17 العمل في صدقة عامين إذا اجتمعا

القارئ: قال رحمه الله تعالى:

بابٌ في العمل في صدقة عامين إذا اجتمعا

٢٧- قال مالكٌ رحمه الله تعالى: الأمر عندنا في الرجل تجب عليه الصدقة، وإبله مئة بعيرٍ، فلا يأتيه السَّاعي حتى تجب عليه صدقةٌ أخرى، فيأتيه المُصَدِّق وقد هلكتْ إبله إلا خمس ذَوْدٍ.

قال مالكٌ: يأخذ المُصَدِّق من الخمس ذَوْدٍ الصَّدقتين اللتين وجبتا على ربِّ المال: شاتين، في كل عامٍ شاةٌ؛ لأن الصَّدقة إنما تجب على ربِّ المال يوم يُصَدِّق ماله، فإن هلكتْ ماشيته أو نَمَتْ فإنما يُصَدِّق المُصَدِّق زكاة ما يجد يوم يُصَدِّق، وإن تظاهرتْ على ربِّ المال صدقاتٌ غير واحدةٍ، فليس عليه أن يُصَدِّق إلا ما وجد المُصَدِّق عنده، فإن هلكتْ ماشيته أو وجبتْ عليه فيها صدقاتٌ، فلم يُؤْخَذ منه شيءٌ حتى هلكتْ ماشيته كلها، أو صارتْ إلى ما لا تجب فيه الصدقة، فإنه لا صدقة عليه، ولا ضمان فيما هلك أو مضى من السنين.

الشيخ: هذا محل نظرٍ، الواجب عليه إخراج الصدقة، إذا ما جاء العامل إخراج الصدقة، إذا عنده خمسٌ: شاة، عنده عشرٌ: شاتان، وإذا تأخَّر العامل أخرجها؛ لأن الله أوجب عليه إخراج الزكاة، فإذا تأخر العامل أخرجها، وإذا جاء العامل يُخبره أنه أخرجها، وإذا أخذها منه العامل ما تضرّه، يُخْلِف الله عليه في أَبْرَك، ولا يضرّه ذلك؛ لأن الله أوجب عليه أداء الزكاة، والعامل قد يتأخر، وقد لا يأتي، فيجب عليه إخراج الزكاة، فإذا ألزمه العامل كانت درجةً عند الله، وفضلًا عند الله، يُخلف الله عليه، أما أنه يُعطل الزكاة ويتركها ..

س: لو هلك المال؟

ج: لو هلك المال بعدما تمَّ النِّصاب، وبعدما حال الحول، ولكن فرَّط ولا أخرج الزكاة يضمن، أما إذا كان ما فرَّط فما عليه شيءٌ.

س: إذا كان لا يُؤدِّي الزكاة ثم تاب؟

ج: يُؤديها.

س: عن السنوات الماضية؟

ج: نعم، مثل الدَّين.

س: .......؟

ج: إن هداه الله والعامل صدَّقه فلا بأس، وإلا يُعطيه؛ لأن بعض الناس مُتَّهمٌ، قد يدَّعي أنه أخرج الزكاة وهو يكذب.

القارئ:

باب النَّهي عن التَّضييق على الناس في الصدقة

٢٨- قال: وحدثني يحيى، عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشة -زوج النبي ﷺ- أنها قالت: مُرَّ على عمر بن الخطاب بغنمٍ من الصدقة، فرأى فيها شاةً حافلًا ذات ضَرْعٍ عظيمٍ، فقال عمر: ما هذه الشاة؟ فقالوا: شاةٌ من الصدقة. فقال عمر: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، ولا تأخذوا حَزَرَات المسلمين، نَكِّبُوا عن الطعام.

الشيخ: والمعنى: خُذُوا الوسط، لا تأخذوا الرُّبَّى، ولا ذات اللبن الكثير، أو ذات الشَّحم الكثير، لا تفتنوا الناس، فالعامل يجب عليه أن يتحرى، وأن يتَّقي الله، ولا يُؤذي الناس، يأخذ من الوسط.

القارئ:

قال: وحدثني عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمد بن يحيى بن حبان أنه قال: أخبرني رجلان من أشجع أن محمد بن مسلمة الأنصاري كان يأتيهم مُصَدِّقًا، فيقول لربِّ المال: أخرج إليَّ صدقة مالك. فلا يقود إليه شاةً فيها وفاء من حقِّه إلا قبلها.

قال مالكٌ رحمه الله: السُّنة عندنا، والذي أدركتُ عليه أهل العلم ببلدنا: أنه لا يُضيق على المسلمين في زكاتهم، وأن يُقبل منهم ما دفعوا من أموالهم.

الشيخ: هذا هو المشروع: «إياك وكرائم أموالهم» كما أوصى النبي ﷺ مُعاذًا، إذا سلَّموا شيئًا مُجْزِئًا طَيِّبًا فالحمد لله.

س: ..... لو زكَّى ماله، والعامل ما جاء إلا بعد ثلاث سنوات، وطالبه بأن يدفع لثلاث سنوات، فهل ينويها زكاةً مُعجَّلةً أم يُخرجها كالصدقة؟

ج: الله أعلم، تحتاج إلى تأملٍ.

س: ..... لو عُلِمَ أن صاحب الزكاة يُماطل ولا يُعطي شيئًا طيبًا، فهل للعامل أن يأخذ .....؟

ج: لا، لا، ما دام أعطاه شيئًا طَيِّبًا فالحمد لله، وإذا ما أعطاه شيئًا طيبًا يردّه، ويقول: هاتِ الطيب.

القارئ:

٢٩- قال: وحدثني يحيى، عن مالكٍ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: لا تحلّ الصدقة لغنيٍّ إلا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجلٍ اشتراها بماله، أو لرجلٍ له جارٌ مسكينٌ، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني.

الشيخ: هذا مُرسلٌ، ولكنه صحيحٌ، جاء من أحاديث مُتَّصلة عن عطاء، عن أبي سعيدٍ، متصلة، كما ذكر صاحب "البلوغ" رحمه الله.

إن الصدقة لا تحلّ لغنيٍّ إلا لخمسةٍ: لعاملٍ عليها، يُعطيه ولي الأمر، وإن كان غنيًّا، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو غارمٍ في سبيل الله، أو لفقيرٍ تُصُدِّق عليه بها، فأهدى منها لغنيٍّ، كل هذا لا بأس.

أنت أعطيتَ الفقير تمرًا، ثم عزمك -عنده عرسٌ أو عنده غيره- وأكلتَ من تمره، ما يضرّك.

أعطيتَه شاةً، ثم جاءه ضيفان وذبحها، وعزمك معهم، فأكلتَ منها، ما يضرّ.

أو اشتراها بماله، اشتراها من الفقير، ما هو هو، اشترى صدقة غيره، أما صدقته لا يشتريها.

س: العامل عليها ولو كان غنيًّا؟

ج: ولو غني، ولو عنده مال قارون يُعطى أجره، هذه أجرةٌ، يُعطيه ولي الأمر أجرةً.

س: عبارة عن أجرةٍ له أو ..؟

ج: أجرة، نعم، هذه أجرةٌ.

س: أحسن الله إليكم، هنا قال: "وأن يقبل منهم" أي: العامل "ما دفعوا من أموالهم"، والغالب أنهم يدفعون الرديء؟

ج: إذا كان الذي دفعوه طيبًا يقبله، هذا مُراده، لا يُناقشهم، إذا كان ما دفعوه طيبًا فالحمد لله.

س: أحسن الله إليكم، قوله: أو لرجلٍ له جارٌ مسكينٌ فَتَصَدَّقَ أو فَتُصُدِّقَ؟

ج: فَتُصُدِّقَ عليه.

القارئ:

أو لرجلٍ اشتراها بماله، أو لرجلٍ له جارٌ مسكينٌ، فَتُصُدِّق على المسكين، فأهدى المسكين للغني.

الشيخ: مثلما في قصة بريرة لما أُهْدِيَ لها، وأكل منها النبي ﷺ، وقال: هي عليها صدقةٌ، ولنا منها هديةٌ من بريرة.

القارئ:

قال مالكٌ رحمه الله: الأمر عندنا في قسم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي، فأي الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد أُوثِرَ ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي، وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عامٍ أو عامين أو أعوامٍ، فيُؤثر أهل الحاجة والعدد حيثما كان ذلك، وعلى هذا أدركتُ مَن أَرْضَى من أهل العلم.

الشيخ: أيش؟ قال مالك.

القارئ:

قال مالكٌ رحمه الله: الأمر عندنا في قسم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي ..

الشيخ: نعم، هذا الواجب، الوالي يجتهد في قسم الصدقات على الفقراء والمساكين، هذا يُعطى بعيرًا، وهذا يُعطى شاةً، وهذا يُعطى دراهم، وهذا يُعطى .. على حسب ما يسَّر الله للوالي في قسمها بين الفقراء.

س: أحسن الله إليك، لو أن رجلًا غنيًّا أعطى لرجلٍ أقلّ منه غنًى صدقةً، يقول له: لا أحتاج، لا تحلّ لي الصدقة، أم يقبلها؟

ج: هذا ما تحلُّ له الصدقة، أقول: الغني ما يُعْطَى الصدقة.

س: بعض الشركات تُعْطِي مُوظفيها، ومُوظفوها ليسوا فقراء؟

ج: لا، ما يجوز، ما يُعطون زكاةً، يُعطون من الصدقة تطوعًا، أما الزكاة فلا يُعطاها إلا مَن عُرِفَ أنه فقيرٌ، أو غلب على الظنِّ أنه فقيرٌ.

س: يقبل الصدقة؟ هؤلاء الموظفون يقبلون الصدقة؟

ج: مَن هم؟

س: الموظفون يقبلون الصدقة؟

ج: لا يُعطون الموظفين، إذا كان عندهم معاش يكفيهم لا يُعطون، أما إذا كان الموظف معاشه قليلًا، وعنده عائلة وفقير يُعطى.

س: يعني: يردّها على صاحب المال ويقول: لا أحتاج؟

ج: سبحان الله! ما أعظم شأنه! صاحب المال يتحرى وينظر، ما هو على هواه، ينظر، فإذا غلب على ظنِّه أن هذا فقيرٌ يُعطيه، سواء عامل، أو ما هو بعاملٍ.

س: .......؟

ج: ..... ما هو من الزكاة، يُعطيه من ماله، غير الزكاة.

القارئ:

فأي الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد أُوثِرَ ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي، وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عامٍ أو عامين أو أعوامٍ.

الشيخ: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ .. إلخ [التوبة:60].

القارئ:

فيُؤثر أهل الحاجة والعدد حيثما كان ذلك، وعلى هذا أدركتُ مَن أرضى من أهل العلم.

قال مالكٌ: وليس للعامل على الصدقات فريضةٌ مُسماةٌ إلا على قدر ما يرى الإمام.

الشيخ: يعني: أُجرته على قدر ما يرى الإمام -ولي الأمر- العامل له ما يراه ولي الأمر من الأجرة التي تُناسبه.

القارئ:

٣٠- قال: وحدثني يحيى، عن مالكٍ: أنه بلغه أن أبا بكر الصديق قال: لو منعوني عقالًا لجاهدتُهم عليه.

٣١- قال: وحدثني عن مالكٍ، عن زيد بن أسلم أنه قال: شرب عمر بن الخطاب لبنًا فأعجبه، فسأل الذي سقاه: من أين هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماءٍ قد سمَّاه، فإذا نَعَمٌ من نَعَم الصدقة، وهم يسقون، فحلبوا لي من ألبانها، فجعلتُه في سقائي، فهو هذا. فأدخل عمر بن الخطاب يده فاستقاءه.

الشيخ: لا، هذا ليس بصحيحٍ، ولا بأس بهذا ولا حرج، وزيد بن أسلم لم يُدرك عمر، هذا مُنقطعٌ، ولا حرج، كونهم سَقَوه من اللبن، سقاه العُمَّال من اللبن، أو ..... أو سقاه منه زيدٌ أو عمرٌو لا بأس؛ لأن اللبن ضائعٌ، لهم أن يشربوا منه.

طالب: أحسن الله عملك، يوجد تعليق لابن عبدالبر.

الشيخ: نعم.

الطالب: قال ابن عبدالبر: محمله عند أهل العلم: أن الذي سقاه ليس ممن تحلّ له الصدقة؛ إذ لعله غنيٌّ أو مملوكٌ، فاستقاءه لئلا ..

الشيخ: لا، الأثر لا يصح، أقول: الأثر لا يصح، وعمر فوق هذا.

القارئ:

قال مالكٌ رحمه الله: الأمر عندنا أن كل مَن منع فريضةً من فرائض الله ، فلم يستطع المسلمون أخذها، كان حقًّا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه.

الشيخ: مثلما فعل الصديق، إذا امتنعوا من الزكاة يُجاهَدُون، أما إذا كان يمكن أخذها منهم بدون جهادٍ فتُؤخذ منهم ويُعَزَّرون، أما إذا أقاموا الجهاد والقتال وقاتلوا يُقاتَلون مثلما قاتلهم الصديق، تكون ردَّةً؛ لأن جهادهم لها ومنعهم لها بالقتال معناه: جحدهم لها، ومَن جحدها كفر، نسأل الله العافية.

س: أحسن الله إليك، استغراق الزكاة في صنفٍ واحدٍ من الأصناف الثمانية؟

ج: لا بأس، إذا أعطى زكاته للفقراء لا بأس، صنفٌ واحدٌ.

س: أحسن الله إليك، العاملون عليها إذا كانوا من بني هاشم هل يُعطون من الزكاة؟

ج: لا، لا يُعطون.

س: كل مَن امتنع عن شعيرةٍ من شعائر الإسلام يُقاتَل كما قاتل الصحابة ..؟

ج: مثلما حكاه الشيخ تقي الدين إجماعًا، إذا امتنع قومٌ عن صيام رمضان، أو عن الزكاة، أو عن الصلاة، أو الحكم بالشريعة، يُجاهدهم ولي الأمر حتى يُنفذوا أمر الله، فإذا امتنعوا وقاتلوا كفروا؛ لأن هذا معناه الجحد، كونهم يُقاتلون دونها معناه الجحد؛ ولهذا قاتل الصحابة مانعي الزكاة؛ لأن قتالهم دونها منعٌ لها، أما لو منعها من دون قتالٍ ما يكفر.

س: مجرد قتالهم –أحسن الله إليك- عن أي فريضةٍ يُعتبر كفرًا؟

ج: نعم، إذا قاتلوا دونها، منعوها وقاتلوا دونها، قالوا: ما نصوم، ولا نصلي. فهذا كفرٌ، أو ما نُزَكِّي.

س: أو ما نحجّ يا شيخ؟

ج: أو ما نحجّ، وهم مُستطيعون.

القارئ:

٣٢- قال: وحدثني عن مالكٍ: أنه بلغه أن عاملًا لعمر بن عبدالعزيز رحمه الله كتب إليه يذكر: أن رجلًا منع زكاة ماله، فكتب إليه عمر: أن دَعْهُ ولا تأخذ منه زكاةً مع المسلمين. قال: فبلغ ذلك الرجل، فاشتدّ عليه، وأدَّى بعد ذلك زكاة ماله، فكتب عامل عمر إليه يذكر له ذلك، فكتب إليه عمر: أن خُذْهَا منه.

الشيخ: هذا إن صحَّ من باب الاجتهاد، إن صحَّ، لكن بلاغات مالك ضعيفةٌ، وهذا اجتهاد عمر بن عبدالعزيز، من باب الاجتهاد ، وإلا فالواجب أخذ الزكاة ممن منعها، هذا الواجب على ولي الأمر، لكن إذا اجتهد ولي الأمر في بعض الناس وأجَّله لعله يهتدي أو لأسبابٍ أخرى؛ خوفًا من مضرةٍ أو فسادٍ كبيرٍ، فلولي الأمر الاجتهاد أن يُؤجّله، وإلا فالواجب أخذها منه.

وهذه البلاغات ضعيفةٌ، ثم لو فعله عمر، فعمر ما هو بمعصومٍ، عمر قد يغلط مثلما يغلط غيره.

س: ..... ماذا يقصد عمر ..؟

ج: لو صحَّ لعل لها أسباب؛ لأنه لو ألزمه تكون فتنةٌ بينه وبين الناس، فقد يكون الرجل له قومٌ، وله عشيرةٌ، وتكون فتنٌ، قد يكون إن صحَّت الرواية، الرواية ضعيفةٌ.

القارئ:

باب زكاة ما يُخْرَص من ثمار النَّخل والأعناب.

الشيخ: بركة.