القارئ:
وأيضًا: فإنَّ اللَّه ذمَّ عموم الإنسان، واستثنى المصلِّين الَّذين هم على صلاتهم دائمون؛ قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج:19-22].
والسَّلف من الصَّحابة ومَن بعدهم قد فسَّروا "الدَّائم على الصَّلاة" بالمحافظ على أوقاتها وبالدَّائم على أفعالها بالإقبال عليها. والآية تعمُّ هذا وهذا؛ فإنَّه قال: عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23]، والدَّائم على الفعل هو المديم له الَّذي يفعله دائمًا.
فإذا كان هذا فيما يفعل في الأوقات المتفرِّقة، وهو أن يفعله كلَّ يومٍ بحيث لا يفعله تارةً ويتركه أخرى، وسمَّى ذلك دوامًا عليه، فالدَّوام على الفعل الواحد المتَّصل أولى أن يكون دوامًا وأن تتناول الآية ذلك؛ وذلك يدلُّ على وجوب إدامة أفعالها؛ لأنَّ اللَّه ذمَّ عموم الإنسان، واستثنى المداوم على هذه الصِّفة؛ فتارك إدامة أفعالها يكون مذمومًا من الشَّارع، والشَّارع لا يذمُّ إلَّا على ترك واجبٍ أو فعل محرَّمٍ.
وأيضًا: فإنَّه قال: إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:22-23]؛ فدلَّ ذلك على أنَّ المصلِّي قد يكون دائمًا على صلاته وقد لا يكون دائمًا عليها، وأنَّ المصلِّي الَّذي ليس بدائم مذمومٌ، وهذا يوجب ذمَّ من لا يُديم أفعالها المتَّصلة والمنفصلة.
وإذا وجب دوام أفعالها فذلك هو نفس الطُّمأنينة؛ فإنَّه يدلُّ على وجوب إدامة الرُّكوع والسُّجود وغيرهما، ولو كان المجزئ أقلَّ ممَّا ذكر من الخفض -وهو نَقْر الغراب- لم يكن ذلك دوامًا، ولم يجب الدَّوام على الرُّكوع والسُّجود وهما أصل أفعال الصَّلاة؛ فعُلم أنَّه كما تجب الصَّلاة يجب الدَّوام عليها المتضمِّن للطُّمأنينة والسَّكينة في أفعالها.
وأيضًا: فقد قال اللَّه تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، وهذا يقتضي ذمَّ غير الخاشعين؛ كقوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة:143]، وقوله تعالى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى:13]. فقد دلَّ كتاب اللَّه على من كَبُر عليه ما يحبُّه اللَّه، وأنَّه مذمومٌ بذلك في الدِّين مسخوطٌ منه ذلك، والذَّمُّ أو السُّخط لا يكون إلَّا لترك واجبٍ أو فعل محرَّمٍ.
وإذا كان غير الخاشعين مذمومين؛ دلَّ ذلك على وجوب الخشوع، فمن المعلوم أنَّ الخشوع المذكور في قوله تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] لا بدَّ أن يتضمَّن الخشوع في الصَّلاة؛ فإنَّه لو كان المراد الخشوع خارج الصَّلاة لفسد المعنى؛ إذ لو قيل: إنَّ الصَّلاة لكبيرةٌ إلَّا على من خشع خارجها ولم يخشع فيها؛ كان يقتضي أنَّها لا تَكبُر على من لم يخشع فيها، وتكبر على من خشع فيها، وقد انتفى مدلول الآية، فثبت أنَّ الخشوع واجبٌ في الصَّلاة.
ويدلُّ على وجوب الخشوع فيها أيضًا: قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:1-11]. أخبر أنَّ هؤلاء هم الَّذين يرثون فردوس الجنَّة، وذلك يقتضي أنَّه لا يرثها غيرهم.
وقد دلَّ هذا على وجوب هذه الخصال؛ إذ لو كان فيها ما هو مستحبٌّ لكانت جنَّة الفردوس تورث بدونها؛ لأنَّ الجنَّة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات؛ ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلَّا ما هو واجبٌ.
وإذا كان الخشوع في الصَّلاة واجبًا، فالخشوع يتضمَّن السَّكينة والتَّواضع جميعًا.
الشيخ: وهذا هو الخشوع الذي يتضمنه حديث المسيء، قوله ﷺ: اركع حتى تطمئن راكعًا، وارفع حتى تعتدل قائمًا، كونه يطمئن فيها حتى يرجع كل فَقَارٍ إلى مكانه ويخضع فيها لربه؛ فكل صلاة ليس فيها خشوع بل تُنقَر ليست بصلاة، وإنما الصلاة التي شرعها الله وأحبها هي التي يطمئن فيها ويخشع فيها لربه؛ ولهذا أخبر عن فلاحه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2].
ثم النهاية الجنة، الفردوس هي أحد أسماء الجنة، وهو اسمٌ لأعلاها وخيرها وأفضلها، والله أكبر.
أحد الطلاب: القلب يقصد يا شيخ، أو خشوع الأعضاء؟
الشيخ: خشوع القلب وخشوع الجوارح؛ لأن الطمأنينة تحصل بالقلب والجوارح، لكن خشوع القلب ليس من الواجبات إنما هو من كمالها؛ لأنه قد يعرض له وسواس، لكن لا بد من خشوع الجوارح والطمأنينة، وإذا حصل القلب كان أكمل، وإذا عرض للقلب شيء من الوسواس لا يُبطل الصلاة.
القارئ:
ومنه حديث عمر حيث رأى رجلًا يعبث في صلاته، فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعَتْ جوارحه. أي: لَسَكنت وخضعت.
وقال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [فصلت:39]، فأخبر أنَّها بعد الخشوع تهتزُّ، والاهتزاز: حركةٌ. وتربو، والرَّبو: الارتفاع؛ فعُلم أنَّ الخشوع فيه سكونٌ وانخفاضٌ.
ولهذا؛ كان النَّبيُّ ﷺ يقول في حال ركوعه: اللَّهمَّ لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخِّي وعقلي وعصبي. رواه مسلمٌ في "صحيحه".
فوصف نفسه بالخشوع في حال الرُّكوع؛ لأنَّ الرَّاكع ساكنٌ متواضعٌ، وبذلك فُسِّرت الآية، ففي التَّفسير المشهور الَّذي يقال له "تفسير الوالبي" عن عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وقد رواه المصنِّفون في التَّفسير؛ كأبي بكر ابن المنذر ومحمَّد بن جريرٍ الطبري وغيرهما، من حديث أبي صالحٍ عبداللَّه بن صالحٍ، عن معاوية بن أبي صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاسٍ: قوله تعالى: فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2] يقول: "خائفون ساكنون".
ورووا في التَّفاسير المسندة؛ كـ"تفسير ابن المنذر" وغيره، من حديث سفيان الثَّوريِّ، عن منصورٍ عن مجاهدٍ: خَاشِعُونَ قال: "السُّكون فيها"، قال: وكذلك قال الزُّهريُّ.
ومن حديث هشامٍ عن مغيرة عن إبراهيم النَّخَعي قال: الخشوع في القلب، وقال: ساكنون. قال الضَّحَّاك: الخشوع والرَّهبة للَّه، وروي عن الحسن: خائفون.
وروى ابن المنذر من حديث أبي عبدالرَّحمن المقبري، حدَّثنا المسعوديُّ، حدَّثنا أبو سنانٍ: أنَّه قال في هذه الآية: فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2] قال: الخشوع في القلب، وأن يُلين كنفه للمرء المسلم، وألا تلتفت في صلاتك.
وفي "تفسير ابن المنذر" أيضًا ما في "تفسير إسحاق بن راهويه": عن رَوْحٍ، حدَّثنا سعيدٌ عن قتادة: فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2] قال: الخشوع في القلب، والخوف وغضُّ البصر في الصَّلاة.
وعن أبي عبيدة معمر بن المثنَّى في كتابه "مَجَاز القرآن": فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2] أي: لا تطمح أبصارهم ولا يلتفتون.
وقد روى الإمام أحمد في كتاب "النَّاسخ والمنسوخ" من حديث ابن سيرين، ورواه إسحاق بن راهويه في "التَّفسير"، وابن المنذر أيضًا في "التَّفسير" الَّذي له رواه من حديث الثَّوريِّ: حدَّثني خالدٌ عن ابن سيرين قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يرفع بصره إلى السَّماء، فأُمِر بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده» أي محلِّ سجوده.
قال سفيان: وحدَّثني غيره عن ابن سيرين: أنَّ هذه الآية نزلت في ذلك: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2]، قال: "هو سكون المرء في صلاته"، قال معمرٌ وقال الحسن: "خائفون"، وقال قتادة: "الخشوع في القلب"، ومنه: خضوع البصر وخفضه وسكونه ضدُّ تقليبه في الجهات؛ كقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:6-8]، وقوله تعالى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:43-44]، وفي القراءة الأخرى: خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ.
وفي هاتين الآيتين وصف أجسادهم بالحركة السَّريعة؛ حيث لم يصف بالخشوع إلَّا أبصارهم؛ بخلاف آية الصَّلاة فإنَّه وصف بالخشوع جملةَ المصلِّين بقوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2]، وقوله تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، وقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [القلم:42-43].
ومن ذلك: خشوع الأصوات؛ كقوله تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ [طه:108]، وهو انخفاضها وسكونها، وقال تعالى: وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى:44-45]، وقال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية:2-5]، وهذا يكون يوم القيامة.
وهذا هو الصَّواب من القولين بلا ريبٍ؛ كما قال في القسم الآخر: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية:8-10]، وقال تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:72-73].
وإذا كان الخشوع في الصَّلاة واجبًا وهو متضمِّنٌ للسُّكون والخشوع؛ فمَن نَقَر نَقْرَ الغراب لم يخشع في سجوده، وكذلك من لم يرفع رأسه من الرُّكوع ويستقرَّ قبل أن ينخفض لم يسكن؛ لأنَّ السُّكون هو الطُّمأنينة بعينها، فمن لم يطمئنَّ لم يسكن، ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده، ومن لم يخشع كان آثمًا عاصيًا، وهو الَّذي بيَّنَّاه.
ويدلُّ على وجوب الخشوع في الصَّلاة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ توعَّد تاركيه، كالَّذي يرفع بصره إلى السَّماء، فإنَّه حركه ورفعه وهو ضدُّ حال الخاشع؛ فعن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: ما بال أقوامٍ يرفعون أبصارهم في صلاتهم؟، فاشتدَّ قوله في ذلك، فقال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفُنَّ أبصارهم.
وعن جابر بن سَمُرة قال: دخل رسول اللَّه ﷺ المسجد وفيه ناسٌ يصلُّون رافعي أبصارهم إلى السَّماء، فقال: لَيَنْتَهِيَنَّ رجالٌ يَشْخصون أبصارهم إلى السَّماء أو لا ترجع إليهم أبصارهم.
الأوَّل في البخاريِّ، والثَّاني في مسلمٍ، وكلاهما في سنن أبي داود والنَّسائي وابن ماجه.
وقال محمَّد بن سيرين: «كان رسول اللَّه ﷺ يرفع بصره في الصَّلاة، فلمَّا نزلت هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] لم يكن يُجاوز بصرُه موضعَ سجوده». رواه الإمام أحمد في كتاب "النَّاسخ والمنسوخ".
فلمَّا كان رفع البصر إلى السَّماء ينافي الخشوع؛ حرَّمه النَّبيُّ ﷺ وتوعَّد عليه.
وأمَّا الالتفات لغير حاجةٍ فهو ينقص الخشوع ولا ينافيه؛ فلهذا كان ينقص الصَّلاة؛ كما روى البخاريُّ وأبو داود والنَّسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن التفات الرَّجل في الصَّلاة؟ فقال: هو اختلاسٌ يختلسه الشَّيطان من صلاة العبد.
وروى أبو داود والنَّسائي عن أبي الأحوص عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: لا يزال اللَّه مُقبِلًا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه.
وأمَّا لحاجة فلا بأس به؛ كما روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال: «ثُوِّب بالصَّلاة -يعني صلاة الصُّبح- فجعل رسول اللَّه ﷺ يُصلِّي وهو يلتفت إلى الشِّعب». قال أبو داود: وكان أرسَلَ فارسًا إلى الشِّعب من اللَّيل يحرس.
وهذا كحَمْلِه أُمَامة بنت أبي العاص بن الرَّبيع من زينب بنت رسول اللَّه، وفَتْحِه الباب لعائشة، ونزوله من المنبر لمَّا صلَّى بهم يُعلِّمهم، وتأخُّرِه في صلاة الكسوف، وإمساكه الشَّيطان وخنقِه لمَّا أراد أن يقطع صلاته، وأمرِه بقتل الحيَّة والعقرب في الصَّلاة.
الشيخ: يعني أن هذا يدل على أن هذه يُعفى عنها؛ لأن الرسول فعلها، فالالتفات مكروه في الصلاة، لكن إذا كان لحاجة كما التفت إلى الشِّعب لينظر ربيعة هل جاء، وكما التفت الصديق لما صفق الناس، حتى التفت الصديق فرأى النبي فتأخر عليه الصلاة والسلام.
فالأعمال اليسيرة التي تدعو إليها الحاجة لا بأس.
وهكذا صعوده المنبر ونزوله وهو يصلي بالناس، وهكذا تقدمه في صلاة الكسوف لما عرضت الجنة، وتأخره لما عرضت النار؛ كل هذا يدل على التسامح في مثل هذه الأشياء التي تعرض لحاجة، وقتل الحية في الصلاة والعقرب كذلك.
القارئ:
وأَمْرِه بِرَدِّ المارِّ بين يدي المصلِّي ومقاتلته، وأمرِه النِّساءَ بالتَّصفيق، وإشارته في الصَّلاة، وغير ذلك من الأفعال الَّتي تُفعل لحاجة، ولو كانت لغير حاجةٍ كانت من العبث المنافي للخشوع المنهيِّ عنه في الصَّلاة.
ويدلُّ على ذلك أيضًا: ما رواه تميمٌ الطَّائيُّ عن جابر بن سَمُرة قال: دخل علينا رسول اللَّه ﷺ والنَّاس رافعو أيديهم -قال الرَّاوي وهو زهير بن معاوية: وأُراه قال: في الصَّلاة- فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنَّها أذنابُ خيلٍ شمس! اسْكُنُوا في الصَّلاة. رواه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائي.
ورووا أيضًا عن عبيد اللَّه بن القبطيَّة عن جابر بن سمرة قال: كنَّا إذا صلَّينا خلف رسول اللَّه ﷺ فسلَّم أحدنا أشار بيده مِن عن يمينه ومِن عن يساره، فلمَّا صلَّى قال: ما بال أحدكم يومئ بيده كأنَّها أذناب خيلٍ شُمُسٍ! إنَّما يكفي أحدكم -أو: أَلَا يكفي أحدكم- أن يقول: هكذا وأشار بإصبعه يُسلِّم على أخيه مِن عن يمينه ومن عن شماله. وفي روايةٍ قال: أما يكفي أحدكم أو أحدهم أن يضع يده على فخذه ثمَّ يسلِّم على أخيه مِن عن يمينه ومن عن شماله.
ولفظ مسلمٍ: صلَّينا مع رسول اللَّه ﷺ، وكنَّا إذا سلَّمنا قلنا بأيدينا: السَّلام عليكم. فنظر إلينا رسول اللَّه ﷺ فقال: ما شأنكم تُشيرون بأيديكم كأنَّها أذناب خيلٍ شُمُسٍ! إذا سلَّم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يُومئ بيده.
فقد أمر رسول اللَّه ﷺ بالسُّكون في الصَّلاة، وهذا يقتضي السُّكون فيها كلِّها. والسُّكون لا يكون إلَّا بالطُّمأنينة، فمن لم يطمئنَّ لم يسكن فيها. وأمره بالسُّكون فيها موافقٌ لما أمر اللَّه تعالى به من الخشوع فيها، وأحقُّ النَّاس باتِّباع هذا هم أهل الحديث.
ومن ظنَّ أنَّ نهيه عن رفع الأيدي هو النَّهي عن رفعها إلى منكبه حين الرُّكوع وحين الرَّفع منه وحَمْلُه على ذلك؛ فقد غلط؛ فإنَّ الحديث جاء مفسَّرًا بأنَّهم كانوا إذا سلَّموا في الصَّلاة سلام التَّحليل أشاروا بأيديهم إلى المسلَّم عليهم مِن عن اليمين ومن عن الشِّمال، ويبيِّن ذلك قوله: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنَّها أذناب خيلٍ شُمُسٍ!. «والشُّمُس» جمع شموسٍ، وهو الَّذي تقول له العامَّة: الشَّموص، وهو الَّذي يحرِّك ذَنَبَه ذات اليمين وذات الشِّمال، وهي حركةٌ لا سكون فيها.
وأمَّا رفع الأيدي عند الرُّكوع وعند الرَّفع بمثل رفعها عند الاستفتاح؛ فذلك مشروعٌ باتِّفاق المسلمين، فكيف يكون الحديث نهيًا عنه؟ وقوله: اسكنوا في الصَّلاة يتضمَّن ذلك؛ ولهذا صلَّى بعض الأئمَّة الَّذين لم يكونوا يرون هذا الرَّفع إلى جنب عبداللَّه بن المبارك فرفع ابن المبارك يديه فقال له: "أتريد أن تطير!". فقال: "إن كنتُ أطير في أوَّل مرَّةٍ فأنا أطير في الثَّانية، وإلَّا فلا"، وهذا نقضٌ لما ذكره من المعنى.
وأيضًا: فقد تواترت السُّنن عن النَّبيِّ ﷺ وأصحابه بهذا الرَّفع؛ فلا يكون نهيًا عنه، ولا يكون ذلك الحديث مُعارَضًا، بل لو قد تعارضا فأحاديث هذا الرَّفع كثيرةٌ متواترةٌ، ويجب تقديمها على الخبر الواحد لو عارضها، وهذا الرَّفع فيه سكونٌ.
فقوله: اسكنوا في الصَّلاة لا ينافي هذا الرَّفع، كرفع الاستفتاح وكسائر أفعال الصَّلاة، بل قوله: اسكنوا يقتضي السُّكون في كلِّ بعضٍ من أبعاض الصَّلاة، وذلك يقتضي وجوب السُّكون في الرُّكوع والسُّجود والاعتدالين.
فبيَّن هذا أن السُّكون مشروعٌ في جميع أفعال الصَّلاة بحسب الإمكان؛ ولهذا يسكن فيها في الانتقالات الَّتي منتهاها إلى الحركة؛ فإنَّ السُّكون فيها يكون بحركة معتدلةٍ لا سريعةٍ؛ كما أمر النَّبيُّ ﷺ في المشي إليها، وهي حركةٌ إليها، فكيف بالحركة فيها؟! فقال: إذا أتيتم الصَّلاة فلا تأتوها تَسْعَوْن، وائْتُوها وعليكم السَّكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقضوا.
وهذا أيضًا دليلٌ مستقلٌّ في المسألة، فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إذا أقيمت الصَّلاة فلا تأتوها تَسْعَون، وائتوها تمشون وعليكم السَّكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقضوا. رواه البخاريُّ ومسلمٌ وأبو داود وابن ماجه.
قال أبو داود -وكذلك قال التِّرمذيُّ، وابن أبي ذئبٍ، وإبراهيم بن سعد، ومعمرٌ، وشعيب بن أبي حمزة- عن الزُّهريِّ: وما فاتكم فأتمُّوا. وقال ابن عيينة عن الزُّهريِّ: فاقضوا. قال محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، وجعفر بن أبي ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة: فأتمُّوا. وابن مسعودٍ عن النَّبيِّ ﷺ: فأتمُّوا.
وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: ائتوا الصَّلاة وعليكم السَّكينة، فصلُّوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم. قال أبو داود: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة : وَلْيَقْضِ، وكذلك قال أبو رافعٍ عن أبي هريرة، وأبو ذرٍّ روى عنه: فأتمُّوا واقضوا، اختَلف عنه.
فإذا كان النَّبيُّ ﷺ قد أمر بالسَّكينة حال الذَّهاب إلى الصَّلاة، ونهى عن السَّعي الَّذي هو إسراعٌ في ذلك لكونه سببًا للصَّلاة، فالصَّلاة أحقُّ أن يؤمر فيها بالسَّكينة ويُنهى فيها عن الاستعجال؛ فعُلم أنَّ الرَّاكع والسَّاجد مأمورٌ بالسَّكينة منهيٌّ عن الاستعجال بطريق الأولى والأحرى، لا سيَّما وقد أمره بالسَّكينة بعد سماع الإقامة الَّذي يوجب عليه الذَّهاب إليها، ونهاه أن يشتغل عنها بصلاةِ تطوُّعٍ وإن أفضى ذلك إلى فوات بعض الصَّلاة، فأَمَره بالسَّكينة وأن يُصلِّي ما فاته منفردًا بعد سلامِ الإمام وجَعَل ذلك مقدَّمًا على الإسراع إليها.
وهذا يقتضي شدَّة النَّهي عن الاستعجال إليها، فكيف فيها!
يبيِّن ذلك ما روى أبو داود عن أبي ثُمَامة الحنَّاط عن كعب بن عُجْرة قال: إنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: إذا توضَّأ أحدكم فأحسن وضوءه ثمَّ خرج عامدًا إلى المسجد فلا يُشَبِّكن يديه؛ فإنَّه في صلاةٍ. فقد نهاه رسول الله ﷺ في مشيه إلى الصَّلاة عمَّا نهاه عنه في الصَّلاة من الكلام والعمل له منفردًا، فكيف يكون حال المصلِّي نفسه في ذلك المشي وغير ذلك؟! فإذا كان منهيًّا عن السُّرعة والعجلة في المشي مأمورًا بالسَّكينة وإن فاته بعض الصَّلاة مع الإمام حتَّى يصلِّي قاضيًا له، فأولى أن يكون مأمورًا بالسَّكينة فيها.
ويدلُّ على ذلك: أنَّ اللَّه أمر في كتابه بالسَّكينة والقصد في الحركة والمشي مطلقًا، فقال: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [لقمان:19]، وقال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان:63]. قال الحسن وغيره: بسكينة ووقارٍ، فأخبر أنَّ عباد الرَّحمن هم هؤلاء.
فإذا كان مأمورًا بالسَّكينة والوقار في الأفعال العاديَّة الَّتي هي من جنس الحركة، فكيف الأفعالُ العباديَّة؟! ثمَّ كيف بما هو فيها من جنس السُّكون كالرُّكوع والسُّجود؟! فإنَّ هذه الأدلَّة تقتضي السَّكِينة في الانتقال؛ كالرَّفع والخفض والنُّهوض والانحطاط. وأمَّا نفس الأفعال الَّتي هي المقصود بالانتقال كالرُّكوع نفسه والسُّجود نفسه والقيام والقعود أنفسهما -وهذه هي مِن نفسها سكونٌ- فمَن لم يسكن فيها لم يأتِ بها، وإنَّما هو بمنزلة مَن أهوى إلى القعود ولم يأتِ به؛ كمن مدَّ يده إلى الطَّعام ولم يأكل منه، أو وضعه على فِيهِ ولم يطعمه.
وأيضًا: فإنَّ اللَّه تعالى أوجب الرُّكوع والسُّجود في الكتاب والسُّنَّة.
الشيخ: قف على "وأيضًا".
رحمه الله، اللهم اغفر لنا وله... الله المستعان.
أحد الطلاب: رفع اليد المنهي عنه؟
الشيخ: عند السلام، يسلم ولا يشير بيده هكذا، يسلم: "السلام عليكم ورحمة الله" ويداه على فَخِذِه.
أحد الطلاب: كيفية المنهي عنه؟
الشيخ: يُومِئون بأيديهم عند السلام بالإيماء.
القارئ:
وأيضًا: فإنَّ اللَّه تعالى أوجب الرُّكوع والسُّجود في الكتاب والسُّنَّة، وهو واجبٌ بالإجماع؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77]، وقوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:42-43]، وقوله تعالى: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ [الانشقاق:20-21]، وقوله تعالى: إنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [السجدة:15]، وقوله تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]، وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج:18].
فدلَّ على أنَّ الَّذي لا يسجد للَّه من النَّاس قد حقَّ عليه العذاب.
وقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [الإنسان:26]، وقوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الحجر:98]، وقوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ [المرسلات:48]، وقوله تعالى: إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:55].
وإذا كان اللَّه قد فرض الرُّكوع والسُّجود للَّه في كتابه كما فرض أصل الصَّلاة، فالنَّبيُّ ﷺ هو الـمُبيِّن للنَّاس ما نُزِّل إليهم، وسُنَّته تُفسِّر الكتاب وتُبيِّنه، وتدلُّ عليه وتعبِّر عنه، وفِعله إذا خرج امتثالًا لأمر أو تفسيرًا لمجمل كان حكمه حكم ما امتثله وفسَّره.
وهذا كما أنَّه ﷺ لمَّا كان يأتي في كلِّ ركعةٍ بركوع واحدٍ وسجودين؛ كان كلاهما واجبًا، وكان هذا امتثالًا منه لما أمَر اللَّه به من الرُّكوع والسُّجود، وتفسيرًا لما أجمل ذِكْره في القرآن.
وكذلك المرجع إلى سنَّته في كيفيَّة السُّجود، وقد كان يُصلِّي الفريضة والنَّافلة والنَّاس يصلُّون على عهده ولم يُصَلِّ قطُّ إلَّا بالاعتدال عن الرُّكوع والسُّجود، وبالطمأنينة في أفعال الصَّلاة كلِّها، وقد نَقَل ذلك كلُّ مَن نقل صلاة الفريضة والنَّافلة، والنَّاس يُصَلُّون على عهده ولم يُصَلِّ قطُّ إلَّا بالاعتدال عن الرُّكوع والسُّجود وبالطمأنينة، وكذلك كانت صلاة أصحابه على عهده.
وهذا يقتضي وجوب السُّكون والطُّمأنينة في هذه الأفعال، كما يقتضي وجوب عددها.
الشيخ: مثلما قال ﷺ: صلوا كما رأيتموني أصلي، فسَّر ذلك بأقواله وأفعاله عليه الصلاة والسلام، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي، بركوع وطمأنينة واعتدال وطمأنينة وسجود وطمأنينة في الفرض والنفل.
القارئ:
وهذا يقتضي وجوب السُّكون والطُّمأنينة في هذه الأفعال كما يقتضي وجوب عددها، وهو سجودان مع كلِّ ركوعٍ.
وأيضًا: فإنَّ مداومته على ذلك في كلِّ صلاةٍ كلَّ يومٍ مع كثرة الصَّلوات من أقوى الأدلَّة على وجوب ذلك؛ إذ لو كان غير واجبٍ لتركه ولو مرَّةً لِيُبيِّن الجواز، أو ليبيِّن جواز تركه بقوله، فلمَّا لم يُبيِّن لا بقوله ولا بفعله جواز ترك ذلك مع مداومته عليه؛ كان ذلك دليلًا على وجوبه.
وأيضًا: فقد ثبت عنه ﷺ في "صحيح البخاريِّ": أنَّه قال لمالك بن الحويرث وصاحبه: إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَأَذِّنا وأقيما، وَلْيَؤُمَّكما أكبركما، وصلُّوا كما رأيتموني أصلِّي، فأمرهم أن يصلُّوا كما رأوه يصلِّي.
وذلك يقتضي أنَّه يجب على الإمام أن يُصلِّي بالنَّاس كما كان النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي لهم، ولا معارض لذلك ولا مخصِّص؛ فإنَّ الإمام يجب عليه ما لا يجب على المأموم والمنفرد، وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ في الصَّحيحين عن سهل بن سعدٍ أنَّه قال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ قام على المنبر وكبَّر وكبَّر النَّاس معه وراءه وهو على المنبر، ثمَّ رجع فنزل القَهْقَرَى حتَّى سجد في أصل المنبر، ثمَّ عاد حتَّى فرغ من آخِر صلاته، ثمَّ أقبل على النَّاس، فقال: يا أيُّها النَّاس، إنَّما صنعتُ هذا لتأتمُّوا بي ولتعلموا صلاتي.
وفي سنن أبي داود والنَّسائي عن سالمٍ البرَّاد قال: أتينا عُقْبة بن عامرٍ الأنصاريَّ أبا مسعودٍ فقلنا له: حَدِّثنا عن صلاة رسول اللَّه ﷺ. فقام بين أيدينا في المسجد فكَبَّر، فلمَّا ركع وضع يديه على ركبتيه وجعل أصابعه أسفلَ مِن ذلك وجافَى بين مَرْفِقَيْه حتَّى استقرَّ كلُّ شيءٍ منه، ثمَّ قال: "سمع اللَّه لمن حمده"، فقام حتَّى استقرَّ كلُّ شيءٍ منه، ثمَّ كبَّر وسجد، ووضع كفَّيه على الأرض، ثمَّ جافى بين مرفقيه حتَّى استقرَّ كلُّ شيءٍ منه، ثمَّ رفع رأسه فجلس حتَّى استقرَّ كلُّ شيءٍ منه ففعل ذلك أيضًا، ثمَّ صلَّى أربع ركعاتٍ مثل هذه الرَّكعة، فصلَّى صلاته، ثمَّ قال: هكذا رأينا رسول اللَّه ﷺ يصلِّي.
وهذا إجماع الصَّحابة ؛ فإنَّهم كانوا لا يصلُّون إلَّا مطمئنِّين، وإذا رأى بعضهم من لا يَطْمئنُّ أنكر عليه ونهاه، ولا يُنكِر واحدٌ منهم على المُنكِر لذلك، وهذا إجماعٌ منهم على وجوب السُّكون والطُّمأنينة في الصَّلاة قولًا وفعلًا، ولو كان ذلك غير واجبٍ لكانوا يتركونه أحيانًا كما كانوا يتركون ما ليس بواجب.
وأيضًا: فإنَّ الرُّكوع والسُّجود في لغة العرب لا يكون إلَّا إذا سكن حين انحنائه وحين وضع وجهه على الأرض، فأمَّا مجرَّد الخفض والرَّفع عنه فلا يُسمَّى ذلك ركوعًا ولا سجودًا، ومَن سمَّاه ركوعًا وسجودًا فقد غلط على اللُّغة، فهو مطالبٌ بدليلٍ من اللُّغة على أنَّ هذا يسمَّى راكعًا وساجدًا حتَّى يكون فاعله ممتثلًا للأمر، وحتَّى يقال: إنَّ هذا الأمر المطالَب به يحصل الامتثال فيه بفعلِ ما يتناوله الاسم، فإنَّ هذا لا يصحُّ حتَّى يُعلم أنَّ مجرَّد هذا يسمَّى في اللُّغة ركوعًا وسجودًا، وهذا ممَّا لا سبيل إليه ولا دليل عليه، فقائل ذلك قائلٌ بغير علمٍ في كتاب اللَّه وفي لغة العرب.
وإذا حصل الشَّكُّ: هل هذا ساجدٌ أو ليس بساجد؟ لم يكن ممتثلًا بالاتِّفاق؛ لأنَّ الوجوب معلومٌ، وفعل الواجب ليس بمعلوم؛ كمن يتيقَّن وجوب صلاةٍ أو زكاةٍ عليه ويشكُّ في فعلها. وهذا أصلٌ ينبغي معرفته.
الشيخ: وهو أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا شكَّ: هل أدى الواجب؟ فالواجب أن يؤدي الواجب، فإذا شك: هل صلى الظهر أو ما صلى؟ يصلي، شك: صلى العصر أو ما صلى؟ يصلي، وهكذا. فالأصل بقاء الواجب حتى يعلم يقينًا أنه أدى الواجب، شك: هل أدى الزكاة عن عام كذا وعام كذا؟ الأصل بقاء الزكاة حتى يؤديها.
وبهذا يُعلم أن الواجب عليه امتثال الأوامر عن يقين، فيركع مطمئنًّا ويسجد مطمئنًّا ويؤدي الصلاة على وجهها كما شرع الله ، ولا يتساهل ويكتفي بالشك أو بالظن، لا بد من العناية، حتى يؤدي الواجب كما أمره الله.
القارئ:
وهذا أصلٌ ينبغي معرفته، فإنَّه يحسم مادَّة المنازِع الَّذي يقول: إنَّ هذا يُسمَّى ساجدًا وراكعًا في اللُّغة، فإنَّه قال بلا علمٍ ولا حجَّةٍ، وإذا طولب بالدَّليل انقطع، وكانت الحجَّة لمن يقول: ما نعلم براءة ذمَّته إلَّا بالسُّجود والرُّكوع المعروفين.
ثمَّ يقال: لو وُجد استعمالُ لفظ «الرُّكوع والسُّجود» في لغة العرب بمجرَّد ملاقاة الوجه للأرض بلا طمأنينةٍ؛ لكان المعفِّر خدَّه ساجدًا، ولكان الرَّاغمُ أنفَه -وهو الَّذي لصق أنفه بالرَّغَام وهو التُّراب- ساجدًا، لا سيَّما عند المنازع الَّذي يقول: يحصل السُّجود بوضع الأنف دون الجبهة من غير طمأنينةٍ، فيكون نقر الأرض بالأنف سجودًا. ومعلومٌ أنَّ هذا ليس من لغة القوم.
الشيخ: ثم لو فرضنا -لو فُرض أن العرب تساهلوا- فالأحكام الشرعية تُتَلقَّى من الشارع، والشارع في عُرْفه وفي تعليمه يُقدَّم على مُطلَق ما في اللغة؛ فإن أحكام الشرع لها خصوصية في الامتثال، ويكون الشارع قد قيَّد ما أُطلِق في اللغة أو كمَّله، كمل نقصه؛ فإن الله جل وعلا قال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، وقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92]، فالرسول هو المفسر لأحكام الله.
فعلى العبد أن يؤدي ذلك كما جاء عن الرسول ﷺ ولو خالف اللغة؛ فإن أعمال الرسول ﷺ وشرعه مقدم على ما في مطلق اللغة، إلا عند الإشكال إذا لم يكن في الشرع ما يبين ذلك. فأما إذا كان في الشرع ما يبين ذلك؛ وجب الأخذ به، فالشارع أمر بالطمأنينة فلا يكون راكعًا إلا بالطمأنينة، ولا يكون ساجدًا إلا بالطمأنينة.
فلو فرضنا أن العرب تُسمِّي الراكع مع العجلة أو الساجد مع العجلة ساجدًا؛ لم يكف؛ لأن الشارع قيَّد ذلك وبيَّن السجود الشرعي والركوع الشرعي، وقال للمسيء: ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، فالشارع وضح السجود المطلوب؛ فلا يُلتفت إلى ما قد يتساهل فيه أهل اللغة؛ فإن عُرْف الشارع مُقدَّم على عموم اللغة.
وهكذا الزكاة، وهكذا الصيام، وهكذا الحج، ما بينه الشارع وأثبته يجب الاعتماد عليه ولا يجوز الخروج عنه بتساهلِ مَن تساهل من أهل اللغة في أي شيء؛ لأن الشارع مُقدَّم في بيان ما شرع الله وما أوضح الله لعباده وما خصهم به.
القارئ:
كما أنَّه ليس من لغتهم تسمية نَقْرة الغراب ونحوها سجودًا، ولو كان ذلك كذلك لكان يقال للَّذي يضع وجهه على الأرض لِيَمُصَّ شيئًا على الأرض أو يَعَضَّه أو ينقله ونحو ذلك: ساجدًا.
وأيضًا: فإنَّ اللَّه أوجب المحافظة والإدامة على الصَّلاة، وذمَّ إضاعتها والسَّهو عنها، فقال في أوَّل سورة المؤمنين: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون:1-9].
وقد سبق بيان أنَّ هذه الخصال واجبةٌ.
وكذلك في سورة "سأل سائلٌ" قال: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج:19-34].
فذمَّ الإنسان كلَّه إلَّا ما استثناه... فمَن لم يكن مُتَّصفًا بما استثناه كان مذمومًا؛ كما في قوله تعالى: وَالْعَصْر إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]، وقال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]، وقال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]، وقال تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238].
وهذه الآيات تقتضي ذمَّ مَن ترك شيئًا من واجبات الصَّلاة وإن كان في الظَّاهر مُصلِّيًا؛ مثل أن يترك الوقت الواجب، أو يترك تكميل الشَّرائط والأركان من الأعمال الظَّاهرة والباطنة، وبذلك فسَّرها السَّلف، ففي تفسير "عبد بن حميد" -وذكره عن ابن المنذر في "تفسيره" من حديث عبدٍ- حدَّثنا روحٌ عن سعيدٍ عن قتادة: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون:9]: على وضوئها ومواقيتها وركوعها.
وروى أبو بكر بن المنذر في "تفسيره" من حديث أبي عبدالرَّحمن عن عبداللَّه قال: قيل لعبداللَّه: إنَّ اللَّه أكثر ذكر الصَّلاة في القرآن: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23]، والَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2]، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون:9]؟ فقال عبداللَّه: ذلك على مواقيتها. فقالوا: ما كنَّا نرى ذلك يا أبا عبدالرَّحمن إلَّا التَّرك. قال: تركها كفرٌ.
وروى سعيد بن منصورٍ: حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن مسلمٍ عن مسروقٍ في قول اللَّه: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون:9] قال: على مواقيتها. فقالوا: ما كنَّا نرى ذلك يا أبا عبدالرَّحمن إلَّا التَّرك. قال: تركها كفرٌ.
ورُوي من حديث سعيد بن أبي مريم: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:5]: بتضييع ميقاتها.
ورُوي عن أبي ثورٍ عن ابن جريج في قوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون:9]: المكتوبة، والَّتي في "سأل سائلٌ": التَّطوُّع. وهذا قولٌ ضعيفٌ.
الشيخ: لأن الآية عامة، الآيات عامة في الفرض والنفل، كلها يجب فيها الطمأنينة والخشوع وعدم العجلة فرضًا ونفلًا؛ لأن الرسول ﷺ عمَّم... الكتاب العزيز، فلا يجوز التلاعب لا بالنفل ولا بالفرض، لا بد أن يصلي النفل كالفرض، بالطمأنينة بركوعها وسجودها، وإلا يكون متلاعبًا.
القارئ:
فصلٌ:
وأمَّا القدر المشروع للإمام فهي صلاة رسول اللَّه ﷺ كما في "صحيح البخاريِّ" عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث...
الشيخ: يعني المشروع للإمام أن يتأسى برسول الله في صلاته، هذا المشروع لكل إمام أن يتحرى التأسي بالنبي ﷺ: صلوا كما رأيتموني أصلي، اللهم صل عليه وسلم.
القارئ:
وأمَّا القدر المشروع للإمام فهي صلاة رسول اللَّه ﷺ؛ كما في "صحيح البخاريِّ" عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنَّه قال: إذا حضرت الصَّلاة فليؤذِّن لكم أحدكم، وليؤمَّكم أكبركم، ثمَّ صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي.
وأمَّا القيام ففي "صحيح مسلمٍ" عن جابر بن سمرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ في الفجر بـق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ونحوها، وكانت صلاته بعدُ إلى تخفيفٍ». أي: يجعل صلاته بعد الفجر خفيفةً؛ كما في "صحيح مسلمٍ" أيضًا عنه قال: «كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في الظُّهر بـ"اللَّيل إذا يغشى"، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصُّبح أطول من ذلك».
وفي الصَّحيحين عن أبي برزة الأسلمي قال: «كان رسول اللَّه ﷺ يصلِّي الهجير -الَّتي تَدْعُونها الأولى- لحين تَدْحَض الشَّمس، ويصلِّي العصر، ثمَّ يرجع أحدنا إلى رَحْله في أقصى المدينة والشَّمسُ حيَّةٌ -قال الرَّاوي: ونسيت ما قال في المغرب- وكان يستحبُّ أن يؤخِّر العشاء الَّتي تَدْعونها العَتَمَة، وكان يكره النَّوم قبلها والحديثَ بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغَداة حين يعرف الرَّجلُ جليسَه، وكان يقرأ فيها بالسِّتِّين إلى المائة».
وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: حَزَرْنا قيام رسول اللَّه ﷺ في الظُّهر والعصر، فحزرنا قيامه في الرَّكعتين الأوليين من الظُّهر قدر ثلاثين آيةٍ، قدر: "الم السَّجدة"، وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر على قدر الآخِرَتَين من الظُّهر، وحزرنا قيامه في الآخرتين من العصر على النِّصف من ذلك". رواه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائي.
وفي الصَّحيحين وغيرهما عن جابر بن سمرة قال: قال عمر لسعد بن أبي وقَّاصٍ: "لقد شَكَاكَ النَّاس في كلِّ شيءٍ حتَّى في الصَّلاة. قال: أمَّا أنا فأمدُّ في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول اللَّه ﷺ. قال: ذاك الظَّنُّ بك يا أبا إسحاق.
وفي "صحيح مسلمٍ" أيضًا عن أبي سعيدٍ قال: لقد كانت صلاة الظُّهر تُقام فيذهب الذَّاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثمَّ يتوضَّأ ثمَّ يأتي ورسول اللَّه ﷺ في الرَّكعة الأولى ممَّا يطيلها.
وفي "صحيح مسلمٍ" أيضًا عن أبي وائلٍ قال: خطبنا عمَّار بن ياسرٍ يومًا فأوجز وأبلغ، فقلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغتَ وأوجزت، فلو كنتَ تنفَّست. فقال: إنِّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إنَّ طول صلاة الرَّجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصَّلاة وأَقصِرُوا الخُطْبة، وإنَّ من البيان سِحْرًا.
وفي "صحيح مسلمٍ" عن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ الصَّلوات، فكانت صلاته قصدًا"، أي وسطًا.
وفعله الَّذي سنَّه لأمَّته هو من التَّخفيف الَّذي أمر به الأئمَّة؛ إذ التَّخفيف من الأمور الإضافيَّة، فالمرجع في مقداره إلى السُّنَّة، وذلك كما خرَّجاه في الصَّحيحين عن جابرٍ قال: كان معاذٌ يصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ ثمَّ يرجع فيؤمُّنا -وقال مرَّةً: ثمَّ يرجع فيصلِّي بقومه- فأخر النَّبيَّ ﷺ -وقال: مرَّةً- العشاء، فصلَّى معاذٌ مع النَّبيِّ ﷺ ثمَّ جاء يؤمُّ قومه، فقرأ البقرة، فاعتزل رجلٌ من القوم فصلَّى، فقيل: نافقت. فقال: ما نافقت. فأتى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنَّ معاذًا يصلِّي معك ثمَّ يرجع فيؤمُّنا يا رسول اللَّه، إنَّما نحن أصحابُ نَوَاضِحَ ونعمل بأيدينا، وإنَّه جاء يؤمُّنا فقرأ سورة البقرة؟ فقال: أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟! اقرأ بكذا، اقرأ بكذا. قال أبو الزُّبير: "سبِّح اسم ربِّك الأعلى"، "واللَّيل إذا يغشى".
وفي روايةٍ للبخاريِّ عن جابرٍ قال: أقبل رجلٌ بناضِحَيْن وقد جَنَح اللَّيل، فوافق معاذًا يصلِّي. وذكره نحوه، فقال في آخره: فلولا صلَّيتَ بـ"سبح اسم ربِّك الأعلى" و"الشَّمس وضحاها" و"اللَّيل إذا يغشى"، فإنَّه يُصلِّي وراءك الضَّعيف والكبير وذو الحاجة.
الشيخ: وهذا يبين أن الواجب على الإمام أن يتحرى الرفق بالجماعة ولا يُطوِّل عليهم؛ ولهذا قال: أفتان أنت يا معاذ!، وغضب عليه الصلاة والسلام؛ لأن "البقرة" وأشباهها وما يقاربها شيء طويل يشق على الناس؛ فلهذا أنكر عليه -عليه الصلاة والسلام- قال: ألا قرأت بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، "والليل إذا يغشى" "واقرأ باسم ربك"، ونحو ذلك؛ لأن هذه السور ليس فيها طول، ولا مشقة، مع الفائدة والركود والطمأنينة.