إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33]، فبمجرد إخافة السبيل هو مرتكبٌ لكبيرة، فكيف إذا أخذ المال! وكيف إذا جَرَح أو قَتَل أو فعل عدة كبائر! مع ما غالِبُهم عليه مِن تَرْك الصلاة، وإنفاق ما يأخذونه في الخمر والزنا!
الكبيرة الثالثة والعشرون: اليمين الغموس.
قال عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: عن النبي ﷺ: الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس. رواه البخاري.
وقال النبي ﷺ: قال رجل: والله، لا يغفرُ اللهُ لفلان. فقال الله تعالى: مَن ذا الذي يتألَّى عليَّ أني لا أغفر لفلانٍ؛ قد غفرتُ له وأحبطتُ عملك. رواه مسلم.
وقال ﷺ: ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليمٌ: الـمُسبِلُ إزارَه، والمنَّان، والـمُنفِّقُ سِلْعَتَه بالحلف الكاذب. رواه مسلم.
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله:
هاتان الكبيرتان عظيمتان: إحداهما قطع الطريق، والثانية اليمين الغموس. كلتاهما من الكبائر. نسأل الله العافية.
والواجب على كل مسلم الحذر من هذا وهذا.
قطع الطريق؛ معناه: إخافة أهل السبيل، أهل الطرق؛ إما بأخذ أموالهم، وإما بترويعهم، وإما بقتل، وإما بجراح.
قال الله جل وعلا: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:33-34].
فالواجب على ولي الأمر أن يعتني بهم، وأن يجتهد في إمساكهم والقضاء عليهم؛ لعِظَم ضررهم؛ لأنهم يُخيفون المسافرين، ويتعرضون لهم بالأذى بأخذ أموالهم أو قتلهم أو جرحهم. كل ذلك من الأذى؛ فالترويع أذًى، والقتل أذى، والجراح أذى، وأَخْذُ المال كله ظلم وعدوان، كله من الكبائر.
ولهذا؛ أوجب الله في حقهم عقوبة عظيمة: القتل، والصلب، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض.
وهذا وعيد شديد، وعقوبة عظيمة، يجب على ولي الأمر أن يقوم بها في حقهم؛ لعظم ظلمهم وشرهم.
نَفْيهم من الأرض: ذهب الجمهور إلى أنهم يُطرَّدون، لا يتركون في البلد، بل لا يزالون يُطرَّدون إلى أن يموتوا.
وقال آخرون: نَفْيهم: حبسهم حتى يُستراح من شرهم؛ لأنهم متى حُبسوا فقد نُفُوا من الأرض.
وعلى وليِّ الأمر أن يفعل ما هو الأصلح إن تيسَّر متابعتهم؛ حتى لا يَقَرَّ لهم قرارٌ، وإن تيسر أَخْذهم وتنفيذ ما يجب مِن قتلٍ أو تقطيعِ الأيدي والأرجل أو الصلب، هذا هو أهمُّ؛ ولهذا بدأ الله بالقتل؛ لأنه أهمُّ؛ فيه راحة الناس منهم. وتقطيع الأيدي والأرجل فيه أيضًا إمساكٌ لهم، وتعطيلٌ لهم عن الحركة. نسأل الله العافية.
واليمين الغموس هي التي يحلف بها كاذبًا: إما لظلم الناس، وإما لأخذ الأموال؛ يقول النبي ﷺ: مَن حلف على يمينٍ هو فيها كاذبٌ؛ لقي اللهَ وهو عليه غضبان، وفي اللفظ الآخر: مَن اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب اللهُ له النارَ وحرَّم عليه الجنة. قيل: يا رسول الله، وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: وإن كان قضيبًا مِن أَرَاكٍ. رواه مسلم.
وهذا من باب الوعيد والتحذير.
وقال ﷺ: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: الـمُسبِلُ إزارَه، والـمنَّان بما أَعْطَى، والـمُنفِّق سلعتَه بالحلف الكاذب. رواه مسلم.
هذا فيه الدلالة على أن الإسبال من الكبائر. والإسبال: هو إرخاء الثياب حتى تنزل عن الكعب، سواءٌ كانت قمصًا، أو سراويل، أو أُزُرًا، أو بُشْتًا، كلُّه داخل في المنع.
وفي الصحيح: يقول ﷺ: ما أسفلُ مِن الكعبين مِن الإزار فهو في النار.
والتنفيق للسلعة: تدريجها؛ "والله إنها عليَّ بكذا، والله إنها سيمت بكذا"، وهو يكذب؛ حتى يُدرِّجها على الناس، هذا من الكبائر. نسأل الله العافية.
ويقول ﷺ: الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقَتْل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، واليمين الغموس.
والمقصود باليمين الغموس: هي التي تَغْمس صاحبها في الإثم ثم في النار؛ بسبب ظلمه وعدوانه وكذبه. نسأل الله العافية.
فالمسلم يحاسب نفسه ويجاهدها؛ حتى لا يقع في هذا البلاء. نسأل الله العافية.