القارئ:
الشيخ: ..... فإنَّ نوحًا دعا عليهم فأهلكهم الله، لما أُوحي إليه: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود:36]، فدعا عليهم حتى هلكوا؛ لأنهم لا خير فيهم، نسأل الله العافية.
والرسول ﷺ تأجَّلها؛ لينفعهم بها؛ ولهذا قال ابن بَطَّال: إن هذا فيه دلالةٌ على فضله على غيره عليه الصلاة والسلام.
س: ما مُناسبة هذا الحديث في باب: فضل "لا حول ولا قوة إلا بالله"؟
ج: ..... "لا حول ولا قوة إلا بالله"؛ لئلا تكون ممن يُحرم هذه الشفاعة، "لا حول ولا قوة إلا بالله" في حصول هذه الشفاعة من نبينا، وهي الشفاعة لأهل الكبائر من أُمته، ولمن دخل النار من أُمته، فلا حول ولا قوة إلا بالله، يعني: لا حول لي ولا قوة لي على أن أكون من المشفوع فيهم إلا بالله.
القارئ:
3603- حدثنا أبو كُرَيبٍ قال: أخبرنا ابنُ نُمَيرٍ، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله : أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإنْ ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن اقترب إليَّ شبرًا اقتربتُ منه ذراعًا، وإن اقترب إليَّ ذراعًا اقتربتُ إليه باعًا، وإنْ أتاني يمشي أتيتُه هرولةً. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ويُروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث: مَن تقرَّب مني شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا يعني: بالمغفرة والرحمة.
وهكذا فسَّر بعضُ أهل العلم هذا الحديث، قالوا: إنَّما معناه يقول: إذا تقرَّب إليَّ عبدي بطاعتي وبما أمرتُ تُسارع إليه مغفرتي ورحمتي.
القارئ: قوله: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأخرجه الشيخان.
الشيخ: جاء معناه أيضًا من حديث أبي ذَرٍّ.
والمقصود: أن هذا الحديث العظيم يدل على فضل ربنا على عباده المؤمنين، وكمال إحسانه ، وأنه عند ظنِّ عباده به، ومعهم حين يذكرونه، وهي معيةٌ خاصةٌ مع الذَّاكرين، كما أنه مع الصَّابرين، ومع المُحْسِنين، وهي تقتضي أنواعًا من الخير؛ تقتضي الحفظ والكلاءة والتَّوفيق والهداية والنصر والإعانة على الخير، وهي أخصُّ من المعية العامة.
وفيه قُربه من هؤلاء الأخيار؛ تقويةً لقلوبهم، وتشجيعًا لهم على الأعمال الصالحات، وتصبيرًا لهم على الخير؛ لأنهم متى شعروا بمعيته وقُربه زاد نشاطهم، وزادتْ قوتهم، وزادتْ مُسابقتهم إلى الخيرات.
وهذا القُرب ..... مقامه وإحسانه وجوده وكرمه، وتقريبه إياهم إليه ..... في الآخرة، فإن هذا يدل على الرضا منه سبحانه عنهم، وتزداد حسناتهم، وترتفع مكانتهم، ويعلو قدرهم عنده سبحانه بهذا العمل الطيب: يتقربون إليه بحُسن ظنِّهم به، والإكثار من ذكره .
وهذا مثل النزول، ومثل الاستواء، ومثل الرحمة، كلها لا يعلم كيفيتها إلا الله ، لا يعلم كيف ينزل، ولا كيف استواؤه إلا هو، وهكذا كيف التَّقرب منهم ذراعًا وباعًا ومجيؤه هرولةً، لا يعلم كيفية هذا إلا هو .
وهي صفات حقٍّ تليق بالله، لا حاجة إلى التَّأويل فيها، لا يعلم كيفيتها إلا هو كسائر الصفات، ولكن من ثمراتها ومن مُقتضاها: جوده وكرمه وإحسانه إليهم، ونظرته لهم، وتقريبه إياهم، ورفع منازلهم، كل هذا من ثمرات هذه المحبة، وهذا الفضل، وهذه المُسارعة.
س: تأويل .....؟
ج: تفسير بمُقتضى ..... بمُقتضى المعنى.
س: .......؟
ج: ليس هو الكيفية، غير الكيفية، كيفيتها إليه .
س: مَن قال: معية خاصّة؟
ج: هي معيةٌ خاصةٌ، سواء، سواء.
طالب: في زيادة .....
الشيخ: ماذا؟
الطالب: يقول: ورُوي عن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] قال: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي.
حدثنا عبد بن حميدٍ قال: حدثنا الحسن بن موسى وعمرو بن هاشم الرملي، عن ابن لهيعة، عن عطاء بن يسار، عن سعيد بن جبير بهذا.
الشيخ: .......
طالب: .......
الشيخ: نعم؟
الطالب: وفي الباب .....
الشيخ: ..... لا بأس، نعم.
القارئ:
الشيخ: نعم، وهذا أخرجه الشيخان أيضًا، وهو حديثٌ عظيمٌ، ويدل على شرعية التَّعوذ بالله من هذه الأمور الأربعة، وكان يستعيذ بالله منها في آخر صلاته عليه الصلاة والسلام، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، فهذه الأربعة ينبغي الإكثار من الاستعاذة بالله منها، ويُشرع ذلك في آخر الصلاة أيضًا، كان النبي يقول ذلك ويأمر بذلك عليه الصلاة والسلام.
طالب: .......؟
الشيخ: لا بأس، نعم.
س: ..... على وجه السُّنية، أو على جهة الوجوب؟
ج: عند العلماء على وجه السُّنية، الذي عليه أكثر أهل العلم، ويُروى عن طاووس ما يدل على وجوبها، وأنه كان يأمر ولده إذا لم يأتِ بها أن يُعيد، والمشهور عند أهل العلم أنها على سبيل السُّنية المُؤكدة.
.......
القارئ:
بابٌ
حدثنا يحيى بن موسى قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: مَن قال حين يُمسي ثلاث مراتٍ: أعوذ بكلمات الله التَّامَّات من شرِّ ما خلق، لم يَضُرَّه حُمَةٌ تلك الليلة.
قال سُهيلٌ: فكان أهلنا تَعَلَّمُوها، فكانوا يقولونها كل ليلةٍ، فَلُدِغَتْ جاريةٌ منهم، فلم تجد لها وجعًا.
هذا حديثٌ حسنٌ.
وروى مالك بن أنسٍ هذا الحديث عن سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ.
وروى عبيدالله بن عمر وغيرُ واحدٍ هذا الحديث عن سُهيلٍ، ولم يذكروا فيه عن أبي هريرة.
طالب: .......
الشيخ: .......
س: حديث أبي هريرة المُتقدم يُثبت لله الهرولة على وجهٍ يليق بجلاله؟
ج: نعم، نعم.
س: .......؟
ج: نعم.
وهذا الدعاء من أفضل الدعاء، وحديث خولة بنت حكيمٍ في مسلم: مَن نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، لم يضرّه شيءٌ حتى يرتحل من منزله ذلك.
وفي هذا إذا قالها مَن أمسى، فقال هذه الكلمات ثلاث مراتٍ لم يضرّه شيءٌ، لم يضره حُمَةٌ.
ورواية مسلمٍ تُفسر هذا المعنى: أنه لن يضرّه شيءٌ، حتى لو وقع شيءٌ مما قد يخشى ضرره فلا يجد له ضررًا؛ ولهذا لما لُدِغَتْ بعض جواريهم لم تجد لها ضررًا، كما أخبر الراوي .....
ومن ذلك ما روى أحمد وغيره من أهل السُّنن حديث عثمان : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن قال حين يُصبح وحين يُمسي: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السَّميع العليم، ثلاث مراتٍ لم يضرّه شيءٌ، إذا قالها في المساء حتى يُصبح، وإذا قالها في الصباح حتى يُمْسِي.
فهذا من التَّعوذات الشرعية التي ينبغي استعمالها.
***
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمدٍ.
قال رحمه الله تعالى:
الشيخ: لو اجتمع الناس كلهم الذين يدعوهم المشركون كي يخلقوا ذبابًا لن يستطيعوا ذلك، هذا الذباب الضعيف الحقير: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]، لو أخذ منهم شيئًا لم يستنقذوه، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ وهذا يدل على حقارة الشرك وأهله ومعبودهم من دون الله من الأصنام والأوثان وأشباهها، وأنهم قد خسروا الدنيا والآخرة، خسروا الصفقة في الدنيا وفي الآخرة.
والمؤمن إذا تأمل حال المشركين رأى العجب العُجَاب: كيف نسوا خالقهم ورازقهم ومُدبر أمورهم، وتعلقوا بمَن لا ينفعهم ولا يضرّهم، ولا يملك لهم شيئًا، لا قليلًا، ولا كثيرًا؟! ولكنها مُصيبة العَمَى -عمى القلوب-: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، نسأل الله العافية.
الطالب: ..... وصلى الله على محمدٍ وآله.
الشيخ: وفَّق الله الجميع، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمدٍ.