04 من قوله: (ومن هذا الباب: أن عمر بن عبد العزيز لما تولى إمارة المدينة في خلافة الوليد بن عمه)

القارئ:

ومن هذا الباب: أنَّ عمر بن عبدالعزيز لمَّا تولَّى إمارة المدينة في خلافة الوليد ابن عمِّه -وعمر هذا هو الَّذي بنى الحجرة النَّبويَّة إذ ذاك- صلَّى خلفه أنس بن مالكٍ ، فقال: ما رواه أبو داود والنَّسائي عن أنس بن مالكٍ : ما صلَّيتُ وراء أحدٍ بعد رسول اللَّه ﷺ أشبه صلاةً برسول اللَّه ﷺ من هذا الفتى -يعني عمر بن عبدالعزيز- قال: فحَزَرْنا في ركوعه عشر تسبيحاتٍ، وفي سجوده عشر تسبيحاتٍ.

وهذا كان في المدينة، مع أنَّ أمراءها كانوا أكثر محافظةً على السُّنَّة من أمراء بقيَّة الأمصار؛ فإنَّ الأمصار كانت تُسَاس برأي الملوك، والمدينة إنَّما كانت تُساس بسنَّة رسول اللَّه ﷺ أو نحو هذا، ولكن كانوا قد غيَّروا أيضًا بعض السُّنَّة. ومن اعتقد أنَّ هذا كان في خلافة عمر بن عبدالعزيز فقد غلط، فإنَّ أنس بن مالكٍ لم يُدرك خلافة عمر بن عبدالعزيز، بل مات قبل ذلك بسنتين.

الشيخ: الظاهر أنه أكثر من ذلك؛ لأن خلافة عمر بن عبدالعزيز في آخر القرن الأول في السنة التاسعة والتسعين، بعد موت سليمان بن عبدالملك، وأنس بن مالك توفي سنة ثنتين وتسعين أو ثلاث وتسعين على رأس مائة وسنتين، مدَّ، عُمِّر فجاوز المائة بسنتين أو ثلاث .

المقصود أن هذا ثناء على عمر بن عبدالعزيز لما تولى الإمرة في المدينة للوليد بن عبدالملك، بعدما مات عبدالملك بن مروان سنة ست وثمانين تولى ابنه الوليد إلى ست وتسعين، وأمَّر عمر على المدينة، وعمر أخذ من علماء المدينة من التابعين، وتأسى بالنبي ﷺ، فكان يتحرى صلاة النبي ﷺ رضي الله عنه.

القارئ:

وهذا يوافق الحديث المشهور الَّذي في سنن أبي داود والتِّرمذيِّ وابن ماجه عن عون بن عبداللَّه عن عبداللَّه بن مسعودٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرَّاتٍ: سبحان ربِّي العظيم. وذلك أدناه. وإذا سجد فليقل: سبحان ربِّي الأعلى ثلاثًا. وذلك أدناه. قال أبو داود: هذا مرسلٌ؛ عونٌ لم يدرك عبداللَّه بن مسعودٍ، وكذلك قال البخاريُّ في "تاريخه"، وقال التِّرمذيُّ: ليس إسناده بمتَّصلٍ؛ عون بن عبداللَّه لم يدرك ابن مسعودٍ، عونٌ هو من علماء الكوفة المشهورين وهو من أهل بيت عبداللَّه.

الشيخ: يعني: عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، ابن ابن أخي عبدالله . المقصود أن عونًا ليس بمُدرِك لعبدالله فهو منقطع.

ولكن، لا شك أن هذا أولى ما يكون: ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود، أقل الكمال، والواجبُ مرة، لكن إذا كرر ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أكثر وأفضل.

أحد الطلاب: ..... عشر تسبيحات...؟

الشيخ: الأمر واسع، يتحرى ألا يَشُق على الناس، فإذا سبح خمس مرات وقال معها: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سبوح قدوس رب الملائكة والروح"، ودعا في السجود بعض الدعوات؛ يكون أفضل.

لكن هذا مقدار تقديرٍ يقول عشرَ تسبيحات، تقدير قد يكون فيه الدعاء، وقد يكون فيها "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، والمعنى أنه كان يركد في الركوع والسجود لا يعجل، وهذه السُّنة، يركد.

فإذا سبَّح ثلاثًا أو خمسًا في الركوع والسجود ودعا في السجود بما يسر الله، وقال في الركوع والسجود: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، سبوح قدوس رب الملائكة والروح"؛ يعني يجمع بين السنن.

والواجب مرة "سبحان ربي العظيم" في الركوع، "سبحان ربي الأعلى" في السجود، هذا الواجب مرة، وما زاد فهو سنة.

القارئ:

وقيل: إنَّما تلقَّاه من علماء أهل بيته؛ فلهذا تمسَّك الفقهاء بهذا الحديث في التَّسبيحات؛ لما له من الشَّواهد، حتَّى صاروا يقولون في الثَّلاث: إنَّها أدنى الكمال أو أدنى الرُّكوع، وذلك يدلُّ على أنَّ أعلاه أكثر من هذا، فقول من يقول من الفقهاء: إنَّ السُّنَّة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحاتٍ من أصل الشَّافعيِّ وأحمد رضي الله عنهما وغيرهم؛ هو من جنس قول من يقول: من السُّنَّة ألا يطيل الاعتدال بعد الرُّكوع أو أن يؤخِّر الصَّلاة إلى آخر الوقت.

الشيخ: يعني أنها أقوال ضعيفة، السُّنة.. مراعاة السُّنة في هذا كله يزيد على الثلاث، ويُراعي الوقت في التبكير وعدم التأخير، يعني للناس أقوال ضعيفة هذا منها.

السنة مراعاة المأمومين، وأن يصلي في أول الوقت، كما كان النبي يفعل ﷺ، إلا في شدة الحر يستحب التأخير بعض الشيء، كالظهر، وإلا في العشاء إذا لم يجتمعوا أخَّر بعض الشيء حتى يجتمعوا، كل هذا فيه تَحَرِّي السُّنة، وهكذا كونه يزيد على الثلاث في التسبيحات في الركوع والسجود أولى وأفضل، يسبح خمسًا أو سبعًا أو عشرًا، وإذا خلط معها "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" كان أفضل، وكذلك "سبوح قدوس رب الملائكة والروح". وهكذا بعض الدعاء في السجود؛ كان النبي يدعو في سجوده عليه الصلاة والسلام.

القارئ:

فإنَّ الَّذين قالوا هذا ليس معهم أصلٌ يرجعون إليه من السُّنَّة أصلًا، بل الأحاديث المستفيضة عن النَّبيِّ ﷺ الثَّابتة في الصِّحاح والسُّنن والمسانيد وغيرها: تبيِّن أنَّه ﷺ كان يسبِّح في أغلب صلاته أكثر من ذلك.

الشيخ: يعني بأكثر من الثلاث.

القارئ:

كما تقدَّم دلالة الأحاديث عليه، ولكنَّ هذا قالوه لمَّا سمعوا أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: إذا أمَّ أحدكم النَّاس فليخفِّف، وإذا صلَّى لنفسه فليطوِّل ما شاء، ولم يعرفوا مقدار التَّطويل، ولا علموا التَّطويل الَّذي نهى عنه؛ لمَّا قال لمعاذ: أَفتَّانٌ أنت يا معاذ؟، فجعلوا هذا برأيهم قدرًا للمستحبِّ.

ومن المعلوم أنَّ مقدار الصَّلاة -واجبها ومستحبِّها- لا يُرجع فيه إلى غير السُّنَّة؛ فإنَّ هذا من العلم الَّذي لم يكله اللَّه ورسوله إلى آراء العباد، إذ النَّبيُّ ﷺ كان يصلِّي بالمسلمين في كلِّ يومٍ خمس صلواتٍ، وكذلك خلفاؤه الرَّاشدون الَّذين أمرنا بالاقتداء بهم، فيجب البحث عمَّا سنَّه رسول اللَّه ﷺ، ولا ينبغي أن يوضع فيه حكمٌ بالرَّأي، وإنَّما يكون اجتهاد الرَّأي فيما لم تمض به سنَّةٌ عن رسول اللَّه ﷺ، لا يجوز أن يعمد إلى شيءٍ مضت به سنَّةٌ فيردَّ بالرَّأي والقياس.

الشيخ: وهذا واجب التعيين؛ فإن الواجبَ الأخذُ بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وألا يُحكَّم فيهما آراء الناس. آراء الناس في الأشياء التي لم يثبت فيها سنة، هذا محلُّ اجتهاد العلماء. أما ما كان فيه نصٌّ من الكتاب والسنة فهذا هو محل اجتهاد، ويجب الأخذ به، وعدم الالتفات إلى كل رأي يخالف السنة.

القارئ:

وممَّا يُبيِّن هذا: أنَّ التَّخفيف أمرٌ نسبيٌّ إضافيٌّ ليس له حدٌّ في اللُّغة ولا في العُرف؛ إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفُّه هؤلاء، ويستخفُّ هؤلاء ما يستطيله هؤلاء؛ فهو أمرٌ يختلف باختلاف عادات النَّاس ومقادير العبادات، ولا في كلٍّ من العبادات الَّتي ليست شرعيَّةً.

فعُلم أنَّ الواجب على المسلم: أن يرجع في مقدار التَّخفيف والتَّطويل إلى السُّنَّة، وبهذا يتبيَّن أنَّ أمره ﷺ بالتَّخفيف لا ينافي أمره بالتَّطويل أيضًا في حديث عمَّارٍ الَّذي في الصَّحيح لمَّا قال: إنَّ طول صلاة الرَّجل وقِصَر خُطْبته مَئِنَّةٌ من فقهه؛ فأطيلوا الصَّلاة وأَقْصِروا الخُطبة، وهناك أمرهم بالتَّخفيف، ولا منافاة بينهما؛ فإنَّ الإطالة هنا بالنِّسبة إلى الخطبة، والتَّخفيف هناك بالنِّسبة إلى ما فعل بعض الأئمَّة في زمانه من قراءة البقرة في العشاء الآخرة؛ ولهذا قال: فإذا صلَّى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء.

فبيَّن أنَّ المنفرد ليس لطول صلاته حدٌّ تكون به الصَّلاة خفيفةً، بخلاف الإمام؛ لأجل مراعاة المأمومين؛ فإنَّ خلفه السَّقيم والكبير وذو الحاجة؛ ولهذا مضت السُّنَّة بتخفيفها عن الإطالة إذا عرض للمأمومين أو بعضَهم عارضٌ، كما قال ﷺ: إنِّي لأدخل الصَّلاة وأنا أريد أن أُطيلها فأسمع بكاء الصَّبيِّ فأخفِّف؛ لما أعلم مِن وَجْد أُمِّه، وبذلك علَّل النَّبيُّ ﷺ فيما تقدَّم من حديث ابن مسعودٍ.

وكذلك في الصَّحيحين عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: إذا صلَّى أحدكم بالنَّاس فليخفِّف؛ فإنَّ فيهم الضَّعيف والكبير وذا الحاجة، وإذا صلَّى لنفسه فليطوِّل ما شاء"، وفي روايةٍ: "فإنَّ فيهم السَّقيم والشَّيخ الكبير وذا الحاجة.

ولهذا كان النَّبيُّ ﷺ يقصرها أحيانًا عمَّا كان يفعل غالبًا، كما روى مسلمٌ في "صحيحه" عن عمرو بن حُرَيث قال: كأنِّي أسمع صوت النَّبيِّ ﷺ يقرأ في صلاة الغداة: فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ۝ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [التكوير:15-16]، وروى أنَّه: قرأ في صلاة الفجر في بعض أسفاره بسورة الزَّلزلة.

وكان يطوِّل أحيانًا، حتَّى ثبت في الصَّحيح عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ أمَّ الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ: والمُرْسَلَاتِ عُرْفًا [سورة المرسلات]، فقالت: يا بُنَيَّ، لقد أذكرتني بقراءتك هذه السُّورة إنَّها لَآخِرُ ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ، يقرأ بها في المغرب».

وفي الصَّحيحين عن محمَّد بن جبير بن مطعمٍ عن أبيه أنَّه قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقرأ بالطُّور في المغرب.

وفي البخاريِّ والسُّنن عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابتٍ: ما لك تقرأ في المغرب بقِصَارِ المُفصَّل، وقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطُّوليين؟ قال: قلت: ما طُولَى الطُّوليين؟ قال: الأعراف.

فهذه الأحاديث من أصحِّ الأحاديث، وقد ثبت فيها أنَّه كان يقرأ في المغرب تارةً بالأعراف وتارةً بالطُّور وتارةً بالمرسلات، مع اتِّفاق الفقهاء على أنَّ القراءة في المغرب سُنَّتها أن يكون أقصر من القراءة في الفجر، فكيف تكون القراءة في الفجر وغيرها؟

الشيخ: والمقصود من هذا أنه قد يفعل هذا بعض الأحيان عليه الصلاة والسلام لأسبابٍ، وإن كان الغالب خلاف ذلك؛ ولهذا كان الغالب عليه التطويل في الفجر، وتليها الظهر والعصر أخف من ذلك، والعشاء من جنس الظهر والعصر والمغرب أقل من ذلك، وقد يُطوِّل في المغرب بعض الشيء، كما قرأ بالمرسلات في حديثِ أمِّ الفضل، وبالطور في حديثِ جُبَيرٍ لمَّا قَدِمَ على النبي ﷺ بعد غزوة بدر في شأن الأسارى سمعه يقرأ في المغرب بالطور.

فهذا له وقت، وهذا له وقت؛ لبيان الجواز.

القارئ:

ومن هذا الباب ما روى وكيعٌ عن منصورٍ عن إبراهيم النَّخَعي قال: كان أبو عبيدة بن عبداللَّه بن مسعودٍ يُطيل القيام بقدر الرُّكوع.

الشيخ: يعني بعد الركوع.

القارئ:

فكانوا يَعِيبون ذلك عليه.

قال أبو محمَّد بن حزمٍ: العيب على مَن عاب عَمَلَ رسولِ اللَّه ﷺ وعوَّل على مَن لا حجَّة فيه.

الشيخ: وما ذاك إلا لأن البراء قال: صليت مع النبي فرَمَقْتُ قيامه وركوعه واعتداله بعد الركوع وسجدته وجلسته بين السجدتين قريبًا من السواء.

القارئ:

قلت: قد تقدَّم فِعل أبي عبيدة الَّذي في الصَّحيح، وموافقته لفعل رسول اللَّه ﷺ، وهؤلاء الَّذين عابوا عليه كانوا من أهل الكوفة -الَّذين في زمن الحجَّاج وفتنة ابن الأشعث- لم يكونوا من الصَّحابة، ولا عُرف أنَّهم من أعيان التَّابعين، وإن كان قد يكون فيهم مَن أدرك ابن مسعودٍ، فابن ابن مسعودٍ لم يكن هو الإمام الرَّاتب في زمنه، بل الإمام الرَّاتب كان غيره وابن ابن مسعودٍ.

الشيخ: وابن ابن مسعود يعني أبا عبيدة بن عبدالله.

القارئ:

وابن ابن مسعودٍ أقرب إلى متابعة أبيه من هؤلاء المجهولين.

أحد الطلاب: السند ..... صحيح؟

الشيخ: لا، فيه انقطاع.

القارئ:

وابن ابن مسعودٍ أقرب إلى متابعة أبيه من هؤلاء المجهولين، فهؤلاء الَّذين أنكروا على أبي عبيدة إنَّما أنكروا عليه لمخالفته العادة الَّتي اعتادوها، وإن خالفت السُّنَّة النَّبويَّة.

ولكن ليس هذا الإنكار من الفقهاء، يبيِّن ذلك أنَّ أَجَلَّ فقيهٍ أخذ عنه إبراهيمُ النَّخعيُّ هو علقمة، وتوفِّي قبل فتنة ابن الأشعث الَّتي صلَّى فيها أبو عبيدة ابن عبداللَّه؛ فإنَّ علقمة توفِّي سنة إحدى -أو اثنتين- وستِّين في أوائل إمارة يزيد. وفتنة ابن الأشعث كانت في إمارة عبدالملك، وكذلك مسروقٌ، قيل: إنَّه توفِّي قبل السَّبعين أيضًا، وقيل فيهما كما قيل في مسروقٍ ونحوه.

فتبيَّن أنَّ أكابر الفقهاء من أصحاب عبداللَّه بن مسعودٍ لم يكونوا هم الَّذين أنكروا ذلك، مع أنَّ من النَّاس إذا سمع هذا الإطلاق صَرَفه إلى إبراهيم النَّخعي.

وقد عرفت أنَّ المشهور أنَّ علقمة يظنُّ أنَّ إبراهيم وأمثاله أنكروا ذلك، وهم رأوا ذلك، وهم أخذوا العلم عن عبداللَّه ونحوه، فقد تبيَّن أنَّ الأمر ليس كذلك.

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله: عن رجلٍ لا يطمئنُّ في صلاته؟ فأجاب:

الطُّمأنينة في الصَّلاة واجبةٌ، وتاركها مُسيءٌ باتِّفاق الأئمَّة، بل جمهور أئمَّة الإسلام كمالك والشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وأبو حنيفة ومحمَّدٌ لا يخالفون في أنَّ تارك ذلك مسيءٌ غير مُحسِنٍ، بل هو آثمٌ عاصٍ تاركٌ للواجب، وغيرهم يوجبون الإعادة على من ترك الطُّمأنينة.

ودليل وجوب الإعادة ما في الصَّحيحين: أنَّ رجلًا صلَّى في المسجد ركعتين ثمَّ جاء فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ، فقال النَّبيُّ ﷺ: ارجع فصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصَلِّ مرَّتين أو ثلاثًا. فقال: والَّذي بعثك بالحقِّ ما أُحسِنُ غير هذا، فعَلِّمني ما يُجزئني في صلاتي. فقال: إذا قُمْتَ إلى الصَّلاة فكَبِّر ثمَّ اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتَّى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفع حتَّى تعتدل قائمًا، ثمَّ اسجد حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ اجلس حتَّى تطمئنَّ جالسًا، ثمَّ افعل ذلك في صلاتك كلِّها.

فهذا كان رجلًا جاهلًا ومع هذا فأمره النَّبيُّ ﷺ أن يُعيد الصَّلاة، وأخبره أنَّه لم يُصَلِّ، فتبيَّن بذلك أنَّ مَن ترك الطُّمأنينة فقد أخبر اللَّه ورسوله أنَّه لم يُصَلِّ، فقد أمره اللَّه ورسوله بالإعادة، ومن يعص اللَّه ورسوله فله عذابٌ أليمٌ.

وفي السُّنن عن النَّبيِّ ﷺ قال: لا يقبل اللَّه صلاةَ رجلٍ لا يُقيم صُلْبه في الرُّكوع والسُّجود، يعني يُقيم صلبه: إذا رفع من الرُّكوع، وإذا رفع من السُّجود.

الشيخ: يعني يعتدل. الذي يرفع ثم ينزل ما أقام صُلْبه! يرفع من الركوع ثم ينزل إلى الأرض، أو يرفع من السجدة الأولى ثم يعود في الحال ما أقام صلبه لا بد من الاعتدال!

القارئ:

وفي الصَّحيح: أنَّ حذيفة بن اليمان رأى رجلًا لا يُقيم صلبه في الرُّكوع والسُّجود، فقال: منذ كم تصلِّي هذه الصَّلاة؟ قال: منذ كذا وكذا. فقال: أمَا أنَّك لو مت لمت على غير الفطرة الَّتي فطر اللَّه عليها محمَّدًا ﷺ.

وقد رَوَى هذا المعنى ابن خزيمة في "صحيحه" مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ، وأنَّه قال لمن نَقَر في الصَّلاة: أمَا إنَّك لو مت على هذا مت على غير الفطرة الَّتي فطر اللَّه عليها محمَّدًا ﷺ أو نحو هذا، وقال: مَثَل الَّذي يُصلِّي ولا يُتِمُّ ركوعه وسجوده مثل الَّذي يأكل لقمةً أو لقمتين فما تُغني عنه.

وفي "صحيح مسلمٍ" عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشَّمس حتَّى إذا كانت بين قرني شيطانٍ قام فنقر أربعًا لا يذكر اللَّه فيها إلَّا قليلًا، وقد كتبنا في ذلك من دلائل الكتاب والسُّنَّة في غير هذا الموضع ما يَطُول ذِكره هنا، واللَّه أعلم.

وسئل رحمه الله: عمَّن يحصل له الحضور في الصَّلاة تارةً ويحصل له الوسواس تارةً، فما الَّذي يستعين به على دوام الحضور في الصَّلاة؟ وهل تكون تلك الوساوس مُبطِلةً للصَّلاة أو منقصةً لها أم لا؟ وفي قول عمر: إنِّي لَأُجَهِّز جيشي وأنا في الصَّلاة، هل كان ذلك يشغله عن حاله في جمعيَّته أو لا؟

فأجاب: الحمد للَّه ربِّ العالمين: الوسواس.

الشيخ: بركة، قِف على هذا.

المقصود من هذا أن الواجب على المؤمن أن يجمع قلبه في الصلاة، وأن يجتهد في إبعاد الوسواس، والتعوذ بالله من الشيطان؛ حتى يصلي صلاة نافعة مفيدة يتأسى فيها بالنبي عليه الصلاة والسلام. والشيطان عدو له، إذا دخل في الصلاة أقبل عليه وأكثَرَ عليه الوساوسَ، فلا بد من همة عالية، وإقبال على الله، وتعوُّذٍ بالله من الشيطان؛ حتى يخسأ عدو الله.

أحد الطلاب: قوله: تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق؟

الشيخ: تحذير، من باب التحذير؛ يعني: احذروها، هذه صلاة المنافق يؤخرها إلى أن تَصْفَرَّ الشمس ثم يَنقُرها. نسأل الله العافية. يعني العصر، نسأل الله العافية.

أحد الطلاب: .... التأخير والنقر؟

الشيخ: نعم، كلها من فِعل المنافق.

القارئ:

وسئل رحمه الله: عمَّن يحصل له الحضور في الصَّلاة تارةً، ويحصل له الوسواس تارةً، فما الَّذي يستعين به على دوام الحضور في الصَّلاة؟ وهل تكون تلك الوساوس مبطلةً للصَّلاة؟ أو منقصةً لها أم لا؟ وفي قول عمر: إنِّي لأجهِّز جيشي وأنا في الصَّلاة، هل كان ذلك يشغله عن حاله في جمعيَّته أو لا؟

فأجاب: الحمد للَّه ربِّ العالمين. الوسواس لا يُبطل الصَّلاة إذا كان قليلًا باتِّفاق أهل العلم، بل ينقص الأجر كما قال ابن عبَّاسٍ: ليس لك من صلاتك إلَّا ما عَقَلْتَ منها. وفي السُّنن عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: إنَّ العبد لينصرف من صلاته ولم يُكتَب له منها إلَّا نصفها، إلَّا ثلثها، إلَّا ربعها، إلَّا خمسها، إلَّا سدسها، إلَّا سبعها، إلَّا ثمنها، إلَّا تسعها، إلَّا عشرها.

الشيخ: والمقصود أن الإنسان له من صلاته ما عقل منها، وما أقبل عليه منها يكون له فضلها، وقد ينقص ثوابه بسبب المشاغل والوساوس وعدم حضور القلب، فعلى حسب حضور القلب وكمال الحضور والعناية بالصلاة والإقبال عليها؛ يعظم الأجر.

القارئ:

ويقال: إنَّ النَّوافل شُرعت لجَبْر النَّقص الحاصل في الفرائض، كما في السُّنن عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: أوَّل ما يُحاسب عليه العبد من عمله: الصَّلاة؛ فإن أكملها وإلَّا قيل: انظروا هل له من تطوُّعٍ، فإن كان له تطوُّعٌ أُكملت به الفريضة ثمَّ يُصنع بسائر أعماله.

الشيخ: كذلك، ساقط "كذلك"، "ثم يصنع بسائر أعماله كذلك"، كما فعل بالصلاة يعني، يُكمَّل بها ما حصل عنده مِن تطوع.

القارئ:

ثمَّ يصنع بسائر أعماله كذلك، وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقًا.

وأمَّا الوسواس الَّذي يكون غالبًا على الصَّلاة، فقد قال طائفةٌ -منهم أبو عبداللَّه بن حامدٍ وأبو حامدٍ الغزاليُّ وغيرهما-: إنَّه يوجب الإعادة أيضًا؛ لما أخرجاه في الصَّحيحين عن أبي هريرة : أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: إذا أذَّن المؤذِّن أدبر الشَّيطان وله ضُرَاطٌ حتَّى لا يسمع التَّأذين، فإذا قُضي التَّأذين أقبل، فإذا ثُوِّب بالصَّلاة أدبر، فإذا قضى التَّثويب أقبل حتَّى يَخْطِر بين المرء ونفسه فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا؛ لِمَا لم يكن يذكر، حتَّى يظلَّ الرَّجل لا يدري كم صلَّى. فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلِّم.

وقد صَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ: الصَّلاة مع الوسواس مطلقًا، ولم يفرِّق بين القليل والكثير، ولا ريب أنَّ الوسواس كلَّما قلَّ في الصَّلاة كان أكمل، كما في الصَّحيحين من حديث عثمان عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: إنَّ من توضَّأ نحو وضوئي هذا ثمَّ صلَّى ركعتين لم يُحدِّث فيهما نفسه غُفر له ما تقدَّم من ذنبه.

الشيخ: والصواب في هذا أن الوسواس لا يُبطل الصلاة، لكن مثل ما في الحديث يَبْني على اليقين، ثم صلى ركعتين، لكن في الرواية الأخرى يبني على ما استيقن، فإذا شك هل صلى ثنتين أم ثلاثًا؟ جعلها ثنتين، شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ يجعلها ثلاثًا، ثم كمَّل، ثم سجد سجدتين قبل أن يُسلم.

وهكذا لو سلَّم عن نقص بسبب السهو؛ فإنه يُكمل صلاته إذا نُبِّه ثم يسجد سجدتين للسهو بعد السلام أفضل، إذا كان سلَّم عن نقص.

فالحاصل أن الوساوس لا تُبطلها، لكن تنقص ثوابها، يحصل به النقص، فالواجب في مثل هذا أنه يكملها بالبناء على اليقين ومع سجود السهو. فإن كان سلَّم عن نقص أو بنى على غالب ظنه فالأفضل أن يكون السجود بعد السلام، سجود السهو بعد السلام. أما إن كان لا؛ بنى على اليقين فإنه يكمل ويسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، كما في حديث أبي سعيد يقول ﷺ: إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يَدْرِ كم صلى ثلاثًا أم أربعًا؛ فليطرح الشك وَلْيَبْنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم. رواه مسلم.

وفي حديث ذي اليدين، قصة ذي اليدين، وفي حديث عمران بن حصينٍ سَجَد بعد السلام؛ لأنه ﷺ سلَّم عن نقصٍ فكمَّل الصلاة ثم سجد للسهو بعد السلام، وهكذا في حديث ابن مسعود قال: إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصوابَ، فَلْيُتِمَّ عليه ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين بعد السلام. إذا بنى على غالب ظنه، وهذا هو الجمع بين النصوص.

فالأصل أن السجود قبل السلام للسهو هذا هو الأصل، إلا في حالين:

إحداهما: إذا سلم عن نقص؛ فإنه يُكمل ثم يسجد للسهو بعد السلام.

والحال الثاني: إذا بنى على غالب ظنه، غَلَب على ظنه أنه صلى ثلاثًا فيجعلها ثلاثًا ويكمل، غلب على ظنه ثنتان يجعلها ثنتين ويُكمل ثم يسلم ثم يسجد للسهو بعد السلام؛ لحديث ابن مسعود: فَلْيَتَحرَّ الصوابَ، فَلْيُتِمَّ عليه ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين.

أحد الطلاب: أحسن الله إليك، ما معنى قوله: لقد صح عن النبي ﷺ الصلاة مع الوسواس مطلقًا؟

الشيخ: مثلما سمعت الحديث: قصة ذي اليدين، ما بطلت صلاته.

أحد الطلاب: يُؤثِّر في الصلاةِ الوسواسُ؟

الشيخ: نعم، قد يفسد، هذا من الوسواس، السهو هذا من الوسواس.

أحد الطلاب: أحسن الله إليك، وقال طائفة: إنه يُبطل الصلاة ويوجب الإعادة أيضًا...؟

الشيخ: لا حجة لهم في هذا، وإلا فالكلام فيه بعض الخلل؛ لأن احتجاجهم بأنه يُبطل الصلاةَ ليس بصحيح، النبي ما أبطلها بل كمَّلها، وقول أبي حامد الغزالي ضعيف.

القارئ:

وكذلك في الصَّحيح أنَّه قال: من توضَّأ فأحسن الوضوء ثمَّ صلَّى ركعتين يُقبل عليهما بوجهه وقلبه؛ غُفر له ما تقدَّم من ذنبه.

وما زال في المصلِّين مَن هو كذلك، كما قال سعد بن معاذٍ : "فِيَّ ثلاثُ خِصَالٍ لو كنتُ في سائر أحوالي أكون فيهنَّ، كنتُ أنا أنا؛ إذا كنتُ في الصَّلاة لا أُحدِّث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول اللَّه ﷺ حديثًا لا يقع في قلبي ريبٌ أنَّه الحقُّ، وإذا كنتُ في جنازةٍ لم أحدِّث نفسي بغير ما تقول ويقال لها.

وكان مسلمة بن بشَّارٍ يُصلِّي في المسجد، فانهدم طائفةٌ منه وقام النَّاس، وهو في الصَّلاة لم يشعر.

وكان عبداللَّه بن الزُّبير يسجد، فأتى المنجنيقُ فأخذ طائفةً مِن ثوبه، وهو في الصَّلاة لا يرفع رأسه.

وقالوا لعامر بن عبد القيس: أَتُحدِّث نفسَك بشيءٍ في الصَّلاة؟ فقال: أوَشَيْءٌ أَحَبُّ إليَّ مِن الصَّلاة أُحدِّث به نفسي؟ قالوا: إنَّا لَنُحَدِّث أنفسنا في الصَّلاة. فقال: أبالجنَّة والحُور ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا. فقال: لَأَنْ تختلف الأَسِنَّة فِيَّ أَحَبُّ إليَّ. وأمثال هذا متعدِّدٌ.

الشيخ: ساقط: "أَحَبُّ إليَّ مِن أن أتحدث في الصلاة"، ساقط كلمة: "أحبُّ إليَّ مِن أن أتحدث في الصلاة" يعني أن أهوجس في الصلاة وأوسوس.

ولكن هذا محل نظر، مهما قال العبد فلن يَسْلم أبدًا، مهما قال وادعى بعض العباد فلن يسلم؛ لأن الرسول ﷺ وهو أفضل الخلق وقع له ذلك، وقال: إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذَكِّروني. وهو سيد ولد آدم، وهذا من طبيعة البشر، وقد قال الله في أبينا آدم: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه:115].

فالنسيان من صفات بني آدم، ولن يسلم منه أحد، لكن مُقِلٌّ ومُستكثِرٌ.

القارئ:

والَّذي يُعين على ذلك شيئان: قوَّة المُقتضي، وضعف الشَّاغل.

الشيخ: المقتضي، المقتضي للخشوع يعني، يُعين على ذلك أمران: قوة المقتضي للخشوع، وهو استحضاره عظمة الله، واستحضارُه فضلَ الصلاة وعِظَمَ شأنها، واستحضاره أن الصلاة كلما كانت أكمل كان ثوابها أجزل. كلُّ هذا مما يُعين على السلامة من الوسوسة.

القارئ:

قوَّة المقتضي، وضعف الشَّاغل.

أمَّا الأوَّل: فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، ويتدبَّر القراءةَ والذِّكر والدُّعاء، ويستحضر أنَّه مُناجٍ للَّه تعالى كأنَّه يراه؛ فإنَّ المصلِّي إذا كان قائمًا فإنَّما يُناجي ربَّه. والإحسان: أن تعبد اللَّه كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك.

ثمَّ كلَّما ذاق العبد حلاوة الصَّلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوَّة الإيمان. والأسباب المُقوِّية للإيمان كثيرةٌ؛ ولهذا كان النَّبيُّ ﷺ يقول: حُبِّب إليَّ من دنياكم: النِّساء والطِّيب، وجُعلت قرَّة عيني في الصَّلاة.

وفي حديثٍ آخر أنَّه قال: أرحنا يا بلال بالصَّلاة، ولم يقل: أَرِحْنا منها.

الشيخ: أرحنا بها يعني: إذا دخلنا فيها استرحنا، بخلاف حال الكسالى الذين لسان حالهم يقول: أرحنا من الصلاة. إنما قال: أرحنا بالصلاة يعني: بالدخول فيها نستريح، إذا دخل المؤمنُ الصلاةَ استراح قلبه واطمأن وخشع وحصل له لذة وقرةُ عين.

القارئ:

وفي أثرٍ آخر: «ليس بمستكمِلِ للإيمان مَن لم يزل مهمومًا حتَّى يقوم إلى الصَّلاة» أو كلامٌ يقارب هذا.

وهذا بابٌ واسعٌ؛ فإنَّ ما في القلب من معرفة اللَّه ومحبَّته وخشيته وإخلاص الدِّين له وخوفه ورجائه والتَّصديق بأخباره، وغير ذلك ممَّا يتباين النَّاس فيه ويتفاضلون تفاضلًا عظيمًا، ويقوى ذلك كلَّما ازداد العبد تدبُّرًا للقرآن وفهمًا ومعرفةً بأسماء اللَّه وصفاته وعظمته وتفقُّره إليه في عبادته واشتغاله به...

الشيخ: وهذا -لا شك- كلما قوي الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، كلما قوي الإيمان بالجنة والنار وأهوال الآخرة كلما قوي التفكر والنظر والتدبر في القرآن الكريم، كل هذا مما يُسبِّب إقبالَ القلب على العبادة والخشوع، والحذر من الوسواس.

القارئ:

بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبودَه ومُسْتَغاثَه أعظمَ من اضطراره إلى الأكل والشُّرب؛ فإنَّه لا صلاح له إلَّا بأن يكون اللَّه هو معبوده الَّذي يطمئنُّ إليه ويأنس به ويلتذُّ بذكره ويستريح به، ولا حصول لهذا إلَّا بإعانة اللَّه، ومتى كان للقلب إلهٌ غير اللَّه فسد وهلك هلاكًا لا صلاح معه...

الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله.

القارئ:

ومتى لم يُعِنْه اللَّه على ذلك لم يُصْلِحْه...

الشيخ: لم يَصْلح، متى لم يُعَنْ على التدبُّر والتعقل لم يحصل له الصلاح.

القارئ:

ومتى لم يُعِنْه اللَّه على ذلك لم يصلح ولا حول ولا قوَّة إلَّا به ولا ملجأ ولا منجى منه إلَّا إليه؛ ولهذا يُرْوَى: أنَّ اللَّه أنزل مائةَ كتابٍ وأربعة كتبٍ، جَمَع عِلْمَها في الكتب الأربعةِ، وجمع الكتب الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصَّل، وجمع علم المفصَّل في فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، ونظير ذلك قوله: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123].

الشيخ: ومعنى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] يخاطبه جل وعلا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فإن نَعْبُدُ تشمل جميع ما أمر الله به ورسولُه؛ لأنها عبادة، الصلاة إيَّاكَ نَعْبُدُ، ومنها خشوع القلب وانكساره بين يدي الله، وتدبره لكلام الله، ومنها جميع العبادات التي أمر بها كلها داخلة في إِيَّاكَ نَعْبُدُ.

فهذه الآية العظيمة جامعة لكل شيء؛ فإن ما أمر الله به ورسوله داخل في العبادة، وما نهى الله عنه ورسوله داخل في العبادة.

القارئ:

ونظير ذلك قوله: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123]، وقوله: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى:10]، وقوله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2-4]، وقد قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ: رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصَّلاة، وذِرْوَةُ سَنَامِه: الجهاد في سبيل اللَّه. وبَسْطُ هذا طويلٌ لا يحتمله هذا الموضع.

وأمَّا زوال العارض فهو الاجتهاد في دَفْع ما يشغل القلب مِن تفكُّر الإنسان فيما لا يَعْنيه، وتدبُّر الجواذب الَّتي تجذب القلب عن مقصود الصَّلاة، وهذا في كلِّ عبدٍ بحَسَبِه؛ فإنَّ كثرة الوسواس بحسب كثرة الشُّبهات والشَّهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات الَّتي ينصرف القلب إلى طلبها، والمكروهات الَّتي ينصرف القلب إلى دفعها.

والوساوس: إمَّا من قبيل الحبِّ مِن أن يخطر بالقلب ما قد كان، أو من قبيل الطَّلَب، وهو أن يخطر في القلب ما يريد أن يفعله.

ومن الوساوس ما يكون من خواطر الكفر والنِّفاق، فيتألَّم لها قلب المؤمن تألُّمًا شديدًا، كما قال الصَّحابة: يا رسول اللَّه، إنَّ أَحَدَنا لَيَجِدُ في نفسه ما لَأَنْ يخرَّ من السَّماء أحبُّ إليه من أن يتكلَّم به؟ فقال: أوجدتموه؟. قالوا: نعم. قال: ذلك صريح الإيمان.

وفي لفظٍ: إنَّ أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلَّم به. فقال: الحمد للَّه الَّذي ردَّ كيده إلى الوسوسة.

الشيخ: وأرشدهم عند هذا إذا وقع لهم ذلك أن يقولوا: آمنت بالله ورسله، ويستعيذوا بالله، قال: إذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله؛ فإنه قد يوسوس: مَن خَلَق الله؟ ما هناك جنة، ما هناك نار، ما هناك كذا، ما هناك كذا، هكذا يأتي الشيطان لابن آدم في الصلاة، فإذا أحس بهذا فليقل: آمنت بالله ورسله. وهكذا في غير الصلاة: آمنت بالله ورسوله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما صح عن النبي ﷺ أنه أمر بهذا، والإنسان عرضة لهذه البلاوي والمحن من الشيطان، فإذا عرضت له فليقل: آمنت بالله ورسله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

القارئ:

قال كثيرٌ من العلماء: فكراهة ذلك وبُغْضه وفِرَارُ القلب منه هو صريح الإيمان، والحمد للَّه الَّذي كان غايةُ كيد الشَّيطان الوسوسةَ؛ فإنَّ شيطان الجنِّ إذا غَلَب وسوس، وشيطان الإنس إذا غَلَب كذب.

والوسواس يعرض لكلِّ مَن توجَّه إلى اللَّه تعالى بذِكرٍ أو غيره؛ لا بدَّ له من ذلك، فينبغي للعبد أن يَثْبُت ويَصْبِر ويلازم ما هو فيه من الذِّكر والصَّلاة، ولا يضجر؛ فإنَّه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشَّيطان: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:76].

وكلَّما أراد العبدُ توجُّهًا إلى اللَّه تعالى بقلبه جاء من الوسواس أمورٌ أخرى؛ فإنَّ الشَّيطان بمنزلة قاطع الطَّريق كلَّما أراد العبدُ يَسِيرُ إلى اللَّه تعالى أراد قطع الطَّريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السَّلف: إنَّ اليهود والنَّصارى يقولون: لا نُوَسْوَسُ. فقال: صدقوا، وما يصنع الشَّيطان بالبيت الخراب.

الشيخ: والمقصود من هذا أن اليهود والنصارى قد خَرِبُوا، كُفَّار ضُلَّال، الشيطان قد فرغ منهم، ولا حاجة لوساوسه، قد انتهى منهم وصاروا إلى الهاوية، وإنما يوسوس على المؤمن والمسلم الذي يريد إخراجه من دينه، ويريد إبطال أعماله؛ ولهذا قال بعض السلف: وصدقوا، وما يصنع فيهم الشيطان؟ قد فرغ منهم وانتهى منهم.

القارئ:

وتفاصيل ما يَعْرِض للسَّالكين طويلٌ موضعه.

وأمَّا ما يُرْوَى عن عمر بن الخطَّاب مِن قوله: إنِّي لَأُجَهِّز جيشي وأنا في الصَّلاة. فذاك لأنَّ عمر كان مأمورًا بالجهاد، وهو أمير المؤمنين فهو أمير الجهاد، فصار بذلك مِن بعض الوجوه بمنزلة المصلِّي الَّذي يصلِّي صلاة الخوف حال معاينة العدوِّ: إمَّا حال القتال وإمَّا غير حال القتال.

فهو مأمورٌ بالصَّلاة ومأمورٌ بالجهاد؛ فعليه أن يؤدِّي الواجبين بحسب الإمكان، وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45].

ومعلومٌ أنَّ طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قدر أنَّه نقص من الصَّلاة شيءٌ لأجل الجهاد لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته؛ ولهذا تُخفَّف صلاة الخوف عن صلاة الأمن، ولمَّا ذكر صلاة الخوف قال: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، فالإقامة المأمور بها حال الطُّمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف، ومع هذا فالنَّاس متفاوتون في ذلك.

الشيخ: والمقصود من هذا أن الإنسان قد يعرض له هذا الشيء، كأمير الجيش وأمير المؤمنين، والمسؤولون قد يعرض لهم من صلاتهم ما هم مهمومون به وما هو واجب عليهم؛ فقد تَعْرِض لهم هذه الأشياء التي تقع في الصلاة، كما يقع للمحاصرين للعدو فلا يضر؛ لأن هذا ينشأ عن شدة الحرص والرغبة في مصالح المسلمين وجهاد أعدائهم.

ولكن المؤمن إنما مأمور بأن يجمع قلبه مهما أمكن، وكونه قد يقع في قلبه شيءٌ من مسائل المسلمين وتجهيز الجيش أو كيف يفتح البلد الفلاني أو كيف يؤمر فلان أو كذا؛ هذا قد يقع للأمراء والمسؤولين، ولا يضرهم ذلك، هذا أجرٌ إلى أجر، خيرٌ إلى خير. والله المستعان.

القارئ:

ومع هذا؛ فالنَّاس متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصَّلاة مع تدبُّره للأمور بها، وعمر قد ضرب اللَّهُ الحقَّ على لسانه وقلبه، وهو المُحدَّث المُلهَم.

الشيخ: المحدث.

القارئ:

وهو المُحدَّث المُلهَم، فلا يُنكَر لمثله أن يكون له مع تدبيرِه جيشَه في الصَّلاة من الحضور ما ليس لغيره، لكن لا ريب أنَّ حضورَه مع عدم ذلك يكون أقوى، ولا ريب أنَّ صلاة رسول اللَّه ﷺ حال أَمْنه كانت أكملَ مِن صلاته حالَ الخوف في الأفعال الظَّاهرة، فإذا كان اللَّه قد عَفَا حال الخوف عن بعض الواجبات الظَّاهرة فكيف بالباطنة!

وبالجملة، فتفكُّر المصلِّي في الصَّلاة في أمرٍ يجب عليه قد يُضيِّق وقته، ليس كتفكُّره فيما ليس بواجب أو فيما لم يَضِق وقته، وقد يكون عمر لم يمكنه التَّفكُّر في تدبير الجيش إلَّا في تلك الحال، وهو إمام الأمَّة، والواردات عليه كثيرةٌ.

ومثل هذا يعرض لكلِّ أحدٍ بحسب مرتبته، والإنسان دائمًا يذكر في الصَّلاة ما لا يذكره خارج الصَّلاة، ومِن ذلك ما يكون من الشَّيطان، كما يُذكَر أنَّ بعض السَّلف ذَكر له رجلٌ أنَّه دَفَن مالًا وقد نسي موضعه؟ فقال: قُمْ فَصَلِّ. فقام فصلَّى فذكره، فقيل له: مِن أين علمت ذلك؟ قال: علمت أنَّ الشَّيطان لا يدعه في الصَّلاة حتَّى يُذكِّره بما يَشْغله، ولا أهمَّ عنده مِن ذكر موضع الدَّفن.

لكنَّ العبد الكَيِّس يجتهد في كمال الحضور مع كمال فِعل بقيَّة المأمور. ولا حول ولا قوَّة إلَّا باللَّه العليِّ العظيم.

الشيخ: وهذا مثلما قال ﷺ: إن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله ضُراط، فإذا انتهى التأذين أقبل، فإذا أُقيمت الصلاة أدبر وله ضراط، فإذا انتهت الإقامة رجع حتى يَخْطِرَ بين المرء وقلبه فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا يعني: في الصلاة لِمَا كان قد نسيه قبل ذلك. وهذا مِن حرصه على إفساد الصلاة ونقص ثوابها، حِرْصِ الشيطان.

أحد الطلاب: بارك الله فيكم، أفتى بعضهم يا شيخ: إذا وسوس إليه الشيطان في الصلاة؛ يتفل على يساره ثلاث مرات، صحيح؟

الشيخ: نعم، رواه أحمد وغيره من حديث عثمان بن أبي العاص: أنه شكا إلى النبي ﷺ ما يجده في الصلاة من الوسواس؟ فقال: إذا وجدتَ ذلك فاتفل عن يسارك ثلاث مرات، واستَعِذْ بالله ثلاثَ مرات من الشيطان، قال عثمان: ففعلت ذلك فأذهب الله عني ما أجد.

أحد الطلاب: يلتفت وإلا ...؟

الشيخ: اليسار قليلًا هكذا.

القارئ:

وسئل: عن وسواس الرَّجل في صلاته وما حَدُّ المُبطِل للصَّلاة؟ وما حَدُّ المكروه منه؟ وهل يُباح منه شيءٌ في الصَّلاة؟ وهل يُعذَّب الرَّجل في شيءٍ منه؟ وما حَدُّ الإخلاص في الصَّلاة؟ وقول النَّبيِّ ﷺ: ليس لأحدكم من صلاته إلَّا ما عَقَل منها؟

فأجاب: الحمد للَّه. الوسواس نوعان:

أحدهما: لا يَمْنع ما يؤمر به مِن تدبُّر الكلم الطَّيِّب والعمل الصَّالح الَّذي في الصَّلاة، بل يكون بمنزلة الخواطر؛ فهذا لا يبطل الصَّلاة. لكن مَن سَلِمَتْ صلاته منه فهو أفضل ممَّن لم تسلم منه صلاته، الأوَّل شَبَهُ حال المقرَّبين، والثَّاني شَبَهُ حال المقتصدين.

وأمَّا الثَّاني: فهو ما مَنَع الفهم وشهودَ القلب بحيث يصير الرَّجل غافلًا، فهذا لا ريب أنَّه يمنع الثَّواب؛ كما روى أبو داود في "سننه" عن عَمَّار بن ياسرٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: إنَّ الرَّجل لَيَنْصَرِفُ مِن صلاته ولم يُكتَب له منها إلَّا نصفها، إلَّا ثلثها، إلَّا ربعها، إلَّا خمسها، إلَّا سدسها حتَّى قال: إلَّا عشرها. فأخبر ﷺ أنَّه قد لا يُكتَب له منها إلَّا العشر.

الشيخ: يعني بسبب الوسواس والغفلة، والناس مثلما قال المؤلف رحمه الله: ثلاثة أقسام من جهة الوسواس:

قسم: خَطَراتٌ يسيرة ولا تضره.

... بعض الشيء، لكنها أكثر من ذاك الأول، ولكنها لا تضره أيضًا. فهذا من قسم المقتصدين.

والثالث: تَكثُر عليه وتُؤذيه، ويحصل له بسبب ذلك الغفلةُ، فهذا هو الذي يُكتب له من صلاته ما عَقَل منها.

القارئ:

وقال ابن عبَّاسٍ: ليس لك من صلاتك إلَّا ما عَقَلْتَ منها، ولكن هل يُبطِل الصَّلاة ويوجب الإعادة؟

فيه تفصيلٌ؛ فإنَّه إن كانت الغفلة في الصَّلاة أقلَّ من الحضور، والغالبُ الحضور؛ لم تجب الإعادة وإن كان الثَّواب ناقصًا؛ فإنَّ النُّصوص قد تواترت بأنَّ السَّهو لا يُبطل الصَّلاة، وإنَّما يُجبَر بعضه بسجدتي السَّهو. وأمَّا إن غلبتِ الغفلةُ على الحضور؛ ففيه للعلماء قولان:

أحدهما: لا تصحُّ الصَّلاة في الباطن وإن صحَّت في الظَّاهر؛ كحقن الدَّم؛ لأنَّ مقصود الصَّلاة لم يحصل، فهو شبيهُ صلاة المرائي؛ فإنَّه بالاتِّفاق لا يبرأ بها في الباطن. وهذا قول أبي عبداللَّه بن حامدٍ وأبي حامدٍ الغزاليِّ وغيرهما.

والثَّاني: تبرأ الذِّمَّة فلا تجب عليه الإعادة، وإن كان لا أجر له فيها ولا ثواب، بمنزلة صوم الَّذي لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به فليس له من صيامه إلَّا الجوع والعطش.

وهذا هو المأثور عن الإمام أحمد وغيره من الأئمَّة، واستدلُّوا بما في الصَّحيحين عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: إذا أذَّن المؤذِّن بالصَّلاة أدبر الشَّيطان وله ضراطٌ حتَّى لا يسمع التَّأذين، فإذا قُضي التَّأذين أقبل، فإذا ثُوِّب بالصَّلاة أدبر، فإذا قُضي التَّثويب أقبل، حتَّى يَخْطِر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، ما لم يكن يذكر، حتَّى يظلَّ لا يدري كم صلَّى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين.

فقد أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ الشَّيطان يُذَكِّره بأمورٍ حتَّى لا يدري كم صلَّى، وأَمَره بسجدتين للسَّهو، ولم يأمره بالإعادة، ولم يُفرِّق بين القليل والكثير. وهذا القول أشبه وأعدل.

الشيخ: وهذا الصواب؛ لأنه تقدم أنه ما يُكتَب له منها إلا ما عَقَل منها، حتى قال: عشرها ولم يأمره بالإعادة؛ فدل على أن الصلاة مجزئة ولكن ثوابها على قدر حضوره فيها ولا يعيدها.

وإذا وُجد منه ما يقتضي سجود السهو كأن شك: ثلاثًا أم أربعًا؟ يجعلها ثلاثًا. شك: ثنتين أو ثلاثًا؟ يجعلها ثنتين ويسجد للسهو. قام من التشهد الأول ناسيًا نسي "سبحان ربي العظيم" في الركوع، أو "سبحان ربي الأعلى" في السجود بسبب الوسواس؛ يسجد للسهو. أما الصلاة فصحيحة، هذا هو الحق.

القارئ:

وهذا القول أشبه وأعدل؛ فإنَّ النُّصوص والآثار إنَّما دلَّت على أنَّ الأجر والثَّواب مشروطٌ بالحضور، لا تدلُّ على وجوب الإعادة، لا باطنًا ولا ظاهرًا، واللَّه أعلم.

الشيخ: هذا هو الصواب، هذا هو الصواب، مثلما قال رحمه الله.

القارئ:

وسئل رحمه الله عمَّا إذا أحدث المصلِّي قبل السَّلام؟ فأجاب: إذا أحدث المصلِّي قبل السَّلام بطلت، مكتوبةً كانت أو غير مكتوبةٍ.

وسئل: عن رجلٍ ضحك في الصَّلاة، فهل تبطل صلاته أم لا؟ فأجاب: أمَّا التَّبسُّم فلا يُبطل الصَّلاة. وأمَّا إذا قهقه في الصَّلاة فإنَّها تبطل، ولا ينتقض وضوؤه عند الجمهور كمالك والشَّافعيِّ وأحمد؛ لكن يستحبُّ له أن يتوضَّأ في أقوى الوجهين؛ لكونه أذنب ذنبًا؛ وللخروج من الخلاف؛ فإنَّ مذهب أبي حنيفة ينتقض وضوؤه. واللَّه أعلم.

الشيخ: والصواب أنه إذا ضحك لا ينقض وضوؤه، بس تبطل الصلاة. أما التبسُّم فلا يُبطلها، لكن إذا ضَحِك وصار له صوتٌ فإنها تبطل الصلاة إجماعًا، بإجماع أهل العلم، وعليه إعادتها إن كانت فريضة. أما الوضوء فلا يجب الوضوء؛ لأنه لم يُحْدِث.

وما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله من وجوب الوضوء ليس بجيد، وإذا توضأ مثلما قال المؤلف للنشاط والتوبة فهذا حسن، وخروجٌ من الخلاف، حسنٌ، وإلا فلا ينتقض وضوؤه، إنما يعيد الصلاة متى ضحك وبطلت.

القارئ:

وسئل رحمه الله: عن النَّحنحة والسُّعال والنَّفخ والأنين، وما أشبه ذلك في الصَّلاة، فهل تبطل بذلك أم لا؟

الشيخ: بركة.