: لِمَ يفعل أحدكم ذلك؟ فإنه ليس من نفسٍ مخلوقةٍ إلا الله خالقها يعني: ما كتب الله أنه يقع يقع، وهو من جملة الأسباب لعدم الحمل، لكن الله إذا أراد الحمل يسَّر ذلك: إما بسبق المني ولا يستطيع إخراجه؛ لأنه سبقه ونزل، أو سبق بعضه؛ لأن الولد ليس من كل المني، بل من بعض المني، فإذا أراد الله وقوع الولد والحمل سبق المني، أو سبق بعض المني، فكان الحمل، فليس من كل المني يكون الحمل، بل من بعضه.

ومن ذلك: تعاطي الحبوب المانعة من الحمل، إذا كانت للحامل مصلحةٌ من كبرٍ، أو دعت الحاجة لمصلحةٍ: إذا كانت المرأة مريضةً، أو يضرها الحمل، أو معها صبيةٌ صغارٌ كثيرون، تشقُّ عليها التربية، فتريد أن تمنع الحمل إلى وقتٍ آخر: كسنةٍ، سنتين؛ حتى تستطيع أن تُربي أولادها، أو حتى تبرأ من المرض، فلا بأس بذلك، كالعزل.

أما حديث أبي ذرٍّ : فيقول فيه النبي ﷺ: ليس من رجلٍ يدَّعي لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر، هذا يدل على أنه ما يجوز للإنسان أن يقول: أنا ولد فلانٍ. وهو يكذب، ما يحلُّ له أن ينتسب إلى غير أبيه، بل يجب عليه أن ينتسب إلى أبيه، رَضِيَ أو كَرِهَ، ولو كان أبوه كافرًا، ولو كان أبوه فاسقًا، فيجب عليه أن يقول: أنا ولد فلانٍ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، ولو كان أبوه كافرًا، أو عاصيًا، ذنبه عليه، ولا يحل له أن ينتسب إلى غير أبيه، هذا من المحرمات، ومن الكبائر.

قوله: إلا كفر يعني: كفرًا دون كفرٍ، كفرًا أصغر إذا لم يستحلّ ذلك، أما إذا استحلَّ ذلك وهو يعلم أن الله حرَّمه؛ يكون كفرًا أكبر.

وهكذا ليس له أن ينتسب إلى غير مواليه -إلى غير قبيلته- ولا إلى غير مَن أعتقه؛ لما جاء من النهي عن ذلك وتحريم ذلك.

ويقول ﷺ: مَن ادَّعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار هذا فيه تحذيرٌ من الدعاوى الباطلة.

وفي الحديث الآخر: مَن ادَّعى دعوى يستكثر بها لم يزده الله إلا قلةً، وفي اللفظ الآخر: مَن ادَّعى ما ليس له فليتبوأ مقعده من النار.

فليس للإنسان أن يُخاصم في شيءٍ لا حقَّ له فيه، يدَّعي هذا ظلمًا بغير حقٍّ: في أرضٍ ما له فيها حقٌّ، في ميراثٍ ما له فيه حقٌّ، في غير ذلك، ليس له أن يدَّعي في شيءٍ يعلم أنه لا حقَّ له فيه، وهذا من كبائر الذنوب؛ ولهذا قال ﷺ: مَن ادَّعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار.

والمسألة الثالثة: قال: ومَن قال لأخيه: يا عدو الله، أو يا كافر، وليس كذلك إلا باء بها أحدهما.

إذا قال لأخيه: يا عدو الله، أو يا كافر، أو يا فاجر؛ فإنها ترجع عليه، ويكون هو الأولى بهذه الكلمة إذا كان المقول له ليس أهلًا لذلك.

فالواجب الحذر، إذا قال: يا عدو الله، أو يا كافر، أو يا فاجر، أو يا خبيث، وهو ليس كذلك، بَرِيءٌ مما قال؛ رجعتْ كلماته عليه، وصار إثمه عليه.

فينبغي للمؤمن أن يصون لسانه، وأن يحفظ لسانه إلا من الخير؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، فالعاقل، الحازم، القوي الإيمان يحفظ لسانه، ويصون لسانه إلا من الخير.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

كتاب الرضاع

337- عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ في بنت حمزة: لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة.

338- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: إن الرضاعة تُحرم ما يحرم من الولادة.

339- وعنها قالت: إن أفلح -أخا أبي القُعَيس- استأذن عليَّ بعدما أُنزل الحجاب، فقلتُ: والله لا آذن له حتى أستأذن النبي ﷺ، فإن أخا أبي القُعَيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القُعَيس، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ، فقلتُ: يا رسول الله، إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال: ائذني له، فإنه عمكِ، تَرِبَتْ يمينك.

قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرِّموا من الرضاع ما يحرم من النَّسب.

وفي لفظٍ: استأذن عليَّ أفلح، فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟! فقالت: كيف ذلك؟ قال: أرضعتكِ امرأة أخي بلبن أخي. قالت: فسألتُ رسول الله ﷺ، فقال: صدق أفلح، ائذني له، تَرِبَتْ يمينك.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث فيما يتعلق بالرضاعة، والرضاعة هي: مَصّ الطفل للثدي أو ما يقوم مقام ذلك في حال الحولين قبل أن يُفطم، هذه يُقال لها: رضاعة، حكمها حكم النَّسب في التحريم والخلوة؛ لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب.

وأصله في كتاب الله ، قال الله سبحانه في المحرمات: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، فذكر سبحانه صنفين: الأمهات والأخوات، وجاءت السُّنة بالأصناف الأخرى: يحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب، فيدخل في ذلك: البنات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، زوجة الأب، زوجة الجد، زوجة الابن، زوجة أبناء البنين، زوجة أبناء البنات، كلهم داخلون في الرضاع كالنَّسب؛ ولهذا لما قيل له ﷺ: ألا تنكح ابنة حمزة؟ عمه حمزة بن عبدالمطلب، قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة، يحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب، عمه حمزة كان أخًا له من الرضاعة، وبيَّن ﷺ أن ابنته لا تحلّ له؛ لأنها ابنة أخيه من الرضاعة.

وهكذا حديث عائشة في قصة أفلح أخي أبي قُعَيس، كانت عائشة ارتضعت من زوجة أبي قُعَيس، فاستأذن عليها أخوه –عمها- وهو أفلح، فلم تأذن له؛ لأنها تظن أن هذا الرضاع لا يُؤثر، قالت: إنما أرضعتني امرأة أبي قعيس، ولم يُرضعني أبو قعيس، الرجل.

فبين النبي ﷺ أن الرضاعة كالنسب، وأن أبا قُعَيس يكون أبًا لها من الرضاع، وأن أخاه يكون عمًّا لها من الرضاع كالنَّسب.

فدلَّ ذلك على أن الرضاع يُحرم من جهة الفحل ومن جهة الأنثى، فالفحل هو الزوج يكون أبًا، وآباؤه أجدادًا، وإخوته أعمامًا، وأخواته عمَّاتٍ، وأمه جدّةً، وأخواتها خالاتها، كالنسب.

وهكذا المرأة تكون أمًّا للرضيع، وإخوتها -الذكور والإناث- أخوالًا وخالاتٍ للرضيع .. إلى آخره كالنَّسب؛ ولهذا قال: ائذني له، فإنه عمُّكِ، تَرِبَتْ يمينك.

وبذلك يظهر معنى: يحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب.

وإذا سُقي اللبن بالرضاعة من لبن المرأة فهو كالرضاع، كالذي ارتضعه، سُقِيَ منه خمس مراتٍ، كل مرةٍ تصل إلى جوفه كالرضاع.

وهكذا إذا حلبتْ في فمه ولم يمصّه لعلةٍ من العلل حتى كمل خمس رضعاتٍ أو أكثر.

فالمقصود أنه إذا وصل اللبن إليه من المرأة في حال الحولين خمس مراتٍ فأكثر، كل مرةٍ مُستقلةٌ يصل فيها اللبن إلى جوفه يكون له حكم الرضاع إذا بلغ خمسًا فأكثر في حال الحولين، تكون أمًّا له، وصاحب اللبن -الزوج أو السيد- أبًا له، والفروع معروفة من الإخوة وغيرهم كالنَّسب سواء.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الرضاع":

340– وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي رجلٌ، فقال: يا عائشة، مَن هذا؟ قلتُ: أخي من الرضاعة. فقال: يا عائشة، انظُرْنَ مَن إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة.

341- وعن عقبة بن الحارث: أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءتْ أَمَةٌ سوداء فقالت: قد أرضعتُكما. فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ، قال: فأعرض عني، قال: فَتَنَحَّيتُ، فذكرتُ ذلك له، فقال: وكيف وقد زعمتْ أن قد أرضعتكما؟.

342- وعن البراء بن عازب قال: خرج رسول الله ﷺ –يعني: من مكة- فتبعتهم ابنة حمزة تُنادي: يا عم، يا عم. فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونكِ ابنة عمك، فاحتملتها، فاختصم فيها عليٌّ وجعفر وزيد، فقال عليٌّ: أنا أحقُّ بها، وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي. وقال زيدٌ: بنت أخي. فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعليٍّ: أنت مني، وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهتَ خَلْقِي وخُلُقي، وقال لزيدٍ: أنت أخونا ومولانا.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالرضاع، وتقدم أن الرضاع كالنَّسب فيما يتعلق بالمحرمية، والخلوة بالمرأة، والسفر بها، ونحو ذلك، كالنَّسب، كما قال ﷺ: يحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب في حقِّ الرجل والمرأة جميعًا من جهة الرجل، ومن جهة المرأة.

في هذا الحديث -حديث عائشة- أن الرسول ﷺ رأى عندها رجلًا فقال: مَن هذا يا عائشة؟ قالت: أخي من الرضاعة. قال: يا عائشة، انظُرْنَ مَن إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة أي: إنما الرضاعة تُعتبر من المجاعة في حال حاجة الطفل إلى الرضاعة، وذلك في الحولين، فإذا جاوز الحولين فقد استغنى عن الرضاعة، وصار -في الغالب- يأكل ويعيش بغير الرضاعة؛ ولهذا في الحديث الآخر يقول ﷺ: لا رضاع إلا في الحولين، وفي اللفظ الآخر: لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام.

الرضاع الشرعي الذي يحصل به التحريم هو ما كان في الحولين قبل أن يُفطم؛ لهذا الحديث الصحيح: إنما الرضاعة من المجاعة، والحديثين السابقين: لا رضاع إلا في الحولين، لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام.

والواجب التَّثبت في الرضاع، وألا يتساهل الرجل والمرأة في ذلك إلا بعد ثبوت الرضاعة والتأكد من وجود الرضاع الشرعي الذي يحصل به التحريم، وذلك بأمرين:

  • أحدهما: أن يكون في الحولين.
  • الأمر الثاني: أن يكون خمس رضعاتٍ فأكثر.

فلا يتم الرضاع، ولا يحصل به التحريم، ولا تثبت به الأحكام الشرعية إلا بالأمرين:

أحدهما: كونه في الحولين.

والأمر الثاني -وهو الشرط الثاني-: أن يكون الرضاع خمس رضعاتٍ فأكثر، كل رضعةٍ يحصل بها وصول اللبن إلى الجوف -جوف الطفل-؛ لقوله ﷺ لامرأة أبي حذيفة .....: أرضعيه خمس رضعاتٍ تحرمي عليه، وفي حديث عائشة: كان فيما أُنزل: عشر رضعاتٍ معلوماتٍ، ثم نُسخن بخمسٍ معلوماتٍ، فتُوفي النبي ﷺ وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن.

فلا بد من خمس رضعاتٍ.

وقال لامرأة أبي حذيفة في قصة سالم: أرضعيه خمس رضعاتٍ تحرمي عليه، وقال: لا تُحرم الرضعة ولا الرضعتان.

فلا بد من خمسٍ معلومةٍ أو أكثر.

وحديث عقبة بن الحارث -أبي سروعة-: أنه تزوج امرأةً يُقال لها: ابنة أبي إهاب، فجاءت امرأةٌ سوداء فقالت: قد أرضعتكما. فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: كيف وقد قيل؟ وفي اللفظ الآخر: دعها عنك، زعمت أنها أرضعتهما، فأمره النبيُّ ﷺ بفراقها، يدل على أنه رضاعٌ ثابتٌ.

والأحاديث المجملة في الرضاعة تُفسر بالأحاديث المفصلة؛ لأن السنة يُفسر بعضها بعضًا، كالقرآن يُفسر بعضه بعضًا.

والحديث الثالث حديث البراء بن عازب في قصة ابنة حمزة، لما خرج من مكة عام عمرة القضاء في سنة سبعٍ للهجرة تبعته ابنة حمزة بمكة -حمزة بن عبدالمطلب عمّ النبي عليه الصلاة والسلام- تُنادي: "يا عم، يا عم"، تريد أن يأخذوها، فأخذها عليٌّ وسلَّمها لفاطمة، وقال: دونكِ ابنة عمك.

ثم اختصموا في حضانتها: مَن يتولاها؟ فقال عليٌّ: أنا أحقُّ بها، وهي ابنة عمي. وقال جعفرٌ: أنا أحقُّ بها، وخالتها تحتي. وقال زيد بن حارثة: هي ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعليٍّ: أنت مني، وأنا منك، ولجعفرٍ: أشبهتَ خَلْقِي وخُلُقي، ولزيدٍ: أنت أخونا ومولانا، فطيب نفوسهم بكلماتٍ طيبةٍ عليه الصلاة والسلام، وحكم بها لخالتها.

فدلَّ على أن الخالة في الحضانة مُقدمةٌ على أولاد العم؛ لأنها بمنزلة الأم، وهي أولى بحضانة البنت الصغيرة حتى تبلغ، هي أولى بها، وأرفق بها، وأعطف عليها من بني عمها، وآمن عليها أيضًا؛ لأنه قال: الخالة بمنزلة الأم.

وفي هذا فضل عليٍّ وجعفر وزيدٍ ، فالنبي ﷺ قال لعليٍّ: أنت مني، وأنا منك، هو ابن عمه وأخوه في الإسلام، وقال لجعفر: أشبهتَ خَلْقِي وخُلُقي، وهو ابن عمه أيضًا، وهم من خيرة الناس في الإسلام، وهو أخو عليٍّ، وأكبر من عليٍّ، وقال لزيد بن حارثة مولى النبي ﷺ وعتيقه: أنت أخونا ومولانا، فخاطبهم بكلماتٍ طيبةٍ ترفع من شأنهم، وتُطيب نفوسهم، وأعطى الحكم لأهله، حكم بالحق لأهله.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

كتاب القصاص

343- عن عبدالله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يحلّ دم امرئٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: الثَّيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.

344- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء.

345- وعن سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبدالله بن سهل ومُحيصة بن مسعودٍ إلى خيبر -وهي يومئذٍ صلحٌ- فتفرقا، فأتى مُحيصة إلى عبدالله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلًا، فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبدالرحمن بن سهل ومُحيصة وحُويصة -ابنا مسعودٍ- إلى النبي ﷺ، فذهب عبدالرحمن يتكلم، فقال النبي ﷺ: كَبِّرْ، كَبِّرْ، وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما، فقال: أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نَرَ؟! قال: فَتُبْرؤكم يهود بخمسين يمينًا، قالوا: وكيف نأخذ بأيمان قومٍ كفار؟! فعقله النبي ﷺ من عنده.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالدماء والقصاص والقَسَامة.

في الحديث الأول يقول عليه الصلاة والسلام: لا يحلّ دم امرئٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ، ثم فسَّرها فقال: الثَّيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة، يجوز الرفع، ويجوز الجر: "النفس بالنفس" بدلًا من "ثلاثٍ"، والرفع ..... خبر لمبتدأ محذوف.

فهذه الخصال الثلاث تُجوز سفك الدم وقتل صاحبها:

الثَّيب الزاني معناه: الذي قد تزوج ووطئ الزوجة، يُقال له: ثَيِّبًا، فإذا زنى يُقتل، يُرجم بالحجارة حتى يموت، إذا ثبت زناه بأربعة شهودٍ عدولٍ أو بإقراره.

والنفس بالنفس هذا القصاص، وهذا الشاهد في الترجمة: كتاب القصاص.

والقصاص مصدر: قاصّ قصاصًا، وهو الأخذ بالمقابل، المقاصة: المماثلة، قال الله جلَّ وعلا: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45].

فالله شرع المقاصة: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأذن بالأذن، واليد باليد، والرِّجل بالرِّجل، وهكذا إذا تمت الشروط والمكافأة بينهما.

فإذا قتل إنسانٌ آخر يُكافئه عمدًا عدوانًا وجب القصاص إلا أن يعفو ولي القتيل، إذا عفوا إلى الدية أو عفوا مطلقًا سقط القصاص، فإن لم يعفو وطالبوا بالقصاص وجب القصاص، وجب أن يُقتل به إذا كان مُكافئًا له: المسلم يُقتل بالمسلم، أما إن كان كافرًا فإنه لا يُقتل به المسلم، ولكن يُؤدي الدية ويُعزر –يُؤدب- أو كان رقيقًا مملوكًا لا يُقتل به، ولكن يُعزر ويُؤدي الدية، وهي قيمته.

ويُقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، إذا قتلها عمدًا عدوانًا قُتل بها، أو قتلته قُتلتْ به.

والتارك لدينه المفارق للجماعة المرتد بناقضٍ للإسلام، إذا فعل ما يُوجب ردَّته قُتل؛ لقول النبي ﷺ: مَن بدَّل دينه فاقتلوه، فإذا أشرك: عبد غير الله، كأن يستغيث بالأصنام، أو بالنجوم، أو بالأموات، أو بالجن، أو يذبح لهم، أو ينذر لهم يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل ردةً، أو يترك الصلاة يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل ردةً، أو يَسُبّ الله، أو يَسُبّ الرسول ﷺ، أو يستهزئ بالدين، ردّة، يُقتل: مَن بدَّل دينه فاقتلوه.

وقد ذكر العلماء في كل مذهبٍ: "باب حكم المرتد"، وهو المسلم يكفر بعد إسلامه، فإذا ارتدَّ عن دينه فهذا حكمه القتل بعد الاستتابة.

وبعض النواقض لا يُستتاب بها: كالذي يَسُبّ الله، ويَسُبّ رسوله ﷺ، هذا يُقتل بغير استتابةٍ عند جمعٍ من أهل العلم؛ لعظم جريمته.

الحديث الثاني: يقول ﷺ: أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء، هذا يدل على عظم شأن الدماء، وأنه أول ما يُقضى بين الناس في الدماء؛ لما بينهم من حقوقٍ، فهذا فيه الحذر من سفك الدم الحرام، والعدوان على الناس، فيجب على المؤمن أن يحذر العدوان على الناس وسفك الدم بغير حقٍّ؛ لأن جريمة القتل عظيمةٌ، قال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

وفي الحديث يقول ﷺ: لا يزال الرجل في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا، نسأل الله السلامة.

والحديث الثالث: قصة عبدالله بن سهل الأنصاري، توجه إلى خيبر؛ لحاجةٍ مع أخيه وابن عمه مُحيصة، فقُتل، وجدوه قتيلًا، ولم يعلموا مَن قتله في خيبر.

وخيبر تسكنها اليهود ذاك الوقت -وهم أعداء المسلمين- بعدما فتحها النبي ﷺ وصالحهم على أنهم يبقون فيها عُمَّالًا، فلاحين بالنصف.

سافر عبدالله بن سهل إليها لحاجةٍ، فوجدوه قتيلًا، فلم يعرفوا مَن قتله، فاشتكوا اليهود إلى النبي ﷺ، اشتكاهم عبدالرحمن بن سهل أخو عبدالله بن سهل، وابنا عمه: مُحيصة وحُويصة ابنا مسعودٍ، ابنا عم القتيل، فتقدموا إلى النبي ﷺ يشتكون، فأراد عبدالرحمن أن يتكلم، وكان أصغر القوم، فقال له النبي ﷺ: كَبِّرْ، كَبِّرْ، فتكلم حُويصة، ثم تكلم مُحيصة، فقال لهم النبي ﷺ: عندكم بينة؟ قالوا: لا. قال: تحلفون خمسين يمينًا على قاتله؟ قالوا: لم نشهده، ولم نَرَه، كيف نحلف؟! قال: تُبرؤكم يهود بخمسين يمينًا، قالوا: قومٌ كفارٌ كيف نقبل أيمانهم؟! فعقله النبي ﷺ من عنده، وداه النبي ﷺ من عنده؛ صُلحًا بين الجميع، وسلَّمهم مئةً من الإبل عليه الصلاة والسلام ديةً لعبدالله بن سهل، وحَقْنًا للفتنة والدماء.

هذا يدل على فوائد، منها: أن الخصومة إذا كانت بين جماعةٍ فإنه يتكلم الأكبر: كَبِّرْ، كَبِّرْ، وكان الخصوم جماعةً، يتكلم الأكبر، ثم يُكمل الباقون، إن كانت لهم زيادةٌ يكملون، ثم تُسمع دعوى المدعى عليه بعد ذلك، المدعي يتكلم أولًا، ويتكلم الأكبر، ثم يُنظر في دعواهم، تُسمع دعوى المدَّعى عليه.

وفيه من الفوائد: أنه إذا كان القتيل عند قومٍ يُتَّهمون به، فإنه يُدَّعى عليهم فيه، ويُطلب من المدعين البينة، فإذا وجدوا بينةً وإلا فلهم القسامة، لهم أن يحلفوا على واحدٍ منهم بسبب اللوث، بسبب العداوة والبغضاء، أو لأسبابٍ أخرى تدل على أنهم قتلوه؛ كأن يُوجد جماعةٌ يشهدون أنهم قتلوه، لكن لا تتوفر فيهم الشروط: إما لأنهم غير عدولٍ، أو نساء، أو صبيان، فإذا توافر عند أولياء القتيل ما يدل على أن القاتل فلان، فيحلفون عليه؛ ولهذا قال: يُقسم خمسون منكم على رجلٍ منهم، فيُدفع بِرُمَّته، فإذا كان الخصوم يدَّعون على واحدٍ معينٍ بينه وبين القتيل عداوةٌ، أو عندهم ما يدل على أنه قاتله؛ لأنهم رأوه قائمًا عليه بسكينٍ، أو معه سيفٌ، أو آثار الدم في سكينه، أو شهد عليه نساء، أو صبيان، أو فُسَّاق، واقتنع أولياء الدم أنه هو قاتله، فلهم أن يحلفوا خمسين يمينًا، إذا كانت العصبة خمسين كل واحدٍ يحلف يمينًا، وإذا كانت العصبة خمسًا وعشرين كل واحدٍ يحلف يمينين، فإن كانوا عشرةً كل واحدٍ يحلف خمسة أيمانٍ، على عددهم، ويُدفع إليهم بِرُمَّته.

فإذا لم يحلفوا حلف أولئك المدَّعى عليهم، حلفوا خمسين إما أنهم لم يقتلوه ولم يعرفوا قاتله فيبرؤوا، فإن أصلح بينهم ولي الأمر، ودفع الدية ولي الأمر، وأصلح بينهم، أو أصلح بينهم بنصف الدية، أو بأقلّ، أو بأكثر، فلا بأس، فالصلح جائزٌ؛ ولهذا أصلح النبي ﷺ بأن دفع الدية عن اليهود، دفعها من بيت المال، وأنهى الدعوى بينهم، يعني: الفتنة.

وهذه يُقال لها: القسامة، وهي: أن يدَّعي قومٌ على شخصٍ أنه قتل موروثه، ويحتجون على ذلك بأشياء تُغلب على الظن أنه قتله: من عداوةٍ بينهما، أو شهادة مَن لا يكتمل به النِّصاب، أو غير هذا من القرائن والدلائل التي تدل على أنه قتله، هذه يُقال لها: القسامة، فيُطالبون بخمسين يمينًا من العصبة، فإن لم يحلفوا فلهم أيمان المدَّعى عليهم إذا لم توجد بينة .....

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "القصاص":

وفي حديث حماد بن زيدٍ: فقال رسول الله ﷺ: يُقسم خمسون منكم على رجلٍ منهم، فيُدفع بِرُمَّته، قالوا: أمرٌ لم نشهده، كيف نحلف؟! قال: فتُبرؤكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله، قومٌ كفارٌ.

وفي حديث سعيد بن عبيد: فَكَرِهَ رسول الله ﷺ أن يُبطل دمه فَوَدَاه بمئةٍ من إبل الصدقة.

346- وعن أنس بن مالكٍ : أن جاريةً وُجِدَ رأسها مرضوضًا بين حجرين، فقيل: مَن فعل هذا بكِ: فلان، فلان؟ حتى ذُكِرَ يهوديٌّ فأومأتْ برأسها، فأُخِذَ اليهودي فاعترف، فأمر النبي ﷺ أن يُرَضَّ رأسه بين حجرين.

347- ولمسلمٍ والنسائي عن أنسٍ: أن يهوديًّا قتل جاريةً على أوضاحٍ، فأقاده بها رسول الله ﷺ.

348- وعن أبي هريرة قال: لما فتح الله على رسول الله ﷺ مكة قتلت هذيل رجلًا من بني ليثٍ بقتيلٍ كان لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﷺ فقال: إن الله قد حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحلّ لأحدٍ كان قبلي، ولا تحلّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحلتْ لي ساعةً من نهارٍ، وإنها ساعتي هذه حرامٌ، لا يُعْضَد شجرها، ولا يُخْتَلَى خَلَاها، ولا يُعْضَد شوكها، ولا تُلتقط ساقطتها إلا لمنشدٍ، ومَن قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النَّظرين: إما أن يقتل، وإما أن يُفْدَى، فقام رجلٌ من أهل اليمن يُقال له: أبو شاه، فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي. فقال رسول الله ﷺ: اكتبوا لأبي شاه، ثم قام العباس فقال: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا. فقال رسول الله ﷺ: إلا الإذخر.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه بقية حديث عبدالله بن سهل الذي قتله اليهود في خيبر، تقدم البحث فيه في الدرس الماضي، وهذه بقيته، كان ينبغي أنها قُرئت مع أوله؛ لأنها بقية الحديث.

والنبي ﷺ -كما تقدم- خيَّرهم: إما أن يُثبتوا عليهم أنهم قتلوه، فإن لم يُثبتوا فعليهم أن يحلفوا خمسين يمينًا على قاتله ويُعينوه، فإن لم يقوموا بذلك فلهم أيمان خمسين من اليهود على أنهم ما قتلوه ولا عرفوا قاتله، وتقدم الكلام في هذا، وأن الأنصار اعتذروا وقالوا: لم نشهد، ولم نَرَ، فكيف نحلف؟! وليست عندهم بينةٌ، وقالوا أيضًا: كيف نقبل أيمان قومٍ كفارٍ؟! فعند هذا عقله النبي ﷺ من عنده؛ حسمًا للنزاع، وإنهاءً للفتنة، وحقنًا للدماء.

وتقدم أن هذا يُسمى: القسامة، هذا الحكم يُسمى: حكم القسامة، وهي: أن يدَّعي قومٌ على قومٍ قتيلًا من دون بينةٍ تشهد لذلك، ويكون هناك لَوثٌ، وهو عداوةٌ أو ما يقوم مقامها من الدلائل على أنهم قتلوه؛ كأن يشهد عليهم مَن لا تُقبل شهادته: كالنساء، والصبيان، والفُسَّاق، فيحصل لأهل القتيل طمأنينةٌ إلى أن قاتله فلانٌ، فيحلفون بموجب ما دلَّ عليه بشهادة مَن ذُكِرَ، أو العداوة بينهم وبين القتيل، فإن لم يحلفوا فلهم أيمان المتهمين، يحلف المتهمون أنهم ما قتلوه ولا عرفوا قاتله فيبرؤون، وهذا يُقال له: حكم القسامة، وهي معروفةٌ في الجاهلية، وأقرّها الإسلام.

والحديث الثاني حديث أنسٍ: أن يهوديًّا قتل جاريةً على أوضاحٍ لها، رَضَّ رأسها بحجرٍ وأخذ أوضاحها -وهي الحُلِي من الذهب والفضة- فَعُرِفَ، جِيء إليها بمَن يُظن به الجريمة؛ لأنها كانت قد عجزتْ عن الكلام بسبب الجريمة العظيمة: رَضَّ رأسها، فَعُرِضَ عليها جماعةٌ من اليهود المتهمين، فأشارتْ برأسها بالنسبة إلى أحدهم أنه هو القاتل، أومأتْ برأسها، هو الذي رَضَّ رأسها، فلما أخذوه اعترف أنه هو الذي فعل الجريمة، فأمر النبي ﷺ أن يُرَضَّ رأسه بين حجرين جزاءً وفاقًا، وهذا هو القصاص.

وفي هذا فوائد:

  • منها: أنه يُقتل الرجل بالمرأة، وقوله جلَّ وعلا: وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى [البقرة:178] لا مفهوم له، بل تُقتل الأنثى بالرجل، والرجل بالأنثى.
  • ومنها: أن الإشارة يُعمل بها في تعيين المتهم وفي المسائل الأخرى التي لا يترتب عليها تَعَدٍّ على أحدٍ؛ ولهذا كان يُشير في الصلاة ﷺ وفي أشياء كثيرةٍ، كما أشار في صلاته عليه الصلاة والسلام لما سلَّموا عليه، أشار بيده عليه الصلاة والسلام، وأشار إليهم لما صلوا قيامًا وهو جالسٌ: أن اجلسوا.

فالإشارة لا بأس بها عند الحاجة إليها، يُعمل بها ما لم يكن فيها دعوى على أحدٍ، فلا تكفي الإشارة، وإنما تقتضي الدعوى، أي: لا بد مع الدعوى من بينةٍ أو إقرارٍ؛ ولهذا لما أشارت المدعية على اليهودي لم يكتفِ النبي ﷺ بإشارتها، ولكنها تضمنت الدعوى على هذا الشخص، فأخذوه، فاعترف، فلما اعترف حُكم عليه بالقصاص باعترافه، لا بمجرد إشارتها، بل باعترافه.

وهذا يُسمى: غِيلة، قتل غِيلة، والصحيح أن قتل الغِيلة يجب فيه القود، ولا يُستشار فيه الورثة؛ حقنًا للدماء، وحسمًا لمادة الفساد في الأرض؛ فلهذا قتله النبي ﷺ ولم يسأل ورثة الجارية ولم يستشرهم؛ لأنه قد خدعها فقتلها.

وفي حديث أبي هريرة الدلالة على أن القتيل لأهله الخيرة: إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وإن شاءوا عفوا؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: مَن قُتل له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إما أن يُقتل، وإما أن يُفْدَى، فهذا هو الحكم في القتل العمد الذي يُوجب القصاص بين المتكافئين، فأهله لهم الخيرة بين ثلاثة أشياء: القصاص والدية والعفو.

وفيه من الفوائد: أن البلد الحرام مُحرمٌ، لا يجوز فيه القتال، لا قبل النبي، ولا بعده، وإنما أُحلّ للنبي ساعةً من نهارٍ.

وفيه من الفوائد: أنه لا يُعضد شجره ولا شوكه، ولا يُنفر صيده، ولا يُخْتَلى خَلَاه -وهو الحشيش الأخضر- ولا تُلتقط ساقطته إلا لمنشدٍ، إلا لـمُعَرِّفٍ.

وفي حديث أنسٍ من الفوائد أيضًا: أن القاتل يُقتل بمثل ما قَتَل، فإذا كان قَتَل بالرَّضِّ -بِرَضِّ الرأس- يُرَضُّ رأسه، وإذا قَتَل بالتَّغريق غُرِّقَ في الماء، وإن كان قَتَل بالسيف قُتِلَ بالسيف: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45]، القصاص: المماثلة.

والنبي ﷺ قتله بمثل ما فعل: رَضَّ رأسه بين حجرين، فيُقتل بمثل ما قتل إلا أن يكون قتله بمعصيةٍ فلا، كأن يكون قتله بسقي الخمر أو باللواط، فلا يُقتل بذلك؛ بمعصية الله.

وأما إن كان قتله بغير معصيةٍ: بالسيف، بالرَّضِّ، بالتغريق، بغير ذلك من أسباب القتل يُقتل قصاصًا.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "القصاص":

349- وعن عمر بن الخطاب : أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدتُ النبي ﷺ قضى فيه بغُرَّةٍ: عبدٍ أو أَمَةٍ. فقال: لتأتين بمَن يشهد معك. فشهد معه محمد بن مسلمة.

350- وعن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فَرَمَتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقضى رسول الله ﷺ: أن دية جنينها غُرَّة: عبد، أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومَن معهم، فقام حمل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله، كيف أغرم مَن لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهلَّ؟! فمثل ذلك يُطَلّ. فقال رسول الله ﷺ: إنما هو من إخوان الكهَّان من أجل سجعه الذي سجع.

351- وعن عمران بن حصين : أن رجلًا عَضَّ يد رجلٍ، فنزع يده من فيه، فوقعتْ ثنيتاه، فاختصما إلى النبي ﷺ، فقال: يعض ...

الشيخ: "يَعَضُّ" من باب فرح، "عَضِضَ، يَعْضَض" من باب "فَرِحَ يَفْرَح".

يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يَعَضُّ الفحل؟! اذهب، لا دية لك.

352- وعن الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: حدثنا جندبٌ في هذا المسجد، وما نسينا منه حديثًا، وما يُخْشَى أن يكون جندبٌ كذب على رسول الله ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جرحٌ فَجَزِعَ، فأخذ سكينًا فَحَزَّ يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله ﷺ: عبدي بادرني بنفسه، فحرمتُ عليه الجنة.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تتعلق بأحكامٍ، كلها تتعلق بالقتل وبإملاص المرأة وبالعدوان.

إما الإملاص: فإملاصها: إسقاطها جنينًا ميتًا، "أَمْلَصَتْ" يعني: أسقطتْ، يقول العامة: تعورت، يعني: أسقطتْ جنينًا قبل أن يتم ميتًا.

سأل عمرُ الناس عن حكمه، فشهد عنده المغيرة بن شعبة الثقفي: أن النبي ﷺ قضى فيه بغُرَّةٍ: عبدٍ أو أَمَةٍ، فقال: مَن يشهد معك؟ فقال: محمد بن مسلمة.

هذا فيه الدلالة على أن المرأة إذا أسقطتْ بضربة أحدٍ ضربها فإن الولد يُودَى بغُرَّةٍ: عبدٍ أو أمةٍ، إذا سقط ميتًا بسبب العدوان عليه.

قال العلماء: قيمتها خمسٌ من الإبل، عُشْر الدية، خمسٌ من الإبل، عُشْر دية أمه -أم الطفل- فإذا أسقطتْ جنينًا في هذا الوقت نزل ميتًا بالعدوان على أمه.