الدرس التاسع عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

باب الصيد

392- عن أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: يا رسول الله، إنَّا بأرض قومٍ أهل كتابٍ، أَفَنَأْكُل في آنيتهم؟ وفي أرض صيدٍ، أَصِيد بقَوْسِي وبكلبي الذي ليس بِمُعَلَّمٍ وبكلبي المُعَلَّم، فما يصلح لي؟ قال: أمَّا مَا ذكرتَ من آنية أهل الكتاب، فإنْ وجدتُم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإنْ لم تجدوا فَاغْسِلُوها وكُلُوا فيها، وما صِدْتَ بقوسك فذكرتَ اسمَ الله عليه فَكُلْ، وما صِدْتَ بكلبك المُعَلَّم فذكرتَ اسمَ الله عليه فَكُلْ، وما صِدْتَ بكلبك غير المُعَلَّم فأدركتَ ذَكَاتَه فَكُلْ.

393- وعن همَّام بن الحارث، عن عديِّ بن حاتمٍ قال: قلتُ: يا رسول الله، إني أُرْسِل الكلاب المُعَلَّمَة فَيُمْسِكْنَ عليَّ، وأذكر اسمَ الله. فقال: إذا أرسلتَ كلبك المُعَلَّم، وذكرتَ اسم الله عليه؛ فَكُلْ ما أمسك عليك، قلتُ: وإنْ قَتَلْنَ؟ قال: وإنْ قَتَلْنَ، ما لم يَشْرِكْهَا كلبٌ ليس منها، قلتُ له: فإني أرمي بالمِعْرَاض الصيدَ فأُصِيب. فقال: إذا رميتَ بالمِعْرَاض فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وإنْ أصابه بعرضه فلا تأكله.

394- وحديث الشعبي عن عديٍّ نحوه، وفيه: إلَّا أنْ يأكل الكلبُ، فإنْ أكل فلا تأكل؛ فإنِّي أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإنْ خالطها كلابٌ من غيرها فلا تأكل؛ فإنما سَمَّيْتَ على كلبك، ولم تُسَمِّ على غيره.

وفيه: إذا أرسلتَ كلبك المُعَلَّم فَاذْكُرِ اسمَ الله، فإنْ أمسك عليك فأدركتَه حيًّا فَاذْبَحْهُ، وإنْ أدركتَه قد قَتَلَ ولم يأكل منه فَكُلْهُ، فإنَّ أخذ الكلب ذَكَاتُه.

وفيه أيضًا: إذا رميتَ بسهمك فَاذْكُرِ اسمَ الله عليه.

وفيه: وإنْ غاب عنك يومًا أو يومين -وفي روايةٍ: اليومين والثلاثة- فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فَكُلْ إنْ شئتَ، وإنْ وجدتَه غريقًا في الماء فلا تأكل؛ فإنَّك لا تدري: الماء قَتَلَه أو سهمك.

395- وعن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: مَن اقْتَنَى كلبًا -إلا كلب صيدٍ أو ماشيةٍ- فإنَّه يَنْقُصُ من أجره كل يومٍ قيراطان.

قال سالمٌ: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حَرْثٍ. وكان صاحب حَرْثٍ.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالصيد بالسهام والكلاب والرماح، وتتعلق باقتناء الكلب.

بيَّن النبي ﷺ أنَّ ما صاده الإنسان بكلبه المُعَلَّم فإنَّه حلالٌ ولو قتل، يعني: حلالًا له؛ لأن الله قال: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة:4]، فإن وجده حيًّا لم يَمُتْ ذبحه، وإن وجد مع الكلب كلابًا أخرى فلا يأكل؛ فإنه إنما سمَّى على كلبه، وكلبه هو المُعَلَّم المُهَيَّأ لهذا الشيء.

وهكذا ما أصاب بالمِعْرَاض والرمح إذا أصابه بالحدِّ -يعني: بالحديدة التي فيه- فَخَزَقَ هذا يكون حلالًا، وإن أصابه بالعرض -عرض الرمح- فإنه وَقِيذٌ؛ فلا يُؤكل، والله جلَّ وعلا قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ [المائدة:3]، والموقوذة هي التي تُضْرَب بالحجر، أو بعرض الرمح، أو بالخشبة، ونحو ذلك، هذه يُقال لها: وَقِيذَةٌ إذا ماتت، أما ما طعنه بِسِنِّ الرمح وحدِّ الرمح حتى مات فإنه حلالٌ.

وبيَّن ﷺ أنه إذا أكل الكلب لا يُؤكل منه؛ لأنه إذا أكل منه فإنما أمسك على نفسه، ما أمسك على صاحبه، فلا يأكل إذا أكل منه.

وسأله عن آنية المشركين، وعن آنية أهل الكتاب، هل يستعملونها؟ قال: إن وجدتم غيرها فلا تستعملوها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها؛ لأنها قد يكون فيها الخمر والميتات، فإذا وجد غيرها استعمل غيرها، وإن لم يجد غيرها غسلها وأكل فيها.

وذبيحة أهل الكتاب حِلٌّ لنا؛ لأن الظاهر من طعامهم الحِلّ، وأنهم ما يستعملون فيه ما حرَّم الله، لكن الأواني قد يُستعمل فيها الخمر أو لحوم الميتات التي يستحلونها، فإذا وجدها فليغسلها إذا احتاج إليها، يغسلها ويأكل فيها.

وفي حديث ابن عمر الدلالة على أنه لا يجوز اقتناء الكلاب إلا لأحد ثلاثةٍ: إما للصيد، أو الماشية، أو الزرع.

إما ليصيد به، وهو الكلب المُعَلَّم، وإما للحرث؛ ليحمي مزرعةً، ..... مزرعة، وإما للماشية، للغنم، يجمع الغنم ويحميها من الذئاب، هذا لا بأس.

لا بأس باقتنائه لصيدٍ أو حرثٍ أو ماشيةٍ، كما رواه أبو هريرة وغيره.

أما اقتناؤه لغير ذلك فإنه ينقص من أجره كل يومٍ قيراطان.

القيراط جزءٌ من أربعين جزءًا من الشيء.

والمعنى: أنه ينقص من أجره سهمان من أربعةٍ وعشرين من أجره الذي يحصل له يوميًّا من صلاةٍ وصيامٍ وغير ذلك، يفوته نصف السدس.

وعلى قولٍ آخر: القيراط يكون سهمًا من عشرين، فعلى هذا إذا فاته سهمان من عشرين يكون فاته العشر.

المقصود أنه ما ينبغي اقتناء الكلاب إلا لهذه الثلاث، فلا يقتنيها لحراسة الأبواب أو القصور؛ لأنها غير داخلةٍ في الثلاثة، فينبغي ألَّا تُقْتَنَى إلا لهذه الثلاث.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في "باب الصيد":

396- وعن رافع بن خَدِيجٍ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحُلَيْفَة من تِهَامَة، فأصاب الناسَ جوعٌ، فأصابوا إبلًا وغنمًا، وكان النبي ﷺ في أُخْرَيات القوم، فَعَجَّلُوا وذَبَحُوا ونَصَبُوا القُدُورَ، فأمر النبي ﷺ بالقُدُور فَأُكْفِأَتْ، ثم قسم، فعدل عشرةً من الغنم ببعيرٍ، فَنَدَّ منها بعيرٌ، فطلبوه، فأَعْيَاهم، وكان في القوم خيلٌ يسيرةٌ، فأهوى رجلٌ منهم بسهمٍ فحَبَسَه الله، فقال: إنَّ لهذه البهائم أوابد كأوابد الوَحْش، فما نَدَّ عليكم منها فَاصْنَعُوا به هكذا، قال: قلتُ: يا رسول الله، إنَّا لَاقُو العدو غدًا، وليس معنا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بالقَصَب؟ قال: ما أَنْهَرَ الدم وذُكِرَ اسمُ الله عليه فَكُلُوهُ، ليس السِّنَّ والظُّفُرَ، وسأُحَدِّثُكم عن ذلك: أما السِّنُّ فعَظْمٌ، وأما الظُّفُر فَمُدَى الحبشة.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذا الحديث -حديث رافع بن خديج- حديثٌ جليلٌ عظيمٌ، قد اشتمل على فوائد:

منها: أنه لا يجوز التَّعرض للغنيمة في الجهاد إلا بعد القسمة بإذن ولي الأمر، فليس للجُند أن يأخذوا من الغنيمة ما شاؤوا، لا من الإبل، ولا من الغنم، ولا من النقود، بل يجب جمعها حتى تُقسم بين الغانمين؛ ولهذا لما ذبحوا بعض الإبل والغنم أنكر عليهم النبي ﷺ، وأمر بإكفاء القدور، ثم قسَّم الغنيمة بينهم، وعدل العشرة من الغنم ببعيرٍ، كأنها كانت مُتقاربةً في القيمة؛ فلهذا عدلها ببعيرٍ، بالقيمة، أما في الضحايا والهدايا: الناقة تعدل سبعةً، في الضحايا والهدايا الناقة عن سبعةٍ، ولكن في القيمة على حسب القيمة في البيع والشراء، وقسم الأموال على حسب القيمة.

"فَنَدَّ منها بعيرٌ" شرد بعيرٌ من الإبل، وعجزوا عن إمساكه، فرماه بعض الجنود بسهمٍ؛ فحبسه الله، فقال النبي ﷺ: إن لهذه البهائم أوابد أي: شوارد، كأوابد الوحش كأوابد الأسود، والنمور، والذئاب من الوحوش المفترسة، فما نَدَّ عليكم منها فاصنعوا به هكذا يعني: ما شرد من الإبل والبقر والغنم الذي لا تستطيعون إمساكه فإنه يُرمى مثلما يُرمى الصيد، يُرمى بالنَّبْل أو البُنْدُق وغيرها حتى يُعَطَّل فيُمسك ويُعامل معاملة الصيد الشارد: كالظباء والوحوش وأشباهها من الصيود، لم يَعُدْ كالأهلي، صار حكمه حكم الصيد إذا نَدَّ، إذا شرد على الناس وعجزوا عن إمساكه يرمونه، فإن قتلوه حلَّ، وإن أدركوه حيًّا ذبحوه، إذا قتلوه -أصابه الرمح فقتله بحدِّه أو أصابه بالرمي فقتله- حَلَّ؛ لأنه صار في تلك الحالة كالصيد.

وفيه من الفوائد: قوله: إنَّا لَاقُو العدو غدًا، وليس معنا مُدًى، المُدَى: السكاكين، والمُدْيَة: السكين.

أَفَنَذْبَحُ بالقَصَب؟ قال النبي ﷺ: ما أَنْهَرَ الدمَ أي: ما أسال الدم وذُكِرَ اسم الله عليه فَكُلُوهُ ما هو بشرط السكين، بالحَجَر الذي له حدٌّ، والقَصَب الذي له حَدٌّ .. إلى آخره، إذا تيسر له ما يقوم مقام السكين يذبح به وكفى؛ ولهذا قال: ما أَنْهَرَ الدم وذُكِرَ اسمُ الله عليه فَكُلُوهُ، ليس السِّنَّ والظُّفُرَ، وهذا معناه: أنه يجوز الذبح بغير السكين؛ كالحِجَارة ذات الحدِّ القوي أو أخشابٍ أو قصبٍ، أو غير هذا مما يكون له حدٌّ يُذْبَح به إلا العَظْم .....

وكان النبي ﷺ في آخر الجيش، وكان الناس قد أصابهم جوعٌ .....، فذبحوا ونَصَبوا القدور قبل أن تُقسم الغنيمة، فلما أدركهم النبي ﷺ غضب عليهم وأنكر ذلك، وأمر بالقدور فَأُكْفِأَتْ؛ لأنها جُعِلَ فيها لحمٌ لم يُؤذن فيه شرعًا.

هذا يدل على فوائد: أنه يجوز التَّعزير بمثل هذا من إكفاء القدور وإتلاف اللحم الذي اغتُصِبَ.

ومنها: جواز كون ولي الأمر في آخر الجيش إذا رأى المصلحة؛ حتى لا يعجل الناس، وحتى يطمئنوا في السير إذا كان وراءهم ولا يعجلوا، وليلاحظ ضعيفهم حتى لا يعجلوا عليه، فلا مانع، فإن الرسول ﷺ ربما كان في آخر الجيش، وربما تقدم عليه الصلاة والسلام، وربما كان بينهم، قُدَّامه قوم، ووراءه قوم، فولي الأمر ينظر الأصلح: إن رأى أن يكون أمامهم فعل، وإن رأى أن يكون خلفهم فعل، وإن رأى أن يكون في وسطهم فعل.

قال: "فَنَدَّ منها بعيرٌ" من الإبل التي ..... شرد، "فطلبوه، فأعياهم" أتعبهم، ما حصَّلوه، فرماه واحدٌ بسهمٍ، أي: بِنَبْلٍ، فأصابه؛ فانحبس، فأدركوه، فقال النبي ﷺ: إنَّ لهذه البهائم أوابد يعني: شوارد، كشوارد الوحش، تُشبه الوحش من الأسود والنمور والذئاب وأشباهها، فإذا نَدَّتْ -أَبْعَدَتْ- فما نَدَّ عليكم منها أي: شرد عليكم منها فاصنعوا به هكذا أي: يُرمى كالصيد، فإن أُصيب وقُتِلَ حَلَّ، وإن أُصيب وهو حيٌّ ذُبِحَ، إذا كانت الضربة يُخْشَى موته منها ذُبِحَ.

وفيه أنه قال: يا رسول الله، إنَّا لَاقُو العدو غدًا .. أَفَنَذْبَحُ بالقَصَب؟ يعني: ما عندنا سكاكين، فقال ﷺ: ما أَنْهَرَ الدم وذُكِرَ اسمُ الله عليه فَكُلُوهُ، ليس السِّنَّ والظُّفُرَ، هذا يُبين لنا أن كل ما أَنْهَرَ الدم سواء من حديدٍ أو خشبٍ أو أي شيءٍ كان له حدٌّ إذا أسال الدم فهذه الذكاة الشرعية من حديدٍ أو قصبٍ أو خشبٍ أو حجرٍ أو غير ذلك إلا السّن والظّفر فلا يجوز النَّحر بهما.

قال: أما السِّنُّ فعَظْمٌ فدلَّ على أن العظام لا يُذْبَح بها، وأما الظُّفُر فَمُدَى الحبشة، فنهى عن التَّشبه بهم في الذبح بالظفر، ولو أن المصيد صغيرٌ -كالعصفور وأشباهه- لا يُذبح بالظفر، يُذبح بالسكين ونحوها، ولا يُذبح بالظفر، ولا بالسن، لا يُعَضّ عليه بالسن، ولا بعظمٍ آخر، ولا يُذبح بالأظفار.

فهذان النوعان لا يُذبح بهما: لا بالسن، ولا بغيره من العظام، ولا بالظفر، ولكن يُذبح بغير ذلك مما له حدٌّ يُنْهِر الدم مع ذكر اسم الله عند الذبح، يقول: "بسم الله"، فإن نسي ولم يُسَمِّ نسيانًا أو جهلًا حلَّت الذَّبيحة: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، أما الذي يتعمد، يعلم أن التَّسمية مشروعةٌ ويتعمد ولا يُبالي؛ ما تحلّ الذَّبيحة.

وفي حديث أنسٍ : أنه ﷺ ضحَّى بكبشين أَمْلَحَين، أَقْرَنين، ذبحهما بيده، سمَّى وكبَّر، ووضع رِجْلَه على صِفَاحيهما.

هذا يدل على شرعية الضحية، وأنه يُشرع للمسلم أن يُضحي كما ضحَّى النبي ﷺ، فإنه ذبح أحدهما عنه وعن أهل بيته، وذبح الثاني عمَّن وحَّد الله من أُمته عليه الصلاة والسلام، فالسُّنة ضحيةٌ واحدةٌ عن أهل البيت -عن الرجل وأهل بيته- ولو كانوا كثيرين واحدةٌ تكفي، وإن ضحَّى بأكثر فلا بأس.

وهذا يدل على أن الكبش الأَمْلَح الأقرن أفضل من غيره، وإن ذبح شاةً أو ماعزًا أو إبلًا أو بقرًا فلا بأس، كله طيبٌ، لكن إذا كانا كبشين أَمْلَحَين، والأَمْلَح الذي فيه سوادٌ وبياضٌ، مخلوطٌ.

أَقْرَن: له قرنان، هذا أفضل الضَّحايا، وإذا ذبح أسود، ضحَّى بأسود، أو بأبيض خالصٍ، أو بلونٍ آخر، أو بأنثى، أو بكبشٍ ليس له قرنٌ؛ كله يُجزئ، لكن هذا من باب الأفضلية.

وفيه: أن السُّنة أن يتولاها بيده المُضَحِّي إذا استطاع، كما كان النبي يتولاها بيده عليه الصلاة والسلام.

صاحب الضَّحية يتولاها بنفسه، يذبح بنفسه، هذا هو الأفضل، فإن كان ما يستطيع أو ما يُحْسِن وَكَّلَ مَن يقوم مقامه ويذبح عنه، سواء رجلٍ أو امرأةٍ، حتى المرأة تذبح لنفسها إذا كانت تعرف وتُحْسِن.

وفيه: أنه يضع رِجْلَه على صِفَاحها حتى يتمكن من الذبح، ولا تحتاج إلى تربيطٍ، وإنما يطرحها على جنبها الأيسر: البقرة والشاة من الماعز على جنبها الأيسر، مُوجَّهةً إلى القبلة، هذا هو الأفضل، والبعير يُنْحَر نحرًا في لَبَّتِه وهو واقفٌ، معقولة يده اليُسرى، وهو واقفٌ، هذا هو الأفضل، ويأكل ويُطْعِم من الضحية، يأكل ويتصدق، يُطعم الأقارب والجيران، ويأكل منها، ويدَّخر منها إذا شاء قليلًا، لا بأس.

وفَّق الله الجميع.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

كتاب الأَشْرِبَة

398- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ عمر قال على منبر رسول الله ﷺ: "أمَّا بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسةٍ: من العنب، والتَّمر، والعسل، والحِنْطَة، والشَّعِير. والخمر: ما خَامَرَ العقلَ، ثلاثٌ وددتُ أنَّ رسول الله ﷺ كان عَهِدَ إلينا فيهنَّ عهدًا ننتهي إليه: الجَدُّ، والكَلالَة، وأبوابٌ من أبواب الربا".

399- وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ سُئِلَ عن البِتْع، فقال: كلُّ شرابٍ أسكر فهو حرامٌ.

400- وعن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: بلغ عمر أنَّ فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل اللهُ فلانًا! ألم يعلم أنَّ رسول الله ﷺ قال: قاتل اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الشُّحُومُ فَجَمَلُوها فَبَاعوها؟!

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالأشربة المُحرمة، وهي شراب الخمر؛ لأنه مُسكرٌ؛ فلهذا حرَّمه الله ؛ لما فيه من اغتيال العقول، والإيقاع في الشحناء والعداوة والبغضاء والصدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة، كما قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90- 91]، فالأمر عظيمٌ؛ ولهذا نبَّه الله عليه وعظَّمه وحذَّر عباده منه، فالخمر غول العقول يغتالها ويصدها عن ذكر الله وعن الصلاة.

والمَيْسِر كذلك -وهو القِمَار- يغتال العقول والألباب؛ لما فيه من الطمع وأكل الأموال الكثيرة بالباطل، وربما أراد مالًا فَسُلِبَ ما لديه، فهو سبيلٌ للشحناء والعداوة وأخذ الأموال بغير حقِّها.

خطب عمر رضي الله عنه وأرضاه في خلافته، فقال في بعض خطبه: "أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر"، يعني: من جهة الله، فالله حرَّمها من جهة القرآن الكريم المُنزل من السماء، وهكذا الوحي الثاني: السُّنة، هي أيضًا مُنزلةٌ من السماء، قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3- 4].

فالله أنزل تحريم الخمر في الكتاب العظيم والسنة المُطهرة، فيجب الحذر منها والتَّواصي بتركها، وعقوبة مَن تعاطاها إذا ثبت ذلك عليه.

قال: "وهي من خمسةٍ: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير" يعني: غالبًا تكون من هذه الخمسة -في الغالب-: من العنب -عصير العنب- ومن التمر، ومن العسل، ومن الحنطة والشعير، وقد تكون من غير ذلك، قد تكون من الذرة، وقد تكون من أشياء أخرى.

وضابطها: كل ما أَسْكَر، هذا ضابطها، من أي جنسٍ كان، ومن أي ثمرةٍ كانت، ومن أي حبوبٍ كانت، فما أَسْكَر فهو حرامٌ، كما قال عليه الصلاة والسلام: كل مُسْكِرٍ خمرٌ، وكل مُسْكِرٍ حرامٌ رواه مسلمٌ.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها لما سُئل عن البِتْع -وهو نبيذ العسل- قال: كل شرابٍ أَسْكَر فهو حرامٌ.

وفي حديث أبي موسى في الصحيحين لما سُئل عن البِتْع والمِزْر قال: كل مُسْكِرٍ حرامٌ سواء كان بِتْعًا أو مِزْرًا.

البِتْع: نبيذ العسل، والمِزْر: نبيذ الشَّعير.

وهكذا ما ..... بهما من العنب، والتمر، والذرة، وغير ذلك.

الاعتبار بالإسكار، لا بالمادة، المادة سواء كانت ذُرةً، أو شعيرًا، أو تمرًا، أو عسلًا، أو غير ذلك.

ومتى عُلِمَ أنه خمرٌ لم يَجُزْ بيعه، ولا شراؤه، ولا المعاوضة عليه، بل يجب إتلافه.

متى عُلِمَ أنه مُسْكِرٌ وجب إتلافه، ولا يجوز بيعه، ولا شراؤه، ولا الاعتياض عنه.

ولما بلغ عمر أن بعض عُمَّاله باع خمرًا لليهود قال: قاتل الله فلانًا! ألم يعلم أن الله جلَّ وعلا لما حرَّم على اليهود الشُّحوم جَمَلُوها فباعوها فأكلوا ثمنها؟! فعابهم الله بذلك، يعني: عابهم بتعاطيهم الحيل.

فلا يجوز للمسلم أن يتعاطى ما يتعاطاه اليهود بالتَّحيل على محارم الله، ولو باعها على حساب اليهود والنصارى، لا، هم يتولون أمورهم، ولا يتولى لهم شيئًا، تُؤخذ منهم الجزية من أموالهم، ولكن لا تُباع لهم الخمر ولا غيرها مما حرَّم الله، بل هم يتولون بيع ما عندهم، والمسلمون لهم الجزية عليهم من أموالهم من غير نظرٍ إلى هذا المال من أين جاء.

وفي الحديث يقول ﷺ: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل، فهم من حيلهم أنهم لما حرَّم الله عليهم الشحوم جَمَلُوها، يعني: أذابوها، ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وقالوا: ما بِعْنَا شَحْمًا، إنما بِعْنَا ذَوْبًا. غيَّروا الاسم، واستحلوا ما حرَّم الله بهذه الحيلة، فعاقبهم الله وذَمَّهم ولعنهم.

هكذا الطائفة منهم الذين احتالوا على الصيد يوم السبت؛ لما حرَّم عليهم الصيد يوم السبت نَصَبُوا الشِّباك يوم الجمعة، وأخذوا الصيد يوم الأحد، فصاروا يصيدون يوم السبت بالحيلة.

فالواجب على المسلم أن يحذر صفات المغضوب عليهم -وهم اليهود- فلا يتساهل في حِلِّ ما حرَّم الله، بل يبتعد عن ذلك، ويحذر كل ما حرَّم الله عليه، ولا يتوصل إلى ذلك بالحيل الباطلة، فالحيلة لا تُحِلُّ حرامًا، بل يزداد صاحبها إثمًا، نسأل الله العافية.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

كتاب اللباس

401- عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: لا تلبسوا الحرير، فإنَّه مَن لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة.

402- وعن حذيفة بن اليمان قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير، ولا الدِّيباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحَافهما، فإنَّها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة.

403- وعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنهما قال: ما رأيتُ من ذي لـِمَّةٍ في حُلَّةٍ حمراء أحسن من رسول الله ﷺ، له شعرٌ يضرب إلى مَنْكِبَيْهِ، بعيد ما بين المَنْكِبَيْن، ليس بالقصير، ولا بالطويل.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق باللباس، والأصل في اللباس الحِلّ والإباحة، وتُلبس للتَّجمل، فالملابس قسمان:

  • قسمٌ تُستر به العورات.
  • وقسمٌ يُتَّخذ للزينة والجمال، كما في الحديث الصحيح: إنَّ الله جميلٌ يُحب الجَمَال.

هذا كله من فضل الله جلَّ وعلا وإحسانه لعباده: أن هيَّأ لهم وخلق لهم ما يسترون به العورات، وما يتجملون به بين الناس.

ويُستثنى من ذلك الحرير، فإنه لا يجوز للرجال؛ لقوله ﷺ: لا تلبسوا الحرير، هذا خطابٌ للرجال، فإنه مَن لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، والله قال عن أهل الجنة: وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج:23]، فأهل الجنة لباسهم فيها الحرير، فمَن لبسه في الدنيا من الرجال فهو على هذا الوعيد الشديد، على هذا الخطر من حرمان دخول الجنة، أو حرمانه لباس الحرير فيها.

أما النساء فلا بأس في حقِّهن في لبس الحرير؛ لأنهن مُحتاجات للزينة لأزواجهن، والله أباح لهنَّ الحرير، وأباح لهنَّ الذهب، وحرَّم ذلك على الرجال، كما في الحديث: يقول ﷺ: أُحِلَّ الذهب والحرير لإناث أُمتي، وحُرِّم على ذكورها، وفي حديث عليٍّ : أنه عليه الصلاة والسلام أخذ ذهبًا في يده اليمنى، وحريرًا في يده اليسرى، وقال: هذان حِلٌّ لإناث أُمتي.

ورأى ﷺ رجلًا في يده خاتمٌ من ذهبٍ فطرحه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرةٍ من النار فيضعها في يده، ذلك مما يدل على تحريم التَّختم بالذهب، وقد ورد في الحديث الصحيح النَّهي عن التَّختم بالذهب، أي: في حقِّ الرجال.

ونهى ﷺ الناس جميعًا عن الشرب في الذهب والفضة، والأكل فيهما، هذا عامٌّ للرجال والنساء جميعًا، أما النَّهي عن لبس الحرير والديباج فهذا خاصٌّ بالرجال، والدِّيباج هو الغليظ من الحرير.

والاستبرق هو الحرير الذي له لمعانٌ، وكل أنواع الحرير مُحرمةٌ على الرجال، مُباحةٌ للنساء إلا الشيء اليسير؛ كموضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة فيُباح للرجل: كالزر والرُّقْعَة في الثوب إذا كانت صغيرةً، ونحو ذلك من الشيء اليسير، فيُباح للرجل قدر أصبعين أو ثلاثة؛ للحاجة إلى هذا.

ومن اللباس: الجلوس، كما في حديث حذيفة: نهى عن الجلوس على الحرير أيضًا، فالرجل لا يلبس الحرير والدِّيباج، ولا يجلس عليه، ولا يتَّخذ منها مخادّ يتَّكئ عليها، أما النساء فلا حرج في ذلك.

ونهى ﷺ عن الشرب في آنية الفضة، والأكل في آنية الفضة، وقال: إنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة، فإنَّ الكفرة في الدنيا لا يتورعون عن الحرام، أما المؤمنون فإنها لهم في الآخرة، يشربون في آنية الذهب والفضة في الآخرة.

وفي حديث البراء بن عازب الدلالة على أنه لا بأس بلبس الأحمر؛ ولهذا قال: "ما رأيتُ من ذي لـِمَّةٍ في حُلَّةٍ حمراء أحسن من رسول الله ﷺ"، هذا يدل على أنه لا بأس بلبس الحُلَل إذا كانت من الملابس الحُمْر، فالأحمر لا بأس به، والأسود والأخضر والأزرق، لكن أفضلها البياض، أفضل الملابس البياض، والأنواع الثانية لا بأس بها، فلا بأس أن يلبس أزرق أو أخضر أو أحمر أو أسود، كما في هذا الحديث: كانت عليه حُلَّة حمراء.

وفي حديث أبي جُحَيفة: أنه خرج ﷺ في حجة الوداع وعليه حُلَّة حمراء، فصلَّى بالناس.

وثبت أنه ﷺ دخل عام الفتح وعليه عمامة سوداء، وطاف في بعض طوافه وهو عليه بُرْدٌ أحمر.

يدل ذلك على أن هذه الألوان لا بأس بها، ولكن يحرم التَّشبه بالنساء، تكون ملابس تليق بالرجال، وتُناسب الرجال، ولا يجوز التَّشبه بالنساء في أي لباسٍ، فإذا لبس الأخضر أو الأسود أو الأزرق أو غيرها ينبغي أن تكون على شكلٍ لا يُشابه لباس المرأة.

وهكذا المرأة ليس لها أن تلبس لبس الرجل، ليس لها التَّشبه بالرجال في الملابس، ولا في غيرها.

كلٌّ منهما يحرم عليه التَّشبه بالآخر في كلامه، وفي مشيه، وفي لباسه، أو نحو ذلك.

وفيه بيان أنه كان ﷺ يتَّخذ اللِّمَّة، يعني: يُربي الشعر على الرأس، فلا بأس بذلك إذا كان لمقصدٍ شرعيٍّ كما فعله النبي ﷺ.

أما أن يُربَّى الشعر لأجل الفساد والتَّعرض للنساء فهذا لا يجوز، يُمنع، أما إذا كان اتَّخذه لا لهذا المقصد فلا بأس.

وفيه بيان خِلْقَته ﷺ، وأنه كان بعيد ما بين المنكبين، وأنه ليس بالقصير ولا بالطويل، وسطٌ من الرجال، رَبْعَةٌ من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، بل بينهما، بين الرجلين، رجلٌ بين رجلين، بعيد ما بين المنكبين عليه الصلاة والسلام، كَثّ اللحية، أبيض اللون، مُشْرَب بِحُمْرَةٍ عليه الصلاة والسلام، حسن العينين، فهو من أحسن الناس خِلْقَةً.

قال أنسٌ : "ما رأيتُ رجلًا أحسن من رسول الله ﷺ"، كان أحسن الناس، وأجمل الناس عليه الصلاة والسلام.

فالواجب على المؤمن -وهكذا المؤمنة- التَّقيد بما شرع الله، والحذر مما حرَّم الله في كل شيءٍ.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

سؤال: لبس الأحمر كان فيه أعلام أو أحمر مطلقًا؟ في الحديث الآخر: نهى عن لبس ..؟

الجواب: بعض أهل العلم اشترط أن له أعلامًا من بُرود اليمن؛ لأجل بعض الأحاديث التي فيها النهي عن المُفَدَّم –الحُمْرَة- وقال: إذا كانت الحُمْرة غالبةً شديدةً كُرِهَ، ولكن أحاديث لبس الأحمر منه ﷺ كلها في الصحيحين، ثابتة، وأصحّ من حديث المُفَدَّم، والأصل الجواز.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "اللباس":

404- وعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنهما قال: أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ بِسَبْعٍ، ونهانا عن سَبْعٍ؛ أَمَرَنَا بعيادة المريض، واتِّباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القَسَم -أو المُقْسِم- ونصر المظلوم، وإجابة الدَّاعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم أو عن التَّخَتُّم بالذهب، وعن شربٍ بالفضة، وعن المَيَاثِر، وعن القَسِّيِّ، وعن لبس الحرير، والاستبرق، والدِّيباج.

405- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله ﷺ اصْطَنَعَ خاتمًا من ذهبٍ، فكان يجعل فَصَّه في باطن كَفِّه إذا لبسه، فصنع الناس مثل ذلك، ثم إنَّه جلس على المنبر فَنَزَعَه فقال: إنِّي كنتُ أَلْبِسُ هذا الخاتم.

الشيخ: أَلْبَسُ، بفتح الباء.

فقال: إني كنتُ أَلْبَسُ هذا الخاتم، وأجعل فَصَّه من داخلٍ، فَرَمَى به، ثم قال: والله لا ألبسه أبدًا، فَنَبَذَ الناس خواتيمهم.

وفي لفظٍ: جعله في يده اليمنى.

406- وعن عمر بن الخطاب : أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعيه: السَّبَّابة والوسطى.

ولمسلمٍ: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثٍ أو أربعٍ.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الثلاثة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كلها تتعلق باللباس، وفيها أحكامٌ أخرى، والمقصود ما يتعلق باللباس؛ لأن الباب باب اللباس، يعني: ما يُباح، وما يَحْرُم.

الأصل في هذا الباب الحِلّ، الأصل في باب المأكولات والمشروبات والملبوسات والمركوبات الأصل فيها الحِلّ إلَّا ما حرَّمه الشرع، فيُطالب بالدليل مَن ادَّعى تحريم شيءٍ منها؛ لأنه خلاف الأصل، ومَن ادَّعى الحِلَّ فمعه الأصل، قال الله جلَّ وعلا: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، وقال سبحانه: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13]، وقال سبحانه: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا [الأعراف:26].

فاللباس لباسان: لباس ما يستر السَّوءات، يعني: العورات، ولباس يُتَّخذ للزينة، وهو الرياش.

ثم قال سبحانه: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26]، لما ذكر اللباس الحسيَّ ذكر اللباس المعنوي وهو التقوى، وهو الخير العظيم، فإنَّ اللباس الحقيقي الذي له الثمرة العظيمة والعاقبة الحميدة لباس التقوى.

المؤمن يتخلق بطاعة الله ورسوله ﷺ، وترك ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ، هذا هو اللباس العظيم الذي فيه العزة في الدنيا والآخرة، والسعادة في الدنيا والآخرة.

الحديث الأول: حديث البراء بن عازبٍ الأنصاري رضي الله عنهما، هو صحابي، وأبوه صحابي، قال: "أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ بِسَبْعٍ، ونهانا عن سَبْعٍ" يعني: سبع خصالٍ من جملة أشياء كثيرةٍ أمر بها، وسبع خصالٍ من أشياء كثيرةٍ نهى عنها، فليس له مفهومٌ، يعني: العدد ليس له مفهومٌ، بل هناك أشياء من الأوامر لم تُذْكَر، وهناك أشياء من النَّواهي لم تُذْكَر، لكن المقصود أن هذه السبع أمرهم بها، وسبعٌ أخرى نهاهم عنها.

أمرهم بسبعٍ: "بعيادة المريض"، عيادة المريض من السُّنن المُؤكدة؛ لما فيها من إشعار أخيك بتأثرك بمرضه، ولما في ذلك من العطف عليه، والدعاء له، وربما وصفتَ له دواء، وربما قضيتَ له حاجةً هو يحتاج إليك فيها، فعيادة المريض من القُربات العظيمة، ومن حقِّ المسلم على أخيه.

الثاني: اتِّباع الجنائز، أن يتبع أخاه إذا مات، يُصلي عليه ويتبعه إلى المقبرة، أيضًا من السنن العظيمة، وفيها جبرٌ لأهله، وتذكرٌ للموت، ومُواساةٌ لأهل الميت، وتحصيلٌ للأجر العظيم، فإنَّ مَن شهد الجنازة حتى يُصلى عليها فله قيراطٌ، ومَن شهدها حتى تُدفن فله قيراطان، قيل: يا رسول الله، ما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين يعني: من الأجر.

الثالث: تشميت العاطس إذا حمد الله، يُقال: يرحمك الله، هذه السنة، إذا سمعتَ أخاك يقول: "الحمد لله" بعدما عطس تقول: يرحمك الله، وهو يقول: يهديكم الله ويُصلح بالكم. هكذا السُّنة.

الرابع: "إبرار القسم أو المُقْسِم" شكٌّ من الراوي هل قال: القسم أو المُقْسِم؟

يعني: إذا أقسم عليك أخوك تَبَرّ قسمه، هذا من مكارم الأخلاق، ومن حقِّ المسلم على أخيه، إذا قال: والله تتغدَّى عندي، والله تشرب القهوة عندي، والله تتفضل لكذا. يقصد إكرامك تُجيب دعوته إذا تيسر لك ذلك، فإن شقَّ عليك تعتذر من أخيك حتى يسمح لك؛ لأن هذا من مكارم الأخلاق، ومما تُجلب به المحبة والتَّآلف والوئام والتَّعارف.

الخامس: "نصر المظلوم"، تنصر أخاك إذا ظُلِمَ بالكلام الطيب والشفاعة والفعل الطيب حسب طاقتك، تنصره بما تستطيع بما يُوافق الشرع المُطهر.

السادس: "إجابة الداعي"، إجابة الدعوة، إذا دعاك لوليمة عرسٍ أو غيره تُجيب دعوته؛ لما فيه من التأليف والإيناس والتعاطف والتعارف إلا أن يكون هناك مُنكرٌ فأنت معذورٌ، إن كان هناك مُنكرٌ -كالخمر والتدخين والتصوير وأشباه ذلك- إذا كان لك عذرٌ وأنت لا تستطيع إزالة هذا المنكر.

والسابع: "إفشاء السلام"، هذا الحق السابع: إفشاء السلام.

والثامن: ردّ السلام، إفشاء السلام وردّه أيضًا.

أنت مشروعٌ لك أن تُفشي السلام، تبدأ به، ومشروعٌ للمُسلَّم عليه أن يُجيب، فرضٌ عليه أن يردَّ السلام، كما قال سبحانه: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86].

ومن حقِّ المسلم على أخيه أمرٌ تاسعٌ وهو: النَّصيحة؛ لحديث: وإذا استَنْصَحَك فانصح له، وفي الحديث الآخر: أن جريرًا بايع النبي ﷺ على النُّصح لكل مسلمٍ، وحديث: الدين النصيحة، هذا من حقِّ المسلم على أخيه.

وهناك حقوقٌ أخرى جاءتْ بها الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

فالمؤمن يتتبع ما جاءتْ به السنة فيفعل ما استطاع من ذلك، ويتحرى الخير والامتثال، كما أنَّه يتحرى ما جاءتْ به النصوص من النَّواهي فيجتنبها ويحذرها.

ونهاهم عن سبعٍ، وهي الشاهد للباب: عن التَّختم بالذهب، هذا لباسٌ، فلا يجوز التَّختم بالذهب للرجال، ولكن بالفضة لا بأس، وهكذا الشرب بالفضة، والأكل كذلك أعظم، فلا يأكل في الفضة، ولا يشرب فيها، ولا في الذهب من باب أولى، فقد جاء الحديث الصحيح: لا تشربوا بآنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحَافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة متفقٌ عليه من حديث حذيفة .

وجاء من حديث أم سلمة أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم خرجه مسلمٌ.

وعن المَيَاثِر أيضًا.

فالأكل والشرب في أواني الذهب والفضة هذا مُحرمٌ على الجميع: الرجال والنساء جميعًا، فليس للرجال ولا للنساء الأكل في الذهب والفضة، ولا الشرب فيهما.

أما التَّختم فهذا خاصٌّ بالرجال، ويجوز للمرأة أن تتختم بالذهب.

وقد اتَّخذ النبي ﷺ خاتمًا من ذهبٍ ثم نزعه، وقال: لا ألبسه أبدًا، فنبذ الناسُ خواتيمهم، واتَّخذ مكانه خاتمًا من فضةٍ عليه الصلاة والسلام، فدلَّ ذلك على تحريم الذهب على الرجل، وأنه لا حرج في خاتم الفضة.

وأما النساء فلا حرج عليهنَّ في خواتيم الذهب والفضة جميعًا؛ لأنهنَّ في حاجةٍ للزينة بذلك.

والثالث: المَيَاثِر الحُمْر لا يستعملها المؤمن؛ لأنها من زي الأعاجم، فلا يستعملها إذا كانت من زي الكفرة، وإن كانت المياثر من الحرير حرمتْ عليه؛ لأنها حريرٌ أيضًا، فلا يركبها، ولا يلبس الحرير، فالركوب والجلوس مثل اللبس، كما أنه منهيٌّ عن الحرير، كذلك الجلوس عليه.

الرابع: النهي عن القَسِّيِّ، وهي ثيابٌ فيها خطوطٌ من الحرير، أو ..... من الحرير فَنُهِيَ عنها.

والخامس والسادس والسابع: الحرير، والاستبرق، والدِّيباج.

الحرير معروفٌ، والاستبرق نوعٌ منه فيه لمعانٌ، والدِّيباج نوعٌ غليظٌ، كلها أنواعٌ من الحرير.

في حديث عمر النَّهي عن لبس الحرير إلا في موضع أصبعين أو ثلاثٍ أو أربعٍ، هذا خاصٌّ بالرجال، إن كان موضع أصبعين أو ثلاثٍ أو أربعٍ، مثل: الزّر، الأزرار في الجيب، ومثل: الرُّقْعَة في الثوب، الرقعة الصغيرة إذا كانت أصبعين أو ثلاثٍ أو أربعٍ لا بأس.

خياطة شقٍّ في الجيب، وفي الثوب كذلك إذا كانت بمقدار أصبعين أو ثلاثٍ أو أربعٍ، هذا يُباح للرجال من الحرير؛ لأن هذا قد يُحتاج إليه.

وفيه أنه يُلْبَس في اليمنى –الخاتم- لحديث ابن عمر، يُلْبَس الخاتم في اليد اليمنى، ويجوز لبسه في اليسرى، فقد ثبت عنه ﷺ أنه لبسه في اليمنى واليسرى جميعًا، وجعل خاتمه من داخلٍ، هذا هو الأفضل؛ لأن اليمنى محل الزينة، وإذا لبسه في اليسرى فلا بأس، فإن الرسول ﷺ فعل هذا وهذا.

ومن جنسه: الساعة، تُلبس في اليمنى أو اليسرى، الساعة الحاجة إليها ماسَّة، ولا مانع من جعلها في اليسرى أو في اليمنى، مثل: خاتم الفضة، فهي أكثر شبهًا بالخاتم.

وفَّق الله الجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

***

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

كتاب الجهاد

407- عن عبدالله بن أبي أوفى : أنَّ رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لَقِيَ فيها العدوَّ انتظر حتى إذا مَالَتِ الشمس قام فيهم فقال: يا أيها الناس، لا تَتَمَنَّوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لَقِيتُمُوهم فاصبروا، واعلموا أنَّ الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال النبي ﷺ: اللهم مُنْزِلَ الكتاب، ومُجْرِيَ السَّحاب، وهازم الأحزاب، اهْزِمْهُم، وَانْصُرْنا عليهم.

408- وعن سهل بن سعدٍ السَّاعِدِيِّ : أنَّ رسول الله ﷺ قال: رِبَاطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سَوْطِ أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوْحَة يَرُوحُهَا العبد في سبيل الله أو الغَدْوَة خيرٌ من الدنيا وما عليها.

409- وعن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: انْتَدَبَ اللهُ -ولمسلمٍ: تَضَمَّنَ اللهُ- لمَن خرج في سبيله، لا يُخْرِجُه إلا جهادٌ في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسولي، فهو عليَّ ضَامِنٌ أن أُدْخِلَه الجنة، أو أُرْجِعَه إلى مَسْكَنِه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ.

410- ولمسلمٍ: مَثَلُ المُجَاهِد في سبيل الله -والله أعلم بمَن يُجَاهِد في سبيله- كَمَثَل الصائم القائم، وتَوَكَّلَ الله للمُجَاهِدِ في سبيله إنْ تَوَفَّاه أنْ يُدْخِلَه الجنة، أو يُرْجِعَه سالِـمًا مع أجرٍ أو غنيمةٍ.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث كلها تتعلق بالجهاد، والجهاد من أفضل القُربات والأعمال الصالحات، بل هو أفضل القُربات عند جمعٍ من أهل العلم.

قد يكون واجبًا على العين، أو يكون واجبًا على الكفاية، وهو بجميع أنواعه من أفضل الأعمال الصالحات، فينبغي لأهل الإسلام أن يُعْنَوا بالجهاد، وأن يحرصوا عليه؛ لما فيه من إعزاز الإسلام، وإعلاء الكلمة، ودعوة الناس إلى دين الله، وجهادهم على ذلك، وتكثير المسلمين، ونصر الدين، وحماية بلاد المسلمين، ففيه مصالح عظيمةٌ، والله شرعه لما فيه من الخير العظيم بإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن إنقاذ الناس من الشرِّ والكفر، ومن إعلاء كلمة الله ونصر دينه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:10- 11].

فالجهاد من التجارة العظيمة الرابحة، قال تعالى: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41]، وقال : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ .. الآية [التوبة:111]، وهو واجبٌ على ولاة أمر المسلمين بالجملة مع القُدرة، ويجب في بعض الأحيان على العين؛ كما إذا حضر الصفين، أو استَنْفَرَه الإمام، أو هجم على بلده العدو، ويكون سُنةً إذا قام به مَن يكفي صار في حقِّ الباقين سُنةً.

ومما ورد فيه هذه الأحاديث: حديث عبدالله بن أبي أوفى ، عن النبي ﷺ أنه كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى زالت الشمس، هذا يدل على أنه إذا ارتفع النهار فالأفضل أن ينتظر الجيش حتى الزوال، حتى تهبَّ الرياح وينزل النصر، فإذا زالت الشمس أغاروا.

وفيه: لا تَتَمَنَّوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فالمؤمن لا يتمنى لقاء العدو، ولكن يسأل ربَّه العافية.

قال جماعةٌ من أهل العلم: معناه: لا تتمنوا لِقَاء العدو على سبيل العُجْب والأمن ونحو ذلك، أو الفخر والخيلاء، أو الرياء، أما تمني لقاء العدو رغبةً في الجهاد وحرصًا على الجهاد فليس داخلًا في النهي؛ لأن الله شرع للمسلمين أن يجتهدوا في الجهاد، وأن يشرعوا فيه، وأن يرغبوا فيه، وأن يُساهموا فيه.

واسألوا الله العافية أي: يسأل ربه العافية؛ لأنه قد يحضر الجهاد ويَجْبُن وتتغير نيته، فيسأل ربه العافية، فإذا لقي العدو فليصبر، وليُخلص لله، وليقصد بجهاده وجه الله والدار الآخرة وإعلاء دين الله.

واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف إشارةٌ إلى أن الجهاد من أسباب دخول الجنة، وأن سَلَّ السيوف في الجهاد في سبيل الله، وهكذا استعمال الرماح وغيرها من أدوات الحرب هو من أسباب دخول الجنة والنَّجاة من النار لمن أصلح الله نيته.

ثم قال ﷺ: اللهم مُنْزِلَ الكتاب، ومُجْرِيَ السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم هذا فيه الحثُّ على الجهاد، والترغيب فيه، والدعاء: أن المسلمين يدعون ربهم أن الله يُعينهم وينصرهم على عدوهم ولو كانوا أكثر الناس، فقد يُهزم الكثير، ويُنْصَر القليل، فلا ينبغي أن يُعْجَبوا بكثرتهم، ولا بقوتهم، ويسألون الله العافية، ويستعينون به ، قال تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25]، فالكثرة قد يُخذل أهلها إما لِعُجْبٍ، وإما لغيره.

فالواجب على أهل الإيمان وإن كثروا أن يلجؤوا إلى الله، ويضرعوا إليه، ويطلبوا منه النصر، وألَّا يُعْجَبوا بكثرتهم أو بقوتهم أو غير ذلك، بل عليهم أن يُخلصوا لله ويسألوه النصر .