في الحديث الثاني يقول عليه الصلاة والسلام: رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغَدْوَة خيرٌ من الدنيا وما عليها.
هذا فيه فضل الجهاد في سبيل الله والمُرابطة، وأن رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها.
الرباط: لزوم الثغور -ثغور المسلمين- لحمايتها من العدو؛ لحديث سلمان: رباط يومٍ أو ليلةٍ في سبيل الله خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامه، فإنَّ المُرابط يجري عليه عمله، ويأمن الفَتَّان، يعني: يأمن فَتَّان القبر.
فالمُرابطة في سبيل الله من أسباب دخول الجنة، ومن أسباب أن العبد يجري عليه رزقه وعمله، ويأمن فتنة القبر بسبب جهاده وتقديم نفسه لله ، صابرًا، مُحْتَسِبًا؛ لإعلاء كلمته.
وهكذا موضع سوط أحدكم في الجنة موضع السوط شيءٌ يسيرٌ خيرٌ من الدنيا وما عليها، المقصود الإشارة إلى أن الجنة لا يعدلها شيءٌ، وأن الشيء القليل منها خيرٌ من الدنيا وما عليها، كيف وأهل الجنة يُعطون فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشرٍ، ويُعطون ما طلبوا، وما اشتهوا.
وهكذا الرَّوحة في سبيل الله أو الغَدْوَة وهي التَّوجه للقاء العدو في الصباح أو المساء للقتال خيرٌ من الدنيا وما عليها.
في الحديث الثالث يقول ﷺ: انْتَدَبَ الله لمَن جاهد في سبيله، وفي روايةٍ: تَضَمَّن الله لمَن جاهد في سبيله، وفي روايةٍ: تَوَكَّلَ الله لمَن جاهد في سبيله إن تَوَفَّاه أن يُدخله الجنة، وإن ردَّه ردَّه بأجرٍ أو غنيمةٍ.
فالمجاهد في سبيل الله على خيرٍ عظيمٍ إن قُتِلَ أو سَلِمَ، فهو على خيرٍ عظيمٍ إذا أخلص لله ، فالله وعده وضمن له الجنة، وهو سبحانه الوفي الصادق جلَّ وعلا: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111].
وفي اللفظ الآخر: مثل المجاهد في سبيل الله، والله أعلم بمَن يُجاهد في سبيله هو الذي يعلم نياتهم، ويعلم ما في قلوبهم مثل الصائم القائم يعني: الصائم الذي لا يُفطر، والقائم الذي لا يَفْتر، وفي اللفظ الآخر: أما إنك لو قمتَ مثل ذلك لم تبلغ أجر المجاهدين في سبيل الله، لما سُئل عن عملٍ يعدل الجهاد قال عليه الصلاة والسلام: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تُفطر، وأن تقوم ولا تَفْتُر؟ قال: ومَن يُطيق ذلك يا رسول الله؟! قال: أما إنك لو قمتَ مثل ذلك لم تبلغ أجر المجاهدين.
فالجهاد له فضلٌ عظيمٌ، وعواقب حميدةٌ، وأجورٌ مُضاعفةٌ، وحسناتٌ مُضاعفةٌ، فينبغي لأهل الإسلام أن يرغبوا فيه، وألَّا ..... عنه، وهو اليوم قائمٌ وموجودٌ: جهاد أعداء الله من الشيوعيين على يد إخواننا الأفغان ومَن معهم من غيرهم، وهو جهادٌ إسلاميٌّ شرعيٌّ، فينبغي أن يُشارِك فيه المسلم إذا تيسر له ذلك بنفسه أو ماله.
وهكذا جهاد اليهود من طريق المسلمين في فلسطين جهادهم شرعيٌّ، فمَن له قُدرةٌ من الأخيار يُجاهِد في سبيل الله في فلسطين فينبغي أن يُساعد على قتال أعداء الله من اليهود.
وهكذا في الفلبين أيضًا إخوانٌ لنا يُجاهدون النصارى هناك الذين اعتدوا عليهم، وخرَّبوا بلادهم، وقتلوا منهم الشيء الكثير.
والقاعدة: كل جهادٍ في سبيل الله تنبغي المشاركة فيه بالمال والنفس، والمسلمون إخوةٌ يتناصرون بالحقِّ، ويتعاونون على البرِّ والتقوى.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الجهاد":
411– وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مَكْلُومٍ يُكْلَمُ في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكَلْمُه يَدْمَى، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.
412- وعن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: غَدْوَةٌ في سبيل الله أو رَوْحَةٌ خيرٌ مما طلعتْ عليه الشمس أو غربتْ.
413- وعن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ: غَدْوَةٌ في سبيل الله أو رَوْحَةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها.
414- وعن أبي قتادة الأنصاري قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْنٍ -وذكر قصةً- فقال رسول الله ﷺ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا له عليه بَيِّنَةٌ فله سَلَبُه\، قالها ثلاثًا.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالجهاد وفضله وما يحصل لمَن قتل قتيلًا في سبيل الله من الأجر مع ما ينفعه في الدنيا.
في الحديث الأول يقول عليه الصلاة والسلام: ما من مَكْلُومٍ يُكْلَمُ في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكَلْمُه يَدْمَى، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.
الكَلْمُ: الجرح، والمكلوم: المجروح.
يعني: ما من مسلمٍ يُجْرَح في سبيل الله برمحٍ أو سيفٍ أو رميةٍ أو غير ذلك إلا جاء يوم القيامة وكَلْمُه يَدْمَى، يعني: يجري، يُقال: دَمِيَ يَدْمَى، مثل: رَضِعَ يَرْضَع، أي: سال الدَّم.
اللون لون الدم المعروف والريح ريح المسك لونه في نظر الناظر لون الدم، ولكن الريح ريح المسك؛ لكونه أُريق في سبيل الله، والله جلَّ وعلا جعل فيه هذه الرائحة الطيبة؛ لكونه دمًا وقع في سبيله، وخرج في سبيله وطاعته ، مثلما في الحديث الآخر: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، خلوفه هو: ما يتصاعد من جوفه من الرائحة حال صيامه أطيب عند الله من ريح المسك، وهكذا دم الشهيد لونه لون الدم، والريح ريح المسك؛ إظهارًا لفضله وشرفه.
وفي الحديث الثاني والثالث الدلالة على فضل الغَدْوَة في سبيل الله والرَّوْحَة، وأنها خيرٌ من الدنيا وما عليها، وخيرٌ مما طلعتْ عليه الشمس.
هذا فيه فضلٌ عظيمٌ للجهاد؛ لكون المؤمن يَغْدُو صباحًا لقتال العدو، أو يروح رواحًا لقتال العدو خيرٌ من الدنيا وما عليها.
تقدم حديث سهل بن سعدٍ، يقول ﷺ: رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوْحَة يروحها العبد في سبيل الله أو الغَدْوَة خيرٌ من الدنيا وما عليها، وما ذلك إلا لأن نعيم الجنة نعيمٌ باقٍ، لا مثيل له في الفضل، ونعيم الدنيا مهما كان فهو زائلٌ مُؤقتٌ، فلا يستويان.
وفي حديث أبي قتادة الدلالة على أن مَن قتل قتيلًا له عليه بينةٌ فإنه يُعطى سَلَبُه، هذا من تقدير المقاتل والمجاهد، ومن تشجيعه على الإقدام والجُرْأَة والشَّجاعة حتى يَقْتُل من أعداء الله ما أمكنه.
وتقدم أن المقصود من الجهاد دعوتهم إلى الله، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ليس المقصود أموالهم، وليس المقصود نساءهم، ولا ذُرياتهم، ولا قتلهم، ولكن المقصود أن نُخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن نُنقذهم من أسباب الهلاك بدعوتهم إلى الله، فإذا أبوا وعاندوا قاتلناهم.
وهكذا فيمَن تُقبل منه الجزية، لا بد من امتناعه من الجزية، فإذا امتنع من الجزية، وامتنع من الإسلام قُوتِلَ، وإذا كان ليس من أهل الجزية كالعرب الوثنيين فإنهم يُقاتلون: إما الإسلام، وإما السيف، وإنما تُؤخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس.
فالواجب على المؤمن الإقدام والقوة في هذا السَّبيل، وعدم الجبن، وعدم الخور، والنفوس بيد الله، والأرواح بيد الله، متى تمَّ الأجل فلا حيلة فيه، سواء جاهد أو لم يُجاهد.
والسَّلَب هو ما مع القتيل من دابةٍ -فرسٍ أو ناقةٍ أو غيرها- هكذا سلاحه وملابسه من درعٍ وغيره، كلها يأخذها القاتل: فله سَلَبُه أجمع، إذا بارزه في الحرب فقتله، أو قصد له في الصفِّ فقتله، أو في أي مكانٍ فقتله؛ فله سَلَبُه، إذا عُرِف أنه قتله، ثبت أنه قتله فيُعطى دابته، ويُعطى سلاحه، ويُعطى ملابسه، وكل ما معه لهذا القاتل غنيمةً مُعجَّلةً، غير حقِّه في الغنيمة العامة، غير قسمه من الغنيمة، هذا شيءٌ خاصٌّ.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الجهاد":
415- وعن سلمة بن الأكوع قال: أتى النبيَّ ﷺ عينٌ من المشركين وهو في سفرٍ، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انْفَتَلَ، فقال النبيُّ ﷺ: اطْلُبُوه وَاقْتُلُوه، فقتلتُه، فَنَفَّلَنِي سَلَبَه.
وفي روايةٍ: فقال: مَن قَتَلَ الرجل؟ فقالوا: ابن الأكوع. فقال: له سَلَبُه أجمع.
416- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله ﷺ سَرِيَّةً إلى نجدٍ، فخرجتُ فيها، فأصبنا إبلًا وغنمًا، فبلغتْ سُهْمَانُنا اثني عشر بعيرًا، ونَفَّلَنَا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا.
417– وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: إذا جمع الله الأولين والآخرين يُرْفَع لكل غادرٍ لواءٌ، فيقال: هذه غَدْرَة فلان بن فلانٍ.
418– وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن امرأةً وُجِدَتْ في بعض مغازي النبي ﷺ مَقْتُولَةً، فأنكر النبي ﷺ قتل النساء والصبيان.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالجهاد، وتقدم أنَّ الجهاد في سبيل الله من أفضل القربات، ومن أعظم الطاعات، بل هو أفضل التَّطوعات عند المحققين من أهل العلم؛ لما فيه من الخير العظيم والمصالح الجَمَّة من عزِّ الإسلام وإعلاء كلمته، ودحض الكفر وأهله، وتوسيع رُقْعَة الإسلام، ونشر الدعوة إليه، إلى مصالح كثيرةٍ.
وقد يكون فرض عينٍ على الإنسان إذا حضره .....
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
كتاب العِتْق
427- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: مَن أَعْتَقَ شِرْكًا له في عبدٍ، وكان له ما يبلغ ثمن العبد؛ قُوِّمَ عليه قيمة عدلٍ، فأعطى شركاءَه حِصَصَهم، وعَتَقَ عليه العبدُ، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ.
428- وعن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: مَن أَعْتَقَ شِقْصًا له من مملوكٍ فعليه خلاصه في ماله، فإنْ لم يكن له مالٌ قُوِّمَ المملوكُ قيمةَ عَدْلٍ، ثم اسْتُسْعِيَ العبد غير مَشْقُوقٍ عليه.
باب بيع المُدَبَّر
429- عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: دَبَّرَ رجلٌ من الأنصار غلامًا له.
وفي لفظٍ: بلغ النبيَّ ﷺ أنَّ رجلًا من أصحابه أَعْتَقَ غلامًا له عن دُبُرٍ، لم يكن له مالٌ غيره، فباعه رسول الله ﷺ بثمانمئة درهمٍ، ثم أرسل بثمنه إليه.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالعتق والاستسعاء.
في الحديث الأول يقول عليه الصلاة والسلام: مَن أعتق شِرْكًا له في عبدٍ قُوِّم عليه قيمة عدلٍ، فأعطى شُركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق.
وفي اللفظ الثاني: فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مالٌ .. استُسْعِيَ العبد غير مشقوقٍ عليه يعني: في الباقي.
والمعنى: أن الذي يكون له شِرْكٌ -شِقْص- في عبدٍ؛ كأن يكون له ربعه، أو خمسه، أو أقلّ، أو أكثر، إذا أعتقه يلزمه عتق الباقي؛ حتى لا يبقى العبد مُبَعَّضًا، إذا كان مُوسِرًا يلزمه عتق الباقي.
إذا مات إنسانٌ –مثلًا- عن عبدٍ أو أمةٍ، وخلفه أربعة أولادٍ أو أكثر أو أقلّ اشتركوا، فإذا أعتق واحدٌ منهم حِصَّته يلزمه عِتْق الباقي للورثة، يلزمه عِتْق الباقي بالقيمة -قيمة العدل- يُثَمَّن بأثمان مثله، ويُسلِّم شركاءه قيمة حصصهم إلا أن يسمحوا بالعتق.
وإن كان عاجزًا، ما يستطيع؛ عَتَقَ نصيبه فقط، ويبقى العبد مُبَعَّضًا، فإن كان يستطيع العمل استُسْعِي، إذا كان العبد يستطيع العمل مثل: بنَّاء أو مهندسٍ أو عاملٍ أو خيَّاطٍ، يعني: عنده عملٌ، فإن ولي الأمر يستسعيه، يعني: يُقَوِّمه بالقيمة التي تُناسب مثله، ثم تُجعل حِصَصًا عليه، كل سنةٍ كذا من عمله، يُسْتَسْعى له من عاملٍ أو خيَّاطٍ أو مهندسٍ على حسب معرفته، ويُقال: عليك كل شهرٍ كذا، أو كل سنةٍ كذا للورثة أو للشريك حتى تُسدد الذي عليك، حتى لا يبقى مُبَعَّضًا؛ لأن التَّبعيض يضره ويشقُّ عليه، فمن رحمة الله: أن شرع عتقه على مَن أعتقه، أي: يلزمه عتقه إذا كان مُوسِرًا، وإن كان عاجزًا لا يستطيع إعتاقه عَتَقَ نصيبه، وبقي الباقي رقيقًا يُسْتَسْعَى فيه إذا كان له عملٌ.
أما إن كان الرقيق ما يستطيع العمل يبقى مُبَعَّضًا حتى يُعْتِقَه الشركاء، أو يبيعون حِصَصَهم، فيشتريها ويُعْتِقه.
أما المُدَبَّر فهو الذي يُعْتَقُ عن دُبُرٍ، يعني: تعليقًا بالموت، هذا المُدَبَّر، يعني: الموت دُبُر الحياة، آخر الحياة، فإذا قال: عبدي هذا حرٌّ إذا مِتُّ، أو أَمَتي هذه حرَّةٌ إذا مِتُّ، عتيقة. هذا يكون من الثلث؛ لأنها وصيةٌ، ..... وإن هوَّن وباعه وتصرف فيه فلا بأس، كالوصية.
لو قال: بيتي هذا بعد موتي وصية .... أو بكذا، أو قال: أرضي وصية. له أن يرجع قبل أن يموت، له أن يرجع في الوصية.
ولهذا باع النبي ﷺ هذا العبد وأعطاه صاحبه؛ ليقضي دَينه، كان عليه دَينٌ، وفي روايةٍ: أنه احتاج، فباعه النبي ﷺ، وقال: اقضِ دَينك، بدلًا من الوصية يبيعه ويقضي دَينه، ولا يُبْقِيه وصيةً؛ لأن الدَّين أهمّ ومُقدمٌ.
وهكذا الأموال الأخرى: لو أوصى –مثلًا- ببيتٍ أو أُضحيةٍ أو أرضٍ أو دكانٍ، ثم مات وعليه دَينٌ، وليس عنده شيءٌ يُوفَى منه إلا هذا البيت، أو هذا الدكان؛ يُباع ويُسدد به الدَّين، والوصية تبطل إلا إذا سمح أهل الدَّين وقالوا: مُسامحون. فلا بأس.
وفَّق الله الجميع.
***
420- وعن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني النَّضِير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يُوجِفِ المسلمون عليه بخيلٍ ولا رِكَابٍ، وكانت لرسول الله ﷺ خالصًا، فكان رسول الله ﷺ يعزل نفقة أهله سنةً، ثم يجعل ما بقي في الكُرَاع والسلاح عُدَّةً في سبيل الله .
421- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: أجرى النبيُّ ﷺ ما ضُمِّرَ من الخيل من الَحفْيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الوداع، وأَجْرَى ما لم يُضَمَّرْ من الثَّنية إلى مسجد بني زُرَيْقٍ. قال ابن عمر: وكنتُ فيمَن أجرى.
قال سفيان: من الحَفْيَاءِ إلى ثنية الوداع خمسة أميالٍ أو ستةٌ، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زُرَيْقٍ مِيلٌ.
422– وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: عُرِضْتُ على رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ وأنا ابن أربع عشرة سنةً فلم يُجِزْنِي، وعُرِضْتُ عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنةً فَأَجَازَنِي.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بأمر الجهاد.
تقدم أن الجهاد من القُرب العظيمة، ومن أفضل التطوعات، بل هو أفضل التطوعات؛ لما فيه من نشر الإسلام والدعوة إليه، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وغير ذلك من المصالح العظيمة.
وهو فرض كفايةٍ في بعض الأحيان، وواجبٌ على الأعيان في بعض الأحيان، وسنةٌ بالنسبة إلى بعض الناس.
وقد أكثر الله من ذكره في كتابه العظيم، والحثّ عليه بالنفس والمال، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:10- 11]، ويقول سبحانه: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41]، ويقول : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ .. الآية [التوبة:111]، ويقول ﷺ: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم، ويقول عليه الصلاة والسلام: مثلُ المجاهد في سبيل الله -والله أعلم بمَن يُجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم.
فالجهاد له شأنٌ عظيمٌ في نصر الإسلام وحمايته، ونشر دعوته، وبَسْط أحكامه، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتوسيع رُقْعَة الإسلام، إلى غير هذا من المصالح العظيمة.
وهذه الأحاديث منها حديث عبدالرحمن بن عوف والزبير رضي الله عنهما في ترخيص النبي ﷺ لهما في لبس الحرير، وهذا يدل على أنه إذا أصابت الإنسان حِكَّةٌ أو مرضٌ في الجلد ينفع منه الحرير فلا بأس أن يلبسه المسلم لهذا العلاج؛ لأن تحريمه ليس تحريمًا عامًّا، وإنما هو تحريمٌ خاصٌّ، للرجال خاصةً، ومُباحٌ للنساء، فليس من جنس الميتة، وليس من جنس الخنزير، وإنما هو تحريمٌ خاصٌّ كتحريم الذهب على الرجال دون النساء، فإذا كانت المصلحة تقتضي لبسه للرجل من أجل الدواء والعلاج فلا بأس؛ ولهذا رخَّص لهم النبي ﷺ في غزوةٍ من الغزوات في لبسه؛ لعلاج الحِكَّة التي بهم بسبب القمل الذي أصابهم.
وفي الحديث الثاني بيان أن ما أوجف عليه المسلمون بالخيل والرِّكاب هذا يكون في الغنيمة، وفيه الخمس لبيت المال، وأما ما لم يُوجِف عليه المسلمون، بل تركه الكفار؛ خوفًا من المسلمين، أو أجلاهم ولي الأمر لمضرتهم وشرِّهم، فإنه يكون لبيت المال؛ ولهذا قال جلَّ وعلا: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ يعني: من الكفار فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحشر:6]، وصار هذا المال -وهو مال بني النَّضير- للرسول ﷺ خاصةً، يعني: في بيت المال، يأكل منه ﷺ، يعزل نفقة أهله، والباقي يجعله في الكُرَاع والسلاح عُدَّةً في سبيل الله .
وهكذا ولي الأمر: بيت المال ليس له، ولكن يأخذ منه حاجته وحاجة أهله بالقسط، بالتوسط، والباقي يكون في مصالح المسلمين: في الجهاد، وغير ذلك من مصالح المسلمين.
وفيه من الفوائد: أنه لا بأس أن يعزل الإنسان نفقة أهله سنةً، لا بأس أن يجعل له نظامًا خاصًّا في حفظ بعض الأموال سنةً كاملةً للنفقة، ولا بأس إذا كان أكثر من ذلك، إذا أدَّى الحقوق من الزكاة وغيرها فلا حرج، إذا كانت عنده أموالٌ كثيرةٌ –تجارة- إذا أدَّى حقَّها.
وفيه من الفوائد -حديث ابن عمر- إجراء الخيل للمسابقة، والمسابقة سُنةٌ، تُعرف الفرس الطيبة، والناقة الطيبة.
كان النبي ﷺ يُسابق بين الخيل، وبين الإبل، وكان ابن عمر ممن سابق في الخيل، وكانت الخيل قسمين:
- قسمٌ مُضَمَّرٌ، يعني: مُهيَّأ للسباق.
- وقسمٌ غير مُضَمَّرٍ.
والمُضَمَّر هو الذي يُعْتَنَى به قبل السباق بعلفٍ خاصٍّ، وطريقةٍ خاصةٍ، حتى يستعدَّ للسباق ..... صالحًا للمُسابقة، وهذا يكون أمده طويلًا، مسافةً طويلةً.
أما الخيل التي ما ضُمِّرَتْ تكون مسافتها أقلّ؛ لأنها مما تتحمل، لم تُعدَّ.
قال سفيان: كان أمد الخيل المُضَمَّرة من الحَفْيَاء إلى ثَنِيَّة الوداع خمسة أميالٍ أو ستة، والتي لم تُضَمَّر كان أمدها ميلًا، يعني: قريبًا من خُمْس مسافة المُضَمَّر.
هذا يُفيد شرعية المسابقة الشرعية بين الخيل والإبل؛ حتى يُعرف جيدها من غيره، وحتى تكون مُعدَّةً إعدادًا صالحًا للجهاد.
وهكذا المسابقة بالرمي؛ حتى يكون المسلم جيد الرمي، إذا رمى أصاب الهدف.
النِّضال -وهو المسابقة بالرمي- مطلوبٌ؛ حتى يعتاد الرمي، يقوى، تقوى يده على ذلك، وبصره على ذلك، وحتى يَتَمَرَّن على كيفية الرمي، وكيفية إصابة الهدف، حتى لا تطيش رمايته عن الهدف، إذا تعلم وتَمَرَّن في المسابقة بالرمي صار ذلك من أسباب إصابته العدو إذا قصده.
والهدف يُسمى اليوم: الشبح، يضعون شيئًا معلومًا: حجرًا أو ما أشبه ذلك، ولا يكون فيها عِوَضٌ، لا بأس بها لكن بدون عِوَضٍ؛ لقوله ﷺ: لا سبق أي: لا عِوَض إلا في نَصْلٍ، أو خُفٍّ، أو حافرٍ»، النَّصْل: الرمي، أو خفّ: الإبل، أو حافر: الفرس.
وفي حديث ابن عمر –الرابع- الدلالة على أن الطفل إذا كَمَّلَ خمس عشرة سنةً صلح للقتال، وصلح لغيره مما يعمله المُكَلَّفون، وأنه ببلوغ خمسة عشر صار مُكَلَّفًا، وصار من جملة الرجال.
قال ابن عمر: عُرِضتُ على النبي ﷺ يوم أحدٍ، فلم يُجزه أن يُقاتل؛ لأنه دون خمسة عشر، وعُرض عليه يوم الخندق وقد بلغ خمسة عشر فأجازه للقتال، وفي اللفظ الآخر: "فأجازني، ورآني قد بلغتُ"، فدلَّ ذلك على أن مَن كان دون خمسة عشر لا يُجاز في القتال؛ لأنه وليدٌ، طفلٌ، لا يُجاز؛ لأنه قد يُخْدَع، وقد لا يُتْقِن الرماية كما ينبغي، ولم يبلغ حدَّ التكليف.
في الغالب خمسة عشر، ما دون خمسة عشر -في الغالب- ما بعد بلغ، لا بالإنبات، ولا بالاحتلام.
فالحاصل أنه إذا بلغ خمس عشرة سنةً صار من المُكَلَّفين، وهذا حدٌّ واضحٌ في السنِّ، وقد يبلغ بغير السنِّ: كالإنزال، والاحتلام، وغيرهما من أسباب الشهوة.
وقد يبلغ بالإنبات؛ إنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهي الشِّعْرَة.
هذه الأمور الثلاثة هي الدلائل على بلوغ الحُلُم، وهي: الإنبات، الإنزال، الشهوة، وإكمال خمس عشرة سنةً.
وهكذا المرأة مثله؛ إذا أنبتتْ، أو بلغتْ خمس عشرة سنةً، أو أنزلتْ باحتلامٍ أو غيره بلغتْ، وتزيد المرأة أمرًا رابعًا هو: الحيض، إذا حاضتْ صارتْ مُكلَّفةً.
وفيه من الفوائد: أن الصبيان يُمنعون من المُقاتلة، الصبيان يُمنعون؛ لأنهم قد يُفَرِّطون، قد يُسببون هزائم على الناس؛ لجهلهم وقِلة بصيرتهم، وقد يضرونهم في اشتراكهم في القتال؛ لعدم بلوغهم حدّ التَّمييز والبصيرة التي تُعينهم على القتال والكَرِّ والفَرِّ، فما داموا لم يبلغوا يُمنعون، كما منع النبي ﷺ ابن عمر حتى بلغ.
وفَّق الله الجميع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الجهاد":
423– وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قَسَمَ في النَّفَلِ للفرس سهمين، وللرَّاجل سهمًا.
424– وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ كان يُنَفِّلُ بعض مَن يبعث من السَّرَايا لأنفسهم خاصةً سِوَى قَسْم عامة الجيش.
425- وعن أبي موسى عبدالله بن قيسٍ الأشعريِّ ، عن النبي ﷺ قال: مَن حمل علينا السلاح فليس منا.
426– وعنه قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الرجل يُقاتل شجاعةً، ويُقاتل حَمِيَّةً، ويُقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ: مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله .
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالجهاد والنَّفل والإخلاص.
سبق أن الجهاد فضله عظيمٌ، ومصالحه كثيرةٌ، وأصله فرضٌ على المسلمين، فرض كفايةٍ، وقد يجب على الأعيان، فإذا لم يكن فرضًا صار في حقِّ الشخص سُنةً، ومن أفضل العبادات، وأفضل القُربات.
وهو من وسائل إعلاء كلمة الله، ومن وسائل نشر الإسلام، وتكثير المسلمين، وتنفيذ أحكام الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وله مصالح كثيرةٌ؛ ولهذا شرعه الله لعباده وأوجبه في الجملة، وعظَّم شأن أهله، حتى قال جلَّ وعلا في كتابه العظيم: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ [التوبة:111]، وقال جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:10- 11]، وقال جلَّ وعلا: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41]، والآيات في ذلك كثيرةٌ.
ويقول النبي ﷺ: مثل المجاهد في سبيل الله -والله أعلم بمَن يُجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم.
وفي هذا يقول ابن عمر: أن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين، وللراجل سهمًا. يعني: في الغنيمة، وهذا لأن الفارس له أثرٌ عظيمٌ في الجهاد، والفرس لها مؤونةٌ؛ فلهذا صار نصيب الفارس من الغنيمة أكثر؛ لأنه ينفع في الكَرِّ والفَرِّ وكِرَاع الأعداء أكثر مما ينفع الراجل، فيكون له ثلاثة أسهمٍ؛ الفرس لها سهمان، والراكب له سهمٌ، أما الراجل فله سهمٌ واحدٌ.
فقوله: "للفرس سهمين" يعني: للفرس سهمين غير سهم راكبها، فيكون الجميع ثلاثة أسهمٍ ..... للراجل سهمٌ واحدٌ.
وفي الحديث الثاني يقول : كان ﷺ يُنَفِّل بعض مَن يبعث من السرايا لأنفسهم خاصةً سوى قَسْم عامة الجيش.
التَّنْفيل أي: الزيادة، سُميت: أنفالًا، يعني: ما يُزاد للمُجاهدين على سهامهم.
وتُطلق الأنفال على الغنيمة؛ لأن الله نَفَّلَها المسلمين وسلَّمها للمُجاهدين.
فالنَّفل المراد هنا: كونه يُعطى المجاهد زيادةً على سهمه من أجل غنائه؛ لما حصل منه في الإسلام.
وكان يُنَفِّل في بعض السرايا إذا بعثهم من الجيش.
السَّرية: قطعةٌ من الجيش يبعثها ولي الأمر بأن تغزو بعض القرى أو بعض القبائل ثم ترجع، فَيُنَفِّلهم شيئًا من الغنيمة زيادةً من الخُمس؛ لأنهم في انفرادهم عن الجيش قد يحصل لهم بعض الخطر، فإذا غامروا وصبروا يكونوا جديرين بأن يُشجعوا ويُعطوا زيادةً.
كان يُعطي في البَدْأَة الرُّبع، وفي الرجعة الثلث بعد الخُمس؛ تشجيعًا لهم، وتقديرًا لأعمالهم وجهادهم، فإذا رجعوا نزع لهم الثلث ووزعه بينهم، والباقي للغانمين بعد الخُمس، وفي البَدْأَة الرُّبع، في البَدْأَة يُعطون الربع بعد الخُمس؛ لأنهم في البَدْأَة أقلّ خطرًا، بخلاف ما إذا كان بعد رجوع الجيش، فقد يكون عليهم الخطر أكثر.
وقد يُنَفِّلهم عمومًا على الغنائم التي صارتْ لهم من نفس الخُمس -زيادةً من نفس الخُمس- تقديرًا لأعمالهم وجهودهم وجهادهم، كما تقدم في حديث ابن عمر: أن كل واحدٍ حصَّل من الغنيمة اثني عشر بعيرًا، ونَفَّلهم النبيُّ ﷺ بعيرًا بعيرًا زيادةً من الخُمس.
وولي الأمر ينظر في المصلحة ويُعالج الأمور بما يقتضي تشجيع المجاهدين، وتقدير أهل النِّكاية في العدو ..... أكثر من غيرهم؛ حتى يكون لهم البلاء والجهاد أعظم من غيرهم بسبب تقديرهم وتنفيلهم.
ويقول ﷺ: مَن حمل علينا السلاح فليس منا هذا وعيدٌ، والمعنى: أنه لا يجوز حمل السلاح على ولي أمر المسلمين والخروج عن الطاعة، بل يجب السمع والطاعة لولاة الأمور، وعدم شقِّ العصا.
ومَن حمل السلاح يعني: خرج على ولاة الأمور بشق العصا وتفريق الكلمة، وهي الثورات التي تحصل من بعض الناس على ولاة الأمور، ويُسمونها: الانقلاب، أو ما يُسببه الانقلاب.
إذا كان ولي الأمر ثابتًا على الإسلام، لم يأتِ كُفرًا بَوَاحًا، فإنه لا يجوز الخروج عليه، ولا شقّ العصا؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: مَن أتاكم وأمركم جميعٌ يريد أن يُفرق جماعتكم فاقتلوه، ويقول: مَن حمل علينا السلاح فليس منا.
وسُئل عليه الصلاة والسلام عن الرجل يُقاتل شجاعةً، ويُقاتل حَمِيَّةً -أي: حميةً لقومه وجماعته- ويُقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام بقوله: مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
الذين يُقاتلون من أجل إظهار الشجاعة، ما هو من أجل الله، بل ليُقال: إنه شجاعٌ، وإنه جريءٌ ومِقْدَامٌ، هذا ليس من المجاهدين، وليس له أجر الجهاد.
أو يُقاتل حميةً لقومه، لا لقصد الأجر، بل حميةً لعشيرته وجماعته.
أو يُقاتل رياءً؛ لِيُثْنَى عليه ويُقال: إنه كذا وكذا.
هؤلاء ليسوا في سبيل الله، وإنما المجاهد في سبيل الله الذي يُقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله، يُقاتل لإعلاء الإسلام، لنشر الإسلام، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، للدفاع عن المسلمين، هذا هو الذي يُقاتل في سبيل الله، وهو الموعود بالجنة والكرامة إذا قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله.
وقد يُبتلى الإنسان، فإذا بُلِيَ صار قتاله مشروعًا؛ كأن يُدافع عن نفسه، أو عن دينه، أو عن أهله، أو عن ماله، هذا أيضًا يُعتبر قتالًا شرعيًّا، إذا قُتِلَ صاحبه يكون شهيدًا؛ لأنه يُدافع عن حقٍّ؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: مَن قُتِلَ دون ماله فهو شهيدٌ، ومَن قُتِلَ دون أهله فهو شهيدٌ، ومَن قُتِلَ دون دينه فهو شهيدٌ.
وجاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله، يأتيني رجلٌ يريد مالي. يعني: يريد أخذ مالي، قال: لا تُعْطِهِ مالك، قال: فإن قاتلني؟ قال: فقاتله، قال: فإن قتلني؟ قال: فأنت شهيدٌ، قال: فإن قتلتُه؟ قال: فهو في النار؛ لظلمه وعدوانه.
فالذي يُقاتل دفاعًا عن نفسه أو أهل بيته أو ماله أو دينه بأن أُريد منه ما يُخالف دينه فهو شهيدٌ إذا قُتِلَ.
وفَّق الله الجميع.