القارئ:
الشيخ: والمقصود: أنه يدفع السيئة بالحسنة، فما عاقب مَن عصى الله فيه بمثل أن يُطيع الله فيه، هذا كرم الأخلاق، وعلو الأخلاق، ونُبْل الأخلاق، مَن سَبَّك ودعا عليك، تقول: هداك الله، أصلحك الله، أعاذك الله من الشيطان. وما أشبه ذلك: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة:237].
هذا من نعم الله على مَن شاء من عباده، والقصاص لا بأس به، ولكن العفو والإحسان والجود والكرم من صفات خواصِّ عباد الله الأخيار: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126].
القارئ:
وقوله : فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] وهو الصديق، أي: إذا أحسنتَ إلى مَن أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مُصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير كَأَنَّهُ وَلِيٌّ لك حَمِيمٌ أي: قريبٌ إليك من الشَّفقة عليك، والإحسان إليك.
ثم قال : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت:35] أي: وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا مَن صبر على ذلك، فإنه يشقُّ على النفوس.
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] أي: ذو نصيبٍ وافرٍ من السعادة في الدنيا والآخرة.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباسٍ في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم: كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
وقوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [فصلت:36] أي: أن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجنِّ فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلَّطه عليك، فإذا استعذتَ بالله ولجأتَ إليه كفَّه عنك وردَّ كيده.
وقد كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يقول: أعوذ بالله السَّميع العليم من الشيطان الرجيم من هَمْزِه ونَفْخِه ونَفْثِه.
وقد قدمنا أن هذا المقام لا نظير له في القرآن إلا في سورة الأعراف عند قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف:199- 200]، وفي سورة المؤمنين عند قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:96- 98].
الشيخ: هذا هو الواجب، وهذا هو الذي ينبغي للمؤمن: أن يكون حذرًا من عدو الله، فإن عدو الإنس قد يُدْفَع شَرُّه بالعفو والسَّماح والهدية والإحسان ونحو ذلك، أما عدو الشياطين من الجنِّ فهذا لا حيلة فيه، ولا يقبل مُصالحةً، وليس هناك ما يُدْفَع به إلا التَّعوذ بالله من الشيطان، والاستقامة على الحقِّ، والصبر على الحقِّ، هذا هو جهاده.
جهاده بالاستقامة على دين الله، والثبات على الحقِّ، والتَّعوذ بالله من الشيطان من شرِّه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ.
وشرع الله لعباده عند قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإذا أحسَّ الإنسان بشيءٍ مما يضره فليستعذ بالله، فإن الشيطان يدعو إلى كل باطلٍ، والنفس أمَّارةٌ بالسُّوء، فالعلاج اللّجؤ إلى الله، والاستعانة به، والصبر على الحقِّ، والثَّبات عليه، وكفّ النفس عن هواها.
س: ..... إنسانٌ ضعيفٌ لا يستطيع ردّ المظالم ويعفو؟
ج: إن عفا فهو أفضل، وإن اقتصَّ فلا بأس، إن اقتصَّ وله الحقُّ فلا بأس.
س: يعني: له نفس أجر القوي؟
ج: نعم؟
س: له نفس الأجر إذا لم يستطع القصاص؟
ج: نعم؟
س: إذا كان ضعيفًا، ولم يستطع ردّ المظالم وعفا؟
ج: عفا، يعني؟
س: نعم.
ج: يُرْجَى له الخير -إن شاء الله-؛ لأنه ترك مظلمةً، ولم يُخاصم، ولم يُطالب.
..... نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت:37- 39].
يقول تعالى مُنَبِّهًا خلقه على قُدرته العظيمة، وأنه الذي لا نظير له، وأنه على ما يشاء قادرٌ: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ أي: أنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما مُتعاقبان، لا يفترقان، والشمس ونورها وإشراقها، والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه؛ ليُعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار، والجُمَع والشُّهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات.
ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسُّفلي نبَّه تعالى على أنهما مخلوقان، عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ أي: ولا تُشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يُشْرَك به؛ ولهذا قال تعالى: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا أي: عن إفراد العبادة له، وأبوا إلا أن يُشْرِكوا معه غيره: فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني: الملائكة يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ، كقوله : فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89].
الشيخ: والمقصود من هذا كله: الردّ على عُبَّاد غير الله، عُبَّاد الشمس والقمر والنُّجوم والأصنام وغيرها، فإن هذه الشمس وهذا القمر آيتان عظيمتان، إذا حرم السُّجود لهما، والعبادة لهما، فغيرهما من باب أولى؛ ولهذا قال: وَمِنْ آيَاتِهِ يعني: ومن الدلائل على أنه ربُّ العالمين، وأنه المُستحق لأن يُعبد هذه الشمس، وهذا القمر، وهذا الليل والنهار، وأن الله نظمهما لمصالح العباد، وكلها جاريةٌ حسب التَّنظيم الذي كتبه الله عليها وخلقها عليه لمصلحة العباد: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف:54]، كلها لمصالح العباد: لمآكلهم، ومشاربهم، ونومهم، وأسفارهم، وإقامتهم، وغير ذلك.
فالواجب أن يُعبد سبحانه، وأن يُخصّ بالعبادة؛ لكونه الخلَّاق، العليم، المُحْسِن، المُتفضل على عباده بهذه النعم؛ ولهذا قال: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وفي الآية الأخرى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ يعني: وخلق الشمس وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ مُذللات بأمره، أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54]، ثم قال بعدها: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55- 56]، ولكن أهل الباطل والشرك والجهل في غفلةٍ، وفي إعراضٍ، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3]، وقال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44]، وقال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] يعني: هم أضلّ من البقر والغنم والإبل، وهم أصحاب الغفلة، فيها الآيات العظيمة، وقد أُعطوا عقولًا، ثم ذهبتْ عليهم هذه العقول، فأعرضوا عن استعمالها فيما ينفعهم، فصاروا أسوأ من الأنعام السَّائحة في إعراضهم وغفلتهم عن هذه الآيات العظيمات، وعما خُلِقُوا له من عبادة الله وطاعته، وعن استعمالهم ما أعطاهم الله من العقول فيما ينفعهم، نسأل الله العافية.
القارئ:
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان –يعني: ابن وكيعٍ-: حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابرٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: لا تَسُبُّوا الليل، ولا النَّهار، ولا الشمس، ولا القمر، ولا الرياح، فإنها تُرْسَل رحمةً لقومٍ، وعذابًا لقومٍ.
وقوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أي: على قُدرته على إعادة الموتى أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً أي: هامدةً، لا نبات فيها، بل هي ميتةٌ، فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ أي: أخرجتْ من جميع ألوان الزروع والثِّمار، إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت:40- 43].
قوله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا قال ابن عباسٍ: الإلحاد: وضع الكلام على غير مواضعه. وقال قتادة وغيره: هو الكفر والعناد.
وقوله : لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا فيه تهديدٌ شديدٌ، ووعيدٌ أكيدٌ، أي: إنه تعالى عالِمٌ بمَن يُلْحِد في آياته وأسمائه وصفاته، وسيجزيه على ذلك بالعقوبة والنَّكال؛ ولهذا قال تعالى: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
الشيخ: الإلحاد هو الميل عن الحقِّ: يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا يعني: يميلون ويعدلون عن الحقِّ والصواب إلى ضدِّه، ومن اللَّحد المائل عن جهة القبر إلى جهته القبلية، وأَلْحَدَ في الكلام: صرفه عن ظاهره، حمله على غير محمله.
وهؤلاء الملحدون الضَّالون الله جلَّ وعلا يعلم أحوالهم، ولا تخفى عليه أحوالهم، ولا كفرهم وظلمهم، ولكنه يُمْلِي ولا يغفل ، كما قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42]، وفي الآيات الكثيرات: وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود:123]، وفي الآية الأخرى: عَمَّا يَعْمَلُونَ [الأنعام:132]، إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5].
القارئ:
ولهذا قال تعالى: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: أيستوي هذا وهذا؟ لا يستويان.
ثم قال تهديدًا للكفرة: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ.
قال مجاهد والضَّحاك وعطاء الخراساني: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وعيدٌ، أي: من خيرٍ أو شرٍّ، إنه عالِمٌ بكم، وبصيرٌ بأعمالكم؛ ولهذا قال تعالى: إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
ثم قال جلَّ جلاله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ قال الضَّحاك والسّدي وقتادة: وهو القرآن.
وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ أي: منيع الجناب، لا يُرام أن يأتي أحدٌ بمثله.
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ أي: ليس للبُطلان إليه سبيلٌ؛ لأنه مُنزلٌ من ربِّ العالمين؛ ولهذا قال: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ أي: حكيمٌ في أقواله وأفعاله، حميدٌ بمعنى: محمود، أي: في جميع ما يأمر به وينهى عنه، الجميع محمودةٌ عواقبه وغاياته.
ثم قال : مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ قال قتادة والسّدي وغيرهما: ما يُقال لك من التَّكذيب إلا كما قد قيل للرسل من قبلك، فكما كُذِّبْتَ كُذِّبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر أنت على أذى قومك لك.
وهذا اختيار ابن جريرٍ، ولم يَحْكِ هو ولا ابن أبي حاتم غيره.
الشيخ: كما قال تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ذو مغفرةٍ لمَن أجاب واستقام، وذو عقابٍ أليمٍ لمَن أصرَّ على الباطل وعاند، ولكن واجب الرسل وهكذا أتباعهم من الدُّعاة إلى الله، والمُرشدين إليه والمُعلمين، واجبهم الصبر، مع بذل الجُهْد، مع بذل الواجب في الدعوة والتَّوجيه والإرشاد، ثم الصبر على ما قد يقع من العناد والمُكابرة، فلا يمنع الدَّاعي إلى الله أن يستمر في دعوته، وإن عاند مَن عاند، كما أن الرسل كذلك لا يمنعهم عناد مَن عاند ومُكابرة مَن كابر أن يستمروا في دعوتهم، ولا ييأسوا.
فكم من رسولٍ صبر وصابر، ولم يتبعه إلا الأفراد، وبعضهم لم يتبعه أحدٌ، بل كذَّبه قومه، بل قتله قومه، فلا بد من الصبر، كما في حديث ابن عباسٍ .....: ..... النبي ومعه الرهط، وفي اللفظ الآخر: الرُّهَيط، والنبي معه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحدٌ، قد كذَّبه قومه كلهم، فهكذا أنت لك أُسْوَةٌ في الرسل.
أنت أيها الدَّاعي إلى الله، أيها المعلم، أيها المُرشد، أيها النَّاصح، لا تيأس، إذا كنت في قبيلةٍ أو قريةٍ أو مدينةٍ، ولم يستجب لك إلا القليل، فلا تيأس، أو لم يستجب أحدٌ استمر في الدعوة والإرشاد والتَّوجيه حتى يفتح الله أو تموت، فلك في الرسل الأُسوة الحسنة.
القارئ:
وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ أي: لمَن تاب إليه وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ أي: لمَن استمرَّ على كفره وطغيانه وعناده وشقاقه ومُخالفته.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد، عن علي بن زيدٍ، عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلتْ هذه الآية: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ قال رسول الله ﷺ: لولا عفو الله وتجاوزه ما هَنَأَ أحدًا العيش، ولولا وعيده وعقابه لَاتَّكَلَ كل أحدٍ.
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [فصلت:44- 45].
الشيخ: بركة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [فصلت:44- 45].
لما ذكر تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته وإحكامه في لفظه ومعناه، ومع هذا لم يُؤمن به المشركون، نبَّه على أن كفرهم به كفر عنادٍ وتَعَنُّتٍ، كما قال : وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:198- 199]، وكذلك لو أنزل القرآن كله بلغة العجم لقالوا على وجه التَّعنت والعناد: لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ أي: لقالوا: هلَّا أُنزل مُفَصَّلًا بلغة العرب، ولأنكروا ذلك، فقالوا: أعجمي وعربي؟ أي: كيف ينزل كلامٌ أعجميٌّ على مُخاطَبٍ عربيٍّ لا يفهمه؟!
هكذا رُوِيَ هذا المعنى عن ابن عباسٍ ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسّدي وغيرهم.
وقيل: المراد بقولهم: لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ أي: هل أُنزل بعضها بالأعجمي وبعضها بالعربي؟
الشيخ: أي؟
القارئ: أي: هل أُنزل ..
الشيخ: هل أو هلَّا؟
القارئ: هل.
الشيخ: ماذا عندكم؟
طالب: هلَّا.
الشيخ: لعل الصواب: هلَّا، يعني: اعتراض.
القارئ:
هلَّا أُنزل بعضها بالأعجمي وبعضها بالعربي؟
هذا قول الحسن البصري، وكان يقرؤها كذلك بلا استفهامٍ في قوله: أعجمي؟ وهو روايةٌ عن سعيد بن جبير، وهو في التَّعنت والعناد أبلغ.
ثم قال : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ أي: قُلْ يا محمد: هذا القرآن لمَن آمن به هُدًى لقلبه، وشفاءٌ لما في الصُّدور من الشُّكوك والرَّيب.
وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ أي: لا يفهمون ما فيه، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أي: لا يهتدون إلى ما فيه من البيان، كما قال : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82].
الشيخ: وهذا فيه الحثُّ على العناية بالقرآن، والاهتداء بالقرآن، وأن الله جعله هدًى وشفاءً، ولكن أعداء الله أعرضوا عنه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3]، فالمُعْرِض لا يستفيد، ولو كان أوضح شيءٍ؛ لأنه لا يريد الهداية، ولا يريد الفائدة؛ لأنه مُعْرِضٌ؛ ولهذا يقول جلَّ وعلا: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57]؛ ولهذا يقول جلَّ وعلا: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ هدى لقلوبهم، وشفاء لأمراضها: أمراض الشرك، وأمراض الشك، وأمراض المعاصي، وأمراض القسوة، كما أنه شفاء أيضًا لكثيرٍ من الأمراض البدنية، فضلًا من الله جلَّ وعلا.
وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ كأنهم لا يسمعون؛ لإعراضهم وغفلتهم.
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أي: بسبب الإعراض والغفلة وعدم الرغبة في الاهتداء، فهم بمنزلة الصُّمِّ، البُكْم، العُمْي؛ ولهذا قال في المنافقين: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [البقرة:18]، وقال سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179]، وهكذا في الفرقان: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44].
فلا يليق بذي الحِجَا وبذي الإيمان أن يكون شبيهًا بالأنعام، بل الواجب أن يُقبل على كتاب الله، ويتدبر، ويتعقل، ويطلب الفائدة، ويسأل ربه العون، ويسأل ربه التوفيق؛ حتى يُوفق، حتى يُهْدَى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] لمَن اهتدى به، وأقبل عليه، ورغب في الهداية.
القارئ:
أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ قال مجاهد: يعني: بعيد من قلوبهم.
قال ابن جريرٍ: معناه: كأن مَن يُخاطبهم يُناديهم من مكانٍ بعيدٍ، لا يفهمون ما يقول.
وقلتُ: وهذا كقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة:171].
وقال الضَّحاك: يُنادون يوم القيامة بأشنع أسمائهم.
وقال السّدي: كان عمر بن الخطاب جالسًا عند رجلٍ من المسلمين يقضي، إذ قال: يا لَبَّيْكَاه. فقال له عمر : لِمَ تُلبي؟ هل رأيتَ أحدًا أو دعاك أحدٌ؟ فقال: دعاني داعٍ من وراء البحر. فقال عمر : أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، رواه ابن أبي حاتم.
الشيخ: هذا غريبٌ، وليس بشيءٍ، والسّدي بينه وبين عمر مسافة، مُنقطع، السَّند مُعْضَل.
المقصود من الآية الكريمة: أنهم لإعراضهم وغفلتهم و..... كالذي يُنادى من مكانٍ بعيدٍ، ما يدري ماذا يقول المنادي؟ يسمع الصوت ولا يفهم، فهم هكذا يسمعون القارئ، يسمعون المنادي، يسمعون المُذَكِّر والواعظ، ولكن كأنهم يُنَادَون من مكانٍ بعيدٍ في إعراضٍ وغفلةٍ وبُعْدٍ عن قبول الحقِّ، وعن الإصغاء له، وتدبر ما يُقال؛ ولهذا يقول سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3]، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57]، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [البقرة:18]، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44]، نسأل الله العافية، هذه الحقيقة بسبب إعراضهم.