الدرس الثاني

قد قصَّ الله علينا قصة قوم لوط في غير ما مَوضِعٍ من كتابه العزيز، وأنه أهلكهم بفِعلهم الخبيث.

وأجمع المسلمون وغيرُهم من أهل الملل أن التلوط من الكبائر؛ قال الله تعالى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ۝ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:165-166].

واللِّواط أفحش من الزنا وأقبح.

وقال النبي ﷺ: اقتلوا الفاعل والمفعول به. إسناده حسن، رواه أبو داود، والترمذي.

وعنه : قال: لَعَن الله مَن عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ. إسناده حسن، رواه الحاكم في "المستدرك".

وقال ابن عباس: يُنظَر أعلى بناء في القرية فيُلقَى منه، ثم يُتبَع بالحجارة. رواه البيهقي في "سننه".

ويُروَى عن النبي ﷺ أنه قال: سِحَاقُ النساء زِنًا بينهن. وهذا إسناده لَيِّنٌ.

ومذهب الشافعي رحمه الله: أنَّ حدَّ اللوطي حدُّ الزنا، سواءٌ، وأجمعت الأمة على مَن فعل بمملوكه فهو لوطي مجرم.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله:

هذه الكبيرة، كبيرة اللواط، واللِّواط هو إتيان الذكور، وهو من أقبح الكبائر، وأشد الكبائر، وهو أقبح من الزنا، وأعظم فاحشة من الزنا؛ ولهذا قال جل وعلا: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ في قوم لوط: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:28].

ففاحشة اللواط فاحشة عظيمة كبيرة، يجب على كلِّ مسلم الحذر والتحذير منها؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام: لعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط، لعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط، لعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط.

عمل قوم لوط هو إتيان الذكور.

قال عليه الصلاة والسلام: مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به؛ فيجب قتل اللائط والملوط به. نسأل الله العافية.

فهذه الفاحشة أشدُّ من الزنا. ولهذا؛ فالزاني يُفصَّل فيه: فإن كان محصنًا يُرجم، وإن بكرًا يُجلد مائة جلدة، ويُغرَّب عامًا. أما اللوطي فيقتل مطلقًا وإن كان بكرًا، يجب قتله مطلقًا.

وقد أجمع أصحاب النبي ﷺ على ذلك، أجمعوا على قتل اللوطي؛ كما جاءت به الأحاديث. وإنما اختلفوا في الكيفية: فقال بعضهم: يُقتَل بالسيف. وقال بعضهم: يُرجَم بالحجارة كالزاني الـمُحصَن. وقال بعضهم: يُلقَى من شاهقٍ رفيع، يُنظَر أرفعَ شاهقٍ ويلقى من الشاهق؛ كما جرى على قوم لوط: أنَّ اللهَ قلب عليهم مدائنهم، وجعل عالِيَها سافلها، وأمطرهم بحجارة من سجيل. نسأل الله العافية.

المقصود من هذا: الحذر من هذه الكبيرة، وأنَّ الواجب على المؤمن أن يُحذِّر مَن حوله من الشباب، من أولاده وغيرهم، وأن يَحْذره في نفسه كذلك.

وهكذا فِعْلُه مع الزوجة لا يجوز، فلا يجوز أيضًا فِعل اللِّواط مع الزوجة، الله جل وعلا أباح للزوج إتيانَها من القُبُل، أما إتيانُها من الدُّبُر فهو مُحرَّم، وهو كبيرة؛ قال النبي ﷺ: ملعونٌ من أتى امرأة في دبرها، وفي الحديث الآخر: لا ينظر اللهُ إلى رجلٍ أتى رجلًا أو امرأة في دبرها.

فالمرأة إنما تُؤتى في محل الزرع وهو القُبُل، وأما الدبر فهذا محل الغائط وليس محل الزرع، فلا يجوز إتيانها فيه، وهو من الكبائر.

نسأل الله للجميع العافية والتوفيق والهداية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقال عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: كان على ثَقَلِ رسول الله رجلٌ يقال له "كِرْكِرة"، فمات، فقال رسول الله ﷺ: هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءةً قد غلَّها. رواه البخاري.

وفي الباب أحاديث كثيرة، ويأتي بعضها في باب (الظلم).

والظلمُ على ثلاثة أقسام:

أحدها: أَكْل المال بالباطل.

وثانيها: ظُلْم العباد بالقتل، والضرب، والكسر، والجِرَاح.

وثالثها: ظلم العباد بالشتم، واللعن، والسب، والقذف.

 وقد خطب النبي ﷺ الناس بـمِنًى، فقال: إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. متفق عليه.

 وقال ﷺ: لا يَقْبل اللهُ صلاةً بغير طُهُور، ولا صدقةً من غُلُول. رواه مسلم.

وقال زيدُ بن خالدٍ الجُهَنيُّ : إنَّ رجلًا غلَّ في غزوة خيبر، فامتنع النبي ﷺ من الصلاة عليه، وقال: إنَّ صاحبكم غلَّ في سبيل الله ، ففتَّشنا متاعه فوجدنا فيه خَرَزًا ما يساوي دِرْهمين. أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ.

وقال الإمام أحمد: ما نعلم أن النبيَّ ﷺ تَرَك الصلاةَ على أحدٍ إلا على الغالِّ وقاتِلِ نفسه.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله:

هذه الأحاديث كلُّها تدل على تحريم الغُلُول والظُّلْم، وأنَّ الواجبَ على المؤمن أن يَحْذر الغُلُول، ويَحْذر الظُّلم؛ يقول الله جل وعلا: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161].

ويُروى عنه عليه السلام أنه قال: إنَّ الغُلُول عارٌ ونارٌ على أهلِه يومَ القيامة؛ فالواجب على المؤمن أن يَحْذر جميعَ المحرمات، ومنها الغلول.

ويُروَى عنه ﷺ: أنه تَرَك الصلاةَ على الغالِّ؛ تنفيرًا من الغلول وتحذيرًا منه، وأُخبِر أنَّ بعضَ خَدَمِه -بعضَ عبيده- غلَّ، فقال: إنه في النار، ففتَّشوا متاعَه فإذا هو قد غلَّ عَباءةً.

فالمقصود أنَّ الغُلُولَ شرُّه عظيم وخطره كبير، فالواجب الحذر منه. وهكذا أنواعُ الظلم في النفس أو في المال أو في العِرض، يجب الحذر.

 فالظلم ثلاثةُ أنواعٍ:

  • ظُلْمٌ في النفس بالقتل.
  • وظلم فيها أيضًا بالجَرْح، ونحو ذلك.
  • وظلم بالغِيبة والنميمة والسَّبِّ والشَّتْم.

فالواجب على المؤمن أن يَحْذر الظلم في الدماء والأموال والأعراض جميعًا؛ يقول النبي ﷺ: كلُّ المسلمِ على المسلم حرامٌ: دمه وماله وعرضه.

وقد خطب الناسَ عليه الصلاة والسلام في مِنًى في حجة الوداع وفي عرفات أيضًا، وقال لهم: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.

والإنسان في هذه الدار عُرضة لهذه البلايا والمحن، فالواجب عليه أن يَحْذر، وأن يتقي الله، وأن يراقب الله حتى لا يَظلِمَ أحدًا: لا في مال، ولا في نفس، ولا في عِرض.

وجاء في الأحاديث الصحيحة: أن الإنسانَ يومَ القيامة يُحاسَب على أعماله كما دلَّ عليه القرآن، يحاسب على أعماله وسيئاته وحسناته، فإذا رجَحَتْ حسناته صار إلى السعادة، وإذا رجحت سيئاته صار إلى الهلاك، فإن أُعطي كتابَه بيمينه صار من السُّعَداء، وإن أُعطي كتابَه بشماله صار من الهالكين.

وكونُه يُعطى كتابَه بيمينه ويَرْجَح ميزانه إنما هو بطاعة الله، وتوحيد الله، والإخلاص له، والعمل الصالح، والحذر من الظلم، وسائر المعاصي.

أما كونُه يُعطَى كتابَه بشماله، وكونُه يَخِفُّ ميزانه، هذا كلُّه بأسباب المعاصي والمخالفات، والعياذ بالله.

أما مَن وقع في الشرك، فهذا النارُ مأواه -نسأل الله العافية- وليس له حسنات؛ لأن الشِّرك يُبطل الأعمالَ كلَّها، لكن المصيبة تقع فيمن تكون له المعاصي، السيئات التي تَرْجَحُ بحسناته. فالمسلم يَحْذر هذا غايةَ الحذر.

 وأما -والعياذ بالله- مَن مات على الكفر؛ فهذا له النار أبدًا: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167]، هذه حال الكفرة: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37].

فالواجب على المؤمن أن يَحْذر السيئاتِ كلَّها، والمعاصِيَ كلَّها، وأن يكون حَذَرُه من الشرك والكفر أشدَّ وأعظمَ. رزق اللهُ الجميعَ التوفيقَ والهداية.

الكبيرة العشرون: الظلم بأخذ أموال الناس بالباطل.

قال الله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة:188]، وقال تعالى: إِنَّـمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْـحَقِّ أُولَئِكَ لَـهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:42]، وقال تعالى: وَالظَّالِـمُونَ مَا لَـهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [الشورى:8].

 وقال ﷺ: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة متفق عليه.

وقال: من ظلم شبرًا من الأرض طوقه إلى سبع أرضين يوم القيامة متفق عليه.

وقال تعالى: إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40].

وفي الحديث: وديوانٌ لا يترك اللهُ تعالى منه شيئًا، وهو ظلم العباد. رواه الحاكم في "المستدرك".

وقال عليه الصلاة والسلام: مَطْل الغنيِّ ظلمٌ. متفق عليه.

ومِن أكبر الظُّلمِ: اليمينُ الفاجرة على حقٍّ عليه؛ قال رسولُ الله ﷺ: مَن اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه؛ فقد أوجب اللهُ له النار. قيل: يا رسول الله، وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: وإن كان قضيبًا مِن أَرَاكٍ. رواه مسلم والنسائي.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله:

هذه الكبيرة العشرون، فيما يتعلق بظُلم الناس في أموالهم؛ اللهُ جل وعلا حرَّم على المسلم ظلم أخيه؛ فليس لأحد أن يظلم أخاه بغير حقٍّ، قال الله جل وعلا: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة:188]، وقال تعالى: وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [الشورى:8]، وقال جل وعلا: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الشورى:42]، وقال تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان:19].

فالظلم شرُّه عظيم، وعاقبته وخيمة؛ فالواجب على كلِّ مُكلَّفٍ أن يَحْذر ذلك وأن يبتعد عنه، ولا يتساهل؛ فإنَّ مَن ظَلَم الشيءَ اليسير جرَّه إلى الظُّلم الكبير؛ يقول الله جل وعلا: يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا. هكذا جاء في الحديث القدسي عن النبي ﷺ عن الله . رواه مسلم.

ويقول النبي ﷺ: اتقوا الظلم؛ فإنَّ الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة، ويقول ﷺ: كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دَمُه وماله وعِرضه، وخطبهم ﷺ في عَرَفاتٍ وفي يومِ النَّحْر في حجة الوداع، وحذَّرهم من الظلم وقال: إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.

ومن ذلك: الظلم بالكذب، والأيمان الفاجرة، هذا من الظلم؛ يقول النبي ﷺ: مَن اقتطع حقَّ امرئٍ مسلم بيمينه، فقد أوجب اللهُ له النارَ وحرَّم عليه الجنة. قالوا: وإن كان شيئا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبًا مِن أَرَاكٍ.

فالواجب على العبد أن يَحْذر الظلم مطلقًا؛ فإن مَن تساهَل بالقليل جرَّه إلى الكثير.

وفي الحديث الآخر: مَن حلف على يمينٍ يقتطعُ بها مالَ امرئٍ مسلم بغير حقٍّ، لَقِيَ اللهَ وهو عليه غضبان.

ويقول ﷺ في الحديث الآخر: مَن ظَلَم شِبْرًا من الأرض؛ طَوَّقه الله إيَّاه يومَ القيامة مِن سَبْع أَرَضِين.

والأحاديثُ في الظُّلمِ والتحذيرِ منه كثيرةٌ؛ فالواجب على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ الحذرُ منه، لا في الأعراض، ولا في الأموال، ولا في النفوس، بل يجب على المؤمن أن يُنصِف من نفسه، فالمسلمون إخوةٌ أولياء، ليس لهم التعدي على بعضهم: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71].

ومِن حقِّ المسلم على أخيه أن يحترم عِرْضه ودَمَه وذاتَه ومالَه، وإذا تعدَّى وجب إنصافُه، إذا تعدَّى أحدٌ على أخيه وجب إنصافُه بما يجب من حدٍّ أو غيرِه، وبهذا يصلح المجتمع ويأمن الناس.

أما إذا لم تؤخذ الحقوق، ولم تُقَم الحدود؛ فإنَّ الناس يَعْبث بعضُهم ببعضٍ، ويختل الأمن وتُهدَر الكرامة، ويفسدون. نسأل اللهَ العافيةَ، نسأل الله للجميع العافية والتوفيق.

وقال ﷺ: مَن استعملناه على عملٍ فكَتَمَنا مَخِيطًا فما فوقه، كان غُلُولًا يأتي به يومَ القيامة. رواه مسلم.

وقال ﷺ: إن الشَّمْلةَ التي غَلَّها لَتَشْتَعِلُ عليه نارًا. فقام رجلٌ فجاء بشِرَاكٍ كان أخذه لم تُصِبْه الـمَقَاسِمُ، فقال: شِراكٌ من نارٍ. رواه البخاري ومسلم.

وقال رجل: يا رسول الله، إن قُتِلتُ صابرًا محتسبًا مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ، أتُكفَّر عني خطاياي؟ قال: نعم، إلا الدَّين. رواه مسلم.

وقال ﷺ: إنَّ رجالًا يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ؛ فلهم النارُ يومَ القيامة. رواه البخاري.

وعن جابر : أن النبي ﷺ قال لكَعْب بن عُجْرة: يا كعب، لا يدخل الجنة لحمٌ نَبَت من سُحْتٍ فالنار أولى به. رواه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط الشيخين.

 وقال عبدالواحد بن زيد: عن أسلم الكوفي، عن مُرَّة الهَمْداني، عن زيد بن أرقم، عن أبي بكرٍ ، عن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنةَ جسدٌ غُذِّي بحرامٍ. رواه الهيثمي في "مجمع الزوائد".

ويدخل في هذا الباب: الـمَكَّاس، وقاطع الطريق، والسارق، والبَطَّاط، والخائن، والزُّغَليُّ، ومَن استعار شيئًا فجحده، ومَن طفَّف الوزنَ والكيل، ومَن التقط مالًا لم يُعرِّفه، ومن باع شيئًا فيه عيبٌ فغطَّاه، والـمُقامِر، ومُـخبِر المشتري بالزائد.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله:

هذه الأحاديث والآثار، كلُّها تدل على تحريم الظلم في المال، كما يَحرُم في البدن والعرض؛ فيجب على المسلم أن يحذر ظلم الناس في أموالهم، لا بالغش، ولا بالخيانة، ولا بالسرقة، ولا بغير هذا من وجوه الظلم.

فالمكَّاس، وقاطع الطريق، والسارق، وخائن الأمانة، والذي يُخفي العيوب، كلُّ هؤلاء قد شَرَعوا في الظلم وأَكْل المال بالباطل.

فالواجب على كل مؤمن أن يحذر ذلك، وأن يكون بعيدًا عن الغش، والخيانة، وتدليس العيوب، والكذب في المعاملات، وأن يكون أيضًا مكَّاسًا، وهو الذي يتمثل في أَخْذ الضرائب الـمُحرَّمة، وما أشبه ذلك.

والمقصود من هذا: أن كلَّ مَن تعاطى كسبًا مُحرَّمًا دخل في الظلم، فيجب على المؤمن أن يحذر الأكساب المحرمة، سواء كانت بالمجاهرة والظلم، أو بالحيل والمكر. يجب الحذر من ذلك، ومنها: الغلول من الغنائم، ومن بيت المال، كله داخل في الظلم وأكل المال بالباطل.

فالواجب على المؤمن أن يتحرَّى الكسب الطيب، وأن يحذر الأكساب الخبيثة: كلُّ جسدٍ نبت من السُّحْت فالنار أولى به، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه.

فالواجب على المؤمن أن يتوخَّى الكسب الحلال، وأن يتحرى الكسب الحلال في بيعه وشرائه وسائر معاملاته، ويحذر الغش والكذب في المعاملات؛ يقول ﷺ في الَبيِّعين: إن صَدَقَا وبيَّنا بُورِك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبَا مُـحِقَتْ بركة بيعهما، ويقول ﷺ: مَن غشَّنا فليس منا.

فالواجب على المؤمن في جميع معاملاته أن يتحرى الحق والصدق، وأداء الأمانة، حتى يَسْلم من الخيانة، ويسلم من الظلم، ويسلم من غضب الله .

رزق الله الجميع العافية والسلامة.

الكبيرة الحاديةُ والعشرون: السرقة.

قال الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة:38]، وقال النبي ﷺ: لعن اللهُ السارقَ يسرق الحبل فتُقطَع يده. رواه البخاري ومسلم.

وقال ﷺ: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لَقطعتُ يدها. متفق عليه.

وقال ﷺ: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولكن التوبة معروضةٌ بعدُ. متفق عليه.

وعن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن سلمة بن قيس، قال: قال رسول الله ﷺ: ألا إنما هُنَّ أربعٌ: ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا. رواه الحاكم في "المستدرك".

قلت: ولا ينفع السارقَ توبتُه إلا أن يَرُدَّ ما سرقه، فإن كان مفلسًا تحلَّل من صاحب المال.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله:

 هذه الكبيرة الحادية والعشرون فيما عدَّه المؤلف، والكبائر لها خطر عظيم، قال الله جل وعلا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، فاشترط في تكفيرِ السيئاتِ اجتنابَ الكبائر.

وقال عليه الصلاة والسلام: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ كفارات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر.

فالكبائر خطرُها عظيم، وشرها كبير؛ فالواجب الحذر منها، وكما جاء في الوعيد بالنار أو بغضب الله أو باللعنة، أو كان في حدٍّ في الدنيا. كلُّ هذا يُسمَّى كبيرة؛ كالزنا، والسرقة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحْف، وقَذْف المحصنات الغافلات المؤمنات، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم. وغير هذا مما جاء فيه الوعيد.

فالسرقة من أكبر الكبائر، ومن أخبث الخبائث، وهي أخذ المال على طريق الخُفْية، إذا جاهر فهذا يُسمَّى ظلمًا، فإذا أخذها من طريق الخفية يُسمَّى سرقة. وكله حرام، الظلم حرام، والسرقة حرام؛ لأنها ظلم، وسرقة.

والله يقول جل وعلا: وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [الشورى:8]، ويقول سبحانه: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان:19].

ويقول ﷺ: كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ؛ دمه، وماله، وعِرضه، ويقول النبي ﷺ: لَعَن اللهُ السارقَ يسرق الحبل فتُقطَع يده، ويسرق البيضة فتُقطَع يده؛ يعني: قد يسرق الحبل والبيضة فيجرُّه هذا إلى أن يسرق ما هو أكبر فتُقطَع يده، يتساهل بالقليل فيجره إلى الكثير.

واللعن يكون على الكبائر؛ مِن دلائل الكبائرِ اللعنُ، كلُّ معصيةٍ لُعِن صاحبها فهي من الكبائر.

ويقول ﷺ: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن؛ يعني: الإيمان الكامل مَنْفيٌّ عنه، يكون إيمانُه ضعيفًا، لولا أن إيمانَه ضعيفٌ لَـمَا سَرَق ولما زَنَى ولَـمَا شرب الـمُسكِر؛ فلضعف إيمانه وقلة إيمانه أقدم على المعصية.

والواجب على السارق أن يتوب إلى الله، وأن يُقلِع من ذنبه، ويندم على ما مضى، ويعزم على ألا يعود، ويَرُدَّ الحقَّ إلى صاحبه، يرد المال إلى صاحبه، فإن كان معسرًا يستحله من ذلك، فإن أحله وإلا يبقى في ذمته، دَينًا في ذمته، وإن أحلَّه صاحبُه فلا بأس.

ومتى عُلمت السرقة وثبتت بالبينة أو بالإقرار وجب القطع، قطع اليد اليمنى، إذا ثبت ذلك بالبينة الشرعيَّة: بشاهدين عدلين أو بإقرار السارق؛ تُقطَع يده اليمنى، فإن عاد وسرق قُطعت رِجْله اليسرى.

المقصود: أنه يجب القطعُ إذا ثبتت السرقة بالبينة الشرعية أو بإقراره وهو مُكلَّفٌ مُعتبَرُ الإقرارِ بثُبُوتِ عقله.

والمقصود: أن أَخْذ الأموال ظلم وعدوان، لكن إن كان عن طريق الخُفْية وأَخَذها من طرقٍ خفية فتُسمَّى سرقة، فإذا أخذ المال من طريق المجاهرة يُسمى ظلمًا وعدوانًا وغصبًا. نسأل الله العافية.

وفق الله الجميع.