.......
وقول عمر للمغيرة: مَن يشهد معك؟ من باب التَّثبت والحرص، وإلا فالواحد يكفي كما تقدم لما سأل ابنُ عمر سعدَ بن أبي وقاصٍ عن مسح الخفين، قال ابن عمر: إذا قال لك سعدٌ شيئًا فلا تسأل غيره.
فالقاعدة: أن الواحد من الصحابة تقوم به الحجة، وهكذا الثقات من الرواة، الواحد الثقة تقوم به الحجة، ولكن إذا جاء من طريقٍ ثانٍ يكون أثبت وأكمل.
وهذه عادة عمر؛ في بعض الأحيان يتثبت ويطلب ثانيًا من باب التَّثبت في الأمور، كما قال أبو موسى لعمر لما استأذن ثلاثًا فلم يُؤذن له، فانصرف، وقال: إني سمعتُ النبي ﷺ يقول: إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤذن له فلينصرف، قال: ائتني بمَن يشهد معك. فشهد معه أبو سعيد الخدري، هذا من باب التَّثبت في الأمور، وإلا فالواحد يكفي، إذا ثبت عن النبي ﷺ من طريقٍ واحدةٍ أنه قال كذا أو فعل كذا كفى.
وهكذا حديث حمل بن النابغة الهذلي في حديث أبي هريرة في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا وأسقطتْ إحداهما –المضروبة- جنينًا، فقضى فيه النبي ﷺ بغُرَّةٍ، قضى بالدية -دية المقتولة- على عاقلة القاتلة؛ لأنه قتلٌ شبه عمدٍ، وليس فيه عمدٌ، بل هو مُلحقٌ بالخطأ؛ فلهذا قضى فيه النبي ﷺ بالدية على العاقلة، ولم يحكم فيه بالقصاص.
فدلَّ ذلك على أن القتل إذا كان شبه عمدٍ مثل: أن يضرب أحدهما الآخر بعصًا، أو تضرب إحداهما الأخرى بعصًا، وصار في ذلك موت المضروب؛ هذا يكون شبه عمدٍ، ما فيه إلا الدية والكفارة إذا كان مثله لا يقتل، إذا كانت الآلة التي تضرب بها مثلها لا يقتل غالبًا، فهذا هو شبه العمد، وفيه الدية، وفيه الكفارة، وإن كان هناك جنينٌ سقط ففيه الغُرَّة: عبدٌ أو أَمَةٌ.
ولما قضى النبي ﷺ بذلك قال حمل بن النابغة الهذلي: "كيف أغرم مَن لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استَهَلَّ؟! فمثل ذلك يُطَلّ" يعني: يُهْدَر، فأنكر عليه النبي ﷺ وقال: إن هذا سجعٌ من سجع الكهَّان.
هذا يدل على أنه لا يجوز مُعارضة الحقِّ بالسجع أو غير السجع، وأن السجع مذمومٌ إذا كانت فيه مُعارضةٌ للحق، أما إذا كان سجعًا لا يُعارض الحقَّ ولا فيه تكلفٌ فلا بأس به، قد وقع السجع من النبي ﷺ غير مرةٍ.
السجع الذي ليس فيه تكلفٌ وينصر الحقَّ ويُعين على الحقِّ لا بأس به، أما إذا كان السجع يُعارض الحقَّ ويقف في طريق الحق فهو لا يجوز، وهو من سجع الكهَّان الذين يُلبِّسون به على الناس ويخدعون به الناس.
وهكذا حديث عمران في الذي عَضَّ يد أخيه حتى نزع يده من فمه فسقطتْ ثنيته، فقال النبي ﷺ: إنها هدرٌ، أيدع يده في فمك تقضمها كما يقضم الجمل؟! فأهدر ثنيته.
هذا يفيد أن الإنسان إذا عَضَّ أخاه وانتزع المعضوض يده، فسبّب سقوط شيءٍ من العاضِّ يكون هدرًا؛ لأنه ظالمٌ، والظالم لا يستحق أن يُعوَّض عما جرى بسبب ظلمه، فإذا عَضَّ يده، وانتزعها منه، وسقطتْ بعض أسنانه، فإنها تكون هدرًا، كما قال النبي ﷺ: يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يَعَضُّ الفحل يعني: الجمل، اذهب، فلا دية لك، هذه عقوبةٌ له على عدوانه وظلمه.
وهكذا لو أمسكه ظلمًا وعدوانًا، فدفعه حتى سقط، فمات بسبب ذلك، لا شيء عليه؛ لأنه هو المتعدي بسبب ظلمه لأخيه وعدوانه عليه.
فالحاصل أنه إذا كانت الجناية بسبب الدفاع عن إنسانٍ، مثل: دفع الصائل الذي أراد أن يقتلك فامتنعت منه حتى قتلته، أو أراد أن يتعدى على أهلك فدفعته بالقتل؛ لأنه لا يندفع إلا بالقتل، ظالمٌ، وهكذا بالكلام والوعيد، ولا يندفع عن أهلك بالعدوان عليهم بالزنى وغيره إلا بالقتل، وهو ظالمٌ، فليس له قصاصٌ؛ لعدوانه وظلمه إذا ثبت ذلك، مثلما أهدر النبي ﷺ سنَّ هذا الذي اعتدى، والمعتدي في حكم الصائل، وإلا بالدفع ..... يندفع إلا بما أُذِن فيه.
وهكذا حديث جندب -يُقال: "جُنْدَب" بفتح الدال، و"جُنْدُب" بضم الدال، لغتان- ذكر النبي ﷺ أنه كان فيمن كان قبلنا رجلٌ جُرِحَ، فلما آلمه جزع، فأخذ سكينًا فقطع يده، فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله : بادرني عبدي بنفسه، فحرمتُ عليه الجنة.
هذا يفيد أن الذي يقتل نفسه مُتوعدٌ بالنار -نعوذ بالله- فإذا كان بسبب جراحٍ أو آلامٍ انتحر يكون مُتوعدًا بالنار، نعوذ بالله من حرمان الجنة.
فلا يجوز للإنسان أن ينتحر، فالله يقول: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]، فإذا كان فيه مرضٌ في بطنه، أو في يده، أو رأسه لا يجوز له أن ينتحر، يُعالج، ويسأل ربه العافية، ويتصبر ويتحمل، أما أنه ينتحر: يطعن نفسه بالسكين، أو يقتل نفسه بمسدسٍ، أو يرمي نفسه في الغرق في البحر، أو في الماء، أو في النار، هذا ما يجوز، هذا يُسمى: انتحارًا، قتل النفس ما يجوز، عليه أن يصبر ويتحمل ويتعاطى العلاج حتى يُفرج الله، حتى يشفيه الله، أو يموت بدون سببٍ منه، أما أنه يتعمد قتله لنفسه بزعمه ..... هذا لا يجوز.
رزق الله الجميع العافية.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
.......... وعدم حَسْمِهم، فَتُرِكوا في الحَرَّة يَسْتَسْقُون فلا يُسْقَون حتى ماتوا؛ لأنهم قتلوا الراعي، وَاسْتَاقُوا الإبل، وسَمَلُوا أعين الراعي أيضًا، يعني: أساؤوا، مَثَّلوا به؛ فلهذا سمَّر أعينهم النبيُّ ﷺ جزاءً وفاقًا، وقطَّع أيديهم وأرجلهم من خِلَافٍ، وتركهم حتى ماتوا؛ عملًا بقوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة:33]، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، وتركهم حتى ماتوا، فصار بذلك قتلهم وحَسْم فتنتهم وشرهم.
فدلَّ ذلك على أن مَن فعل مثل فعلهم يُعامل بمثل هذا العمل؛ لردته وعدوانه وتعديه على الراعي، فهم قتلوا ومثَّلوا واعتدوا على المال –أي: الإبل- فجمعوا بين القتل والعدوان والسرقة –النَّهب- فاستحقوا العقوبة.
والقاعدة: أن ولي الأمر له الخيار في مثل هؤلاء، إن رأى قَتْلَهم قَتَلَهم، وإن رأى تصليبهم صلبهم، وإن رأى قطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ فعل ذلك، وإن رأى نَفْيَهم نفاهم، على حسب اختلاف جرائمهم.
وقال بعض أهل العلم: إن قَتَلوا قُتِلوا، وإن أخذوا المال مع القتل قُتِلوا وصُلِبُوا، وإن أخذوا المال ولم يَقْتُلوا قُطِّعَتْ أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، وإن لم يَقْتُلوا ولم يأخذوا مالًا نُفُوا بأن يُشَرَّدوا، ولا يُتركون يأوون إلى بلدٍ.
وقال آخرون: معنى يُنْفَوْا يُحْبَسُون حتى يزولوا من الأرض، فنفيهم: حبسهم، كما قاله جماعةٌ من أهل العلم أيضًا.
والصواب في هذا: أن أَوْ للتَّخيير، وأن ولي الأمر ينظر للأصلح والأردع فيفعله، لا بالهوى، ولكن ينظر الأصلح، فإذا رأى القتل وحده قَتَلَ، وإن رأى القتل مع التَّقطيع -كما فعل النبيُّ ﷺ مع هؤلاء- قطَّعهم وتركهم يموتون، وإن رأى صَلْبَهم صَلَبَهم مع القتل؛ حتى يشتهر أمرهم، نسأل الله السلامة والعافية.
والحديث الثاني في قصة الأعرابي الذي اشتكى عند النبي ﷺ وقال: إن ابنه كان عَسِيفًا، يعني: أجيرًا عند بعض الناس، فزنى الولد بامرأة المُستأجر، فقيل: إنَّ عليك مئة شاةٍ ووليدة، بدلًا من عمل ولدك تُعطي زوج المرأة وتدفع إليه مئة شاةٍ ووليدة بدل زنى ولدك بامرأته.
ثم سأل أهل العلم، فقالوا: لا، هذا فيه جلد مئةٍ وتغريب عامٍ، وعلى المرأة الرجم؛ لأنها مُحْصَنَةٌ.
فطلب من النبي ﷺ أن يقضي بينه وبين خصمه في ذلك بحكم الله، فقال الخصم: نعم يا رسول الله، احكم بيننا بكتاب الله، وَأْذَنْ لي. فأذن له النبي ﷺ فأخبره بالقصة، فقال: على ابنك جلد مئةٍ وتغريب عامٍ، والوليدة والغنم ردٌّ عليك، وعلى زوجة هذا الرجم إذا اعترفتْ، وبعث إليها أُنيسًا من بني أسلم، فاعترفتْ؛ فرجمها، فدلَّ ذلك على أن هذا هو الحكم الشرعي.
الحكم الشرعي: إذا زنى بكرٌ بِمُحْصَنَةٍ، فإن البكر الذي لم يتزوج يُجْلَد مئةً ويُغَرَّب سنةً كاملةً؛ للحديث، وكما في الحديث الآخر -حديث عبادة-: البكر بالبكر جلد مئةٍ وتغريب عامٍ.
وأما المُحْصَن من الرجال والنساء فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، إذا ثبت الزنى بالبينة، أو مع الشهود العدول، أو بإقرار الزاني أنه زنى، وهو مُحْصَنٌ -تزوج ودخل بالزوجة- وهي كذلك قد أَحْصَنَتْ -يعني: قد تزوجتْ ودُخِلَ بها- كامرأة هذا الرجل.
والصواب أنها تُرجم بدون جلدٍ، وهكذا الرجل يُرجم بدون جلدٍ.
كان أولًا يُرجم ويُجلد جميعًا، ثم النبي ﷺ رجم بدون جلدٍ، فالرجم فيه الكفاية، وهو قتلٌ بِشَرِّ قتلةٍ، بِشَرِّ حالٍ؛ جزاءً له على ما فعل من قضاء وَطَرِه بالحرام، وهو قد أُحْصِنَ، تزوج، أو تزوجتْ هي كذلك.
وهكذا فعل النبي ﷺ بماعز -رجل من أسلم- زنى واعترف؛ فأمر برجمه.
وهكذا امرأةٌ من غامدٍ زَنَتْ وهي مُحْصَنَةٌ، فاعترفتْ؛ فأمر برجمها.
وهكذا يهوديان تحاكما إلى النبي ﷺ، واعترفا بالزنى، وهما مُحْصَنَان؛ فرجمهما عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الحكم الشرعي في ذلك.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الحدود":
الشيخ: .......
القارئ: قال: وعنه ..... وقبل هذا .....
الشيخ: .......
القارئ: وقبله عن .....
الشيخ: نعم؟
القارئ: عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود.
الشيخ: عن؟
القارئ: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني .....
الشيخ: عن عبيدالله؟
القارئ: عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد.
الشيخ: والذي بعده؟ الثالث الذي بدأتَ به هذا.
القارئ: وعنه قال: سُئل النبي ﷺ.
الشيخ: ..... تقرأ على الأصل .....
القارئ: طيب.
الشيخ: .......
القارئ: إن شاء الله.
355– وعنه قال: سُئل النبي ﷺ عن الأَمَةِ إذا زَنَتْ ولم تُحْصَن، قال: إنْ زَنَتْ فاجلدوها، ثم إنْ زَنَتْ فاجلدوها، ثم إنْ زَنَتْ فاجلدوها، ثم بِيعُوها ولو بِضَفِيرٍ.
قال ابن شهابٍ: ولا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة؟
356- وعن أبي هريرة أنه قال: أتى رجلٌ من المسلمين رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد فَنَادَاه فقال: يا رسول الله، إنِّي زَنَيْتُ. فَأَعْرَض عنه، فَتَنَحَّى تلقاء وجهه فقال: يا رسول الله، إنِّي زَنَيْتُ. فَأَعْرَض عنه، ثم ثَنَّى ذلك عليه أربع مرَّاتٍ، فلمَّا شهد على نفسه أربع شهاداتٍ دعاه رسولُ الله فقال: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قال: لا. قال: فهل أُحْصِنْتَ؟ قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ: اذهبوا به فَارْجُمُوه.
قال ابن شهابٍ: فأخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن: أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: كنتُ فيمَن رَجَمَه، فَرَجَمْنَاه بالمُصَلَّى، فلمَّا أَذْلَقَتْه الحجارةُ هرب، فَأَدْرَكْنَاه بالحَرَّة فَرَجَمْنَاه.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.
..... عن رسول الله ﷺ فيما يتعلق بحدِّ الزنى من الأَمَة والعبد، ومن الحُرِّ.
الحديث الأول: في زنى الأمة، ومثلها العبد المملوك، قال النبي ﷺ: إذا زَنَتْ أَمَة أحدكم فاجلدوها، ثم إذا زَنَتْ فاجلدوها، ثم إذا زَنَتْ فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بحبلٍ من شعرٍ.
والعبد مثل ذلك في الحكم، ليس فيه رجمٌ، إنما هو حدٌّ: نصف ما على المحصنات من النساء، والمحصنين من الرجال، من باب قوله تعالى: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25] يعني: الجلد.
فالجلد مئةٌ في حقِّ الحُرِّ، وفي حقِّ الأَمَة والعبد النصف، وهو خمسون جلدةً، ثم يُباع ولو بحبلٍ من شعرٍ بعد الثالثة أو الرابعة؛ لأنه اتَّضح من التكرار أن الزنى خُلُقٌ له، وطريقةٌ له، وسجيةٌ له، فصار بقاؤه غير مُناسبٍ، بل ينبغي إبعاده، ولعله حين انتقاله إلى سيدٍ آخر تتغير حاله، ولعله يتوب فيتوب الله عليه.
والخلاصة: أن المملوك لا يُرجم ولو كان ثَيِّبًا، وإنما يُجلد، سواء كان بكرًا أو ثَيِّبًا يجلد نصف حدِّ الحر: خمسين جلدة، سواء كان ذكرًا أو أنثى، ثَيِّبًا أو بكرًا، وبعد الثالثة يبيعه سيده، أو يبيعها سيدها، أو بعد الرابعة، شكَّ الراوي، والاحتياط أن تكون في الرابعة؛ لأنه لم توجد روايةٌ تُعيِّن الثالثة دون شكٍّ.
يُباع ولو بضفيرٍ، والضَّفير هو الحبل، يعني: يُباع ولو بالشيء القليل، ولو بالثمن القليل.
وهذا يُبيِّن أنه لا بد أن يُبين البائع: أنني بِعْتُه من أجل أنه يزني. لا يغشّ، يُبيِّن للمُشتري: أني بِعْتُه من أجل كذا وكذا؛ لأنه إذا ما بيَّن سوف يُشترى بثمنٍ جيدٍ، بثمن أمثاله، لكن إذا بُيِّن سوف تكون قيمته رخيصةً ......
فالحاصل: أنه يُباع، لكن مع البيان؛ حتى لا يغشّ به أحدًا، ولو كان الثمن قليلًا.
وفي هذا من الفوائد: أنه لا يرفعه لولي الأمر، يكفي أن يجلده سيده، ولا حاجة إلى المحكمة، ولا حاجة إلى الأمير، متى علم سيده منه الزنى جلده بنفسه، أو بخادمه، أو بولده يجلدونه الحدَّ ويكفي، من غير حاجةٍ إلى الرفع إلى ولاة الأمور؛ ولهذا قال: فاجلدوها، وفي اللفظ الآخر: فليجلدها الحدّ، ولم يقل: فارفعوها للسلطان.
والحديث الرابع: حديث أبي هريرة في قصة ماعز.
حديث ماعز جاء من طرقٍ كثيرةٍ: من حديث أبي هريرة، وحديث جابر، وحديث ابن عباس، أحاديث كثيرةٌ.
ماعز رجلٌ أَسْلَمِي زنى، فأتى النبيَّ ﷺ واعترف أربع مراتٍ، فأمر النبي ﷺ برجمه، وكان جاء تائبًا، نادمًا، مُقْلِعًا، أراد من النبي ﷺ أن يُطَهِّره، فأعرض عنه النبي ﷺ لعله يتوب فيتوب الله عليه؛ لأن التائب إذا تاب بينه وبين الله ولم يتقدم للسلطان فلا حرج عليه أن يستتر بستر الله، ويتوب بينه وبين الله، ولا حاجة إلى أن يتقدم للسلطان، والتوبة تَجُبُّ ما قبلها، لكنَّ ماعزًا من شدة ما أصابه من الخوف تقدم للنبي ﷺ ليُطَهِّره ويُقيم عليه الحدّ، فأعرض عنه النبي ﷺ لعله يرجع فيتوب؛ فيتوب الله عليه، فلما كرر ذلك أمر برجمه.
أَبِكَ جنونٌ؟ لأنه استنكر كونه يُلِحُّ بهذا الإلحاح، وهو سليم العقل.
قال: لا. قال: فهل أُحْصِنْتَ؟ يعني: تزوجتَ. قال: نعم. فأمر به النبيُّ ﷺ فَرُجِمَ حتى مات رضي الله عنه ورحمه، وصُلي عليه.
فدلَّ ذلك على أن التائب إذا أقرَّ عند السلطان يُرجم إن كان مُحْصَنًا، وإن كان بكرًا يُجلد مئة جلدة ويُغرب عامًا كما تقدم في قصة العَسِيف، فالبِكْر يُجلد مئةً ويُغرب عامًا، والمرأة كذلك، والثَّيب من الرجال والنساء الأحرار يُرجم حتى يموت.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الحدود":
357- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن امرأةً منهم ورجلًا زَنَيَا، فقال لهم رسول الله ﷺ: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويُجْلَدون. قال عبدالله بن سَلَامٍ: كذبتم، إن فيها الرَّجْم. فَأَتَوا بالتوراة فَنَشَرُوها، فوضع أحدُهم يدَه على آية الرَّجْم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبدالله بن سَلَامٍ: ارْفَعْ يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقال: صَدَقَ يا محمد. فأمر بهما النبيُّ ﷺ فَرُجِمَا، قال: فرأيتُ الرجل يَجْنَأُ على المرأة يَقِيَها الحجارة.
358- وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: لو أن رجلًا -أو قال: امرأً- اطَّلَعَ عليك بغير إذنك، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عينه، ما كان عليك جناحٌ.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فقد سبق في الأحاديث السابقة: أن الله جلَّ وعلا أوجب في حدِّ الزنى حدَّين:
أحدهما: جلد مئةٍ وتغريب عامٍ في حقِّ البِكْر إذا زنى وقامت عليه البينة: أربعة شهودٍ عدولٍ أنهم رأوه فعل الفاحشة، أو اعترف بذلك، يُجْلَد مئة جلدة، ويُغرَّب عامًا عن وطنه، سواء كان رجلًا أو امرأةً.
أما إذا كان ثَيِّبًا -قد تزوج ودخل بالمرأة- أو كانت المرأة ثَيِّبَةً -قد تزوجتْ ودخل بها الزوج يعني: وطأها- فإن كُلًّا منهما يُرجم بالحجارة حتى يموت.
وكان في أول الأمر يُرجم ويُجلد، يُجلد مئةً، ويُرجم بالحجارة بعد ذلك، ثم إن الله عفا عن الجَلْد، وصار الرجم كافيًا.
وسبق أن الرسول عليه الصلاة والسلام رجم زوجة صاحب العَسِيف لما اعترفتْ، ولم يجلدها، ورجم ماعزًا ولم يجلده، ورجم الغامدية ولم يجلدها.
وهكذا في هذا الحديث جِيء إليه بيهوديين قد زنيا، وشُهِدَ عليهما بذلك، واعترفا بذلك، فرجمهما حتى ماتا بحكم القرآن الكريم.
وبيَّن الحديث أن التوراة قد اشتملتْ على ذلك، وأن حكم القرآن صار مُطابقًا لحكم التوراة في أن مَن زنى وهو مُحْصَنٌ يُرجم، وهي عقوبةٌ عظيمةٌ، شديدةٌ، وهي أشنع قِتْلَة، أشنع قِتْلَة: الرجم؛ لكونه أتى ما حرَّم الله عليه بعدما مَنَّ الله عليه بالزواج، وهو يُرجم وإن كان قد طلَّقها، وإن كانت قد ماتت الزوجة، ما دام قد تزوج ودخل بالمرأة فإنه يُرجم بالحجارة ولو كانت زوجته قد ماتت أو طُلِّقَتْ؛ لأنه يُسمى: ثَيِّبًا، وإن كان قد طلَّقها أو ماتت عنه.
وفيه من الفوائد: كذب اليهود وبُهْتهم، وأنهم حرَّفوا التوراة، وكذبوا على الله، ومن ذلك: أنهم أنكروا أن يكون الرجم في التوراة، وصاروا يَخُصُّون مَن زنى منهم وهو مُحْصَنٌ بأنهم يفضحونه ويجلدونه، ولا يرجمونه، فلما أتوا بالتوراة اتَّضح أن فيها الرجم، وأنهم قد كتموه عن عامتهم؛ مُداهنةً وبيعًا للآخرة بالدنيا، نسأل الله العافية.
وفي الحديث الأخير يقول ﷺ: لو أنَّ امرأً اطَّلع عليك بغير إذنك فَخَذَفْتَه بحصاةٍ فَفَقَأْتَ عينه ما كان عليك جناحٌ.
المشهور رواية: خَذَفْتَه، ويُروى: حَذَفْتَه بالحاء، والمشهور في الرواية: خَذَفْتَه بحصاةٍ بالخاء.
هذا يُفيد تحريم النظر إلى بيوت الناس، وأنه لا يجوز النظر إلى عورات الناس، لا من .....، ولا من خلال الباب، ولا من الطاقات التي تكون على البيوت، ولا من المنور، ولا من أي ناحيةٍ، لا يجوز للناس أن ينظروا إلى عورات الناس في بيوتهم، وأن مَن تعمد ذلك ونظر من خلال الباب أو الخرم أو غير ذلك إلى عورات الناس فلهم أن يَخْذِفُوه، وإن أصابوا عينه فهي هَدْرٌ؛ لظلمه وعدوانه على الناس.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب حَدِّ السَّرقة
359- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم. وفي لفظٍ: ثمنه.
360- وعن عائشة رضي الله عنها: أنها سمعتْ رسول الله ﷺ يقول: تُقْطَع اليدُ في رُبْع دينارٍ فصاعدًا.
361– وعنها: أن قريشًا أَهَمَّهُم شأنُ المخزوميَّة التي سَرَقَتْ، فقالوا: مَن يُكَلِّم فيها رسولَ الله ﷺ؟ فقالوا: ومَن يَجْتَرِئ عليه إلا أسامة بن زيدٍ، حِبُّ رسول الله ﷺ؟ فَكَلَّمَه أسامة، فقال: أَتَشْفَعُ في حَدٍّ من حدود الله؟! ثم قام فَاخْتَطَبَ فقال: إنما أَهْلَكَ الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريفُ تَرَكُوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحَدَّ، وَايْمُ الله، لو أنَّ فاطمة بنت محمدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يدها.
وفي لفظٍ: كانت امرأةٌ تَسْتَعِير المتاعَ وتَجْحَدُه، فأمر النبيُّ ﷺ بقطع يدها.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تدل على بعض أحكام السرقة.
والسرقة مُحرَّمةٌ وظلمٌ وعدوانٌ، وهي أخذ المال من الغير على طريق الخفاء، يُقال لها: سرقة.
المال الذي يأخذه الإنسان على طريق الخفية، لا على طريق المجاهرة ....... بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن.
فالعقوبات روادع وزواجر في الدنيا قبل الآخرة، وجعل لذلك حَدًّا: رُبْع دينارٍ.
قالت عائشة رضي الله عنها: عن النبي ﷺ أنه قال: تُقْطَع اليد في رُبْع دينارٍ، وفي اللفظ الآخر: لا تُقْطَع اليد إلا في رُبْع دينارٍ، وفي اللفظ الآخر: اقطعوا في رُبْع دينارٍ، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك.
والدِّينار مثقالٌ من الذهب، معناه: رُبْع مثقالٍ من الذهب.
وكان الدينار في عهد النبي ﷺ سعره اثنا عشر درهمًا، ورُبْعه ثلاثة دراهم؛ ولهذا في حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قطع في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم، يعني: رُبْع دينارٍ.
والمِجَنُّ: التُّرْس الذي يُتَّقى به السلاح، وهي الدَّرَقَة، يُقال لها: مِجَنّ؛ لأنها تَجُنُّ الناسَ: تسترهم، فسرقه إنسانٌ فَقُطِعَ؛ لأن قيمته صارت ثلاثة دراهم، رُبْع دينارٍ.
فالنِّصاب الذي بيَّنه الرسول ﷺ -وهو مُنْضَبِطٌ- رُبْع دينارٍ، وكل ما بلغ رُبْع دينارٍ تُقْطَع فيه اليد، وإن كان متاعًا مما يُلْبَس، أو مما يُؤْكَل، أو غير ذلك إذا كان من حِرْزٍ، أما إذا كان من غير حِرْزٍ: كالبساتين المفتوحة للناس يأكلون منها ويأخذون ما شاؤوا من الرطب، وكالغنم المهملة؛ هذا لا يُقْطَع فيه، يُعَزَّر ويُؤَدَّب.
لا بد أن تكون من حِرْزٍ: كالبيت المُغلق، أو الصندوق المغلق، أو الحوش المغلق في المَرَاح المعتاد، وما أشبه ذلك.
وفي حديث المخزومية الدلالة على أنَّ الشفاعة لا تُقْبَل في الحدود، فلا يجوز أن يشفع الإنسان في الحدود؛ ولهذا لما سَرَقَت امرأةٌ من بني مخزوم في مكة، ورُفِعَ أمرها إلى النبي ﷺ في مكة عام الفتح أمر أن تُقْطَع، فَشَقَّ أمرها على قريشٍ، وطلبوا مَن يَشْفَع فيها، فطلبوا من أسامة بن زيد بن حارثة -حِبّ رسول الله ﷺ- أن يشفع؛ لأن الرسول ﷺ كان يُقَدِّره ويُقَدِّر أباه، فشفع فيها أسامة بألَّا تُقْطَع، فغضب النبي ﷺ وقال: أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! ثم خطب الناس عليه الصلاة والسلام وقال: إنَّما أَهْلَكَ مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، وَايْمُ الله، لو أنَّ فاطمة بنت محمدٍ سرقتْ لقطعتُ يدها عليه الصلاة والسلام.
هذا يدل على أنه يجب أن تُقام الحدود على الأغنياء والفقراء والأشراف وغير المعروفين، يجب أن تُقام الحدود على الجميع.
ودلَّ الحديث على أنَّ المداهنة من أسباب عذاب الله، ومن أسباب الهلاك، فلا تجوز المداهنة في ذلك: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9]، فلا يجوز أن يُعامل في الحدود الضعفاء دون الأغنياء ودون الأشراف، بل يجب أن تُطبق على الجميع في السرقة، وفي الزنى، وفي الخمر، وفي غير ذلك.
وفي لفظٍ: "كانت امرأةٌ تَسْتَعِير المتاعَ وتَجْحَدُه"، فأمر النبيُّ ﷺ بقطع يدها.
يُفيد أن التي تَسْتَعِير المتاع وتجحده حكمها حكم السارقة.
الذي يستعير أموال الناس ثم يجحد: ما استعرتُ. إذا ثبت عليه الأمر وصار نِصَابًا تُقْطَع يده في أصح قولي العلماء؛ لأنه في حكم السرقة؛ ولأن التَّحرز من هذا مُتعبٌ، ما الكل يستطيع التَّحرز من هذا العمل السيئ.
وفيه إنكار المنكر على مَن فعله، والدلالة على أنه لا تجوز الشفاعة في الحدود.
وفي الحديث الآخر قال: مَن حالتْ شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد ضَادَّ الله في أمره، وفي الحديث الآخر: إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشَّافع والمُشَفِّع، فإذا رُفعت الحدود إلى ولي الأمر -الأمير، الملك، المحكمة- لا تجوز الشفاعة، بل يجب أن يُقام الحدّ.
أما إذا ..... بينهم فلم يرفعوها، كأن سرق من إنسانٍ، وعلم صاحبه واستسمحه وأعطاه السرقة، ولم يرفع أمره؛ فلا حدَّ عليه، إذا لم يُرفع للسلطان، إذا سامحه صاحب الحقِّ وعفا عنه فإنه يسقط الحدُّ؛ لأنها ما رُفعت للسلطان.
ولما سُرِقَ من صفوان بن أُمية رداؤه، وأتى به النبي ﷺ وأمر بقطعه، قال صفوان: قد عفوتُ. فقال له النبي ﷺ: هل كان ذلك قبل أن تأتيني به؟ إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمُشَفِّع.
العفو يكون قبل المجيء، فإذا سُرِقَتْ من إنسانٍ دراهم أو غيرها مما يُوجِب القطع، وعفا عنه صاحبها؛ سقط الحدُّ قبل أن يُرفع، أما إذا رُفِعَ للسلطان وجب أن يُقام الحدّ؛ ردعًا للناس عن الفساد، وحمايةً لأموال المسلمين من المجرمين الذين يتعدون عليها بالسرقة.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب حَدِّ الخمر
362- عن أنس بن مالكٍ : أن النبي ﷺ أُتِيَ برجلٍ قد شرب الخمر فَجَلَدَهُ بجريدةٍ نحو أربعين.
قال: وفَعَلَهُ أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمر استشار الناسَ، فقال عبدالرحمن بن عوف: أَخَفُّ الحدود ثمانون. فَأَمَرَ به عمرُ .
363- وعن أبي بُرْدَةَ هانئ بن نِيَارٍ البَلَوِيِّ : أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يُجْلَد فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذان الحديثان فيما يتعلق بحدِّ الخمر وعدم الزيادة في الجلد على عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله.
الخمر يُطلق على كل ما يُخَامِر العقل ويُغيِّره من أي جنسٍ كان: من عنبٍ، أو من تمرٍ، أو من غير ذلك، فكل ما اشتدَّ وغيَّر العقل يُسمى: خمرًا، كما في الحديث الصحيح: كُلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ، وكل مُسْكِرٍ حرامٌ.
قال عمر : "الخمر ما خامر العقل"، يعني: ما خالطه وغيَّره من أي جنسٍ.
والله جلَّ وعلا حرَّم الخمر وحذَّر منها؛ لما فيها من امتهان العقول والفساد الكثير، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90- 91]، والميسر هو القِمَار، وهو المُغالبة بالمال والمخاطرة بالمال.
وقد لعن الرسول ﷺ الخمرَ، وشاربها، وساقيها، وعاصرها، ومُعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومُشتريها، وآكل ثمنها، فهي من الكبائر.
وقال عليه الصلاة والسلام: إن على الله عهدًا لمن مات وهو يشرب الخمر أن يسقيه من طينة الخَبَال، قيل: يا رسول الله، وما طينة الخَبَال؟ قال: عصارة أهل النار، أو قال: عَرَق أهل النار، نسأل الله العافية.
وكان النبي ﷺ يُعاقب فيه بالجلد بالجريد والنِّعال والثياب، ثم استقرَّ حدُّه بأربعين جلدة، فعله النبيُّ ﷺ، وفعل ذلك أبو بكرٍ أيضًا -كما في حديث أنسٍ هذا- فلما كان في عهد عمر توسع الناس في شرب الخمر، فجمع الصحابة واستشارهم في أن يُزاد، فأشار عبدالرحمن بن عوف بأن يُجْعَل ثمانين، فيكون حدُّ الخمر ثمانين جلدة كالقذف، ووافقوا على ذلك؛ لأن هذا أَنْكَى وأشدّ في الزجر؛ ولأن الرسول ﷺ لم يحدّ فيه حدًّا لا يُزاد، فجلد فيه بالجريد والنِّعال ..... أنه لم يحدّ فيه حدًّا، فصار أشبه بالتَّعزير؛ ولهذا رأى عمر ومَن معه الزيادة للردع.
وزاد عمر فيه أيضًا: النفي إذا رأى المصلحة في ذلك.
فالواجب على ولي الأمر أن يُعاقب شارب الخمر بما يردعه، ومن ذلك: جلده ثمانين جلدةً، وإذا رأى مع ذلك أن يُسْجَن أو أن يُنْفَى من بلده إلى بلدٍ أخرى فلا بأس بذلك إذا لم يَنْزَجر بهذا الحدِّ؛ لأن التَّساهل في ذلك يُفْضِي إلى فسادٍ كبيرٍ في الأُمة، فشارب الخمر لا يتورع عن شيءٍ؛ لذهاب عقله، فقد يقتل، وقد يزني، وقد يتعدَّى على حُرماتٍ أخرى، فهي أم الخبائث، وشرها عظيمٌ؛ فلذلك وجب على ولاة الأمور العناية بما يحسم شرَّها، ويقطع دابرها، ويمنع من الإقدام عليها.
وفي حديث أبي بُردة بن نِيَارٍ البَلَوِي الدلالة على أنه لا يُجْلَد فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله.
وأحسن ما قيل في ذلك: أنَّ المراد بالحدِّ هنا: المعصية، كما قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [البقرة:187]، وهي المعاصي، يعني: أن تأديب الإنسان زوجته أو ولده أو خادمه يكون عشرةً فأقلّ؛ لأنه حقُّ آدميٍّ، فلا يُزاد على العشرة في ذلك، ولكن في ..... في المعاصي لا بأس أن يُزاد للردع.
أما في حدود المخلوقين، فيما بين المخلوق والمخلوق، كما بين الرجل وأبيه أو زوجته أو خادمه أو نحو ذلك فيكون الجلد عشرةً فأقلّ؛ ولهذا قال: إلا في حدٍّ من حدود الله يعني: إلا في معصيةٍ من معاصي الله.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
كتاب الأَيْمَان والنُّذُور
364- عن عبدالرحمن بن سَمُرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ: يا عبدالرحمن بن سَمُرَةَ، لا تسأل الإمارة؛ فإنَّك إنْ أُعْطِيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإنْ أُعْطِيتَها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإذا حلفتَ على يمينٍ، فرأيتَ غيرها خيرًا منها؛ فَكَفِّرْ عن يمينك، وَائْتِ الذي هو خيرٌ.
365- وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: إنِّي والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمينٍ، فَأَرَى غيرها خيرًا منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ منها وتَحَلَّلتُها.
366- وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم.
ولمسلمٍ: فمَن كان حالفًا فَلْيَحْلِفْ بالله أو لِيَصْمُتْ.
وفي روايةٍ قال عمر: فوالله ما حلفتُ بها منذ سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عنها ذاكِرًا ولا آثِرًا.
يعني: حاكيًا عن غيري أنَّه حلف بها.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
هذه الأحاديث الثلاثة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيها أحكامٌ تتعلق بالإمارة وبالأيمان.
الحديث الأول: يقول ﷺ لعبدالرحمن بن سَمُرَة: لا تسأل الإمارة يعني: الولاية فإنك إن أُعْطِيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإن أُعْطِيتَها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، هذا يدل على أنه ما يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة، يعني: يكون أميرًا على كذا، أو على كذا، ومثلها القضاء، وما أشبه ذلك من الولايات التي يُخْشَى منها الخطر، ولكن متى عُيِّنَ بها وكُلِّف بها فيستعين بالله إذا كان يرى نفسه أهلًا لذلك.
وإن كان يرى نفسه ليس أهلًا لذلك فليعتذر، ولا يُوافق على التَّكليف؛ لأنه يضره ذلك إذا كان يعلم من نفسه أنه ليس أهلًا لذلك.
لكن يُستثنى من ذلك: إذا كان السائل أهلًا لذلك، ويرى أن في السؤال مصلحةً للمسلمين ورفعًا للظلم عنهم، كما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام، حيث قال لملك مصر: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، فأراد أن يرفع الظلم عن الناس، وأن يحكم فيهم بالعدل، فمدحه الله بهذا.
وهكذا عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائي لما أسلم قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. قال: أنت إمامهم، وَاقْتَدِ بأضعفهم، واتَّخِذْ مُؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا، فوافقه على طلبه، ولم يُنْكِر عليه؛ لأنه أراد المصلحة لأهل البلد ولجماعته، وليحكم فيهم بالعدل.
فإذا رأى الإنسان في عشيرته أو في بلده ضياعًا وفسادًا، وأن تركهم هكذا يضرهم، ورأى من نفسه قوةً على تنفيذ أمر الله وإصلاح أحوال المجتمع، ولم يقصد بذلك رياءً ولا مالًا، وإنما قصد وجه الله في ذلك؛ فلا بأس عليه، فهذا مُستثنًى، وهو حريٌّ بالتوفيق والإعانة إذا صلحتْ نيته، ولم يقصد من وراء ذلك حظًّا عاجلًا.
أما ما يتعلق بالأيمان مثلما قال النبي ﷺ: إذا حلفتَ على يمينٍ، فرأيتَ غيرها خيرًا منها؛ فَكَفِّرْ عن يمينك، وَائْتِ الذي هو خيرٌ.
وقال في حديث أبي موسى: إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمينٍ، فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتَحَلَّلْتُها، وفي لفظٍ: إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ، وكفَّرتُ عن يميني.
هذا يدل على أنه إذا حلف أنه لا يفعل هذا الشيء، أو أنه يفعل هذا الشيء، ثم بان بالتَّأمل أن اليمين ليست في محلها، وأن الأَوْلَى أن يفعل هذا الشيء، أو لا يفعل هذا الشيء، فإنه يُكفِّر عن يمينه ويفعل الأصلح، ولا يَلَجَّ في يمينه، لا يَلَجَّ.
حلف بالله أنه ما يزور فلانًا، أو ما يُسافر إلى بلد كذا، أو ما يُجيب دعوة فلانٍ، ثم تبيَّن له أنه غلطان، وأن كونه يزوره أو يُجيب دعوته أو يُسافر أصلح، فإنه يُكفِّر عن يمينه بالكفارة المعروفة: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبةٍ، كما نصَّ الله على هذا الشأن في المائدة، فإن عجز صام ثلاثة أيامٍ.
ولا يقل: حلفتُ (بس)، لا، إذا رأى المصلحة فَلْيُكَفِّر وليعمل المصلحة.
ومن ذلك: أنه ﷺ جاءه قومٌ يطلبون الحُمْلَان -ما عندهم مركوبٌ- في بعض الغزوات أو السرايا، فقال: والله ما أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه، ثم جاءته إبلٌ، فدعاهم وحملهم، فقالوا: إنك حلفتَ ألَّا تحملنا. قال: ما أنا حملتُكم، ولكن الله حملكم يعني: يَسَّرَ الأمر وإني –والله- لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفَّرتُ عن يميني، وأتيتُ الذي هو خيرٌ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام؛ فلهذا حملهم وكفَّر عن يمينه عليه الصلاة والسلام.
وفي الحديث الثالث الدلالة على أنه لا يجوز الحلف بغير الله، يقول ﷺ: إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم.
كانت الجاهلية تحلف بآبائها، يقول أحدهم: بأبي ما أفعل كذا، بأبي ما فعلتُ كذا، بأمي ما فعلتُ كذا.
هذا من عمل الجاهلية، وكان الناس يفعلون هذا في أول الإسلام على طريقتهم السابقة، ثم نهاهم النبي ﷺ عن ذلك فقال: لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلَّا وأنتم صادقون، وقال: مَن كان حالفًا فَلْيَحْلِفْ بالله أو لِيَصْمُتْ، وقال: مَن حلف بشيءٍ دون الله فقد أشرك.
وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز الحلف بغير الله، فلا يقل: بأبي، ولا بأمي، ولا باللات والعُزَّى، ولا بالصنم الفلاني، ولا بالرأس الفلاني، ولا شرف فلان، ولا حياة فلان، كل هذا لا يجوز، إما أن يحلف بالله أو يسكت، يقول: والله، أو وربي، أو وعزة الله، أو بعزة الله، أو ما أشبه ذلك من القسم بالله أو بصفاته ، أما بغيره فلا، لا بالأنبياء، ولا بغيرهم، فلا يقل: بالنبي، ولا والنبي، ولا بالأمانة، ولا والأمانة، ولا برأسك، ولا بشرفك، ولا بحياة أبي، ولا غير هذا، كل هذا منكرٌ، ومن أنواع الشرك الأصغر، وقد يكون أكبر إذا عظَّمه كما يُعظِّم الله.
فالواجب الحذر من ذلك، وأن يُعوِّد نفسه ويُمرِّنها على الحلف بالله، إذا كان قد اعتاد الحلف بغير الله، وأن يُجاهد نفسه في ذلك حتى يعتاد الحلف بالله، وحتى يسلم من الحلف بغير الله .
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الأيمان والنُّذور":
367- عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام: لَأَطُوفَنَّ الليلة على تسعين امرأةً، تَلِدُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ غلامًا يُقاتل في سبيل الله. فقيل له: قُلْ: إن شاء الله. فلم يَقُلْ، فطاف بهنَّ، فلم تلد منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ نصف إنسانٍ، قال: فقال رسول الله ﷺ: لو قال: إن شاء الله لم يَحْنَثْ، وكان ذلك دَرَكًا لحاجته.
368- وعن عبدالله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: مَن حلف على يمين صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ، هو فيها فاجرٌ؛ لَقِيَ اللهَ وهو عليه غضبان، ونزلتْ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا .. إلى آخر الآية [آل عمران:77].
369- وعن الأشعث بن قيسٍ قال: كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في بئرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ، قلتُ: إذن يحلف ولا يُبَالي. فقال رسول الله ﷺ: مَن حلف على يمين صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ، هو فيها فاجرٌ؛ لَقِيَ الله وهو عليه غضبان.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
في هذه الأحاديث الدلالة على التحذير من الأيمان الفاجرة، وأنه لا يجوز للمسلم أن يحلف على غير حقٍّ، لا في النفي، ولا في الإثبات، بل يجب أن يتحرَّى الحقَّ ويحلف عليه، أما أن يحلف على الباطل والزور فهذا من أعظم الكبائر، ومن أسباب غضب الله ودخول النار، نسأل الله السلامة.
كما أنه إذا حلف ينبغي له أن يستثني، وهكذا إذا وعد أن يستثني في المستقبل، فإذا قال: لأفعلنَّ كذا، يقول: إن شاء الله، لأزورنَّ فلانًا إن شاء الله، لأفعل كذا إن شاء الله؛ لأنه لا يدري، ليس الأمر بيده، بيد الله، وهو الذي يُقلب القلوب، ويُعينها على ما يشاء، ويُثَبِّطها عما يشاء : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107].
وفي هذا الحديث أنَّ سليمان بن داود -عليه وعلى أبيه الصلاة والسلام، فهما نبيان كريمان، رسولان كريمان: سليمان وداود- قال: لَأَطُوفَنَّ الليلة على تسعين امرأةً، كانت شريعة التوراة فيها التوسعة في النساء، وكان أبوه داود عنده مئة امرأةٍ، كانت شريعة التوراة ليس فيها تشديدٌ بجمع النساء، فيها الإباحة بالعدد الكثير.
أما شريعة محمدٍ ﷺ ففيها الحصر على أربعٍ لغير النبي ﷺ، لا يزيد على أربعٍ.
وفي شريعة التوراة أكثر من ذلك؛ ولهذا قال سليمان: لَأَطُوفَنَّ الليلة على تسعين امرأةً، ومعنى الطواف عليهن يعني: الاتصال بهنَّ وجماعهنَّ، يعني: لأطوفنَّ عليهن وأُجامعهنَّ، هذا هو المقصود.
تَلِدُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ غلامًا يُقاتل في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، كأنه حمله على ذلك ما يعلمه من حُسن ظنِّه بالله، وأنه سوف يُعينه على هذا الشيء، وسوف يُسهِّل له ما طلب، فترك المشيئة.
فلم تلد منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ نصف إنسانٍ شِقَّ إنسانٍ، أراه الله العِبرَ، وأنه ينبغي للمؤمن أن يستثني، ليس الأمر بيده ولو كان عزيزًا على الله، ولو كان كريمًا على الله، فربنا يُعلِّم العباد من طريق الرسل بالفعل والقول.