القارئ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى:
الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهو محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
وله من العمر ثلاث وستون سنة؛ منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًّا رسولًا.
نُبِّئ بـاقْرَأْ [العلق:1]، وأُرسِل بالمدثر، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنِّذَارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد.
والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1-7].
ومعنى قُمْ فَأَنذِرْ: ينذر عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد.
وربَّك فَكَبِرْ أي: عظمه بالتوحيد.
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أي: طهر أعمالك عن الشرك.
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ: الرجز: الأصنام، وهجرها: تركها والبراءة منها وأهلِها.
أَخَذَ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عُرج به إلى السماء، وفُرضت عليه الصلوات الخمس، وصَلَّى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمر بالهجرة إلى المدينة.
والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم على رسول الله.
هذا الأصل الثالث، تقدم أنَّ المؤلف ذكر الأصل الأول، والأصل الثاني، وهذا هو الأصل الثالث.
الأصل الأول: معرفة الرب، تعرف ربك، معبودك، وأنه خالقك ورازقك، وهو الله وحده ، خالق الخلق، ورب العالمين.
والأصل الثاني: معرفة الإسلام، تعرف أنك مخلوق لعبادة الله، وأن عليك الالتزام بالإسلام والثبات عليه، وأنه دين الله الذي خلقنا له ولعبادته التي أنت مخلوق لها، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، تعرف أن ربك خلقك للعبادة فتعبده بذلك وتوحده، وتشهد أنه لا إله إلا الله، لا معبود بحق سواه، وأنه الخالق للخلق، وأنه رب العالمين، وأنه ذو الأسماء الحسنى والصفات العُلا، وتشهد أنه إلهك ومعبودك الحق، وخالقك ورازقك، وأنه الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وتعمل بدينه الذي هو العبادة التي خُلقتَ لها، وهو دين الإسلام.
ثم بيَّن المؤلف الأصل الثالث: وهو معرفة نبيك، وهو أن تشهد أن محمدًا رسول الله، لكن ... ما لم تعرف هذا النسب، وإلا فالواجب عليك أن تشهد أن محمدًا رسول الله، تعرف أن محمد بن عبدالله بن عبد المطلب رسول الله حقًّا، وأنه بشر من بني آدم، تشهد أنه رسول الله حقًّا، ولو ما عرفت بقية نسبه، تعرف أن محمدًا هو رسول الله، وأن الله بعثه إلى الناس عامة، وأن من اتبعه نجا، ومن حاد عن سبيله هلك، وأنه خاتم الأنبياء، هذا هو الواجب عليك.
أما نسبه: فإذا عرفته؛ فهو يفيد علمًا، هو محمد بن عبدالله بن عبد الْمُطَّلِب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤَيِّ بن غالب بن فِهْر، هذا قريش، جده قريش، يسمى "قريشًا"، وقريش من العرب -يعني المستعربة، العرب المعروفة- والعرب من ذرية إسماعيل؛ لأن الناس عرب وعجم، فالعجم: غير العرب، فالعرب من ذرية إسماعيل، ومَن سواهم يقال لهم: عجم.
القارئ:
هذا نبيك، هو محمد بن عبدالله بن عبد المطلب، الهاشمي القرشي، تشهد أنه رسول الله، وأنه أُرسل إلى الناس عامة، للجن والإنس، وأنه خاتم الأنبياء، وأنه من اتبعه نجا، ومن حاد عن سبيله هلك، هذا الواجب عليك.
نُبِّئَ بـاقْرَأْ [العلق:1]، لما أنزل الله عليه اقْرَأْ؛ صار نبيًّا، وهي أول ما نزل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، أول ما نزل هذه السورة في رمضان في ليلة القدر، فصار بها نبيًّا، ثم بعد فترة أنزل الله يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر:1-2].
فصار رسولًا بقول الله له: قُمْ فَأَنْذِرْ، ينذر الناس عن الشرك، ويدعوهم إلى التوحيد، ينذرهم عن الشرك وعن كل ما نهى الله عنه، ويأمرهم بالتوحيد وبكل ما أمر الله به، لكن أول شيء: التوحيد، أَمَره به، وأول شيء في النهي: الشرك، أمره بتوحيد الله، ونهاه عن الشرك.
ثم شرع الله الشرائع، يعني: الأوامر والنواهي بعد ذلك، فبعثه الله لينذر الناس عما نهى الله عنه من الشرك وسائر المعاصي، ويأمرهم بما أمر الله به من التوحيد وسائر الطاعات؛ كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1]، هذه أول سورة نزلت بعد اقْرَأْ، وبها صار رسولًا؛ لأن الله قال: قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر:2].
فالرسول: الذي يؤمر بالتبليغ، والنبي: الذي يأتيه الوحي ولا يؤمر بالتبليغ، هذا يقال للنبي: اقْرَأْ، افعل كذا، هذا نبي.
فإذا أُمر بالتبليغ، قم فأنذر الناس، بلِّغ الناس، ادعُ الناس؛ صار رسولًا، قُمْ فَأَنْذِرْ، يعني: أنذر الناس عن الشرك وعما حرَّم الله، وادعهم إلى التوحيد وكل ما أمر الله به.
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:3] يعني: عَظِّمْه؛ لأن تكبيرة الصلاة شُرعت بعد ذلك بمدة، بعد عشر سنين شُرِعت.
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:3] يعني: عَظِّمْه بالتوحيد والإخلاص له، وطاعة أوامره وترك نواهيه.
وَثِيَابَكَ [المدثر:4] يعني: أعمالَك، الأعمال تسمى "ثيابًا"؛ كما قال تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26]، فالملابس الطيبة: هي الأعمال الصالحة، والملابس الرديئة: هي الأعمال السيئة.
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] يعني: طهرها عن الشرك؛ لأن الصلاة لم تُشرع إلا بعد ذلك.
وَالرُّجْزَ [المدثر:5]، معنى الرجز: الأصنام، وهجرها: تركها والبراءة منها وأهلها.
أمره الله أن يهجر الأصنام، وأن يعاديها، وأن يزجر الناس عن عبادتها، ولم يأمره بكسرها؛ لأنه ما يستطيع ذاك الوقت، لكن لما فتح الله عليه مكة؛ كسرها وأتلفها، وأما قبل ذلك فما كان يستطيع؛ لأنه كان يدعو الناس فقط، والداعي إلى الله هكذا يدعو حسب الطاقة، يدعو إلى توحيد الله وطاعة الله، ولا يغير شيئًا، لا يغير بيده؛ لئلا يُقتل؛ ولئلا يؤذَى، فقط يدعو إلى الله عند العجز.
فإذا قدر وصار له سلطان؛ يزيل المنكر بيده؛ يكسر الصنم، يزيل ما حرَّم الله، أما ما دام لا يستطيع؛ فعليه الدعوة فقط، إذا كان في بلاد لا يستطيع فيها؛ كبلاد الغرب وغيرها من البلدان، لا يستطيع أن يُغيِّر باليد، يكفيه أن يقول: افعلوا كذا، قال الله كذا، قال الرسول كذا، يا عباد الله، اتقوا الله، فإذا فعل بيده؛ سبَّب مشاكل، وعطَّل الدعوة، وصار من أسباب التشهير على الدعاة حتى يؤذَوا، لا، فإذا كان بمكان لا يقدر؛ لا يفعل، ولكن يقول مثلما قال النبي ﷺ: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه...
النبي مكث في مكة ثلاث عشرة سنة لا يغير بيده، فقط بلسانه، يدعو إلى الله، فلما كان في المدينة؛ شرع الله الحدود والإنكار باليد، وهكذا في البلدان التي لا يستطيع فيها؛ كالجزائر، في مصر، في أوروبا، في أمريكا، في الصومال، في تونس، في إفريقيا، في أي مكان، فقط يدعو إلى الله بالكلام، لا يغيِّر بيده، ... الدعاة يؤذون، وتتعطل الدعوة، لا، يدعو إلى الله بالكلام والتوجيه وتلاوة الآيات، وقراءة الأحاديث، وتبصير الناس بالكلام الطيب، وبالأسلوب الحسن، وبالرفق، حتى تنتشر الدعوة، وينتفع الناس، مثلما فعل النبي ﷺ.
القارئ:
ثم أُسري به إلى بيت المقدس، وعُرج به إلى السماء، وفَرَض الله عليه الصلوات الخمس: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
وصَلَّى في مكة ثلاث سنين قبل الهجرة، ثم هاجر إلى المدينة، ومكث فيها عشر سنين، وبها توفي عليه الصلاة والسلام، ويأتي الكلام على الهجرة إن شاء الله.
س: عفا الله عنك، قول جعفر بن أبي طالب للنجاشي: إنه يأمرنا بكذا وكذا، وذَكَر تحريم الميتة ونحوها، أَلَا يدل على وجود بعض الأوامر والنواهي؟
ج: .... في مكة من جنس الأوامر، نزل في مكة وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء:32]، ونزل في مكة الأمر ببر الوالدين، وصلة الرحم، لكن الشرائع العظيمة ما جاءت إلا في المدينة: الصلاة، الزكاة، الصوم، كل هذا في المدينة، لكن أُمروا بمكارم الأخلاق، والنهي عن سفاسف الأخلاق في مكة.
س: ومن قال -أحسن الله عملك- في الآية المكية: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ [هود:114]: هناك صلاة غير الصلوات الخمس؟
ج: يقال هذا، أنها كانت ركعتين، وكانت أول النهار، وأنها كانت مشروعة أولًا، وقال بعضهم: إنها على سبيل الندب.
س: يا شيخ، هجرة الصحابة إلى الحبشة، مع أن الدعوة كانت بالكلام، ألا يدل أن الداعي قد يؤذى مع أن دعوته بالكلام؟
ج: نعم، هو .... هم أوذوا مع هذا ...، هؤلاء لم يهاجروا إلا من الأذى.
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال الإمام المجدد لما اندرس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى:
أخذ ﷺ على هذا عشر سنين، يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عُرِج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة.
والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة.
والدليل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:97-99]، وقوله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56].
قال البغوي رحمه الله تعالى: سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان.
والدليل على الهجرة من السنة قوله ﷺ: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم على رسول الله.
يقول المؤلف -وهو الشيخ محمد رحمه الله- في "ثلاثة الأصول" في الأصل الثالث: أخذ على هذا -يعني النبي ﷺ- عشر سنين يدعو إلى التوحيد بمكة، ويناظر الناس، ويشرح لهم ما بعثه الله به من الهدى، في المحافل والاجتماعات الخاصة، وفي أيام منى، يدعو الناس إلى توحيد الله.
ثم فرض الله عليهم الصلوات الخمس في السنة الحادية عشرة، وصلى بمكة ثلاث سنين الصلوات الخمس: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
ثم هاجر بعد ذلك، أمره الله بالهجرة لما ضَيَّق عليه المشركون، وهمُّوا بقتله...، وهاجر بعض أصحابه إلى الحبشة قبل ذلك؛ كجعفر بن أبي طالب وجماعة معه، وهاجر قوم إلى المدينة.
فبعد ذلك لما أُذِن له بالهجرة؛ هاجر عليه الصلاة والسلام بعدما مضى عليه في مكة ثلاث عشرة سنة، العشر الأولى يدعو إلى التوحيد، لم يفرض عليه شيء غير التوحيد، ثم فرضت عليه الصلوات الخمس، ثم هاجر إلى المدينة عليه الصلاة والسلام، وهاجر معه الصديق الأكبر أبو بكر ، ومعهما عامر بن فُهيرة، مولى الصديق، ومعهم دليلهم عبدالله بن أُرَيقِط الدِّيلي، وهو كافر استأجره للدلالة.
وأرادت قريش قتله، وبعثوا من يطلبه، فحماه الله منهم حتى وصل إلى المدينة عليه الصلاة والسلام.
ومكث في المدينة عشر سنين، كما يأتي إن شاء الله.
والهجرة فريضة على الأُمَّة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام؛ ولهذا هاجر ﷺ بأمر الله، وهاجر أصحابه هجرتين، يعني بعضهم هاجر هجرتين إلى الحبشة، ثم إلى المدينة.
وهذا هو الواجب على من لم يستطع إظهار دينه بين المشركين، يَلزمه أن يهاجر إن استطاع، أما من يُظهر دينه ولا يمنعونه فلا تلزمه، لكن يستحب له الهجرة إذا رأى المصلحة في ذلك، وإن رأى المصلحة في إظهار الدين في مكانه، والدعوة إلى الله، وإرشاد الناس؛ بقي.
أما من يعجز أن يظهر دينه، ويخاف على دينه، فيلزمه أن يُهاجر؛ كما هاجر النبي ﷺ والصحابة؛ لإيذاء المشركين لهم، والخطر في مقامهم عندهم.
ولما بقي ناس في مكة، وجاء يوم بدر؛ ألزمهم الكفار فخرجوا معهم قهرًا، فأنزل الله فيهم قوله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النساء:97]، ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالمقام بين هؤلاء المشركين، قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ [النساء:97]، قالت لهم الملائكة: فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ [النساء:97] يعني: لما قُتِلوا، قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 97] هذا يدل على الوعيد لمن لم يهاجر مع القدرة وهو لا يستطيع إظهار دينه، هذا وعيد شديد.
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ [النساء:98] فهؤلاء معذورون، المستضعف الذي لا يستطيع حيلة وليس عنده نفقة، أو ممنوع من الهجرة، هذا لا يدخل.
قال تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56]، نزلت فيمن يستطيع الهجرة ولم يهاجر...، فليهاجر إلى أرضٍ يأمن فيها حسب طاقته.
ناداهم الله باسم الإيمان، لتركهم ما ليس كفرًا، ولكنه معصية كبيرة.
قال النبي ﷺ: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.
فالهجرة باقية، كل بلد يَظهر فيه الشرك، ويعجز فيه الموحد عن إظهار دينه يلزمه أن يهاجر إذا استطاع.
وأما قوله ﷺ في حديث ابن عباس وغيره: لا هجرة بعد الفتح، وحديث عائشة؛ فالمراد به: من مكة، لا هجرة بعد فتح مكة؛ لأنها صارت دار إسلام لما فتحت، فلا هجرة منها، لكن في البلاد الأخرى التي يكون فيها مسلم وأهلها كفار لا يستطيع إظهار دينه، يلزمه أن يهاجر.
وفق الله الجميع.
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال الإمام المجدِّد لـِمَا انْدَرس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة، شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى:
فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين، وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه، ودينه باق، وهذا دينه، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه.
والخير الذي دل عليه: التوحيد، وجميع ما يحبه الله ويرضاه.
والشر الذي حذر منه: الشرك، وجميع ما يكرهه الله ويأباه.
بعثه الله في الناس كافة، وافترض طاعته على جميع الثقلين الجن والإنس، والدليل: قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].
وكمَّل الله به الدين، والدليل: قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].
والدليل على موته ﷺ: قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:30-31].
والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل: قوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح:17-18].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد.
يقول المؤلف رحمه الله: فلما استقرَّ بالمدينة.
المؤلف هو الإمام الهُمَام، شيخ الإسلام في زمانه... أبو عبدالله محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي، الإمام المشهور، المجدد لما اندرس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، المولود سنة (1115 هـ)، والمتوفى سنة (1206 هـ)، رحمه الله.
يقول رحمه الله:
فلما استقر في المدينة -يعني النبي ﷺ- أُمِر ببقية شرائع الإسلام، يعني: لما هاجر من مكة؛ أُمر بالتوحيد، ثم فُرض عليه الصلوات الخمس، وفرض عليه أشياء مما نهى الله عنه من المحارم؛ كالزنا وغيره، لكن الفرائض، لم يفرض عليه من الفرائض سوى الصلاة في مكة.
وأصل الزكاة في مكة؛ كما قال تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، فهي مكية، وفي آياتٍ أخرى ذُكرت الزكاة، لكن نُصُبها، وبيان مخارجها، كل هذا كان في المدينة.
وهكذا الصوم، صوم رمضان، وهكذا الحج، كله في المدينة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذا في المدينة.
أَخَذَ على هذا عشر سنين عليه الصلاة والسلام في المدينة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعلم الناس، ويبلغ الناس ويرشدهم إلى ما بعثه الله به.
وقد أكمل الله له الدين، وأتم عليه النعمة، عليه الصلاة والسلام، وهذا دينه باقٍ بين الأمة، لا خير إلا دل عليه، ولا شر إلا حذر منه في مدة هذه العشر، فالخير الذي دل عليه: التوحيد، وجميع ما يحبه الله ويرضاه من الطاعات، والشر الذي حذرنا منه: الشرك، وجميع ما يكرهه الله ويأباه.
في "الصحيح" أن رسول الله ﷺ قال: ما بعث الله من نبي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يَعلَمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم.
فقد بلَّغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، وأرشد الأمة إلى أسباب السعادة، وحذرهم من أسباب الهلاك، جزاه الله عنا خير الجزاء، وصلى الله وسلم عليه صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين.
وقد توفي عليه الصلاة والسلام، والدليل على موته قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:30-31]، وقوله جل وعلا: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144].
ولما مات ﷺ؛ شك بعض الناس في موته، ومنهم عمر، فقام الصديق وخطب الناس، وبيَّن لهم موته ﷺ، وقال: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا بشر قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، ثم تلا قوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144]، فجعل الناس يتلونها كأنهم ما سمعوها إلا تلك الساعة، يتلونها بينهم في مسجدهم وفي أسواقهم، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.
والناس إذا ماتوا يُبعثون كلهم، فالله جل وعلا جعل هذه الدار دار العمل، وجعل الآخرة دار الجزاء، فهذه الدار ليست النهاية، وليس القبر الـمَقَرَّ الأخير، لا، مقرٌّ مؤقت، مثلما يقول العامة: المقر الأخير، لا، مقر مؤقت، ليس أخيرًا، سيُبعث منه وينتقل إما إلى الجنة وإما النار، جميع الناس هكذا، إما إلى الجنة وإما إلى النار.
فالمقر الذي هو البرزخ بين الدنيا والآخرة، البرزخ بين الدنيا والآخرة، فإذا نَفَخ الله في الصُّور؛ قام الناس من قبورهم وبُعثوا، وجزاهم الله بأعمالهم؛ كما قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، فالله يبعثهم ويجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها.
فالواجب على العاقل أن يُعِدَّ العُدَّة، وأن يحذر الغفلة والصدود والإعراض، فلا بد من بعثه، ولا بد من نشوره، ولا بد من مجازاته بأعماله، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة:6-9].
فأنت -يا عبدالله- مبعوث ومجازًى بعملك، فاحرص أن تُعِدَّ العدة، وأن تنتقل بزادٍ صالحٍ، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:197].
وهو مرسل إلى جميع الناس من الجن والإنس؛ كما قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، وقال عليه الصلاة والسلام: بُعثت إلى الناس كافة، اللهم صل عليه وسلم.
فجميع الجن وجميع الإنس هو مرسل إليهم، مبعوث إليهم، فعليهم طاعته واتباع شريعته.
والله المستعان.
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال الإمام المجدد لما انْدَرَس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة، شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى:
وبعد البعث محاسبون ومجزيُّون بأعمالهم، والدليل: قوله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31].
ومن كذَّب بالبعث كَفَر، والدليل: قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].
وأَرسل الله جميع الرسل مبشِّرين ومنذِرين، والدليل: قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، وأولهم: نوحٌ عليه السلام، وآخرهم: محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو خاتم النبيين، والدليل على أن أولهم نوحٌ: قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163].
وكل أمة بَعث الله إليهم رسولًا -من نوح إلى محمد- يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة الطاغوت، والدليل: قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].
وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الطاغوت: ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع، والطواغيت كثيرة، ورءوسهم خمسة.
الشيخ: والطواغيت "كثيرون"، أو عندك: "كثيرة"؟
القارئ: والطواغيت كثيرة.
الشيخ: ...، والطواغيت كثيرون، معروفة في نسخ، نعم، ...، في نُسخ: كثيرون، ولا بأس أن يقال: "كثيرة".
القارئ:
والطواغيت كثيرة، ورءوسهم خمسة، إبليس لعنه الله، ومن عُبِد وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئًا من علم الغيب، ومن حَكَم بغير ما أنزل الله، والدليل: قوله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256]، وهذا هو معنى "لا إله إلا الله".
وفي الحديث: رأس الأمر: الإسلام، وعَمُوده: الصلاة، وذِرْوَة سَنَامِه: الجهاد في سبيل الله.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الشيخ: بسم الله، اللهم صل وسلم على رسول الله.
يقول رحمه الله، يقول الإمام أبو عبدالله محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي، شيخ الإسلام في زمانه، والمجدد لما اندرس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر رحمه الله، والمتوفى سنة (1206) من الهجرة النبوية، وكان مولده سنة (1115 هـ)، رحمة الله عليه.
يقول رحمه الله: وبعد البعث محاسَبون ومجزيُّون بأعمالهم، يعني: بعدما يبعث الله الخلائق؛ يحاسبهم ويجازيهم بأعمالهم؛ كما قال تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31].
فالأمر عظيم، وليس الموت منتهًى، هناك موت، وهناك بعث، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، فهذا الموت ليس هو النهاية، فبعد هذا الموت أمور عظيمة، ومستقر لأهل الخير والشر.
وبعد البعث محاسبون، ومجزيُّون بأعمالهم إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا؛ كما قال سبحانه: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31].
فعليك -يا عبدالله- أن تُعِدَّ العُدة، وأن تحرص على أن تلقى ربك بالأعمال الصالحة؛ بتوحيده والإخلاص له وطاعته؛ حتى تكون من أهل السعادة، من أهل الجنة؛ فإن الناس بعد البعث والحساب يكونون إلى دارين: إما الجنة، وإما النار، فالجنة لمن اتقى وأحسن العمل، والنار لمن كفر وأساء العمل.
القارئ: ومن كذَّب بهذا البعث وأنكره كفر.
البعث لا بد منه، جاءت به الرسل، ودل عليه القرآن، فمن أنكره فهو كافر بإجماع المسلمين، قال تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس:53]، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ [سبأ:3]، وقال سبحانه: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا، زعموا: قالوا كذبًا، الزعم هنا بمعنى الكذب، قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن:7]، يعني: قل لهم يا محمد: بَلَى وَرَبِّي.
ثلاثة مواضع قد أمر الله فيها نبيه أن يقسم لهم:
- وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس:53].
- وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ:3].
- وهنا في التغابن: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].
فعليك -يا عبدالله- أن تستحضر هذا المقام دائمًا، وتَذكر هذا المقام دائمًا، فأنت مبعوثٌ ومَدْيُونٌ بعملك، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، ثم بعد ذلك إما الجنة وإما النار، هذا الجزاء لا ينتهي وتكون ترابًا، لا، جزاء يستمر، نتيجته: إما الجنة وإما النار، بعد البعث والحساب فأنت إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
وكل أمة بَعَثَ الله فيهم، من نوح إلى محمد... وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا [النحل:36].
فالله بَعَث إلى الأمم رسلًا تدعوهم، وتبين لهم دينهم، وترشدهم إلى الحق، وأولهم نوح بعدما وقع الشرك، كان قبله آدم في عشرة قرون على الهُدَى، فلما وقع الشرك؛ أرسل الله إليهم نوحًا، وهو أول الرسل إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك.
ثم تتابع الرسل، تتابعوا بعد ذلك؛ كما قال جل وعلا: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163]، يدعون الناس إلى توحيد الله وإلى طاعته، ويوضحون له شرائعه، وينهونهم عن عبادة الطاغوت، وعن عبادة غير الله وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].
فأولهم: نوح، وآخرهم: محمد، أولهم: نوح، أرسله الله إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك، وأولهم بالجملة: آدم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رسول إلى ذريته، وإلى من أخرجه الله منه من ذكور وإناث على شريعةٍ وهدًى، حتى وقع الشرك في قوم نوح، فكان آدم على شريعةٍ وهدًى من ربه، ووحي من ربه، وسار عليه ذريته حتى وقع الشرك في قوم نوح؛ لما غَلَوا في وَدٍّ وسُواَعٍ.. إلى آخره.
القارئ:
على جميع الناس أن يؤمنوا بالله وحده، وأنه ربهم وإلههم ومعبودهم الحق، ويكفروا بالطاغوت، وهو عبادة غير الله، يتبرءون من عبادة غير الله، وينكرون ذلك، ويعتقدون بطلان ذلك؛ كما قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وهي "لا إله إلا الله" لَا انْفِصَامَ لَهَا [البقرة:256].
فلا بد من الكفر بالطاغوت وإنكاره، إنكار عبادة غير الله والكفر بها، واعتقاد بطلانها، ولا بد من الإيمان بالله، وأنه رب العالمين، وأنه الحق، وأنه المستحِقُّ للعبادة دون كل ما سواه، والكفر بالطاغوت معناه: البراءة من عبادة غير الله، واعتقاد بطلانها.
والطاغوت: من الطغيان، وهو ما تَجَاوَزَ الحد، سميت الشياطين "طواغيت"، وسمي الكافر بالطاغوت، وسميت الحاكم بغير ما أنزل الله "طاغوتًا"؛ لأنها أشياء تجاوزت الحد، ...، المحدود للناس أن يكونوا عبيدًا لله، مطيعين لله، فإذا جاوزوا هذه الحدود؛ صاروا طواغيت؛ ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: الطاغوت ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع.
فحدك أن تكون عبدًا مطيعًا لله، فإذا جاوزت ذلك؛ فقد تعديت وصرت طاغوتًا بهذا الشيء الذي فعلته، فقد يكون كافرًا، وقد يكون دون ذلك.
وأقبحهم وأخطرهم خمسة:
- إبليس لعنه الله، هو رأس الطواغيت، هو الداعي إلى النار.
- ومن عُبِدَ وهو راضٍ؛ كفرعون.
- ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه؛ كفرعون والنمرود، وغيرهم ممن دَعوا إلى عبادتهم.
- ومن ادعى شيئًا من علم الغيب؛ كمن يقول: إنه يعلم شيئًا من الغيب، فهو طاغوت أيضًا، قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65].
- وهكذا من حَكَم بغير ما أنزل الله طاغوت، فإن كان مستحلًّا له كَفَر، وإلا فهو طاغوت، كفر دون الأكبر.
فالواجب على الجميع: التقيد بحدود الله، والوقوف عند حدود الله، وعدم الخروج عنها.
وفي الحديث: رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذِروة سَنَامه: الجهاد في سبيل الله.
رأس الأمر الإسلام يعني: الشهادتان، هذا رأس الأمر، الإسلام، دين الإسلام، أصل الإسلام، ويتبع ذلك الصلاة والزكاة والصيام.. إلى آخره.
ولهذا قال: وعموده الصلاة، وفي حديث عمر لما سُئل عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت جَعَلَ هذا هو الإسلام في حديث جبرائيل، وقال ﷺ: بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.
هذا هو الإسلام الظاهر، وهذه أركانه، ويدخل في ذلك جميع ما أمر الله به ورسوله، كله داخل في الإسلام.
وأما الإيمان فهو ما يتعلق بالقلوب، وأصله ستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، هذه أصول الإيمان.
وكل ما شرع الله يسمى إيمانًا: الصلاة إيمان، والزكاة إيمان، جميع أمور أعمال الإسلام كلها تسمى إيمانًا، ولكن ما كان يتعلق بالقلوب أخص بالإيمان، وما يتعلق بالظاهر أخص بالإسلام؛ لأنه خضوع وذل لله، والجميع يسمى إيمانًا، ويسمى إسلامًا، كله يسمى إسلام إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]، يعم الجميع، ويسمى إيمانًا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء:136]، الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله كلها تسمى إيمانًا.
وذِروة سَنَامه: أعلاه، الجهاد في سبيل الله، أعلى هذا الإسلام وأعلى شُعَبه: الجهاد في سبيل الله؛ لدعوة الناس إلى الخير، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإلزامهم بالحق، فهذا ذروة سنام الإسلام؛ لأنه دعوة إلى الخير، وإلزام بالحق، ويَضم إلى الإسلام غيره من الناس الذين تخلفوا عنه، ويرفع شأنه بدعوة الناس إليه وإلزامهم به، وجهادهم....
وفق الله الجميع.