القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: عن النَّحنحة والسُّعال والنَّفخ والأنين، وما أشبه ذلك في الصَّلاة؛ فهل تَبطل بذلك أم لا؟ وأيُّ شيءٍ الَّذي تبطل الصَّلاة به من هذا أو غيره؟ وفي أيِّ مذهبٍ؟ وأيشٍ الدَّليل على ذلك؟
فأجاب: الحمد للَّه ربِّ العالمين، الأصل في هذا الباب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: إنَّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الآدميِّين، وقال: إنَّ اللَّه يُحدِث مِن أمره ما يشاء، وممَّا أحدث أن لا تَكَلَّموا في الصَّلاة. قال: زيد بن أرقم فأُمِرنا بالسُّكوت ونُهينا عن الكلام. وهذا ممَّا اتَّفق عليه المسلمون.
الشيخ: وهذا لمَّا نزل قوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، أُمروا بالسكوت ونُهوا عن الكلام، وهو محلُّ اتفاقٍ: أن الكلام العمد يُبطل الصلاة؛ لأن الصلاة مأمورٌ فيها العبدُ بالإقبال على الله ومناجاته وليست محلَّ كلام؛ ولهذا قال ﷺ: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
ولمَّا تَكلَّم معاوية بن الحكم شمَّت عاطسًا أنكر عليه الصحابة، فجاء إلى النبي ﷺ، فأخبره أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس.
لكن إذا تكلم الجاهل أو الناسي؛ فصلاته صحيحة.
القارئ:
قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أنَّ مَن تكلَّم في صلاته عامدًا وهو لا يريد إصلاح شيءٍ مِن أمرها أنَّ صلاته فاسدةٌ، والعامد مَن يعلم أنَّه في صلاةٍ وأنَّ الكلام محرَّمٌ.
قلت: وقد تنازع العلماء في النَّاسي والجاهل والمُكرَه، والمتكلِّم لمصلحة الصَّلاة، وفي ذلك كلِّه نزاعٌ في مذهب أحمد وغيره من العلماء.
إذا عُرف ذلك فاللَّفظ على ثلاث درجاتٍ:
أحدها: أن يدلَّ على معنًى بالوضع إمَّا بنفسه وإمَّا مع لفظٍ غيره كـ"في" و"عن"، فهذا الكلام مثل: يدٍ ودمٍ وفمٍ وخدٍّ.
الثَّاني: أن يدلَّ على معنًى بالطَّبع؛ كالتَّأوُّه والأنين والبكاء ونحو ذلك.
الثَّالث: ألا يدلَّ على معنًى لا بالطَّبع ولا بالوضع؛ كالنَّحنحة. فهذا القسم كان أحمد يفعله في صلاته، وذكر أصحابه عنه روايتين في بطلان الصَّلاة بالنَّحنحة، فإنْ قلنا "تبطل" ففَعَل ذلك لضرورة؛ فوجهان، فصارت الأقوال فيها ثلاثةً:
أحدها: أنَّها لا تبطل بحال، وهو قول أبي يوسف وإحدى الرِّوايتين عن مالكٍ؛ بل ظاهر مذهبه.
والثَّاني: تبطل بكلِّ حالٍ، وهو قول الشَّافعيِّ وأحد القولين في مذهب أحمد ومالكٍ.
والثَّالث: إن فعله لعذر لم تبطل وإلَّا بطلت، وهو قول أبي حنيفة ومحمَّدٍ وغيرهما؛ وقالوا: إن فعله لتحسين الصَّوت وإصلاحه لم تبطل.
الشيخ: والصواب أن النحنحة لا تُبطل الصلاة، والصواب أنها لا تَبطل ولكن لا يفعلها إلا لحاجة، يُكره له فعلها إلا لحاجة؛ ولهذا كان عليٌّ يقول: كان لي من رسول الله مدخلان، وكنت إذا أتيته يصلي تنحنح لي.
والنحنحة يُبتلى بها الناس في الصلاة بما قد يعرض في الحَلْق؛ فلا تضر الصلاةَ ولا تُسمى كلامًا، ولكن هي من العبث إذا كان لا حاجة لها تكون من العبث؛ فلا ينبغي أن يكثر منها، العبث اليسير يُعفى عنه.
وإنما الكلام: الذي يُفهم: "خذ كذا"، "هات كذا"، "افعل كذا"؛ هذا هو الكلام، مخاطبة الناس، فإذا كان عامدًا عالمًا أنه يَحرُم بطلت صلاته. أما إذا كان جاهلًا أو ناسيًا، مثلما تكلم معاوية بن الحكم، ومثلما تكلم النبي والصحابة لمَّا سلَّم مِن ثنتين ولما سلم من ثلاثٍ ناسيًا، أو لمصلحة الصلاة مثلما تكلم ذو اليدين قال: "بل نسيت يا رسول الله"، ولم يأمره بالإعادة؛ فهذا لا بأس به.
أحد الطلاب: إذا قرأ سطرَ آيةٍ ويقصد بها معنًى خارج الصلاة؟
الشيخ: ما يضر؛ لأن هذا يكتفي به عن الكلام.
القارئ:
الشيخ: وقوله: "أصح" يعني: أن النحنحة لا تُبطل الصلاة، هذا القول الأصح؛ لأنها لا تُسمى كلامًا، وتَعرِض للناس، يُبتلى بها الناس، ويحتاجون لها.
القارئ:
وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما حرَّم التَّكلُّم في الصَّلاة وقال: إنَّه لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الآدميِّين، وأمثال ذلك من الألفاظ الَّتي تتناول الكلام.
والنَّحنحة لا تَدخل في مُسمَّى الكلام أصلًا؛ فإنَّها لا تدلُّ بنفسها ولا مع غيرها من الألفاظ على معنًى، ولا يُسمَّى فاعلها متكلِّمًا، وإنَّما يُفهم مراده بقرينةٍ فصارت كالإشارة.
وأمَّا القهقهة ونحوها ففيها جوابان:
أحدهما: أن تدلَّ على معنى بالطَّبع.
والثَّاني: أنَّا لا نُسلِّم أنَّ تلك أَبطلت لأجل كونها كلامًا.
الشيخ: المقصود أن النحنحة لا تُسمى كلامًا، وليست من جنس الكلام؛ ولهذا الصواب أنها لا تَبطل بها الصلاة، لكن تُكره من غير حاجة؛ لأنها نوع من العبث.
القارئ:
الشيخ: والقهقهة ينبغي أن يُعلم أنها تُبطل الصلاةَ بالإجماع، الضحك الذي له صوت؛ لأن فيه نوعًا من أنواع التلاعب، ونوعَ تساهلٍ بالصلاة، فالقهقهة أقبح من الكلام؛ ولهذا أجمع العلماء على أنها تُبطل الصلاة إذا سُمع الصوت. أما التبسم لا.
القارئ:
وأمَّا القهقهة ونحوها ففيها جوابان:
أحدهما: أن تدلَّ على معنى بالطَّبع.
والثَّاني: أنَّا لا نسلِّم أنَّ تلك أَبطلت لأجل كونها كلامًا.
الشيخ: يعني القهقهة ليس إبطالها لأنها كلام؛ بل لأنها تلاعب بالصلاة واستخفاف بها.
القارئ:
والثَّاني: أنَّا لا نسلِّم أنَّ تلك أَبطلت لأجل كونها كلامًا، يدلُّ على ذلك أنَّ القهقهة تُبطل بالإجماع، ذكره ابن المنذر.
وهذه الأنواع فيها نزاعٌ، بل قد يقال: إنَّ القهقهة فيها أصواتٌ عاليةٌ تُنافي حال الصَّلاة وتنافي الخشوع الواجب في الصَّلاة، فهي كالصَّوت العالي الممتدِّ الَّذي لا حرف معه.
وأيضًا فإنَّ فيها من الاستخفاف بالصَّلاة والتَّلاعب بها ما يناقض مقصودها؛ فأَبطلت لذلك لا لكونه متكلِّمًا.
الشيخ: هذا هو الصواب: أنها أبطلت الصلاة لما فيها من الاستخفاف والتلاعب.
القارئ:
وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه كلامًا، وليس مجرَّدُ الصَّوت كلامًا، وقد رُوي عن عليٍّ قال: "كان لي من رسول اللَّه ﷺ مدخلان باللَّيل والنَّهار، وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلِّي يتنحنح لي" رواه الإمام أحمد وابن ماجه والنَّسائي بمعناه.
وأمَّا النَّوع الثَّاني -وهو ما يدلُّ على المعنى طبعًا لا وضعًا- فمنه النَّفخ، وفيه عن مالكٍ وأحمد روايتان أيضًا:
إحداهما: لا تُبطل، وهو قول إبراهيم النَّخَعيِّ وابن سيرين وغيرهما من السَّلف، وقول أبي يوسف وإسحاق.
والثَّانية: أنَّها تُبطل، وهو قول أبي حنيفة ومحمَّدٍ والثَّوريِّ والشَّافعيِّ؛ وعلى هذا فالمُبطِل فيه ما أبان حرفين.
الشيخ: والصواب أن النفخ لا يُبطل الصلاة؛ لأنه يقع عند الإنسان في سجوده تارةً لبعض النُّعاس وتارة لأسباب أخرى؛ ولهذا ثبت أنه ﷺ كان إذا سجد نفخ؛ فالنفخ ليس كلامًا وليس تلاعبًا، بل يعرض للإنسان يعرض إما بسببِ شيءٍ يعرض للحلق أو لأسباب النعاس أو ما أشبه ذلك، فالصواب أنه لا يُبطلها وليس بكلام.
القارئ:
وقد قيل عن أحمد: إنَّ حكمه حكم الكلام وإن لم يُبِن حرفين، واحتجُّوا لهذا القول بما رُوي عن أمِّ سلمة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَن نفخ في الصَّلاة فقد تكلَّم». رواه الخلَّال؛ لكنَّ مثل هذا الحديث لا يصحُّ مرفوعًا، فلا يُعتمد عليه. لكن حكى أحمد هذا اللَّفظ عن ابن عبَّاسٍ، وفي لفظٍ عنه: "النَّفخ في الصَّلاة كلامٌ". رواه سعيدٌ في "سننه".
قالوا: ولأنَّه تضمَّن حرفين، وليس هذا من جنس أذكار الصَّلاة فأشبه القهقهة، والحجَّة مع القول، كما في النَّحنحة.
الشيخ: مع القول أَيْشٍ؟
القارئ:
الشيخ: مع القول بأنه لا يُبطلها أو مع القول بأنه لا حرج فيه. فيه سَقْطٌ، حُطَّ علامةً على القول: "الحجة مع قول مَن قال: إن النفخ لا يُبطل الصلاة، كالنحنحة".
أحد الطلاب: نعم أحسن الله إليك، ماذا نكتب؟
الشيخ: والحجة مع القول بأنه ليس بكلامٍ أو بأنه لا يُبطلها، حُطَّ عليه إشارة: هنا سقط ولعله مع القول بأنه لا يبطلها، أو بأنه ليس بكلام.
القارئ:
والحجَّة مع القول بأنه ليس بكلام كما في النَّحنحة، والنِّزاعُ كالنِّزاع؛ فإنَّ هذا لا يُسمَّى كلامًا في اللُّغة الَّتي خاطَبَنا بها النَّبيُّ ﷺ، فلا يتناوله عمومُ النَّهي عن الكلام في الصَّلاة، ولو حلف لا يتكلَّم لم يحنث بهذه الأمور.
الشيخ: نعم، لو حلف أنه لا يتكلم وتنحنح أو نفخ ما يقال تكلم.
القارئ:
ولو حلف ليتكلَّمنَّ لم يبرَّ بمثل هذه الأمور، والكلام لا بدَّ فيه من لفظٍ دالٍّ على المعنى دلالةً وضعيَّةً تُعرف بالعقل.
فأمَّا مجرَّد الأصوات الدَّالَّة على أحوال المُصوِّتين فهو دلالةٌ طَبْعيَّةٌ حسِّيَّةٌ، فهو وإن شارك الكلام المطلق في الدَّلالة فليس كلُّ ما دلَّ منهيًّا عنه في الصَّلاة؛ كالإشارة فإنَّها تدلُّ وتقوم مقام العبارة، بل تدلُّ بقصد المشير، وهي تُسمَّى كلامًا.
الشيخ: "وهي لا تسمى كلامًا".
القارئ:
الشيخ: لأن المؤلف يأخذها من مخطوطات كثيرة، وفتاوى الشيخ، فقد يقع في بعض المخطوطات سَقْطُ حروفٍ، وقد تذهب على الطُّبَّاع -الطابع- أو على بعض النُّساخ، فالإشارة لا تُسمى كلامًا؛ ولهذا ثبت عنه ﷺ الإشارةُ في الصلاة؛ لأنها لا تُسمى كلامًا.
القارئ:
ومع هذا لا تبطل؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سلَّموا عليه ردَّ عليهم بالإشارة، فعُلم أنَّه لم ينهَ عن كلِّ ما يدلُّ ويُفهم.
وكذلك إذا قصد التَّنبيه بالقرآن والتَّسبيح جاز كما دلَّت عليه النُّصوص.
الشيخ: نعم مثلما يسبِّحون به إذا سها، يقال: "سبحان الله، سبحان الله"، وهو كلامٌ مفهوم لكن ليس خطابًا لأحد، ليس كلامًا عاديًّا، ذِكْرٌ لله فلا تَبطل به الصلاة، ومقصودُه التنبيهُ للناسي.
القارئ:
ومع هذا فلمَّا كان مشروعًا في الصَّلاة لم يبطل، فإذا كان قد قَصَد إفهامَ المستمع ومع هذا لم تَبطل، فكيف بما دلَّ بالطَّبع وهو لم يقصد به إفهام أحدٍ، ولكنَّ المستمع يَعلم منه حالَه كما يعلم ذلك من حركته ومن سكوته، فإذا رآه يرتعش أو يضطرب أو يدمع أو يبتسم عَلِم حاله؟!
وإنَّما امتاز هذا بأنَّه مِن نوع الصَّوت، هذا لو لم يَرِدْ به سُنَّةٌ، فكيف وفي "المسند" عن المغيرة بن شعبة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان في صلاة الكسوف فجعل ينفخ، فلمَّا انصرف قال: إنَّ النَّار أُدْنِيَتْ منِّي حتَّى نفخت حرَّها عن وجهي؟!
وفي "المسند" و"سنن أبي داود" عن عبداللَّه بن عمرٍو: أنَّ النَّبيَّ ﷺ في صلاةِ كسوفِ الشَّمس نَفَخ في آخر سجوده، فقال: أفٍّ أفٍّ أفٍّ، رَبِّ ألم تَعِدْني ألا تُعَذِّبهم وأنا فيهم؟.
وقد أجاب بعض أصحابنا عن هذا بأنَّه محمولٌ على أنَّه فَعَله قبل تحريم الكلام، أو فَعَله خوفًا من اللَّه أو من النَّار. قالوا: فإنَّ ذلك لا يبطل عندنا. نصَّ عليه أحمد؛ كالتَّأوُّه والأنين عنده.
والجوابان ضعيفان:
أمَّا الأوَّل: فإنَّ صلاة الكسوف كانت في آخر حياة النَّبيِّ ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم، وإبراهيم كان من مارية القبطيَّة، ومارية أهداها له المُقوقِس بعد أن أرسل إليه المغيرة، وذلك بعد صلح الحُدَيْبِيَة، فإنَّه بعد الحديبية أرسل رسله إلى الملوك. ومعلومٌ أنَّ الكلام حُرِّم قبل هذا باتِّفاق المسلمين، لا سيَّما وقد أنكر جمهورُ العلماء على مَن زعم أنَّ قصَّة ذي اليدين كانت قبل تحريم الكلام؛ لأنَّ أبا هريرة شهدها، فكيف يجوز أن يقال بمثل هذا في صلاة الكسوف، بل قد قيل: الشَّمس كسفت بعد حجَّة الوداع قبل موته ﷺ بقليل؟!
وأمَّا كونه من الخشية؛ ففيه أنَّه نفخ حرَّها عن وجهه، وهذا نَفْخٌ لدفع ما يؤذي من خارجٍ كما ينفخ الإنسان في المصباح ليطفئه، أو ينفخ في التُّراب، ونَفْخُ الخشية مِن نوع البكاء والأنين وليس هذا ذاك.
وأمَّا السُّعال والعُطاس والتَّثاؤب والبكاء الَّذي يمكن دفعه، والتَّأوُّه والأنين؛ فهذه الأشياء هي كالنَّفخ؛ فإنَّها تدلُّ على المعنى طبعًا وهي أولى بألا تُبطل؛ فإنَّ النَّفخ أشبه بالكلام من هذه؛ إذ النَّفخ يُشبه التَّأفيف كما قال: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، لكنَّ الَّذين ذكروا هذه الأمور من أصحاب أحمد كأبي الخطَّاب ومُتَّبعيه ذكروا أنَّها تُبطل إذا أبان حرفين، ولم يذكروا خلافًا.
ثمَّ منهم مَن ذكر نصَّه في النَّحنحة، ومنهم من ذكر الرِّواية الأخرى عنه في النَّفخ، فصار ذلك موهمًا أنَّ النِّزاع في ذلك فقط، وليس كذلك، بل لا يجوز أن يقال: إنَّ هذه تُبطل والنَّفخ لا يُبطل، وأبو يوسف يقول في التَّأوُّه والأنين لا يُبطل مطلقًا على أصله، وهو أصحُّ الأقوال في هذه المسألة.
ومالكٌ مع الاختلاف عنه في النَّحنحة والنَّفخ، قال: الأنين لا يقطع صلاة المريض، وأَكْرهه للصَّحيح.
ولا ريب أنَّ الأنين من غير حاجةٍ مكروهٌ، ولكنَّه لم يَرَه مبطلًا.
وأمَّا الشَّافعيُّ فجَرَى على أصله الَّذي وافقه عليه كثيرٌ من متأخِّري أصحاب أحمد، وهو أنَّ ما أبان حرفين من هذه الأصوات كان كلامًا مُبطلًا. وهو أشدُّ الأقوال في هذه المسألة، وأبعدها عن الحجَّة؛ فإنَّ الإبطال إن أثبتوه بدخولها في مسمَّى الكلام في لفظ رسول اللَّه ﷺ فمن المعلوم الضَّروريِّ أنَّ هذه لا تَدخل في مسمَّى الكلام، وإن كان بالقياس لم يصحَّ ذلك؛ فإنَّ في الكلام يقصد المتكلِّم معانِيَ يُعبِّر عنها بلفظه، وذلك يشغل المصلِّي؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ: إنَّ في الصَّلاة لَشُغلًا.
وأمَّا هذه الأصوات فهي طبيعيَّةٌ كالتَّنفُّس، ومعلومٌ أنَّه لو زاد في التَّنفُّس على قدر الحاجة لم تَبطل صلاته، وإنَّما تُفارق التَّنفُّس بأنَّ فيها صوتًا، وإبطالُ الصَّلاة بمجرَّد الصَّوت إثباتُ حكمٍ بلا أصلٍ ولا نظيرٍ.
وأيضًا فقد جاءت أحاديثُ بالنَّحنحة والنَّفخ كما تقدَّم، وأيضًا فالصَّلاة صحيحةٌ بيقين فلا يجوز إبطالها بالشَّكِّ، ونحن لا نعلم أنَّ العلَّة في تحريم الكلام هو ما يُدْعى من القدر المشترك، بل هذا إثباتُ حكمٍ بالشَّكِّ الَّذي لا دليل معه.
وهذا النِّزاع إذا فَعَل ذلك لغير خشية اللَّه، فإن فعل ذلك لخشية اللَّه؛ فمذهب أحمد وأبي حنيفة أنَّ صلاته لا تَبطل، ومذهب الشَّافعيِّ أنَّها تبطل؛ لأنَّه كلامٌ. والأوَّل أصحُّ؛ فإنَّ هذا إذا كان من خشية اللَّه كان من جنس ذكر اللَّه.
الشيخ: حُطَّ عليه إشارة؛ لعله: "البكاء" بدل "النزاع"، البكاء.
المقصود أن الإنسان قد يعرض له البكاء إذا كان من خشية الله، أو يغلب عليه؛ هذا ما يُسمَّى كلامًا، هذا يَعرِض للإنسان، والنبي ﷺ بكى في صلاته، والصِّدِّيق بكى في صلاته، ولا يضر، ليس بكلام ولا يضر الصلاة، لكن ينبغي مجاهدة النفس في التخفيف منه مهما أمكن.
قال عبدالله بن الشِّخِّير: دخلتُ على النبي ﷺ وفي صدره أَزِيزٌ كأزيز المِرْجَل من البكاء.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان الصِّدِّيق إذا قام يصلي بالناس لا يسمعهم؛ من البكاء.
القارئ:
فإنَّ هذا إذا كان من خشية اللَّه كان من جنس ذِكر اللَّه ودعائه؛ فإنَّه كلامٌ يقتضي الرهبة من الله والرغبة إليه. وهذا خوفُ الله في الصلاة، وقد مدح اللهُ إبراهيم بأنه أَوَّاهٌ، وقد فُسِّر بالذي يتأَوَّه مِن خشية الله.
ولو صرَّح بمعنى ذلك بأنِ استجار من النَّار أو سأل الجنَّة لم تَبطل صلاته، بخلاف الأنين والتَّأوُّه في المرض والمصيبة؛ فإنَّه لو صرَّح بمعناه كان كلامًا مبطلًا.
وفي الصَّحيحين: أنَّ عائشة قالت للنَّبيِّ ﷺ: إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ رقيقٌ، إذا قرأ غلبه البكاء. قال: مُرُوه فَلْيُصَلِّ؛ إنَّكنَّ لأَنْتُنَّ صواحب يوسف.
وكان عمر يُسمَع نشيجه مِن وراء الصُّفوف لمَّا قرأ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86]. والنَّشيج: رَفْع الصَّوت بالبكاء، كما فسَّره أبو عبيدٍ. وهذا محفوظٌ عن عمر، ذَكَره مالكٌ وأحمد وغيرهما.
وهذا النِّزاع فيما إذا لم يكن مغلوبًا، فأمَّا ما يُغلب عليه المصلِّي مِن عُطاسٍ وبكاءٍ وتثاؤبٍ فالصَّحيح عند الجمهور أنَّه لا يُبطل، وهو منصوصُ أحمد وغيره. وقد قال بعض أصحابه: إنَّه يُبطل وإن كان معذورًا؛ كالنَّاسي.
وكلام النَّاسي فيه روايتان عن أحمد: أحدهما وهو مذهب أبي حنيفة: أنَّه يُبطل، والثَّاني وهو مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ: أنَّه لا يبطل، وهذا أظهر، وهذا أولى من النَّاسي؛ لأنَّ هذه أمورٌ معتادةٌ لا يمكنه دَفعها.
وقد ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: التَّثاؤب من الشَّيطان؛ فإذا تثاءب أحدكم فَلْيكظِمْ ما استطاع. وأيضًا فقد ثبت حديثُ الَّذي عَطَس في الصَّلاة وشمَّته معاوية بن الحكم السُّلمي، فنهى النَّبيُّ ﷺ معاويةَ عن الكلام في الصَّلاة؛ ولم يقل للعاطس شيئًا.
والقول بأنَّ العُطَاس يُبطل تكليفٌ من الأقوال المُحدَثة الَّتي لا أصل لها عن السَّلف.
الشيخ: لا شك أن العُطاس أمرٌ ما للعبد فيه اختيار، وليس يتعلق به إبطال الصلاة؛ لأن التثاؤب والبكاء وما يحدث للمصلي كلَّ هذا لا يُبطل الصلاة، والقول بأن العطاس يُبطل الصلاة هذا قولٌ فاسد، قولٌ لا وجه له، قول غلط؛ فالعُطاس والبكاء وما يَعرِض للمؤمن في صلاته من خشية الله جل وعلا كلُّ هذه أمورٌ مَعْفوٌّ عنها.
أحد الطلاب: تكليف أو تكلف أحسن الله إليك؟
الشيخ: نعم؟
أحد الطلاب: يقول: "والقول بأن العطاس يُبطل تكليف من الأقوال المحدثة"؟
الشيخ: "تكلُّف"، الأقرب أنه "تكلف" بغير ياء.
القارئ:
الشيخ: "الكثير".
القارئ: الكثير؟
الشيخ: "فإنه بمنزلة العمل الكثير" ما هو "اليسير"، غلط؛ "اليسير" ما ينافيها و"الكثير" هو الذي ينافيها بغير ضرورة.
والقهقهة مثلما تقدَّم فيها نوعُ استخفافٍ بالصلاة وعدم تعظيم لها، فهي أقبح من الكلام، القهقهة أقبح من الكلام؛ ولهذا تَبطل بها الصلاة إجماعًا.
القارئ:
بل القهقهة تُنافي مقصود الصَّلاة أكثر؛ ولهذا لا تجوز فيها بحال، بخلاف العمل الكثير فإنَّه يُرخَّص فيه للضرورة، واللَّه أعلم.
وسئل: عمَّا إذا قرأ القرآن ويَعُدُّ في الصَّلاة بسُبْحة: هل تَبطل صلاته أم لا؟
الشيخ: يعني يَعُد الآيات أو بأصابعه.
القارئ:
وسئل: عمَّا إذا قرأ القرآن ويعدُّ في الصَّلاة بسبحة هل تبطل صلاته أم لا؟ فأجاب: إن كان المراد بهذا السُّؤال أن يَعُدَّ الآيات أو يعدَّ تكرار السُّورة الواحدة مثل قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] بالسُّبحة؛ فهذا لا بأس به. وإن أُرِيدَ بالسُّؤال شيءٌ آخر فَلْيُبيِّنه. واللَّه أعلم.
وسئل: هل للإنسان إذا دخل المسجدَ والنَّاسُ في الصَّلاة أن يجهر بالسَّلام، أو لا خشيةَ أن يَرُدَّ عليه مَن هو جاهلٌ بالسَّلام؟
فأجاب: الحمد للَّه، إن كان المصلِّي يُحسن الرَّدَّ بالإشارة فإذا سلَّم عليه فلا بأس، كما كان الصَّحابة يُسلِّمون على النَّبيِّ ﷺ وهو يَرُدُّ عليهم بالإشارة، وإن لم يُحسن الرَّدَّ بل قد يتكلَّم فلا ينبغي إدخاله فيما يقطع صلاته، أو يترك به الرَّدَّ الواجب عليه. واللَّه أعلم.
الشيخ: السُّنةُ السلامُ، والنبي ما أنكر عليهم لمَّا سلَّموا عليه، فإذا سلم على المصلين وأشاروا فلا بأس، ومن تكلم يُعَلَّم، يُعَلَّم السُّنة، مَن تكلم في الصلاة جاهلًا صلاتُه صحيحةٌ مثلما تكلم معاوية بن الحكم جاهلًا ولم يأمره النبي بالإعادة.
وقول المؤلف رحمه الله -هذا التفصيل الذي قاله المؤلف- ليس بشيء، والصواب أنه لا بأس بالسلام، بل يُشرع إذا دخل والناس يُصَلُّون -أو يصلون الراتبة- يقول: "السلام عليكم"، والمصلي يَرُد بالإشارة.
وإذا تكلم جاهلًا يُعَلَّم أنه لا يتكلم في الصلاة، وأن صلاته صحيحة لكن لا يتكلم في المستقبل كما علَّم النبيُّ معاويةَ. والناسُ إذا لم يُعلِّم بعضُهم بعضًا بَقُوا على الجهل، إذا لم يتعلموا السُّنة ولم تُنشَر بينهم السُّنة بقوا على الجهل.
القارئ:
وسئل: عن المرور بين يدي المأموم: هل هو في النَّهي كغيره مثل الإمام والمنفرد أم لا؟
فأجاب: المنهيُّ عنه إنَّما هو بين يدي الإمام والمنفرد، واستدلُّوا بحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما. واللَّه أعلم.
الشيخ: إذا مرَّ بين يدي المأموم لِيَسُدَّ فُرْجةً أو لينتقل من صفٍّ إلى صف؛ ما يضر؛ لأن سُتْرتهم سترة الإمام، وقد ترك ابنُ عباسٍ الأَتَانَ تَرْتع بين الصفوف ولم يَضُرَّها، إنما الممنوع أن يمر بين يدي الإمام أو المنفرد.
القارئ: انتهى المجلد، أحسن الله إليك.
الشيخ: بارك الله فيك.