القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال الإمام المجدد لـِمَا انْدَرَس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة، شيخ الإسلام: محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى.
الأصل الثاني: معرفةُ دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقيادُ له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان.
وكل مرتبة لها أركان؛ فأركان الإسلام خمسةٌ:
- شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
- وإقام الصلاة.
- وإيتاء الزكاة.
- وصوم رمضان.
- وحج بيت الله الحرام.
فدليل الشهادة: قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: 18].
ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، و"لا إله" نافيًا جميع ما يُعبد من دون الله، "إلا الله"، مُثْبِتًا العبادة لله وحده، لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في مُلكه.
وتفسيرها الذي يُوضِّحها قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26-28].
وقوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].
ودليل شهادة "أن محمدًا رسول الله": قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].
ومعنى شهادة "أن محمدًا رسول الله": طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يُعبَد اللهُ إلا بما شَرع.
ودليل الصلاة والزكاة وتفسيرُ التوحيد: قولُه تعالى..
الشيخ: وتفسيرِ.
القارئ:
الشيخ: وتفسيرِ.
القارئ:
وتفسيرِ التوحيد: قولُه تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5].
ودليلُ الصيام: قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].
ودليلُ الحج: قولُه تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على محمد.
يقول المؤلف رحمه الله:
الأصل الثاني من الأصول الثلاثة التي يُسأل عنها العبد في قبره: دين الإسلام.
الإسلام: يُسأل عنه في قبره: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ هذه أصول الدين الثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟
تقدَّم الكلام في الرب، وهذا الكلام في دين الإسلام.
الأصل الثاني: هو الدين.
أن تعرف دين الإسلام -الذي أنت مأمورٌ به ومفروضٌ عليك أن تستقيم عليه- الذي قال الله فيه: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]، نعم، عليك أن تعرف هذا الدين الإسلامي.
ومعنى دين الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
هذا هو دين الإسلام: توحيد الله، والإخلاص له، والقيام بأوامره وترك نواهيه، هذا هو الإسلام.
توحيد الله، وإخلاص العبادة له، وترك الإشراك به، والانقياد لطاعته بفعل الأوامر وترك النواهي، هذا على سبيل الإجمال.
الإسلام: هو توحيد الله، والإخلاص له، وترك الإشراك به، والبراءة من الشرك وأهله، والقيام بما أمر به من الطاعات، وترك ما نهى الله عنه من المعاصي، هذا هو الدين، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]، سماه الله "إسلامًا"؛ لأنه انقياد لله، ذُلٌّ لله، أَسَلَمَ: انقاد، أسلم لفلان، يعني: انقاد لفلان، أسلم لله، يعني: انقاد لله بطاعته.
فدين الإسلام: هو دين الانقياد لله بتوحيده، والإخلاص له، وطاعة أوامره، وترك الإشراك به، والبراءة من أعدائه، هذا هو دين الإسلام.
وهو ثلاث مراتب:
- مرتبة الإسلام الظاهر.
- الإيمان الباطن.
- الإحسان.
وإذا أُطلق؛ عمَّ الجميع، الإسلام يعم هذا وهذا، يعم الأعمال الظاهرة، ويعم الأعمال الباطنة التي هي الإيمان، ويعم الإحسان الذي هو كمال الإسلام، وهو أن تعبد الله كأنك تراه.
إذا أُطلق الإسلام أو الإيمان أو الإحسان؛ عم الجميع؛ كما في قوله ﷺ: الإيمان بضع وسبعون شعبة، يعم الجميع.
فالإحسان يعم الجميع، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:13]، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195].
فالمحسن: هو الذي أتى بالإسلام والإيمان، وعَبَدَ الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه؛ فإنه يراه.
لكن تفصيل الإسلام والإيمان والإحسان عند الاقتران بيَّنه المؤلف رحمه الله؛ كما في حديث جبرائيل عند الاقتران، الإسلام: للأعمال الظاهرة، والإيمان للأعمال الباطنة، والإحسان كمال هذه الطاعة، كمال الإسلام والإيمان، كماله بأن تعبد الله كأنك تراه، هذا عند التفصيل.
ولهذا لما سأل جبرائيلُ النبيَّ ﷺ عن الإسلام؛ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، هذا هو الإسلام، أركانه الظاهرة.
وهكذا الأعمال الظاهرة؛ مثل الجهاد، بَذْلُ المعروف، النهي عن المنكر، بر الوالدين، صلة الرحم، إلى غير هذا من الأمور الظاهرة، كلها داخلة في الإسلام.
وهذه الأركان لها أدلة مفردة مفصلة.
فدليل الشهادة قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]، وما جاء في معناها من الآيات فإنها كثيرة، الآيات الدالة على توحيد الله جل وعلا: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:2]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].
وأدلة كثيرة في الدلالة على توحيد الله.
وهكذا أدلة الشرك: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، إلى غير ذلك.
فالواجب على العبد أن يخص الله بالعبادة دون كل ما سواه، وأن يَدَعَ الإشراك به، وهذا هو تحقيق "لا إله إلا الله".
تحقيقها: إفراد الله بالعبادة، وترك الإشراك به .
ومعناها: لا معبودَ حقٌّ إلا الله، هذا معناها، "لا إله": لا معبود، والخبر محذوف تقديره: حقٌّ، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30].
فالآلهة كثيرة، لكن المعبود بحق هو الله وحده، وما عَبَدَه الناس من اللات والعُزَّى والأصنام وغيرها كله باطل، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ.
والإيمان بالله هو: الإيمان به، والبراءة من غيره، والكفر بالطاغوت.
فالمؤمن يؤمن بالله ويوحده، ويكفر بالطاغوت... بالعبادة، ويعتقد بطلانها.
وتفسيرها الذي يوضِّحها قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:26-27].
بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ معناها: لا إله إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي معناها: إلا الله.
وهكذا قوله جل وعلا: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64].
"لا إله إلا الله" معناها: لا نعبد إلا الله، لا نعبد معه سواه، بل نخصه بالعبادة دون كل ما سواه، هذا هو معناها.
فمن عبد مع الله غيره؛ فقد نقض هذه الكلمة وأشرك بالله .
وأما معنى شهادة "أنَّ محمدًا رسول الله"، فمعناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع، هذا معنى شهادة "أن محمدًا رسول الله".
الشهادة بأن محمدًا رسول الله، تشهد بأنه عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذَّب، فيطاع ويُتَّبع عليه الصلاة والسلام.
تقول: وأشهد أن محمدًا رسول الله، معناها: تصديقه في أخباره، وطاعة أوامره وترك نواهيه، وألا يُعبد الله إلا بشريعته، لا بالبدع والأهواء، تَعبد الله بشريعته عليه الصلاة والسلام، لا بأهوائك، ولا بآراء الرجال، ولكن بما أمر به، وبترك ما نهى عنه، هذا هو تحقيق شهادة "أن محمدًا رسول الله".
أما دليل الصلاة والزكاة: فقوله جل وعلا، ودليل تفسير التوحيد أيضًا قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، هذا تفسير التوحيد، هذا معنى "لا إله إلا الله".
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة:5]، فالله أمر بالصلاة والزكاة: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور:56]، وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]، أي: دين الملة القيمة، الملة القيمة: توحيد الله، والإخلاص له، وترك الإشراك به، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مع فعل الأوامر وترك النواهي كلها.
أما دليل الصيام فقولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، إلى أن قال: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، فالصيام هنا: هو شهر رمضان، مكتوب علينا كما كتب على من قبلنا.
الصيام: كتب علينا صيام هذا الشهر العظيم، وهو ركن من أركان الإسلام الخمسة، لا بد من أدائه لمن قَدَرَ.
أما من عجز لِكِبَرِ السِّن فإنه يُفطِر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا، وإذا سافر أو مرض؛ أفطر ثم قضى.
ودليل الحج: قولُه تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، وفي الأحاديث الصحيحة كثيرة الدلالة على ذلك؛ كحديث: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وحديث جبرائيل لما سأل النبيَّ، كلها... هذه الأركان الخمس.
ويأتي -إن شاء الله- ما يتعلق بالإيمان والإحسان.
وفق الله الجميع.
القارئ:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى:
المرتبة الثانية: الإيمان، وهو بِضْعٌ وسبعون شعبةً، فأعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان.
وأركانه ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
والدليل على هذه الأركان الستة: قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:177].
ودليل القدر: قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].
المرتبة الثالثة: الإحسان، ركن واحد: وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك، والدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، وقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:217-220]، وقوله تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ.. الآية [يونس:61].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وسلم على رسول الله.
يقول المؤلف رحمه الله: "المرتبة الثانية: وهو الإيمان".
تقدم أن دين الإسلام ثلاث مراتب:
- الإسلام، وهو المرتبة الظاهرة بالأعمال الظاهرة، سمي إسلامًا؛ لأنه ذلٌّ وانقياد لله بطاعة أوامره الظاهرة؛ ولهذا سمي إسلامًا؛ لأنه صلاة وزكاة وصوم وحج، وأعمال ظاهرة؛ كالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأشباه ذلك، كلها أعمال ظاهرة، فسميت مرتبة الإسلام، يعني: الخضوع الظاهر، والانقياد الظاهر.
- المرتبة الثانية: الإيمان، والمراد به: الأعمال الباطنة عند الاقتران، إذا جمع مع الإسلام؛ فالإيمان الأعمال الباطنة، والإسلام الأعمال الظاهرة.
فالإيمان: هو ما يتعلق بالقلب، وأركانه ستة؛ هي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
هذا الإيمان يتعلق بالقلوب، ودليل ذلك: قوله جل وعلا: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:177]، وقوله سبحانه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].
فالإيمان بالله: أنه ربُّك ومعبودك الحق وإلهك، خالق كل شيء، ورب كل شيء.
وتؤمن بالملائكة: أنهم عبيد الله، خَلَقَهم الله من النور لتنفيذ أوامره؛ منهم حملة العرش، ومنهم خزنة الجنة وخزنة النار، والموكلون بالناس، ومنهم من يتعاقبون في الناس، إلى غير ذلك، وعلى رأسهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل؛ فجبرائيل السفير بين الله وبين الرسل، وميكائيل الموكل بالقطر، بالأمطار والنبات، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور.
وقد جمعهم الرسول ﷺ في حديث استفتاحه في الصلاة: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل.. الحديث، رواه مسلم.
وكُتُبه: الكتب المنزلة من السماء، تؤمن بها، تؤمن بكتبه، وأنها كتب منزلة على الأنبياء؛ منها التوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى، والقرآن العظيم وهو أفضلها، تؤمن بالكتب المنزلة على أنبيائه، وأنها حق من كلام الله .
والرسل: تؤمن بهم جميعًا بقلبك، تصدق بقلبك أن الله أرسل الرسل؛ منهم نوح وهود وصالح، إلى غير ذلك، وخاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام، ومنهم آدم، وهو أبونا عليه الصلاة والسلام، على الصحيح أنه نبي ورسول، أوحى الله إليه بشرع، وبلَّغه ذريته، وكانوا على شرعه حتى بعث الله نوحًا، ونوح هو أول الرسل بعد وقوع الشرك، بعدما وقع الشرك في قوم نوح، بعث الله إليهم رسوله، فهو أول رسول إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك.
أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر.
اليوم الآخر: يعني: البعث بعد الموت، وأن الله يبعث الناس ويجازيهم بأعمالهم، تؤمن بالجنة والنار وجميع ما يكون يوم القيامة، كله حق.
وبالقَدَر: أنَّ الله عَلِم الأشياء كلها وقدَّرها، لا يخفى عليه خافية، عَلِم ما هو واقع في الدنيا وواقع في الآخرة، وكتب ذلك، وقدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
قال جل وعلا: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد: 22]، وقال تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70].
وفي "الصحيح" عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ وعرشُه على الماء.
وقال النبي ﷺ يومًا لأصحابه: ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا: يا رسول الله، ففيمَ العمل؟ وفي روايةٍ: «أفلا نَتَّكِل على كتابنا ونَدَع العمل؟» قال ﷺ: اعملوا، فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له، أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فسييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم تلا قوله جل وعلا: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10].
فجميع ما يعمل الناس قد سبق به علم الله من خير وشر؛ حروب، فتن، كفر وإيمان، خِصْب وجَدْب، حروب وسِلم، كلها مضى بها قدر الله.
والمرتبة الثالثة: الإحسان.
ثم ينبغي أن نعلم أنهما متى جُمِعا؛ فلا فرق بينهما؛ الإسلام للأعمال الظاهرة، والإيمان للأعمال الباطنة، أما إذا انفرد واحد منهما؛ دخل فيه الآخر، إذا انفرد الإسلام؛ دخل فيه الإيمان والإحسان، وإذا انفرد الإيمان؛ دخل فيه الإحسان والإسلام، وإذا انفرد الإحسان كذلك.
قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]، يشمل الجميع، يشمل الإيمان والإحسان، ويقول النبي ﷺ: الإيمان بضع وسبعون شعبة يشمل الجميع، فإذا أُفرِد أحدهم دخل فيه الآخر، وقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، يدخل فيه جميع أمور الدين.
فالإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه -كما في حديث جبرائيل الآتي- فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فهو أعلى المراتب: أن تعبد الله كأنك تشاهده، فإن لم يكن كذلك؛ فإنه سبحانه يراك ويعلم مكانك، وأنت بمرأًى منه.
فاعمل على هذا الاستحضار، اعمل على أنك كأنك تشاهد الله، فإن لم يتيسر لك ذلك؛ فاعمل على أنه يراك ويراقبك؛ حتى لا تُخِلَّ بما أوجب الله عليك، حتى لا تقترف ما حرم الله عليك.
ومن استحضر أنه يشاهد الله، أو استحضر أن الله يشاهده ويراه؛ امتنع من المحرمات، وامتنع من التقصير، ولكن يؤتى العبد من غفلته وإعراضه ونسيانه، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، وقال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:217-220]، وقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61]، أي: إذ تَشْرَعون فيه، فالله شاهد عليك، يرى مكانك، ويعلم أحوالك .
فالمحسن من أحسن في إسلامه وإيمانه، واستقام على الحق، فصار في الدرجة العُليا، فهو من السابقين المقربين فجاهد نفسك وحاسبها؛ لعلك تكون من السابقين، لعلك تكون من المحسنين، راقب الله، وجاهد هذه النفس في كل أعمالك؛ لتكون من أهل هذه المرتبة.
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف -رحمنا الله وإياه- شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب:
والدليل من السنة: حديث جبرائيل المشهور، عن عمر بن الخطاب قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام؟
فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، فقال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه!
قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك.
قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة رَبَّتَها، وأن ترى الحُفَاة العُرَاة العَالَةَ رِعَاء الشاء يتطاولون في البنيان.
قال: فمضى فلَبِثْنَا مَليًّا، فقال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم على رسول الله.
هذا الدليل من السنة على المراتب الثلاث: مرتبة الإسلام والإيمان والإحسان.
تقدم بيانها في كلام المؤلف وأدلتها من القرآن، وهذا دليلها من السُّنة.
وكان النبي ﷺ يومًا جالسًا للناس، يعني: أصحابه، فجاءه رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه من أصحابه أحد، وليس عليه أثر السفر، فجلس إلى النبي ﷺ قريبًا منه، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه؛ على فخذي النبي ﷺ، مبالغةً في السؤال؛ كالبادية، البادية إذا جاءوا يسألون عندهم حرص، ويَقرُبون من الرجل، يمسكونه بثوبه أو بيده أو برجله، حتى يسألوا، وهذه عادة إلى الآن، إلى الآن كثير منهم إذا جاء يسأل؛ أخذ بيدك أو ثوبك أو رجلك أو كتفك، ويسأل من شدة الحرص.
فقال: يا رسول الله، أخبرني عن الإسلام؟ بيَّن له النبي ﷺ ذلك، كما تقدم، وأنه الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.
وبعض الروايات: أنه كان جالسًا بين الناس ولم يسأل، جلس بينهم ولم يسألوا، فأرسل الله إليهم جبرائيل؛ ليعلمهم، قال: لما لم تسألوا؛ أرسل الله جبرائيل يسأل؛ حتى يستفيد الناس.
وفي هذا أن مجالس العلماء ينبغي الاستفادة منها، إذا حصل مجلس عالم؛ يسأله الحاضرون؛ حتى يستفيد الناس، إذا جلس العالِم وحوله الناس؛ ينبغي أن يقوم من حضر؛ حتى يسأل، إذا كان العالم جالسًا للفائدة، أو يُدرِّس، يَسأل عما قد يُشكِل؛ ليستفيد الحاضرون.
فأرسل الله جبرائيل لهذا الغرض، حتى يستفيد الناس، فسأله عن الإسلام، فأخبره عن أركانه الخمسة، ثم سأل عن الإيمان، فأخبره عن أركان الستة.
وكان يقول: صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه! كيف يسأل ويصدق؟! يعني: كان عنده خبر؛ لأن السائل في الغالب جاهل بما يُخبَر عنه، فكيف يصدق؟! هذا يقول: صدقت؛ ولهذا عجب الصحابة من ذلك؛ لأن جبرائيل عنده خبر من هذا الشيء؛ ولهذا قال: صدقت.
وفي هذا دلالة: أن الإسلام له أركان، وهي الأعمال الظاهرة، الإسلام يعبَّر به عن الأعمال الظاهرة، والإيمان يعبر به عما يتعلق بالقلوب.
فالأعمال الظاهرة أركانها خمسة، وهي الإسلام.
والباطنة ستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما تقدم.
ثم سأل عن الإحسان، والإحسان أعلى المقامات، وهو التكميل، تكميل ما شرع الله، المحسن المكِّمل لمراتب الإيمان والإسلام.
قال: أخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه تعبد الله كأنك تشاهده؛ لأن الإنسان إذا عبد الله كأنه يشاهده؛ استحيا من الله، ونصح في العمل، وأدى العمل على أكمل وجه.
فإن لم تكن تراه فإنه يراك يعني: فإن لم تكن تراه، ولم تَرْتَقِ إلى هذه الدرجة؛ فاعلم أنه يراك، وأنك بمرأًى منه، وأنك بين يديه، فأدِّ العمل على خير وجه، هذا الاستحضار يعطي العبد في شأنه رغبة في العمل، وإتقانًا للعمل.
ثم قال: أخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل أنا وإياك لا نعلمها، أنت وأنا كلنا لا نعلمها.
قال: أخبرني عن أماراتها، علاماتها، قال: أن تلد الأَمَةُ رَبَّتَها وفي الرواية الأخرى: ربَّها يعني: أن تَكثر السَّرَاري في الناس، فتلد الأمة ربها وربتها، أولاد السيد رب للأمة، سيد لها.
وأن ترى الحُفَاةَ العُرَاة وهم العرب، هذا وصفهم في الجاهلية، يغلب عليهم الفقر والحاجة والحَفَاءُ، رِعَاءَ الشَّاءِ يتطاولون في البنيان يعني: ترى أن الأمور قد تغيرت؛ بعدما كانوا حفاة عراة؛ رأيتهم يتطاولون في البنيان، قد أنعم الله عليهم، وكثرت أموالهم، وهذا هو الواقع بعدما كانوا جهلة حفاة عراة؛ أنعم الله عليهم، وأوسع لهم الأرزاق، وصاروا رءوس الناس، ثم عمروا وبنوا القصور الكثيرة، كما وقع في عهد بني أمية، وعهد بني العباس إلى يومنا هذا.
هذه من علامات الساعة، ومن الدلائل على صدقه ﷺ، وأنه رسول الله حقًّا.
ثم سألهم: أتدرون من السائل؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم دينكم.
لـمَّا لم يسألوا، فمن رحمة الله أن أرسل إليهم هذا المـَلَك الكريم يسأل؛ حتى يستفيدوا.
وفق الله الجميع.