القارئ:
الشيخ: إن منكم منفرين يعني: منفرين من الصلاة، إن منكم منفرين يعني منفرين من صلاة الجماعة بالطُّول. فأيكم أمَّ الناس فليوجز يعني: فليخفف تخفيفًا لا يمنع الطمأنينة، تخفيفًا معه الطمأنينة ومعه الركود لكن لا يشق على الناس.
القارئ:
الشيخ: اللهم صلَّ عليه، اللهم صل عليه.
القارئ:
الشيخ: يعني: تمامٌ في تخفيف، طمأنينة معها تخفيف وعدم طُول، يطمئن ويركد، لكن لا يُطوِّل على الناس.
القارئ:
وفي روايةٍ عن شريكٍ عنه: وإن كان ليسمع بكاء الصَّبيِّ فيخفِّف مخافة أن تفتتن أمُّه.
وأخرجا فيهما من حديث عبدالعزيز بن صهيب عن أنس بن مالكٍ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يُوجز الصَّلاة ويُكمِّلها». وفي لفظٍ: «يوجز الصَّلاة ويُتِمُّ».
وأخرجا أيضًا عن قتادة عن أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: إنِّي لأدخل في الصَّلاة وأنا أريد أن أُطيلها، فأسمع بكاء الصَّبيِّ فأتجوَّز من صلاتي؛ ممَّا أعلم من شدَّة وَجْد أُمِّه من بكائه. رواه مسلمٌ من حديث ثابتٍ عن أنسٍ قال: «كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصَّبيِّ مع أمِّه وهو في الصَّلاة، فيقرأ بالسُّورة الخفيفة أو بالسُّورة القصيرة».
وروى مسلمٌ أيضًا عن أنسٍ قال: «ما صلَّيتُ خلف أحدٍ أَوْجزَ صلاةً ولا أتمَّ من رسول الله ﷺ، وكانت صلاته متقاربةً»، وصلاة أبي بكرٍ متقاربةً، فلمَّا كان عمر مدَّ في صلاة الصُّبح. وعن قتادة عن أنسٍ : «أنَّ رسول الله ﷺ كان من أخفِّ النَّاس صلاةً في تمامٍ».
فقول أنسٍ : ما صلَّيت وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ ولا أتمَّ صلاةً من رسول الله ﷺ.
الشيخ: بالنصب، تمييز.
القارئ:
فقول أنسٍ : "ما صلَّيت وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ ولا أتمَّ صلاةً من رسول اللَّه"، يريد: أنَّه ﷺ كان أخفَّ الأئمَّة صلاةً وأتمَّ الأئمَّة صلاةً؛ وهذا لِاعتدال صلاته وتَنَاسُبِها، كما في اللَّفظ الآخر: «وكانت صلاته معتدلةً»، وفي اللَّفظ الآخر: «وكانت صلاته متقاربةً»؛ لتخفيف قيامها وقعودها، وتكون أتمَّ صلاة لإطالة ركوعها وسجودها.
ولو أراد أن يكون نفس الفعل الواحد -كالقيام- هو أخفَّ وهو أتمُّ لَنَاقَضَ ذلك؛ ولهذا بيَّن التَّخفيفَ الَّذي كان يفعله إذا بكى الصَّبيُّ، وهو قراءة سورةٍ قصيرةٍ، وبيَّن أنَّ عمر بن الخطَّاب مدَّ في صلاة الصُّبح، وإنَّما مدَّ في القراءة؛ فإنَّ عمر كان يقرأ في الفجر بسورة يونس وسورة هودٍ وسورة يوسف.
والَّذي يُبيِّن ذلك: ما رواه أبو داود في "سننه" عن أنس بن مالكٍ قال: «ما صلَّيتُ خلف رجلٍ أوجز صلاةً من رسول الله ﷺ في تمامٍ، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتَّى نقول: قد أَوْهَم، ثمَّ يُكبِّر ويسجد، وكان يقعد بين السَّجدتين حتَّى نقول: قد أوهم». كما أخرجا في الصَّحيحين.
الشيخ: يعني: يُطوِّل الطمأنينة بعد الركوع وبين السجدتين حتى يقول القائل: "قد أوهم" يعني: نسي، هذا يدل على أنه يبالغ في الطمأنينة بين السجدتين، والطمأنينة بعد الركوع، يعتدل اعتدالًا بمعنى الطمأنينة.
القارئ:
كما أخرجا في الصَّحيحين عن حمَّاد بن زيدٍ عن ثابتٍ عن أنسٍ قال: إنِّي لا آلو أن أصلِّي بكم كما كان رسول الله ﷺ يُصلِّي بنا. قال ثابتٌ: فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الرُّكوع انتصب قائمًا حتَّى يقول القائل: قد نسي.
وللبخاريِّ من حديث شعبة عن ثابتٍ قال: قال أنسٌ ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ -وكان يصلِّي- فإذا رفع رأسه من الرُّكوع قام حتَّى يقول القائل: قد نسي.
فهذه أحاديث أنسٍ الصَّحيحة تُصرِّح أنَّ صلاة النَّبيِّ ﷺ الَّتي كان يوجزها ويكمِّلها -والَّتي كانت أخفَّ الصَّلاة وأتمَّها- أنَّه ﷺ كان يقوم فيها من الرُّكوع حتَّى يقول القائل: إنَّه قد نسي، ويقعد بين السَّجدتين حتَّى يقول القائل: قد نسي.
وإذا كان في هذا يفعل ذلك، فمِن المعلوم باتِّفاق المسلمين والسُّنَّةِ المتواترة: أنَّ الرُّكوع والسُّجود لا ينقصان عن هذين الاعتدالين، بل كثيرٌ من العلماء يقول: لا يُشرع ولا يجوز أن يجعل هذين الاعتدالين بقدر الرُّكوع والسُّجود، بل ينقصان عن الرُّكوع والسُّجود.
وفي الصَّحيحين من حديث شعبة عن الحكم قال: غَلَب على الكوفة رجلٌ -قد سمَّاه زمنَ ابنِ الأشعث، وسمَّاه غندرٌ في روايةٍ مطر بن ناجية- فأمر أبا عبيدة بن عبدالله أن يُصلِّي بالنَّاس، فكان يُصلِّي، فإذا رفع رأسه من الرُّكوع قام قَدْر ما أقول: "اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمد ملء السَّماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثَّناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ".
قال الحكم: فذكرت ذلك لعبدالرَّحمن بن أبي ليلى، قال: سمعت البراء بن عازبٍ يقول: «كانت صلاة رسول الله ﷺ قيامَه وركوعَه، وإذا رفع رأسه من الرُّكوع وسجوده وما بين السَّجدتين قريبًا من السَّواء». قال شعبة: فذكرته لعمرو بن مُرَّة، فقال: قد رأيت عبدالرَّحمن بن أبي ليلى فلم تكن صلاته هكذا.
ولفظ مطرٍ عن شعبة: «كان ركوع النَّبيِّ ﷺ، وسجوده، وبين السَّجدتين، وإذا رفع رأسه من الرُّكوع -ما خلا القيام والقعود- قريبًا من السَّواء».
وهو في الصَّحيح والسُّنن من حديث هلال بن أبي حميد عن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازبٍ قال: رَمَقْتُ الصَّلاة مع محمَّدٍ ﷺ، فوجدتُ قيامه فركوعَه فاعتدالَه بعد ركوعِه فسجدتَه فجَلْسَتَه بين السَّجدتين فسجدته فجَلْسَته ما بين التَّسليم والانصراف قريبًا من السَّواء.
الشيخ: والمعنى في هذا أن صلاته متقاربة، إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفَّف خفف، تكون متقاربة إلا أن القيام أطول من القعود بعض الشيء، كما قال البراء : ما خلا القيام والقعود.
القارئ:
ويشهد لهذا ما رواه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائي عن أبي سعيدٍ الخدري : أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول حين يرفع رأسه من الرُّكوع: سمع الله لمن حمده، اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمد ملء السَّماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ.
وقوله: أحقُّ ما قال العبد هكذا هو في الحديث، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ.
الشيخ: يعني هذا أحق، أهل الثناء والمجد يعني: أنت أهل الثناء والمجد. أو منصوب "يا أهل الثناء والمجد" أو "أخص أهل الثناء والمجد". أحق ما قال العبد يعني: هذا أحق ما قال العبد، يعني هذا الكلام أحق ما قال العبد.
القارئ:
الشيخ: إيه هذا غلط إنما هو أحق بالهمزة.
القارئ:
فهو تحريفٌ بلا نزاعٍ بين أهل العلم بالحديث والسُّنَّة، ليس له أصلٌ في الأثر، ومعناه أيضًا فاسدٌ؛ فإنَّ العبد يقول الحقَّ والباطل، وأمَّا الرَّبُّ فهو يقول الحقَّ ويهدي السَّبيل؛ كما قال تعالى: فَالحَقُّ وَالحَقَّ أَقُولُ [ص:84]، وأيضًا: فليست الصَّلاة مبنيَّةً إلَّا على الثَّناء على الله .
وروى مسلمٌ وغيره عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رفع رأسه من الرُّكوع قال: اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمد ملء السَّماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ. لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ.
الشيخ: ومعنى "الجد" هنا الغنى، الغنى والحظ، ولا ينفع ذا الجد يعني ذا الغنى والحظ، منك جَدُّه؛ لا يغني عنه جده ولا غناه، بل الكل فقراء إلى الله، وإنما ينفعه خضوعه لله، وذله بين يدي الله، وقيامه بحق الله. هذا هو الذي ينفعه، أما الغنى والحظ فلا ينفعه إلا إذا استعمله في الخير.
القارئ:
وروى مسلمٌ وغيره عن عبدالله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الرُّكوع يقول: سمع الله لمن حمده، اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمد ملء السَّماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيءٍ بعد، وفي روايةٍ أخرى لمسلم زاد بعد هذا: أنَّه كان يقول: اللَّهمَّ طهِّرني من الذُّنوب والخطايا كما يُنقَّى الثَّوب الأبيض من الدَّنس.
فإن قيل: فإذا كانت هذه صلاة رسول الله ﷺ الَّتي اتَّفق الصَّحابة على نقلها عنه، وقد نقلها أهل الصِّحاح والسُّنن والمسانيد من هذه الوجوه وغيرها، والصَّلاة عمود الدِّين، فكيف خفي ذلك على طائفةٍ من فقهاء العراق وغيرهم حتَّى لم يجعلوا الاعتدال من الرُّكوع والقعود بين السَّجدتين من الأفعال المقاربة للرُّكوع والسُّجود، ولا استحبُّوا في ذلك ذكرًا أكثر من التَّحميد بقول: ربَّنا لك الحمد، حتَّى إنَّ بعض المتفقِّهة قال: إذا طال ذلك طولًا كثيرًا بطلت صلاته.
قيل: سبب ذلك وغيره: أنَّ الَّذي مضت به السُّنَّة أنَّ الصَّلاة يصلِّيها بالمسلمين الأمراءُ وولاة الحرب، فوالي الجهاد كان هو أمير الصَّلاة على عهد النَّبيِّ ﷺ وخلفائه الرَّاشدين وما بعد ذلك إلى أثناء دولة بني العبَّاس، والخليفةُ هو الَّذي يُصلِّي بالنَّاس الصَّلوات الخمس والجمعة لا يعرف المسلمون غير ذلك.
وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ بما سيكون بعده من تغيُّر الأمراء حتَّى قال: سيكون من بعدي أمراء يُؤخِّرون الصَّلاة عن وقتها، فصَلُّوا الصَّلاةَ لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلةً"، فكان من هؤلاء مَن يؤخِّرها عن وقتها حتَّى يضيع الوقت المشروع فيها، كما أنَّ بعضهم كان لا يُتِمُّ التَّكبيرَ أي لا يجهر بالتَّكبير في انتقالات الرُّكوع وغيره، ومنهم من لا يُتِمُّ الاعتدالين، وكان هذا يشيع في النَّاس فيربو في ذلك الصَّغير ويهرم فيه الكبير، حتَّى إنَّ كثيرًا من خاصَّة النَّاس لا يظنُّ السُّنَّة إلَّا ذلك.
الشيخ: يعني أن هذا هو السبب: تولاها الأمراء، وكثير منهم جهلة؛ فلهذا ظن الناس أن السُّنة التخفيف وعدم إطالة الطمأنينة جهلًا منهم، فإذا تولى الصلاة العلماء والفقهاء أوضحوا للناس السيرة النبوية والصفة التي كان يفعلها عليه الصلاة والسلام، وإذا تولاها بعض الأمراء الجهلة نقصوا وغيروا السُّنة.
القارئ:
فإذا جاء أمراء أحيوا السُّنَّة عُرِف ذلك، كما رواه البخاريُّ في "صحيحه" عن قتادة عن عكرمة قال: صلَّيت خلف شيخٍ بمكَّة، فكبَّر اثنتين وعشرين تكبيرةً، فقلت لابن عبَّاسٍ: إنَّه لأحمق، فقال: ثكلتك أمُّك، سُنَّة أبي القاسم ﷺ.
وفي رواية أبي بشرٍ عن عكرمة قال: رأيت رجلًا عند المقام يُكبِّر في كلِّ خفضٍ ورفعٍ، وإذا قام، وإذا وضع، فأخبرت ابن عبَّاسٍ فقال: أوليس تلك صلاة رسول الله ﷺ؟ لا أمَّ لك.
الشيخ: عكرمة ظن أن هذا فيه زيادة؛ لأن بعض الأمراء يُخفون بعض التكبيرات فيجهل الناس الأحكام؛ ولهذا قال: سنة أبي القاسم ثنتان وعشرون تكبيرة؛ لأن الرباعية في كل ركعة خمس تكبيرات، وتكبيرة الإحرام هذه واحد وعشرين، والتكبيرة الثانية والعشرون عند قيامه إلى الثالثة صارت ثنتين وعشرين، هذه السُّنة في الرباعية: في كلِّ ركعةٍ خمسُ تكبيرات عند الركوع وعند السجود وعند الرفع منه وعند السجود الثاني والرفع منه، هذه عشرون، والحادية والعشرون تكبيرة الإحرام، والثانية والعشرون تكبيرة الانتقال من الثانية إلى الثالثة بعد التشهد الأول، هذه اثنتان وعشرون تكبيرة في الرباعية.
وفي المغرب سبع عشرة: في كل ركعة خمسٌ، وتكبيرة الإحرام ست عشرة، وتكبيرة النقل من الثانية إلى الثالثة سبع عشرة.
وفي الفجر إحدى عشرة: تكبيرة الإحرام واحدة، وفي كل ركعة خمس، صار الجميع إحدى عشرة.
هكذا جاءت السُّنة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
القارئ:
فأخبرت ابن عبَّاسٍ فقال: أوليس تلك صلاة رسول الله ﷺ؟ لا أمَّ لك.
وهذا يعني به: أنَّ ذلك الإمام كان يجهر بالتَّكبير، فكان الأئمَّة الَّذين يصلِّي خلفهم عكرمة لا يفعلون ذلك، وابن عبَّاسٍ لم يكن إمامًا حتَّى يُعرف ذلك منه، فأنكر ذلك عكرمة حتَّى أخبره ابن عبَّاسٍ.
وأمَّا نفس التَّكبير فلم يكن يشتبه أمره على أحدٍ، وهذا كما أنَّ عامَّة الأئمَّة المتأخِّرين لا يجهرون بالتَّكبير، بل يفعل ذلك المؤذِّن ونحوه فيظنُّ أكثر النَّاس أنَّ هذه هي السُّنَّة.
ولا خلاف بين أهل العلم: أنَّ هذه ليست هي السُّنَّة، بل هم متَّفقون على ما ثبت عندهم بالتَّواتر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ المؤذِّن وغيره من المأمومين لا يجهرون بالتَّكبير دائمًا، كما أنَّ بلالًا لم يكن يجهر بذلك خلف النَّبيِّ ﷺ، لكن إذا احتيج إلى ذلك لضعف صوت الإمام أو بُعْد المكان فهذا قد احتجُّوا لجوازه بأنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق كان يُسمِع النَّاسَ التَّكبير خلف النَّبيِّ ﷺ في مرضه، حتَّى تنازع الفقهاء في جهر المأموم لغير حاجةٍ: هل يبطل صلاته أم لا؟
ومثل ذلك ما أخرجاه في الصَّحيحين والسُّنن عن مُطرِّف بن عبدالله بن الشِّخِّير قال: صلَّيت خلف عليِّ بن أبي طالبٍ أنا وعِمْران بن حصينٍ، فكان إذا سجد كبَّر، وإذا رفع رأسه كبَّر، وإذا نهض من الرَّكعتين كبَّر، فلمَّا قضى الصَّلاةَ أخذ عمران بن حصينٍ بيدي فقال: قد ذكَّرني هذا صلاة محمَّدٍ ﷺ. أو قال: لقد صلَّى بنا صلاة محمَّدٍ ﷺ. ولهذا لمَّا جهر بالتَّكبير سمعه عمران ومطرِّف كما سمعه غيرهما.
ومثل هذا ما في الصَّحيحين والسُّنن أيضًا عن أبي هريرة : أنَّه كان يكبِّر في كلِّ صلاةٍ من المكتوبة وغيرها، يُكبِّر حين يقوم، ثمَّ يكبِّر حين يسجد، ثمَّ يكبِّر حين يرفع رأسه، ثمَّ يُكبِّر حين يقوم من الجلوس من الثِّنتين، يفعل ذلك في كلِّ ركعةٍ حتَّى يفرغ من الصَّلاة، ثمَّ يقول حين ينصرف: والَّذي نفسي بيده إنِّي لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﷺ، إن كانت هذه لصلاته حتَّى فارق الدُّنيا.
وهذا كان يفعله أبو هريرة لمَّا كان أميرًا على المدينة؛ فإنَّ معاوية كان يعاقب بينه وبين مروان بن الحكم في إمارة المدينة، فيولِّي هذا تارةً ويولِّي هذا تارةً، وكان مروان يستخلف، وكان أبو هريرة يصلِّي بهم بما هو أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من صلاة مروان وغيره من أمراء المدينة.
وقوله: «في المكتوبة وغيرها» يعني ما كان من النَّوافل مثل قيام رمضان، كما أخرجه البخاريُّ من حديث الزُّهريِّ عن أبي بكر بن عبدالرَّحمن بن الحارث وأبي سلمة: أن أبا هريرة كان يكبِّر في كلِّ صلاةٍ من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره، فيكبِّر حين يقوم، ويكبِّر حين يركع، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده، ثمَّ يقول: ربَّنا لك الحمد. وذكر نحوه.
وكان النَّاس قد اعتادوا ما يفعله غيره فلم يعرفوا ذلك حتَّى سألوه، كما رواه مسلمٌ من حديث يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سلمة: أنَّ أبا هريرة كان يُكبِّر في الصَّلاة كلَّما رفع ووضع، فقلت: يا أبا هريرة، ما هذا التَّكبير؟ قال: إنَّها لصلاة رسول الله ﷺ.
وهذا كلُّه معناه جهر الإمام بالتَّكبير؛ ولهذا كانوا يسمُّونه: إتمام التَّكبير؛ لما فيه من إتمامه برفع الصَّوت وفعله في كلِّ خفضٍ ورفعٍ.
يُبيِّن ذلك: أنَّ البخاريَّ ذكر في "باب التَّكبير عند النُّهوض من الرَّكعتين" قال: وكان ابن الزُّبير يكبِّر في نهضته.
الشيخ: وهذا هو السُّنة: التكبير عند النهوض، إذا نهض من الثانية إلى الثالثة كبَّر حين النهوض: "الله أكبر"، رافعًا يديه. هذه السُّنة.
القارئ:
ثمَّ روى البخاريُّ من حديث فُلَيْح بن سليمان عن سعيد بن الحارث قال: صلَّى لنا أبو سعيدٍ فجهر بالتَّكبير حين رفع رأسه من السُّجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الرَّكعتين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ.
ثمَّ أردفه البخاريُّ بحديث مطرِّفٍ: قال: صلَّيت أنا وعمران بن حصينٍ خلف عليِّ بن أبي طالبٍ ، فكان إذا سجد كبَّر، وإذا رفع كبَّر، وإذا نهض من الرَّكعتين كبَّر، فلمَّا سلَّم أخذ عمران بن حصينٍ بيدي، فقال: لقد صلَّى بنا هذا صلاةَ محمَّدٍ ﷺ. أو قال: لقد ذكَّرني هذا صلاة محمَّدٍ ﷺ.
الشيخ: وهذا يبين أن الصحابة اعتنوا بصلاته ﷺ، وصلَّوا للناس كما رَأَوُا النبيَّ يصلي، كالصديق وعمر وعثمان وعليٍّ وغيرهم .
القارئ:
الشيخ: ومقصود المؤلف رحمه الله: ما يراه الناس من بعض الأمراء يُتمون التكبير، يعني لا يجهرون به، وإلا فالتكبير أمر واضح، أمر معلوم عند المسلمين في الصلوات، لكن بعض الأمراء قد يخافت في بعض التكبير حتى لا يسمعه المأمومون، وإلا فالأمر واضح أن التكبير لا بد منه، وأنه ﷺ كان يحافظ على ذلك في جميع الصلوات ما عدا الرفع من الركوع، فيقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد، أما البقية: التكبير في نهوضه وفي ركوعه وفي سجوده وفي نهوضه من السجود إلى غير ذلك إلى نهوضه بعد الركعتين إلى الثالثة.
أحد الطلاب: الجهر ببعض التكبيرات، بعضهم يقول: الله، وما يجهر بالبقية؟
الشيخ: الواجب الجهر بالجميع، السُّنة والمشروع، حتى يُقتدى به، وحتى إن كان إمامًا يسمعه الناس، السُّنة أن يجهر بالتكبير على قدر ما يُسمع الناس إذا كان إمامًا. أما المنفرد والمأموم فلا يجهر، ليس هناك حاجة إلى الجهر.
أحد الطلاب: التكبير في السجدة؟
الشيخ: مثل غيره، يرفع صوته إذا كان إمامًا، يرفع في السجود. أما سجدة التلاوة إن كان في الصلاة فهي مثل سجود الصلاة يرفع فيها.
أما إن كان خارج الصلاة فليس فيها أحاديث ثابتة تدل على التكبير، فإذا سجد مكبرًا فهذا حسن؛ لأنه جاء في روايةٍ عند أبي داود فيها بعض الكلام، رواها الحاكم أيضًا أنه يكبِّر إذا سجد، لم يُحفظ فيها تكبيرٌ عند الرفع ولا التسليم إذا كان خارج الصلاة، إذا كان خارج الصلاة: المشهور أنه يسجد سجود الشكر وسجود التلاوة بتكبيرٍ عند السجود فقط، أما عند الرفع والتسليم فليس هناك تسليم ولم يثبت تكبير عند الرفع.
لكن الكثير من أهل العلم -وبعضهم يحكيه قولَ الجمهور- قاسوه على سجود الصلاة، وقالوا: يكبر عند الرفع وعند السجود، وعند الرفع يسلم؛ قياسًا على سجود الصلاة.
والعبادات ما هي محل قياس، ولم يثبت فيما نعلم عن النبي ﷺ أنه كان إذا سجد في التلاوة خارج الصلاة يكبر عند السجود والرفع ويسلم، فقد نقل الصحابة سجود التلاوة إذا جلسوا معه وهو يقرأ يسجد بهم، ولم يُنقل في شيء من الأحاديث الصحيحة التكبير عند الرفع أو التسليم.
قال ابن عمر كما في الصحيح: كان النبي يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة سجد وسجدنا معه حتى لا يجد أحد منا مكانًا لجبهته. ولم يقل: إنه كان يرفع بالتكبير، ممكن أنه يرفع بالقراءة، فإذا سمعوا القراءة قاموا ورفعوا.
الحاصل أن سجود التلاوة خارج الصلاة ليس مثل سجود التلاوة في الصلاة، أما إذا سجد للتلاوة في الصلاة فإنه يكبِّر عند السجود وعند الرفع؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان إذا سجد يكبر، وإذا رفع كبر في الصلاة، كان يكبِّر في كل خفض ورفع في الصلاة عليه الصلاة والسلام، ومن هذا سجود التلاوة في الصلاة إذا سجد للتلاوة يكبِّر عند السجود، ويكبر عند الرفع، وإنما الخلاف في السجود خارج الصلاة، سجود التلاوة خارج الصلاة.
القارئ:
كما لا يصحُّ نفي القراءة في صلاة المخافتة ونفي التَّسبيح في الرُّكوع والسُّجود ونفي القراءة في الرَّكعتين الأخيرتين ونحو ذلك؛ ولهذا استدلَّ بعض من كان لا يُتِمُّ التَّكبير ولا يجهر به، بما رُوي عن سعيد بن عبدالرَّحمن بن أبزى عن أبيه: أنَّه صلَّى مع رسول الله ﷺ، وكان لا يُتِمُّ التَّكبير. رواه أبو داود والبخاريُّ في "التَّاريخ الكبير".
وقد حكى أبو داود الطَّيالسي أنَّه قال: هذا عندنا باطلٌ، وهذا إن كان محفوظًا فلعلَّ ابن أبزى صلَّى خلف النَّبيِّ ﷺ في مؤخَّر المسجد، وكان النَّبيُّ ﷺ صوته ضعيفًا، فلم يسمع تكبيره فاعتقد أنَّه لم يُتِمَّ التَّكبير، وإلَّا فالأحاديث المتواترة عنه بخلاف ذلك، فلو خالفها كان شاذًّا لا يُلتفت إليه. ومع هذا فإنَّ كثيرًا من الفقهاء المتأخِّرين يعتقدون أنَّ إتمام التَّكبير هو نفس فعله ولو سرًّا...
الشيخ: يعني بعض الناس يشتبه عليه إتمام التكبير، يظن أنه المراد به حذف بعض التكبيرات، وهذا غلط، إنما المراد بإتمام التكبير يعني بالجهر، يعني عدم الجهر ببعض التكبير يسمى "عدم إتمام"، وإلا فالمشروع لكل مصلي أن يكبِّر في جميع محلات التكبير في جميع الصلاة من أولها إلى آخرها، كما كان النبي يكبِّر؛ كما جاء في الأحاديث المتواترة المعروفة عن النبي ﷺ أنه يبدأ بالتكبير تكبيرة الإحرام، ويختم بالتكبير في رفعه من السجدة الأخيرة قبل التحيات.
وقد تقدم أن التكبير في الرباعية ثنتان وعشرون تكبيرة: في كل ركعة خمس تكبيرات، وتكبيرة الإحرام، والثانية والعشرون التكبيرة عند النهوض من التشهد الأول، الجميع ثنتان وعشرون تكبيرة في الرباعية، وسبع عشرة تكبيرة في الثلاثية المغرب، وإحدى عشرة تكبيرة في الفجر، والجمعة: التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام، وفي كل ركعة خمس، الجميع إحدى عشرة. هذا جاءت به الأحاديث المتواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام لا شك في ذلك.
القارئ:
وأنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ وأبا هريرة وغيرهما من الأئمَّة إنَّما أفادوا النَّاس نفس فعل التَّكبير في الانتقالات.
ولازم هذا: أنَّ عامَّة المسلمين ما كانوا يعرفون أنَّ الصَّلاة لا يُكبَّر في خفضها ولا رفعها. وهذا غلطٌ بلا ريبٍ ولا نزاع بين من يعرف كيف كانت الأحوال، ولو كان المراد التَّكبير سرًّا لم يصحَّ نفي ذلك ولا إثباته؛ فإنَّ المأموم لا يعرف ذلك من إمامه، ولا يسمَّى ترك التَّكبير بالكلِّيَّة تركًا؛ لأنَّ الأئمَّة كانوا يكبِّرون عند الافتتاح دون الانتقالات وليس كذلك السُّنَّة.
بل الأحاديث المرويَّة تُبيِّن أنَّ رفع الإمام وخفضه كان في جميعها التَّكبير، وقد قال إسحاق بن منصورٍ: قلت لأحمد بن حنبلٍ: ما الَّذي نقصوا من التَّكبير؟ قال: إذا انحطَّ إلى السُّجود من الرُّكوع، وإذا أراد أن يسجد السَّجدة الثَّانية من كلِّ ركعةٍ.
فقد بيَّن الإمام أحمد أنَّ الأئمَّة لم يكونوا يُتِمُّون التَّكبير، بل نقصوا التَّكبير في الخفض من القيام ومن القعود، وهو كذلك -واللَّه أعلم-؛ لأنَّ الخفض يُشاهد بالأبصار، فظنُّوا لذلك أنَّ المأموم لا يحتاج إلى أن يسمع تكبيرة الإمام.
الشيخ: نعم؛ لأنه يشاهده إذا انخفض، يشاهده.
القارئ:
الشيخ: يعني هذه أسباب.. إذا خفض بعض الناس في التكبير، بعض الأئمة، بعض الأمراء؛ لأنه يرى أنهم يشاهدونه إذا كبَّر للسجدة الثانية، يشاهدونه، وكذلك إذا كبَّر للسجود يُشاهَد فقد يضعف صوته، قد لا يرفع كثيرًا فيظن بعض الناس أنه ما يُكبِّر، وهو غلط، هو يكبِّر لكن لا يرفع صوته. والسُّنة الرفع كما كان النبي يفعل؛ لأن المأموم قد يغفل، قد يكون عنده شيء من الوساوس فالرفع ينبهه.
المقصود أن السُّنة الثابتة عن رسول الله ﷺ: الرفع في هذه التكبيرات حتى ينتبه المأموم.
القارئ:
ويدلُّ على صحَّة ما قاله أحمد من حديث ابن أبزى: أنَّه صلَّى خلف النَّبيِّ ﷺ فلم يُتمَّ التَّكبير، وكان لا يكبِّر إذا خفض. هكذا رواه أبو داود الطَّيالسي عن شعبة عن الحسن بن عمران عن سعيد بن عبدالرَّحمن بن أبزى عن أبيه.
وقد ظنَّ أبو عمر ابن عبدالبرِّ -كما ظنَّ غيره- أنَّ هؤلاء السَّلف ما كانوا يُكبِّرون في الخفض والرَّفع، وجُعل ذلك حجَّةٌ على أنَّه ليس بواجب؛ لأنَّهم لا يُقِرُّون الأمَّة على ترك واجبٍ، حتَّى إنَّه قد رُوي عن ابن عمر: أنَّه كان يُكبِّر إذا صلَّى وحده في الفرض، وأمَّا التَّطوُّع فلا.
قال أبو عمر: لا يحكي أحمد عن ابن عمر إلَّا ما صحَّ عنده إن شاء اللَّه، قال: وأمَّا رواية مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر: "أنَّه كان يكبِّر في الصَّلاة كلَّما خفض ورفع"، فيدلُّ ظاهرها على أنَّه كذلك كان يفعل إمامًا وغير إمامٍ.
قلت: ما روى مالكٌ لا ريب فيه، والَّذي ذكره أحمد لا يخالف ذلك، ولكن غلط ابن عبدالبرِّ فيما فهم من كلامِ أحمد؛ فإنَّ كلامه إنَّما كان في التَّكبير دُبُرَ الصَّلاة أيَّام العيد الأكبر، لم يكن التَّكبير في الصَّلاة؛ ولهذا فرَّق أحمد بين الفرض والنَّفل فقال: أَحَبُّ إليَّ أن يُكبِّر في الفرض دون النَّفل.
الشيخ: يعني هذا في أيام عيد، في أيام عيد النحر، هذا التكبير الذي يفعله الناس يوم عرفة وأيام العيد وأيام التشريق؛ فإن المشهور عند العلماء أنه يكون في الفرض إذا سلَّم كبَّر في أيام التشريق. وهذا يُسمى التكبير المقيد، يعني أدبار الصلوات.
وتقدم أن التكبير في ذي الحجة مطلق ومقيد، من أول الشهر مطلق يُكبِّر في الطرقات وفي المساجد وفي البيت إلى يوم التاسع، فإذا جاء يوم التاسع كبَّر أدبار الصلوات، وكبر أيضًا في بقية الأوقات، وهكذا يوم العيد، وهكذا أيام التشريق الثلاثة، يعني خمسة أيام يكون فيها مطلقًا ومقيدًا جميعًا، والثمانية الأولى مطلق فقط.
وكان كثير من أهل العلم يقولون: إن هذا في الفرض ولا يستحب في النفل؛ لأن الصحابة الذين نقلوا هذا إنما سُمع منهم في الفرض.
القارئ:
الشيخ: يعني أن بعض الناس غلط، سمع التكبير في النفل يحسب أنه تكبيرات الصلاة، وإنما المراد تكبيرات العيد كما تقدم.
وأما تكبير الصلاة فواجب في النفل والفرض، كونه يكبر إذا ركع، يكبر إذا سجد، يكبر إذا رفع من السجود، هذا واجب في النفل والفرض جميعًا؛ لقوله ﷺ: صلوا كما رأيتموني أصلي، وكان يُكبِّر في كل خفض ورفع عليه الصلاة والسلام.
القارئ:
وإن قيل: هو سُنَّةٌ في الفرض؛ قيل: هو سنَّةٌ في النَّفل. فأمَّا التَّفريق بينهما فليس قولًا له ولا لغيره.
وأمَّا الَّذي ذكره عن ابن عمر في تكبيره دبر الصَّلاة إذا كان منفردًا فهو مشهورٌ عنه، وهي مسألةُ نزاعٍ بين العلماء مشهورةٌ.
وقد قال ابن عبدالبرِّ لمَّا ذكر حديث أبي سلمة: أنَّ أبا هريرة كان يُصلِّي لهم فيُكبِّر كلَّما خفض ورفع، فلمَّا انصرف قال: واللَّه إنِّي لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ.
فقال ابن عبدالبرِّ: إنَّ النَّاس لم يكونوا كلُّهم يفعلون ذلك؛ ويدلُّ عليه ما رواه ابن أبي ذئبٍ في "موطَّئه" عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة أنَّه قال: «ثلاثٌ كان رسول الله ﷺ يفعلهنَّ وتركهنَّ النَّاس: كان إذا قام إلى الصَّلاة رفع يديه مدًّا، وكان يقف قبل القراءة هُنَيهةً يسأل الله من فضله، وكان يُكبِّر كلَّما رفع وخفض».
قلت: هذه الثَّلاثة تركها طائفةٌ من الأئمَّة والفقهاء ممَّن لا يرفع اليدين ولا يوجب التَّكبير، ومن لا يستحبُّ الاستفتاح والاستعاذة، ومن لا يجهر من الأئمَّة بتكبير الانتقال.
قال: وقد قال قومٌ من أهل العلم: إنَّ التَّكبير إنَّما هو إيذانٌ بحركات الإمام، وشعارٌ للصَّلاة، وليس بسنَّة إلَّا في الجماعة. أمَّا من صلَّى وحده فلا بأس عليه ألا يُكبِّر.
الشيخ: وهذا القول قول ساقط مخالف للسُّنة، هذا القول -من قال: إنما يتأكد في الجماعة، أما الفرد فلا- هذا قول ساقط لا وجه له.
والصواب: أن المشروعَ التكبيرُ في جميع الصلوات نفلها وفرضها، سواء كنت وحدك أو مع غيرك؛ لقوله ﷺ: صلوا كما رأيتموني أصلي، اللهم صل عليه وسلم.
ولما علم المسيء علمه قال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبِّر.
القارئ:
ولهذا ذكر مالكٌ هذا الحديث وحديث ابن شهابٍ عن عليِّ بن حسينٍ قال: كان رسول الله ﷺ يُكبِّر في الصَّلاة كلَّما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتَّى لقي الله . وحديث ابن عمر وجابرٍ : أنَّهما كانا يُكبِّران كلَّما خفضا ورفعا في الصَّلاة، فكان جابرٌ يُعلِّمهم ذلك، قال: فذكر مالكٌ هذه الأحاديث كلَّها ليبيِّن لك أنَّ التَّكبير من سنن الصَّلاة.
قلت: ما ذكره مالكٌ فكما ذكره، وأمَّا ما ذكره ابن عبدالبرِّ من الخلاف فلم أجده ذَكَر لذلك أصلًا إلَّا ما ذكر أحمد عن علماء المسلمين: أنَّ التَّكبير مشروعٌ في الصَّلوات، وإنَّما ذكر ذلك مالكٌ وغيره -واللَّه أعلم- لأجل ما كَرِه من فِعل الأئمَّة الَّذين كانوا لا يُتِمُّون التَّكبير.
وقد قال ابن عبدالبرِّ: روى ابن وهبٍ، أخبرني عياض بن عبدالله الفهري: أنَّ عبدالله بن عمر كان يقول: لكلِّ شيءٍ زينةٌ، وزينة الصَّلاة التَّكبير ورفع الأيدي فيها. وإذا كان ابن عمر يقول ذلك، فكيف يُظَنُّ به أنَّه لا يُكبِّر إذا صلَّى وحده؟! فهذا لا يظنُّه عاقلٌ بابن عمر.
قال ابن عبدالبرِّ: وقد رُوي عن عمر بن الخطَّاب وعمر بن عبدالعزيز وقتادة وغيرهم: أنَّهم كانوا لا يُتِمُّون التَّكبير.
وذَكَر ذلك أيضًا عنه القاسم وسالمٌ وسعيد بن جبيرٍ، ورُوي عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «أنَّه كان يكبِّر هذا التَّكبير، ويقول: إنَّها لصلاة رسول الله ﷺ».
قال: وهذا يدلُّ على أنَّ التَّكبير في كلِّ خفضٍ ورفعٍ كان النَّاس قد تركوه، وفي ترك النَّاس له من غير نكيرٍ من واحدٍ منهم ما يدلُّ على أنَّ الأمر محمولٌ عندهم على الإباحة.
قلت: لا يمكن أن يُعلم إلَّا ترك الجهر به، فأمَّا ترك الإمام التَّكبير سرًّا فلا يجوز أن يَدَّعي تركه إن لم يَصِلِ الإمام إلى فعله، فهذا لم يقله أحدٌ من الأئمَّة، ولم يقل أحدٌ: إنَّهم كانوا يتركون في كلِّ خفضٍ ورفعٍ، بل قالوا: كانوا لا يُتمُّونه، ومعنى «لا يتمُّونه»: ينقصونه، ونقصه...
الشيخ: لا ينقصونه؟
أحد الطلاب: لا ينقصونه.
الشيخ: ما يصلح، لا، ومعنى: «لا يتمونه» معناه ينقصونه، هذا المعنى، "لا ينقصونه" لا يستقيم، ومعنى «لا يتمونه» معناه ينقصونه، يعني بعدم الجهر، ما هو معناه الترك.
كان بعض -مثل ما تقدم- كان بعض الأمراء والأئمة إذا نهض من السجود كبَّر، وإذا خفض أخفى؛ لأن الناس يشاهدونه فما يتكلف يرفع؛ لأن الناس يشاهدونه إذا خفض للسجود تابعوه، وهذا من التسامح والتساهل.
والصواب: الجهر في الجميع حتى ينتبه الغافل، سمي هذا عدم إتمام، يعني من جهة عدم الجهر فقط، ولا يظن بالإمام أو بالمنفرد المعروف المؤمن أن يتسامح ويتركه، لا؛ فالرسول ﷺ أوضح للأمة التكبير في كل خفض ورفع، والصحابة بينوا ذلك.
فالمقصود من هذا: أن بعض الأمراء وبعض الأئمة في بعض حالات الصلاة لا يكون جهره تامًّا عند خفضه للسجود؛ اعتمادًا على أن الناس يشاهدونه فلا حاجة إلى أن يتكلف الرفع. وهذا ليس بجيد، فالسُّنة أن يرفع ولو رفع صوته بالتكبير حين الخفض كما يرفع عند الرفع حتى ينتبه الناس ويسمعوا.
أحد الطلاب: نزيل اللام؟
الشيخ: نعم.
أحد الطلاب: اللام زائدة؟
الشيخ: اللام زائدة، نعم.
القارئ:
ومعنى: «لا يتمُّونه» ينقصونه، ونقصه: عدم فعله في حال الخفض، كما تقدَّم من كلامه، وهو نقصٌ بترك رفع الصَّوت به، أو نقصٌ له بترك ذلك في بعض المواضع، وقد روى ابن عبدالبرِّ عن أنس بن مالكٍ قال: صلَّيت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وعمر وعثمان فكلُّهم كان يكبِّر إذا رفع رأسه وإذا خفض.
قال: وهذا مُعارِضٌ لما رُوي عن عمر: «أنَّه كان لا يتمُّ التَّكبير»، وروي عن سعيد بن عبدالعزيز عن الزُّهريِّ قال: قلت: لعمر بن عبدالعزيز: ما منعك أن تُتِمَّ التَّكبير وهذا عامِلُكَ عبدالعزيز يُتِمُّه؟ فقال: تلك صلاةُ الأُوَلِ. وأَبَى أن يقبل منِّي.
قلت: وإنَّما خفي على عمر بن عبدالعزيز وعلى هؤلاء الجهرُ بالتَّكبير كما خفي ذلك على طوائف من أهل زماننا، وقبله ما ذكره ابن أبي شيبة أخبرنا جريرٌ عن منصورٍ عن إبراهيم، قال: أوَّل من قصَّ التَّكبير زيادٌ.
قلت: زيادٌ كان أميرًا في زمن عمر، فيمكن أن يكون ذلك صحيحًا ويكون زيادٌ قد سنَّ ذلك حين تركه غيره. ورُوي عن الأسود ابن يزيد عن أبي موسى الأشعريِّ قال: لقد ذكَّرنا عليٌّ صلاةً كنَّا نصلِّيها مع رسول الله ﷺ إمَّا نسيناها وإمَّا تركناها عمدًا، وكان يُكبِّر كلَّما رفع وكلَّما وضع وكلَّما سجد.
أحد الطلاب: معنى قوله: ويكون زياد قد سنَّ ذلك حين تركه غيره؟
الشيخ: يعني في العراق، أمير لمعاوية.
أحد الطلاب: ..... حين تركه غيره؟
الشيخ: يعني ترك إتمام التكبير، يعني خفضه بعض الشيء.
القارئ:
الشيخ: يعني تقليدًا لمن شاهدوه.
القارئ:
الشيخ: وهذا وقع في عهد معاوية من بعض الأمراء وبعد ذلك، والصواب أنها تُصلى في أول وقتها؛ كما قال ﷺ: إنه يلي عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؛ فصَلُّوا الصلاة لوقتها كما قال لأبي ذر وغيره.
المقصود أن بعض الأئمة قد يتساهل ويؤخر الصلاة عن وقتها إما لمشاغله وإما لأسباب أخرى، فالرسول أمر الناس أن يصلوها لوقتها، إذا وُجد من يؤخرها يجب أن تُصلَّى لوقتها ولا يُقتدَى به.
القارئ:
وكذلك عدم إتمام التَّكبير وغير ذلك من الأمور النَّاقصة عمَّا كان عليه رسول الله ﷺ، حتَّى كان ابن مسعودٍ يتأوَّل في بعض الأمراء الَّذين كانوا على عهده: أنَّهم من الخَلَف الَّذين قال الله تعالى فيهم: فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا [مريم:59]، فكان يقول: كيف بكم إذا لَبِسَتْكم فتنةٌ يربو فيها الصَّغير ويهرم فيها الكبير، إذا تُرك فيها شيءٌ قيل: تركت السُّنَّة؟ فقيل: متى ذلك يا أبا عبدالرَّحمن؟ فقال: ذلك إذا ذهب علماؤكم، وقلَّت فقهاؤكم، والتُمست الدُّنيا بعمل الآخرة، وتُفُقِّه لغير الدِّين.
وكان عبدالله بن مسعودٍ يقول أيضًا: أنا من غير الدَّجَّال أَخْوَفُ عليكم من الدَّجَّال: أمورٌ تكون من كبرائكم، فأيُّما رجلٍ أو امرأةٍ أدرك ذلك الزَّمان فالسَّمتَ الأوَّلَ، فالسَّمت الأوَّل.
الشيخ: نعم، يقول: إني أخاف عليكم شيئًا قبل الدجال؛ لأن الدجال قد يتأخر ولا تدركونه، لكن يخاف عليهم تغيير السُّنة، وظهور البدع؛ ولهذا قال: عليكم بالسمت الأول، عليكم بما كان عليه النبي ﷺ والصحابة، الْزَمُوه، يعني الزموا سيرة النبي ﷺ وما كان عليه.