الدرس الثامن عشر

.........

ولم يكن عنده علمٌ بأنه ينبغي في هذا ذِكْرُ المشيئة، وقد نزل في القرآن الكريم: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ۝ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23- 24].

فالإنسان إذا أراد أن يفعل شيئًا يقول: إن شاء الله، والله لأزورنَّ فلانًا إن شاء الله، والله لأُجاهدنَّ في سبيل الله إن شاء الله، لأُساعدنَّ فلانًا إن شاء الله؛ لأنه لا يدري في المستقبل هل يتيسر له ذلك أم لا؟ فيستثني يقول: إن شاء الله.

وقال النبي ﷺ: أَمَا إنه لو قال: إن شاء الله لكان دَرَكًا لحاجته، ولولدتْ كل واحدةٍ منهن غلامًا يُقاتل في سبيل الله، لكنه لم يقل لحكمةٍ بالغةٍ، قد مضى في علم الله أنه لا يقع إلا هذا؛ فلهذا لم يُقدَّر له أن يقول: إن شاء الله، ولو قالها لم يَحْنَثْ، يعني: لَوَلَدَتْ كل امرأةٍ غلامًا يُقاتل في سبيل الله، ولكنه لم يُقدَّر له ذلك؛ لما سبق في علم الله أن هذا الجنين لا يتحقق، ولو كان من رسولٍ كريمٍ على الله .

وفي حديثي ابن مسعودٍ والأشعث بن قيس الدلالة على أنَّ اليمين الفاجرة من أسباب غضب الله، يقول ﷺ: مَن حلف على يمين صَبْرٍ يعني: يحبس نفسه عليها يقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍّ -وفي لفظٍ: هو فيها فاجرٌ- لَقِيَ الله وهو عليه غضبان يعني: مَن حلف على يمينٍ كاذبًا فيها يقتطع بها مال أخيه بغير حقٍّ يكون قد ظلم وتعدَّى؛ فيستحقّ بهذا غضب الله .

وفي حديث أبي أُمامة الحارثي: يقول ﷺ: مَن اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب اللهُ له النارَ، وحرَّم عليه الجنة، قيل: يا رسول الله، وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: وإن قَضِيبًا من أَرَاكٍ .....

فالمقصود من هذا: التَّحذير من الظلم والأيمان الفاجرة، وأن عاقبتها وخيمةٌ، وأنها من أسباب غضب الله ودخول النار.

ولهذا لما ادَّعى الأشعثُ على إنسانٍ في بئرٍ، ادَّعى الأشعث أن البئر بئره، وصاحب البئر أنكر ذلك، قال: بئري، ليست بئرك. حَكَمَ بها النبي ﷺ لصاحبها، لمن هي تحت يده، وقال الرسول ﷺ للأشعث: شاهداك أو يمينه يعني: حَضِّرْ بينةً أنها لك بِإِرْثٍ، أو بيعٍ، أو غير ذلك، أو يمينه أنها لا حقَّ لك فيها. فقال الأشعث: إذن يحلف ولا يُبَالي. فقال عليه الصلاة والسلام: مَن اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه، وهو فيها فاجرٌ؛ لَقِيَ الله وهو عليه غضبان، فلا يجوز للمؤمن أن يتساهل في الأيمان الفاجرة؛ لأن خطرها عظيمٌ.

وفي هذا الحديث الدلالة على أن الإنسان إذا كان بيده الشيء فهو أولى به وأحقُّ به: أرض، أو بيت، أو سيارة، أو دار، أو مزرعة، فإذا جاء واحدٌ يُنازعه فيها وهي تحت يده يتصرف فيها يُقال للمُدعي: شاهداك ..... كما في حديث ابن عباسٍ: البيِّنة على المدَّعي، واليمين على مَن أنكر.

شاهداك أو يمينه أي: أَحْضِر شاهدين على أن الأرضَ أرضُك، وأن السيارة سيارتك، وأن المزرعة مزرعتك، وأن البئر بئرك.

شاهداك يعني: عدلان، أو يمينه يعني: ليس لك إلَّا هذا، إما أن تُحْضِر شاهدين عدلين بما ادَّعَيْتَ، أو لك يمينه أن دعواك لا أساس لها، هذا هو الحكم الشرعي في ..... الدعاوى.

ومعنى هذا: لو أن المُدَّعَى عليه كافرٌ، ولو أنه كاذبٌ، ما لك إلا يمينه، ولو أن المُدَّعِي مسلمٌ، والمُدَّعَى عليه كافرٌ؛ لا يُنزع ماله إلا بحقٍّ.

وفي بعض الروايات: إنه رجلٌ فاجرٌ لا يُبالي بما حلف عليه. قال: ليس لك إلا ذلك.

فالمُدَّعى عليه ليس عليه إلا اليمين، سواء كان عدلًا، أو فاجرًا، أو كافرًا، ليس للمُدَّعَى عليه إلا اليمين، والمُدَّعِي هو الذي يُحْضِر البينة.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الأيمان والنذور":

366- وعن ثابت بن الضَّحَّاك الأنصاري : أنَّه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأنَّ رسول الله ﷺ قال: مَن حلف على يمينٍ بِمِلَّةٍ غير الإسلام كاذبًا مُتَعَمِّدًا فهو كما قال، ومَن قتل نفسه بشيءٍ عُذِّبَ به يوم القيامة، وليس على رجلٍ نذرٌ فيما لا يملك.

وفي روايةٍ: ولَعْن المؤمن كقَتْلِه.

وفي روايةٍ: ومَن ادَّعَى دعوى كاذبةً لِيَتَكَثَّرَ بها لم يزده الله إلَّا قِلَّةً.

باب النَّذْر

367- عن عمر بن الخطاب قال: قلتُ: يا رسول الله، إنِّي كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلةً -وفي روايةٍ: يومًا- في المسجد الحرام. قال: فَأَوْفِ بنذرك.

368- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ: أنه نهى عن النذر، وقال: إن النذر لا يأتي بخيرٍ، وإنما يُسْتَخْرَج به من البخيل.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث فيها أحكامٌ تتعلق بالنذر وبالأيمان بغير مِلَّة الإسلام، وفي قتل النفس، وبالدعاوى الباطلة.

يقول ﷺ: مَن حلف على يمينٍ بِمِلَّةٍ غير الإسلام كاذبًا مُتَعَمِّدًا فهو كما قال، هذا وعيدٌ شديدٌ دلَّ على وجوب الحذر من ذلك، كأن يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي إن فعل كذا، أو فعل كذا، هذا لا يجوز؛ لأنه إعلانٌ لِكُفْره إن فعل كذا وكذا.

ولا يجوز أيضًا أن يحلف بغير الله كائنًا مَن كان، لا بالأنبياء، ولا بالصالحين، ولا بالملائكة، ولا بالأصنام، وإنما الحلف بالله وحده.

أما إذا حلف بِمِلَّة الإسلام صادقًا فلا حرج عليه؛ لأنه قال: بِمِلَّةٍ غير الإسلام كاذبًا مُتَعَمِّدًا، مِلَّةٌ غير الإسلام تدخل فيها اليهودية والنصرانية والمجوسية والوثنية، وغير ذلك، فإذا كان كاذبًا مُتعمدًا فهو كما قال، أي: فهو يهودي أو نصراني على ما قال.

هذا من باب الوعيد والتَّحذير، فالواجب الحذر من ذلك، وألَّا يحلف إلا بالله وحده، وإذا كان بِمِلَّة الإسلام فليقل ما يدل على حلفه بالله، كـ: والذي شرع مِلَّة الإسلام، والذي أوجب علينا الدخول في الإسلام، أو: والذي أمر بالإسلام، أو: والذي بعث رسوله بالإسلام. هذه اليمين الشرعية، كما يقول: والله، أو بالله، أو تالله، أو بالرحمن، أو وعزة الله. كل هذه أيمانٌ شرعيةٌ.

ومَن قتل نفسه بشيءٍ عُذِّبَ به يوم القيامة هذا وعيدٌ عظيمٌ: ومَن قتل نفسه بشيءٍ عُذِّبَ به يوم القيامة.

قَتَلَ نفسه بسيفٍ، أو بسكينٍ، أو بِسُمٍّ، أو بخنقٍ، أو غير ذلك يُعَذَّب به يوم القيامة؛ لأن الله حرَّم على الإنسان أن يَقْتُل نفسه وينتحر، فهذه من المحرمات العظيمة، ومن الكبائر الشنيعة، فالواجب الحذر من ذلك.

كذلك التَّحذير من الدعاوى الباطلة، يقول ﷺ: مَن ادَّعى ما ليس له فليتبوأ مقعده من النار.

الذي يدَّعي على الناس أشياء لا صحة لها قد تَعَرَّض للنار، لوعيد الله بالنار؛ لظلمه وعدوانه على الناس يدَّعي عليهم أشياء لا صحة لها، يقول: إن فلانًا عنده لي كذا، وفلانًا أقرضتُه كذا، وفلانًا استدان مني كذا، وفلانًا أخذ مني كذا. وهو يكذب، هذا فيه الوعيد الشديد: مَن ادَّعى ما ليس له فليتبوأ مقعده من النار يعني: فليتَّخذ مقعده من النار، والمعنى: أنه يستحق دخول النار بهذا العمل السيئ إلا أن يعفو الله عنه أو يتوب.

ومَن ادَّعَى دعوى كاذبةً لِيَتَكَثَّرَ بها لم يزده الله إلَّا قِلَّةً، ادَّعى دعوى باطلةً للاستكثار، فهو مُتوعَّدٌ بالنار، ومع ذلك لا تزيده إلا قِلَّةً، إلا فقرًا.

فهذا وعيدٌ شديدٌ للدعاوى الباطلة التي ليست له ويَقْصِد منها أن يستكثر بها، فهو مُتوعَّدٌ بالنار، وبأنها لا تزيده هذه الدعوى إلا قِلَّةً.

وليس للإنسان نذرٌ فيما لا يملك، ليس له أن ينذر شيئًا لا يملكه، كأن يقول: لله عليه أن يعتق عبد فلانٍ، أو يتصدق ببيت فلانٍ. كل هذا نذرٌ باطلٌ، فليس له النذر بما لا يملك، إنما له أن ينذر شيئًا يملكه، يستطيعه: لله عليَّ أن أعتق عبدي فلانًا إذا فعلتُ كذا، لله عليَّ أن أتصدق ببيتي أو بأرضي أو ما أشبه ذلك.

أما أن يذكر أشياء ليست في ملكه فهذا نذرٌ باطلٌ، ليس له النذر بما لا يملك، وليس له أن ينذر بمعاصي الله.

حديث عمر يقول: إنه قال: يا رسول الله. بعدما أسلم قال: إني نذرتُ أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام. فقال له النبي ﷺ: أَوْفِ بنذرك.

هذا يدل على أن الكافر إذا أسلم وعنده نذورٌ شرعيةٌ يُوفي بها، فإنَّ الإسلام لا يزيده إلا خيرًا، وأسلم على ما أسلف من خيرٍ، فإذا كانت عنده نذورُ صدقاتٍ أو اعتكافٍ أو حجٍّ يُوفي بنذره؛ لقوله ﷺ: أَوْفِ بنذرك.

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما الدلالة على أنه لا ينبغي النذر؛ لأنه تكليفٌ للنفس وإلزامٌ لها بشيءٍ ليس بلازمٍ، وقد يندم؛ ولهذا قال ﷺ: لا تنذروا؛ فإن النَّذر لا يُغني من قَدَر الله شيئًا، وإنما يُسْتَخْرَج به من البخيل.

فالنذر يُسْتَخْرَج به من البخيل، الذي لا يريد النفقة ينذر؛ حتى يُجاهد نفسه بإخراج النفقة، فالرسول ﷺ نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخيرٍ، وإنما يُسْتَخْرَج به من البخيل.

فلا ينبغي للمؤمن أن ينذر، لكن إن نَذَرَ طاعةً يلزمه الوفاء، إذا نذر طاعةً يلزمه الوفاء بها؛ لقوله ﷺ: مَن نذر أن يُطيع الله فَلْيُطِعْهُ، ومَن نذر أن يعصي الله فلا يَعْصِه، فإذا قال: لله عليه أن يتصدق بكذا، أو يصوم كذا، أو يُصلي صلاة الضحى، أو يُصلي ركعتين من الليل، أو ما أشبه ذلك يلزمه الوفاء حسب طاقته؛ لأنه نذرٌ بطاعة الله ، لكن لو قال: لله عليه أن يشرب الخمر، أو يقتل فلانًا بغير حقٍّ، أو يزني، أو ما أشبه ذلك، هذا نذرٌ لا يجوز؛ لأنه نذرٌ بمعصية الله، فليس له أن يعصي الله، وعليه كفارة يمينٍ عن ذلك.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب "النذر":

373- وعن عقبة بن عامرٍ قال: نَذَرَتْ أُختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافيةً، فَأَمَرَتْني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ، فَاسْتَفْتَيْتُه، فقال: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ.

374- وعن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما أنَّه قال: استفتى سعدُ بن عبادة رسولَ الله ﷺ في نذرٍ كان على أمه فَتُوُفِّيَتْ قبل أن تَقْضِيَه، قال رسول الله ﷺ: فَاقْضِهِ عنها.

375- وعن كعب بن مالكٍ قال: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. فقال رسول الله ﷺ: أَمْسِكْ عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث كلها تتعلق بالنذر وما يُشبهه، بيَّن فيها النبي ﷺ ما ينبغي شرعًا، من ذلك: قصة أخت عقبة أنها نذرتْ أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافيةً، وفي بعض الروايات: ولا تَخْتَمِر. فقال النبي ﷺ: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مُرْهَا فَلْتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ، وفي اللفظ الآخر: وَلْتَخْتَمِر، ولتصم ثلاثة أيامٍ.

هذا يدل على أنَّ الواجب على مَن نَذَر نَذْر معصيةٍ ألَّا يَفِيَ به، وأن يدع المعصية، وأن يُكَفِّر كفارة يمينٍ، فإنَّ نَزْعَها الخمار معصيةٌ؛ ولهذا أمرها أن تختمر.

وكذلك أنها تمشي فيه مشقةٌ من طريقٍ بعيدٍ ما بين المدينة ومكة، وهي امرأةٌ، فقال النبي ﷺ: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ، فعليها كفارة يمينٍ عن هذا النذر المُخالف للشرع، فإن الركوب في الطريق أفضل من المشي؛ لما فيه من المشقة العظيمة، لما في المشي من المشقة، والنبي حجَّ راكبًا عليه الصلاة والسلام، ولعلها كانت لا تستطيع الإطعام والكسوة؛ ولهذا قال: لِتَصُمْ ثلاثة أيامٍ؛ لأن مَن نذر نذرًا يُوجب الكفارة كصاحب اليمين يبدأ أولًا بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبةٍ، فإن عجز صام ثلاثة أيامٍ، فلعلها كانت عاجزةً؛ ولهذا أمرها أن تصوم.

كذلك حديث سعد بن عُبَادة في نذر أمه: نَذَرَتْ نَذْرَ عبادةٍ، نَذْرَ طاعةٍ، فَتُوُفِّيَتْ قبل أن تقضي نذرها، فأمره النبي ﷺ أن يقضيه عنها.

فإن نذر إنسانٌ شيئًا من طاعة الله ثم مات يُقْضَى عنه، إن نذر أن يحجَّ ومات ولم يحجَّ يُحَجُّ عنه، وإن نذر أن يَعْتَمر ولم يَعْتَمر يُعْتَمَر عنه، وإن نذر أن يتصدق بكذا ثم تُوفي قبل أن يُنَفِّذ تُنَفَّذ الصدقة من تركته، وهكذا.

ولهذا سُئل ﷺ غير مرةٍ عن نذورٍ مُشابهةٍ، بعضهم قال: يا رسول الله، إن أمي نذرتْ أن تحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتت. قال: حُجَّ عن أمك، وآخر ذكر أن أباه نذر أن يحجَّ، قال: حُجَّ عن أبيك؛ لأنه مات ولم يحجَّ.

هذه قاعدةٌ: إذا نذر الإنسان نَذْرَ طاعةٍ، وتُوفي قبل أن يُوفِّي، فَتُخْرَج من تركته، وإن كان صومًا صام عنه بعض أوليائه، كما قال ﷺ: مَن مات وعليه صيامٌ صام عنه وليه، وإن كان مالًا أُخِذَ من التركة، وإن كان حجًّا استُؤْجِرَ مَن يحجُّ عنه، وهكذا.

الحديث الثالث: حديث كعب بن مالك الأنصاري ، كان ممن تأخر عن غزوة تبوك مع شخصين آخرين، فأمر النبي ﷺ بهجرهم، وهُجِرُوا خمسين ليلةً؛ لأنهم تأخروا عن الغزو بدون عذرٍ شرعيٍّ، والواجب خروجهم، ثم تاب الله عليهم، وتابوا، وأنزل فيهم قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:118].

فقال كعبٌ عند ذلك: إنَّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. فقال له النبي ﷺ: أَمْسِكْ عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك.

هذا فيه أنَّ الإنسان خيرٌ له ألَّا يتصدق بكل ماله، بل يُبْقِي له بعض الشيء؛ حتى يستعين بذلك في حاجاته وحاجات أهل بيته.

وهذا ليس فيه نذرٌ، وإنما يُشاور النبيَّ ﷺ فيقول: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً. فقال له النبي ﷺ: أَمْسِكْ عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك.

وفي حديث أبي لُبَابة قال: أَمْسِك الثلث.

هذا يدل على أن الإنسان يُشرع له ألَّا يتصدق بجميع ماله حتى لا يبقى فقيرًا، بل يُمْسِك بعض ماله، فهو خيرٌ له.

قال جماعةٌ من أهل العلم: إلَّا أن يكون له سببٌ يستغني به: كالتجارة والصناعة التي تقوم بحاله، فلا بأس أن يتصدق بكل ماله، كما فعل الصديق أبو بكر، فإنَّ أبا بكر الصديق أنفق جميع ماله في نُصرة الرسول ﷺ والدفاع عن دين الله، وأثنى الله عليه في ذلك، وأثنى عليه رسوله عليه الصلاة والسلام، وكان يتَّجر ويتكسب، يستغني به.

فإذا كان الإنسان عنده مالٌ وعنده كسبٌ: تجارة، أو صناعة، أو نجارة، أو حدادة، أو شبه ذلك مما يُدِرُّ عليه من المبيعات، وأراد أن يُنْفِق المال الموجود، ويكتفي بالكسب اليومي أو الشهري الذي يُغنيه، فلا بأس، في سبيل الله، كما فعل الصديق .

أما إذا كان ما له سببٌ، ما له كسبٌ، فإن السُّنة والمشروع أن يُبقي له ما يُعينه على نفقات أهله: أَمْسِك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك، فإذا أمسك الثلثَ فالثلثُ كثيرٌ، كما في حديث ..... أبي لُبَابة، والباقي يتصدق به إذا كان له كسبٌ، والله المستعان.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب القضاء

376- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ.

وفي لفظٍ: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ.

377- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلتْ هند بنت عتبة -امرأة أبي سفيان- على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، لا يُعْطِينِي من النَّفقة ما يكفيني ويكفي بَنِيَّ إلَّا ما أخذتُ من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك من جناحٍ؟ فقال رسول الله ﷺ: خُذِي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ ويكفي بَنِيكِ.

378- وعن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ سمع جَلَبَةَ خصمٍ بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: أَلَا إنما أنا بشرٌ مثلكم، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعضٍ؛ فأحسب أنه صادقٌ فأقضي له، فمَن قضيتُ له بحقِّ مسلمٍ فإنما هي قطعةٌ من النار، فَلْيَحْمِلْهَا أو يَذَرْها.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث تتعلق بالقضاء، والقضاء هو فصل الخصومات بين الناس: تارةً بالحكم الشرعي، وتارةً بالإصلاح عند اشتباه الأمور، وهو عملٌ عظيمٌ، وفيه أجرٌ عظيمٌ لمن أخلص النية وبذل الوسع واجتهد، وفيه خطرٌ عظيمٌ على مَن تساهل.

ولهذا جاء في الحديث الصحيح: يقول عليه الصلاة والسلام: القُضاة ثلاثةٌ يعني: ثلاثة أقسامٍ اثنان في النار، وواحدٌ في الجنة؛ أما اللذان في النار: فرجلٌ قضى للناس على جهلٍ يعني: على غير علمٍ، ورجلٌ قضى للناس على جَوْرٍ عرف الحكم ولكن جار، فهذان في النار -نعوذ بالله- أما الذي في الجنة: فهو الذي عرف الحقَّ وقضى به بين الناس، هذا هو الذي في الجنة.

يقول النبي ﷺ: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ، وفي اللفظ الآخر: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ أي: فهو مردودٌ.

ويدخل في هذا: الحكم بغير ما أنزل الله، فمَن حكم بغير ما أنزل الله فهو مردودٌ؛ لأنه ليس على أمر الرسول ﷺ، وليس على شرعه؛ كالذي يحكم بين الناس بحكمٍ جائرٍ يُخَالِف الشرع، أو بالقوانين الوضعية، يكون حكمه باطلًا، مردودًا، فعليه أن يحكم بشرع الله، وأن يتحرى الحقَّ، وأن يعمل بما يُوجبه الشرع في القضاء بين الناس.

وفي حديث عائشة، في قصة هند بنت عتبة بن ربيعة، زوجة أبي سفيان: جاءتْ إلى النبي ﷺ تستشيره في أمرها مع زوجها، قالت: إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ -أي: بخيل- لا يُعطيني ما يكفيني ويكفي بَنِيَّ -أي: من النفقة- فهل عليَّ من جُناحٍ إن أخذتُ من ماله ما يكفيني ويكفي بَنِيَّ؟ فقال لها النبي ﷺ: خُذِي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ ويكفي بَنِيكِ.

هذا احتجَّ به بعض أهل العلم على الحكم على الغائب، وأنه لا بأس أن يحكم على الغائب، إذا توفرت الأدلة الشرعية، ولم يتيسر حضوره يُحكم عليه، وهو على دعواه، إذا كانت له حُجَّةٌ وجاء يُقدِّم حُجَّته.

والصواب: أن هذا الحديث ليس في القضاء، إنما هو في الفتوى، فتوى من النبي ﷺ، وليس من باب القضاء، بل هذا ردّها إلى ما تعلم، قال: خُذِي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ ويكفي بَنِيكِ، هذه فتوى، يعني: إن كنتِ صادقةً فافعلي.

فدلَّ ذلك على أن المرأة إذا كان زوجها لا يُعطيها كفايتها فإنها تأخذ من ماله بالمعروف ولو لم يعلم ما يكفيها ويكفي أولادها، وهم تحت يدها، من دون إسرافٍ ولا تبذيرٍ، وتتحرى الحقَّ، وتجتهد في أن تكون النفقة مُقتصدةً، ليس فيها إسرافٌ.

أما الحكم على الغائب فله شروطٌ؛ إذا ادُّعي على الغائب فلا بد من إحضاره حتى يُسمع كلامه، فإن لم يتيسر فإحضار وكيله، فإن لم يتيسر لا هو ولا وكيله حُكِمَ على الغائب بالبينة، وهو على دعواه إذا حضر.

والحديث الثالث: حديث أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ سمع جَلَبَةَ خصومةٍ عند الباب، جلبة يعني: أصوات خصومةٍ عند الباب، فخرج إليهم وقال: إنما أنا بشرٌ، وإنما أقضي على نحو ما أسمع، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحُجَّته من بعضٍ، فمَن قضيتُ له بحقِّ أخيه فإنما هي قطعةٌ من النار، فَلْيَحْمِلْهَا أو يَذَرْها.

والمعنى: أنَّ الحاكم لا يُحلّ الحرام، القاضي ما يُحلّ الحرام، إذا كَذَبَ المُدَّعي وأتى بشهود زورٍ أو حَلَفَ على باطلٍ، فَحُكْم القاضي لا يُحلّ له الحرام، بل هو قطعةٌ من النار يحملها، والقاضي ليس له إلا الظاهر، يحكم بما ظهر، فإذا قال زيدٌ: أقرضتُ فلانًا مئة ريالٍ. وقال المُدَّعَى عليه: ما أقرضني، ما عندي له شيءٌ. وحلف، وذاك ما عنده بينةٌ، فهذه قطعةٌ من النار يحملها الحالف؛ لأنه حلف وهو كاذبٌ أنه ما اقترض، وهو مُقْتَرِضٌ، أخذ مالًا .....

أو مُدَّعٍ ادَّعى مئة ألف ريالٍ، أو ألف ريالٍ، وأقام بينةً كاذبةً: شهود زورٍ، وظنَّهم القاضي عدولًا؛ زُكُّوا عنده، وثبتت عنده عدالتهم في الظاهر؛ فَحَكَمَ بقولهم بهذا القرض، فهذا الذي حُكِمَ له .....

379- عن عبدالرحمن بن أبي بَكْرَةَ قال: كَتَبَ أبي -وكَتَبْتُ له- إلى ابنه عبيدالله بن أبي بَكْرَةَ وهو قاضٍ بسجستان: لا تَحْكُم بين اثنين وأنت غضبان؛ فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لا يَحْكُم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان.

وفي روايةٍ: لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان.

380- وعن أبي بَكْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ: أَلَا أُنَبِّئُكُم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا، قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان مُتَّكِئًا فجلس، فقال: أَلَا وقول الزُّور، وشهادة الزُّور، فما زال يُكَرِّرها حتى قلنا: لَيْتَهُ سكت.

381- وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ قال: لو يُعْطَى الناس بِدَعْوَاهُم لَادَّعَى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المُدَّعَى عليه.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالقضاء.

في الحديث الأول يقول ﷺ: لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان، وهذا يُفيد التَّحريم؛ لأن الأصل في النهي هو التحريم.

فلا يجوز للقاضي في حال غضبه أن يقضي بين الخصوم؛ لأنه في هذه الحال عنده من تشويش العقل والفكر ما يمنعه من استيفاء الحكم والنظر في أدلته، وتمييز الحقّ من الباطل بسبب ما هو فيه من هذا الغضب.

والمراد الغضب الشديد الذي يمنعه من التفكير والنظر، أما الغضب الخفيف العادي فلا يضر، المقصود الغضب الذي يُسمى: غضبًا، شدة الغضب التي تمنعه من استيفاء الحقِّ والنظر في الأدلة وإعطاء الموضوع ما يقتضيه من العناية والنظر والتفكير.

فذكر أهل العلم أنه يُلحَق بذلك كلُّ ما يمنع القاضي من استيفاء الحكم من مرضٍ يُؤْلِمُه، أو نعاسٍ غلب عليه، أو همٍّ، أو مللٍ، أو غير ذلك من الأمور التي تُزعجه ولا تُمكنه من الاستيفاء في الأدلة والنظر في دعوى الخصمين، فإنه يُؤجل ذلك إلى وقتٍ آخر؛ حتى يكون قلبه حاضرًا، وفكره حاضرًا، وليست هناك شواغل تمنعه من استيفاء النظر في حقِّ الجميع.

وهذا من باب الحيطة في القضاء بالحق، والبُعد عن أسباب الغلط والخطأ.

والحديث الثاني: حديث أبي بكرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: أَلَا أُنَبِّئُكُم بأكبر الكبائر؟ كرَّرَها ثلاثًا. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان مُتَّكئًا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور.

الكلمة الأخيرة هي المتعلقة بباب القضاء: شهادة الزور، أما الإشراك بالله وعقوق الوالدين فهذا أمرٌ عامٌّ، فيجب على كل إنسانٍ أن يحذر الشرك، وأن يحذر العقوق، وليس له تعلقٌ بالقضاء، بل هذا عامٌّ لجميع الناس، فعليهم أن يَحْذَروا ما حرَّم الله من الشرك بجميع أنواعه: صغيره وكبيره.

وهكذا العقوق من أكبر الكبائر، ومن أعظم المعاصي، ويجب الحذر منه.

وهكذا الكبيرة الثالثة: شهادة الزور، فهي من أكبر الكبائر؛ لما فيها من إضاعة الحقِّ وظلم العباد؛ فلهذا صارتْ من أكبر الكبائر؛ لأنها تُسْفَك بها الدماء، وتُنْتَهك بها الحقوق، ويُظلم بها العباد؛ فلهذا صارتْ من أكبر الكبائر، فالواجب الحذر منها غاية الحذر، وألا يشهد إلا بما يعلم.

قوله: "ما زال يُكررها" أي: شهادة الزور؛ لِعِظَم خطرها، وعِظَم ما يتعلق بها من الفساد كرَّرَها ليحذرها الناس.

"حتى قلنا: لَيْتَه سكت" أي: حتى قلنا إشفاقًا عليه وإبقاءً عليه: لَيْتَه سكت؛ لئلا يشقَّ على نفسه عليه الصلاة والسلام، لكنه كرر مُبالغةً في النُّصح، ولتحذيره عليه الصلاة والسلام زيادةً على الثلاث.

وفي حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما يقول عليه الصلاة والسلام: لو يُعْطَى الناس بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المُدَّعى عليه.

هذا الحديث من أصح الأحاديث في بيان أنَّ الناس لا يُعطون بدعواهم ولو كانوا من أصدق الناس، ولو كانوا من الصحابة، لا يُعطى أحدٌ بدعواه، بل لا بد من البينة، ولمَّا ادَّعى الزبير بن العوام على بعض الناس، قال له النبي ﷺ: شاهداك أو يمينه، قال: يا رسول الله، إذن يحلف ولا يُبالي. قال: ليس لك إلا ذلك، فمَن ادَّعى شيئًا فعليه البينة.

وفي روايةٍ أخرى عند البيهقي وغيره: البينة على المُدَّعي، واليمين على مَن أنكر.

فإذا ادَّعى أرضًا أو بيتًا أو جملًا أو غير ذلك من الأمور المنقولة أو العقارية لا يُقْبَل ولا يُجَابَ إلا ببينةٍ، فإن لم يُحْضِرها فله اليمين على خصمه، وعلى خصمه أن يتَّقي الله، وأن يحذر من الكذب في اليمين، فإذا حلف برئ، ومتى وجد المُدَّعي بينةً تُكذِّب اليمين أقامها.

وقد صحَّ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام -كما تقدم- قوله ﷺ: مَن حلف على يمين صَبْرٍ يقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍّ لقي الله وهو عليه غضبان، وفي اللفظ الآخر: هو فيها كاذبٌ، لقي الله وهو عليه غضبان.

وحديث أبي أُمَامة عند مسلمٍ: يقول النبي ﷺ: مَن اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرَّم عليه الجنة، قيل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: وإن قَضِيبًا من أَرَاكٍ.

فالواجب الحذر من الأيمان الفاجرة التي يُقتطع بها الحقّ ظلمًا وعدوانًا، وأن صاحبها مُعرَّضٌ لغضب الله ووعيده بالنار، نسأل الله العافية.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

كتاب الأطعمة

382- عن النُّعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول -وأهوى النُّعمان بإِصْبَعَيْهِ إلى أذنيه-: إنَّ الحلال بَيِّنٌ، وإنَّ الحرام بَيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من الناس، فمَن اتَّقى الشُّبهات اسْتَبْرَأَ لدينه وعِرْضِه، ومَن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمَى يوشك أن يقع فيه، أَلَا وإنَّ لكل مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإن حِمَى الله محارمه، أَلَا وإنَّ في الجسد مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسدُ كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، أَلَا وهي القلب.

383- وعن أنس بن مالكٍ قال: أَنْفَجْنَا أرنبًا بِمَرِّ الظَّهْرَان، فسعى القوم فَلَغَبُوا، وأدركتُها فأخذتُها، فأتيتُ بها أبا طلحة، فذبحها وبعث إلى رسول الله ﷺ بِوَرِكِهَا -أو فَخِذَيْها- فَقَبِلَه.

384- وعن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما قالت: نَحَرْنَا على عهد رسول الله ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ.

وفي روايةٍ: ونحن بالمدينة.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذا كتاب "الأطعمة"، والأطعمة هي: ما يُؤكل ويُشرب، يُقال له: طعام، وجمعه: أطعمة، ويُقال: المأكول والمشروب.

وقد جاءت الأدلة الشرعية من الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ببيان ما يحلّ وما يحرم، فاللهُ أحلَّ في كتابه لعباده بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم والصيد، وجاءت السنة عن رسول الله ﷺ بأشياء كثيرةٍ أحلها الله لعباده، وحرَّم أشياء بيَّنها سبحانه لعباده، وبيَّنها الرسول ﷺ، كما قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ .. الآية [المائدة:3].

وجاءت أمورٌ مُشتبهةٌ يجب على المؤمن التَّثبت فيها حتى يعرف حكم الله فيها ولا يعتدي؛ حتى يعرف الحكم.

وفي هذا الباب: حديث النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري رضي الله تعالى عنهما قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول. وأشار إلى أُذُنيه، يعني: سمعتُ بأذني؛ لتأكيد السماع، يقول: إنَّ الحلال بيِّنٌ، والحرام بيِّنٌ، وبينهما مُشْتَبِهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، فمَن اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرْضه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمَى يُوشك أن يقع فيه، ألا وإنَّ لكل مَلِكٍ حِمًى، ألا وإن حِمَى الله محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مُضْغَةً إذا صلحتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.

هذا الحديث العظيم دلَّ على فوائد، وهو مُتَّفقٌ على صحته عند البخاري ومسلم رحمة الله عليهما، وهو من أصول الدين.

قال بعض أهل العلم:

عمدة الدين عندنا كلمات أربعٌ من كلام خير البريه
اتَّقِ الشبهات وازهد ودَعْ ما ليس يَعْنِيك وَاعْمَلَنْ بنيه

فقوله: "اتَّقِ الشبهات" يريد هذا الحديث، يُشير إلى هذا الحديث: الحلال بيِّنٌ، والحرام بيِّنٌ أي: بيَّن اللهُ ورسولُه ﷺ الحلال والحرام.

فالحلال مثلما تقدَّم: الإبل والبقر والغنم، والحبوب من الحِنْطَة والشعير والأرز والذرة، والفواكه من التمر والعنب، وغيرها من الفواكه حلالٌ بَيِّنٌ.

والحرام بَيِّنٌ مثل: الميتة والخنزير والسِّباع، وأشباه ذلك مما حرَّم الله.

وبينهما أمورٌ مُشْتَبِهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس يعني: يعلمها الراسخون في العلم، وتشتبه على بعض الناس، فالمشروع للمؤمن عند اشتباهها ألَّا يعجل، وأن يتقيها؛ براءةً لدينه، وبراءةً لعِرْضِه، حتى يَسْأَل عنها، أو يَعْرف حكم الله فيها بالأدلة.

ومَن وقع في الشبهات يعني: مَن تساهل ووقع في الشبهات وقع في الحرام يعني: مَن تساهل في الشبهات ولم يُبَالِ جَرَّه ذلك للوقوع في الحرام.

كالراعي يرعى حول الحمى يُوشك أن يقع فيه مثل: الراعي الذي يرعى إبله أو غنمه أو بقره عند الزروع، عند حِمَى الناس، عند زروعهم، يُوشك أن يقع فيه يعني: يَقْرُب أن يقع فيه؛ لأنه قريبٌ، فإذا غفل أو نام رَتَعَتْ غنمه أو إبله في حِمَى الناس؛ لأنه قريبٌ، لكن إذا كان بعيدًا عن الحمى في الغالب تسلم زروع الناس من ماشيته، فلو غفل أو نام فهو بعيدٌ يمكن أن ينتبه قبل أن تصل ماشيته إلى حمى الناس.

ثم بيَّن الرسول ﷺ أن الملوك يغضبون إذا انتُهِكَ حِمَاهم، وقال: ألا وإنَّ لكل مَلِكٍ حِمًى يعني: يحمون الأراضي للإبل والخيل وغير ذلك من مصالح المسلمين، ويغضبون إذا انتُهِكَتْ وتُعُدِّي عليها.

قال: ألا وإنَّ حِمَى الله محارمه حمى الله -مَلِك الملوك- حماه محارمه التي حرَّمها على عباده، فالواجب الحذر منها، وعدم انتهاكها.

كما أنَّ الملوك -ملوك الدنيا- يغضبون إذا انتُهِكَتْ أحميتهم، فالله مَلِك الملوك -مَلِك الجميع- يغضب إذا انتُهِكَ حِمَاه، إذا تَعَدَّى الناس على محارمه وارتكبوا معاصيه.

حِمَى الله هي محارمه التي حرَّم على عباده، مثل: الزنا، السرقة، العقوق، قطيعة الرحم، الربا، شهادة الزور، القتل بغير حقٍّ، إلى غير هذا مما حرَّمه الله، فالواجب الحذر من ذلك، وعدم انتهاكه.

ثم بيَّن حال القلب، وأنَّ مدار الصلاح والفساد على القلب، وأنَّ هذه المُضْغَة متى صلحتْ صلح الإنسان، ومتى فسدتْ فَسَدَ الإنسان، وهي قلبه.

إذا صلح القلب، وكان معمورًا بخشية الله والإخلاص له وتعظيمه ومحبته صلحتْ أعمال الجسد، واستقام الجسد.

ومتى خبث القلب وامتلأ بالشكوك والأوهام أو بالنفاق والشرك فَسَدَ الجسد بأسبابه.

والمعنى: أنه يجب على المؤمن أن يعتني بقلبه، ويحرص على سلامة قلبه، ويسأل ربه التوفيق والهداية وصلاح قلبه، وأن يَعْمُره الله بالمحبة والخشية لله، وتعظيمه، والإخلاص له؛ حتى لا يفسد.

حديث أنسٍ فيه الدلالة على حِلِّ الأرنب، وأنهم أَنْفَجُوا أرنبًا وهم مع النبي ﷺ، وَسَبَقَ إليها أنسٌ وأخذها وصادها، وأتى بها إلى أبي طلحة، فذبحها أبو طلحة، وأهدى للنبي ﷺ منها بعضها، فقَبِلَهُ النبي ﷺ.

فدلَّ على حِلِّ الأرنب، فالأرنب من الصيد الحلال، وهكذا الظِّبَاء، وتُسمى: الغزلان، وهكذا الوضيحي حمار الوحش، وهكذا الوعول، كلها صيدٌ، وهكذا الطيور المعروفة: كالحُبَارى، والدجاج، والحمام، وسائر أنواع الطيور المعروفة الحلال، مثل: القُمْري، والعصفور، وما أشبهها مما أحلَّ الله.

أما ذات المخالب فهي مُحرمةٌ: كالصقور، والحِدَأَة، وأشباهها، لا تجوز، وكل ذوات المخالب، وهكذا كل ذي نابٍ من السباع: كالأسد، والنمر، والذئب، كلها حرامٌ.

وهكذا ما يأكل الجيف مما أمر الرسول ﷺ بقتله: كالغُراب، والرَّخَم، هذه من الطيور التي تأكل الجيف، لا تحلّ؛ لخُبْثِها، والنسور كذلك من الطيور الخبيثة، لا تَحِلُّ.

وفي حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، تقول رضي الله عنها: إنهم نحروا على عهد النبي ﷺ فرسًا فأكلوه في المدينة.

هذا يدل على أن الخيل حلالٌ ومُباحةٌ، لا بأس بذبحها وأكلها إلَّا إذا دعت الحاجة إليها في الجهاد، لا تُذبح إذا دعت الحاجة إليها في الجهاد، وإلا فهي حلالٌ، تُذْبَح وتُؤْكَل، بخلاف الحُمُر والبغال فلا، فهي حرامٌ.

البغال والحُمُر الأهلية المعروفة هذه لا تُذبح؛ لأنها مُحرمةٌ، أما الخيل فهي مُباحةٌ، الرسول ﷺ رخَّص لهم في الخيل، ونهى عن الحُمُر والبغال.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الأطعمة":

385- وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ نَهَى عن لحوم الحُمُر الأهليَّة، وأَذِنَ في لحوم الخَيْل.

ولمسلمٍ وحده قال: أَكَلْنَا زمن خيبر الخيلَ وحُمُرَ الوحش، ونَهَى النبي ﷺ عن الحمار الأهلي.

386- وعن عبدالله بن أبي أوفى قال: أصابتنا مجاعةٌ ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحُمُر الأهليَّة فَانْتَحَرْنَاهَا، فلما غَلَتْ بها القُدُور نادى مُنَادِي رسول الله ﷺ: أن أَكْفِؤُوا القُدُورَ، ولا تأكلوا من لحوم الحُمُر الأهلية شيئًا.

387- وعن أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِي قال: حَرَّمَ رسولُ الله ﷺ لحوم الحمر الأهليَّة.

388- وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: دخلتُ أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيتَ ميمونة، فأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فأهوى إليه رسولُ الله ﷺ بيده، فقال بعض النِّسوة اللاتي في بيت ميمونة: أَخْبِرُوا رسولَ الله ﷺ بما يريد أن يأكل. فقلتُ: تأكله؟ هو ضَبٌّ. فرفع رسول الله ﷺ يده فلم يأكله، فقلتُ: يا رسول الله، أَحَرَامٌ هو؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي؛ فأجدني أَعَافُه، قال خالدٌ: فَاجْتَرَرْتُه فأكَلْتُه، والنبي ﷺ ينظر إليَّ.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ تدل على حِلِّ لحوم الخيل، وأنها حلالٌ، وعلى حِلِّ حُمُر الوحش، وهي التي تُسمى: الوضيحي، وهي صيدٌ، لها خِلْقَةٌ خاصةٌ، ومُنَقَّشةٌ في جِلْدها، ليست من جنس الحُمُر الأهلية، فهذه حلالٌ: كالوعل، والظباء، والأرنب، وأشباه ذلك.

فلهذا رخَّص لهم النبي ﷺ في الخيل وحُمُر الوحش التي هي: الوضيحي، ونهاهم عن لحوم الحمر الأهلية.

ولما اشتدَّ بهم الجوع في خيبر ذبحوها وطبخوها، فأمرهم بإكفاء القُدُور، وألَّا يأكلوا من لحومها شيئًا.

فدلَّ ذلك على تحريم الحمر الأهلية، وهي الحمر الموجودة الآن المعروفة، لا يجوز أكلها.

أما الخيل، وحُمُر الوحش، والظباء، والأرنب، والوَعْل، كل هذه حلالٌ، وهكذا الضَّبّ أخبر النبيُّ ﷺ أنه ليس بحرامٍ، وأُكِلَ على مائدته عليه الصلاة والسلام، سأله خالدٌ: أحرامٌ هو؟ فقال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي؛ فأجدني أعافه، فكان النبي ﷺ لا يشتهيه، ولا يأكله، ولكنه أباحه للأُمَّة، فهو حلالٌ، والضَّبُّ معروفٌ.

فهذا فيه بيانُ حِلِّ الخيل وحُمُر الوَحْش والظِّبَاء التي هي الظَّبْي المعروف، كما يحلّ الأرنب، والدَّجاج، والحمام، وأشباهها من الطيور المعروفة.

كما أحلَّ الله بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، كلُّ هذا بفضل الله وإحسانه جلَّ وعلا.

وحرَّم كلَّ ذي نابٍ من السِّباع: كالأسد، والنَّمِر، هذه حرامٌ، والذئب، والكلب، والسِّنَّور، والثعلب، كل هذه مُحرمةٌ، كلها من ذوات النَّاب.

هكذا ذوات المخالب من الطير مُحرمةٌ: كالصقور، والحِدَأة، والبَاز، والعُقاب، كل هذه طيورٌ مُحرمةٌ؛ لأنها من ذوات المخالب.

كما أن ذوات النَّاب من السِّباع مُحرمةٌ: كالأسد، والنمر، والذئب، والكلب، والفهد، والسِّنَّور، والثعلب، كل هذه من السِّباع، وفي حكم السِّباع مُحرمةٌ.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الأطعمة":

389- وعن عبدالله بن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزواتٍ نأكل الجَرَاد.

390- وعن زَهْدَمِ بن مُضَرِّبٍ الجَرْمِيِّ قال: كنَّا عند أبي موسى الأشعري ، فدعا بمائدةٍ وعليها لحم دجاجٍ، فدخل رجلٌ من بني تَيْمِ الله أحمر، شبيهٌ بالموالي، فقال له: هَلُمَّ. فَتَلَكَّأَ، فقال له: هَلُمَّ؛ فإنِّي رأيتُ رسول الله ﷺ يأكل منه.

391- وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبي ﷺ قال: إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يَلْعَقَها أو يُلْعِقَها.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على حِلِّ الجراد، وحِلِّ لحم الدجاج.

في الحديث الأول يقول عبدالله بن أبي أوفى : غزونا مع النبي ﷺ سبع غزواتٍ نأكل الجراد.

فدلَّ على حِلِّ الجراد، وأنه لا بأس بالجراد بأنواعه، طَيِّبٌ حيًّا وميتًا، حتى ميته حلالٌ.

فالجراد حيًّا وميتًا حلالٌ؛ لما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أُحِلَّتْ لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، فالجراد كالسمك حيًّا وميتًا، إن طُبِخَ جاز، وإن شُوِيَ جاز، فما وُجِدَ ميتًا حَلَّ أكله، يُطبخ ويُؤكل، وإن وُجِدَ حيًّا وطُبِخَ أو شُوِيَ جاز ذلك، فميته حلالٌ كحيِّه، كالسمك حيُّه حلالٌ، وميته حلالٌ.

والدجاج ذكر أبو موسى : أنه رأى النبي ﷺ يأكله، فدلَّ على حِلِّ الدجاج، طيرٌ طيبٌ كالحمام ونحوه من الطيور الطيبة، فهو حلالٌ طيبٌ، ومن ذلك: أنواع الطيور التي ليس لها مِخْلَبٌ، وليست مما يأكل الخبائث: كالعصافير، والقُمْري، وسائر أنواع الطيور الطيبة التي ليست من ذوات المخالب، وليست من أَكَلة الجِيَف: كالرَّخَم، والغراب؛ لأن الغراب والرَّخم طيورٌ خبيثةٌ تأكل الجيف؛ ولهذا حُرمتْ لخُبْثِها، والنسر كذلك؛ لأنها خبيثةٌ، بخلاف الحمام، والقُمْري، والصَّعْو، والعصافير، والدَّجَاج، و.....، والحُبَارى، كلها طيورٌ طيبةٌ.

في الحديث الثالث الدلالة على أن من الآداب بعد الطعام: ألَّا يغسل يده حتى يَلْعَقَها أو يُلْعِقَها غيره، كذلك لا يمسحها بالمنديل حتى يَلْعَقَها، هكذا السُّنة: يَلْعَقَها أولًا ثم يغسلها إن شاء أو يمسحها بمنديلٍ، ولا يغسلها والطعام فيها، ولا يمسحها والطعام فيها؛ ولهذا يقول ﷺ: إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يَلْعَقَها أو يُلْعِقَها، إذا كان للطعام بقيةٌ، أما إذا كان الطعام ما له بقيةٌ، مثل: الخبز لا تبقى فيه بقيةٌ، فهذه يغسلها أو يمسحها لا بأس.