06 من قوله: (فصل في سجود السهو والمهم منه أمور: منها مسائل الشك ومنها محله هل هو قبل السلام أو بعده؟)

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

الحمد للَّه نستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله. صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا.

فصلٌ: في سجود السَّهو:

والمهمُّ منه أمورٌ؛ منها: مسائل الشَّكِّ، ومنها: محلُّه هل هو قبل السَّلام أو بعده؟ ومنها: وجوبه.

فنقول -ولا حول ولا قوَّة إلَّا باللَّه-:

أمَّا الشَّكُّ ففيه عن النَّبيِّ ﷺ أحاديث صحيحةٌ، وهي كلُّها متَّفقةٌ -وللَّه الحمد-، وإنَّما تَنَازع النَّاسُ لكون بعضهم لم يَفهم مراده، ففي الصَّحيحين عن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: إنَّ أحدكم إذا قام يصلِّي جاءه الشَّيطان فلَبَّس عليه حتَّى لا يدري كم صلَّى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالسٌ.

وفي الصَّحيحين أيضًا عنه: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: إذا نُودي بالصَّلاة أدبر الشَّيطان له ضراطٌ حتَّى لا يَسْمع الأذان، فإذا قُضي الأذان أقبل، فإذا ثُوِّب بها أدبر، فإذا قُضي التَّثويب أقبل حتَّى يَخْطِرَ بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لِمَا لم يكن يذكر، حتَّى يَظَلَّ الرَّجلُ لا يدري كم صلَّى، فإذا لم يَدْرِ أحدكم كم صلَّى فليسجد سجدتين وهو جالسٌ.

وفي لفظٍ للبخاريِّ: فإذا لم يَدْر أحدكم كم صلَّى ثلاثًا أو أربعًا؛ فليسجد سجدتين وهو جالسٌ، وفي لفظٍ: يسجد سجدتي السَّهو.

ففي هذا الحديث الصَّحيح: الأمر بسجدتي السَّهو إذا لم يَدْرِ كم صلَّى، وهو يقتضي وجوب السُّجود؛ كقول الجمهور، وفيه أنَّه سمَّاهما: سجدتي السَّهو، فدلَّ على أنَّهما لا يُشرعان إلَّا للسَّهو كقول الجمهور.

وقوله: فليسجد سجدتين وهو جالسٌ مُطلَقٌ لم يُعيِّن فيه لا قبل السَّلام ولا بعده، لكن أَمَر بهما قبل قيامه.

الشيخ: وهذا واقع في أحاديث مُجمَلة، وجاءت مُفسَّرة: حديث أبي سعيد وغيره تفسيرها بأن يَبْني على الأقل، إذا شك يبني على الأقل ويسجد سجدتين، إذا شك فلم يدر كم صلى يبني على الأقل؛ كما في "الصحيح": «شك هل هي ثلاثًا أم أربعًا؟ يجعلها ثلاثًا، شك هل هي ثلاثًا أم ثنتين؟ يجعلها ثنتين، ثم يسجد للسهو قبل أن يسلم».

القارئ:

ففي "صحيح مسلمٍ" وغيره عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ: إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلَّى ثلاثًا أم أربعًا؛ فليطرح الشَّكَّ وَلْيَبْنِ على ما استيقن، ثمَّ يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فإن كان صلَّى خمسًا شَفَعتا له صلاته، وإن كان صلَّى تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشَّيطان.

ففي هذا الحديث: أنَّه إذا شكَّ فلم يدر فليطرح الشَّكَّ، وفيه الأمر بسجدتين قبل السَّلام.

وقوله: إذا شكَّ هو موضعُ اختلافِ فهمِ النَّاس: منهم مَن فهم أنَّ كلَّ مَن لم يقطع فهو شاكٌّ وإن كان أحدُ الجانبين راجحًا عنده. فجعلوا مَن غَلَب على ظنِّه وإن وافقه المأمومون شاكًّا وأمروه أن يَطرح ما شكَّ فيه ويبني على ما استيقن، وقالوا: الأصل عدم ما شكَّ فيه. فرجَّحوا استصحاب الحال مطلقًا، وإن قامت الشَّواهد والدَّلائل بخلافه، ولم يعتبروا التَّحرِّي بحال.

ومنهم: من فسَّر قول النَّبيِّ ﷺ في الحديث الآخر فليتحرَّ: أنَّه البناء على اليقين.

ومنهم طائفةٌ قالوا: إن كان إمامًا فالمراد به الشَّكُّ المتساوي، وإن كان منفردًا فالمراد به ما قاله أولئك.

وقالت طائفةٌ ثالثةٌ: بل المراد بالشَّكِّ: ما استوى فيه الطَّرفان أو تقاربا، وأمَّا إذا ترجَّح أحدهما فإنَّه يَعمل بالرَّاجح وهو التَّحرِّي.

وعن الإمام أحمد ثلاث رواياتٍ كالأقوال الثَّلاثة.

الشيخ: والصواب: أنه يتحرى، الصواب أنها حالتان:

إحداهما: شك في: هل هي ثلاثًا أم أربعًا، أو ثنتين أو ثلاثًا؟ شكٌّ مُتساوٍ أو متقارب؛ فهذا يطرح الشك ويبني على ما استيقن، فإذا شك هل هي ثنتين أم ثلاثًا؟ يجعلها ثنتين، وإن شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ يجعلها ثلاثًا، يكمل ويسجد للسهو قبل أن يسلم؛ هذا هو الأفضل.

أما إذا غَلَب على ظنه أنها ثلاثٌ؛ يجعلها ثلاثًا، غلب على ظنه أنه.. أنها أربع تامة؟ يجعلها أربعًا ويسجد للسهو، لكن يكون سجوده أفضل بعد السلام. إذا غلب على ظنه يكون سجوده بعد السلام أفضل؛ لحديث ابن مسعود: فَلْيَتحَرَّ الصوابَ فَلْيُتِمَّ عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين، وهذا هو الموافق للأحاديث.

فالشاك له حالتان:

حالة يتساوى عنده الشك أو يتقارب؛ فهذا يبني على اليقين، إذا كان شك ثنتين أو ثلاثًا؟ يجعلها ثنتين، شك هل هي ثلاثًا أم أربعًا؟ يجعلها ثلاثًا.

الحالة الثانية: أن يغلب على ظنه أنها ثلاث؛ يجعلها ثلاثًا، يغلب على ظنه أنها أربع يجعلها أربعًا، ويكون السجود في هذه الحالة بعد السلام أفضل.

القارئ:

وعن الإمام أحمد ثلاث رواياتٍ كالأقوال الثَّلاثة، والأوَّل: هو قول مالكٍ والشَّافعيِّ واختيار كثيرٍ من أصحاب أحمد.

والثَّاني: قول الخِرَقيِّ وأبي محمَّدٍ، وقال: إنَّه المشهور عن أحمد.

والثَّالث: قول كثيرٍ من السَّلف والخلف، ويُروى عن عليٍّ وابن مسعودٍ وغيرهما، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه فيما إذا تكرَّر السَّهو، قال أحمد في رواية الأثرم: بين التَّحرِّي واليقين فرقٌ، أمَّا حديث عبدالرَّحمن بن عوفٍ فيقول: إذا لم يَدْرِ أثلاثًا صلَّى أو اثنتين؟ جعلهما اثنتين.

قال: فهذا عَمِلَ على اليقين فبنى عليه، والَّذي يتحرَّى يكون قد صلَّى ثلاثًا فيَدخل قلبَه شكٌّ أنَّه إنَّما صلَّى اثنتين. إلَّا أنَّ أكثر ما في نفسي أنَّه قد صلَّى ثلاثًا، وقد دخل قلبَه شيءٌ؛ فهذا يتحرَّى أصوب ذلك، ويسجد بعد السَّلام. قال: فبينهما فرقٌ.

الشيخ: وهذا هو الأصلح، وهذا هو الموافق للأحاديث، إذا غلب على ظنه وصار الشك يسيرًا وقد غلب على ظنه أنها ثلاث، أنها أربع، يُكمل على ما في ظنه، وسَجَد للسهو بعد السلام أفضل، وإن سجد قبل السلام أجزأ، لكن بعد السلام أفضل؛ لقوله في حديث ابن مسعود: فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم... ليسلم، ثم ليسجد سجدتين، جعل سجوده بعده السلام إذا تحرى الصواب.

القارئ:

قلت: حديث عبدالرَّحمن بن عوفٍ الَّذي ذكره أحمد هو نظير حديث أبي سعيدٍ، وهو في السُّنن، وقد صحَّحهما التِّرمذيُّ وغيره.

وعن عبدالرَّحمن بن عوفٍ: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص، فإن كان شكَّ في الواحدة والثِّنتين فليجعلهما واحدةً، فإن لم يدر أَثِنْتَيْن صلَّى أو ثلاثًا فليجعلهما اثنتين، فإن لم يدر أثلاثًا صلَّى أم أربعًا فليجعلهما ثلاثًا، حتَّى يكون الشَّكُّ في الزِّيادة، ثمَّ ليسجد سجدتين وهو جالسٌ قبل أن يسلِّم ثمَّ يسلِّم.

ومن أصحِّ أحاديث الباب: حديث ابن مسعودٍ في التَّحرِّي؛ فإنَّه أخرجاه في الصَّحيحين، وحديث أبي سعيدٍ انفرد به مسلمٌ؛ لكن حديث عبدالرَّحمن بن عوفٍ شاهدٌ له، فهما نظير حديث ابن مسعودٍ في الصَّحيحين عن إبراهيم عن علقمة عن عبداللَّه بن مسعودٍ قال: «صلَّى رسول اللَّه ﷺ». قال إبراهيم: زاد أو نقص، فلمَّا سلَّم قيل له: يا رسول اللَّه، أحَدَثَ في الصَّلاة شيءٌ؟ قال: وما ذاك؟، قالوا: صلَّيت كذا وكذا. قال: «فثَنَى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثمَّ سلَّم، ثمَّ أقبل علينا بوجهه، فقال: إنَّه لو حدث في الصَّلاة شيءٌ أنبأتكم به، ولكن إنَّما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني...».

الشيخ: والله جل وعلا هو الذي قدَّر هذا ليعلم الناس الشرع ويستفيدوا ويتفقهوا في الدين حتى أنساه، حتى يعلم الناس من العمل ما يعلمون من القول، فالأعمال التي تقع ترسخ في النفوس أكثر مما يصفه القول، ويتناقلها الناس ويستفيد منها الناس، هذا من فضل الله، ومن حكمته العظيمة جل وعلا.

القارئ:

... فإذا نسيت فذَكِّروني، وإذا شكَّ أحدكم في صلاته فَلْيَتحرَّ الصَّواب فليتمَّ عليه ثمَّ ليسجد سجدتين.

وللبخاريِّ في بعض طرقه: قيل: يا رسول اللَّه، أقَصَرْتَ الصَّلاة أم نسيت؟ قال: وما ذاك؟، قالوا: صلَّيت كذا وكذا. قال: فسجد بهم سجدتين، ثمَّ قال: هاتان السَّجدتان لمن لا يدري، زاد في صلاته أو نقص، فيتحرَّى الصَّواب فيتمُّ عليه ثمَّ يسجد سجدتين، وفي روايةٍ له: فليتمَّ عليه ثمَّ يسلِّم ثمَّ يسجد سجدتين، وفي روايةٍ لمسلم: فَلْيَنظُرْ أحرى ذلك إلى الصَّواب، وفي روايةٍ له: فليتحرَّ الَّذي يرى أنَّه صوابٌ، وفي روايةٍ: فليتحرَّ أقرب ذلك إلى الصَّواب.

وفي الصَّحيحين عن إبراهيم عن علقمة عن عبداللَّه قال: صلَّينا مع رسول اللَّه ﷺ فإمَّا زاد أو نقص. قال إبراهيم: وايم اللَّه ما ذاك إلَّا مِن قِبَلي، فقلنا: يا رسول اللَّه، أحَدَثَ في الصَّلاة شيءٌ؟ فقال: لا، فقلنا له الَّذي صنع، فقال: إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين، قال: ثمَّ سجد سجدتين.

وقد تأوَّله بعض أهل القول على أنَّ التَّحرِّي هو طرح المشكوك فيه، والبناء على اليقين. وهذا ضعيفٌ لوجوه؛ منها: أنَّ في "سنن أبي داود" و"المسند" وغيرهما: إذا كنت في صلاةٍ فشككت في ثلاثٍ وأربعٍ وأكثر من أربعٍ؛ تشهَّدت ثمَّ سجدت وأنت جالسٌ.

ومنها: أنَّ الألفاظ صريحةٌ في أنَّه يتحرَّى ما يرى أنَّه الصَّواب، سواءٌ كان هو الزَّائد أو النَّاقص، ولو كان مأمورًا مطلقًا بطرح المشكوك فيه لم يكن هناك تحرٍّ للصَّواب.

ومنها: أنَّ ابن مسعودٍ هو راوي الحديث، وبذلك فسَّره، وعنه أخذ ذلك أهل الكوفة قرنًا بعد قرنٍ كإبراهيم وأتباعه، وعنه أخذ ذلك أبو حنيفة وأصحابه.

ومنها: أنَّه هنا أمر بالسَّجدتين بعد السَّلام، وفي حديث أبي سعيدٍ أمر بالسَّجدتين قبل السَّلام.

الشيخ: وهذا... الأفضل قبل السلام إذا كان شك، تردد، ما عنده ترجيح؛ يبني على اليقين، يجعل إذا شك ثنتين أو ثلاثًا؟ يجعلها ثنتين. شك ثلاثًا أم أربعًا؟ يجعلها ثلاثًا، ثم يكمل ثم يسجد للسهو قبل أن يسلم، ثم يسلم في هذه الحالة، حالة الشك والتردد.

أما إذا غلب على ظنه وترجح عنده شيء فيبني على الراجح، ويكون سجوده بعد السلام أفضل. شك هل صلى ثنتين أو ثلاثًا؟ غلب على ظنه، والراجح عنده أنها ثلاثٌ؛ يكمل ثم يسلم ثم يسجد للسهو. هذا هو الأفضل.

القارئ:

ومنها: أنَّه قال هناك: إن كان صلَّى خمسًا شفعتا له صلاته، وإن كان صلَّى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشَّيطان.

فتبيَّن أنَّه يبني على اليقين وهو شاكٌّ هل زاد أو نقص؟ هل صلَّى أربعًا أو خمسًا؟ وتبيَّن مصلحة السَّجدتين على تقدير النَّقيضين.

وفي حديث ابن مسعودٍ قال: فيتحرَّى الصَّواب فيتمُّ عليه ثمَّ يسجد سجدتين، وفي لفظٍ: فيُتِمُّ عليه ثمَّ يُسلِّم ثمَّ يسجد سجدتين. فجَعَل ما فَعَله بعد التَّحرِّي تمامًا لصلاته، وجعله هنا مُتِمًّا لصلاته ليس شاكًّا فيها.

لكنَّ لفظ الشَّكِّ يُرَاد به تارةً ما ليس بيقين، وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه، حتَّى قد قيل في قوله: نحن أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم: إنَّه جعل ما دون طمأنينة القلب الَّتي طلبها إبراهيم شكًّا، وإن كان إبراهيم مُوقِنًا ليس عنده شكٌّ يقدح في يقينه.

ولهذا لمَّا قال له ربُّه: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام:75]، فإذا كان قد سُمِّي مثل هذا شكًّا في قوله: نحن أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم، فكيف بمن لا يقين عنده؟!

فمَن عمل بأقوى الدَّليلين فقد عمل بعلمٍ، لم يعمل بظنٍّ ولا شكٍّ، وإن كان لا يُوقِن أن ليس هناك دليلٌ أقوى من الدَّليل الَّذي عمل به. واجتهاد العلماء من هذا الباب.

والحاكم إذا حكم بشهادة العدلين حَكَم بعلم لا بظنٍّ وجهلٍ، وكذلك إذا حكم بإقرار المُقِرِّ وهو شهادته على نفسه، ومع هذا فيجوز أن يكون الباطن بخلاف ما ظهر؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ في الحديث الصَّحيح: إنَّكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته من بعضٍ، وإنَّما أقضي بنحو ممَّا أسمع، فمَن قضيت له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذه؛ فإنَّما أقطع له قطعةً من النَّار.

الشيخ: والمعنى أن الحاكم يحكم بما ظهر له من الشهود والأيمان والقرائن، فمَن علم أن الحاكم غَلْطان وأنه ظالم لأخيه؛ فقد أخذ قطعة من النار، ما يُحلها له حكم القاضي.

فإذا كان يعلم أن شهودَ زورٍ، أو يمينًا كاذبة؛ فقد أخذ قطعة من النار، حُكْم القاضي ما يُحِلها له، فإذا أتى بشهودِ زورٍ وتابَعوه، والقاضي زُكُّوا عنده وأنهم عُدُولٌ، وهو يعلم أنهم كَذَبةٌ؛ فالقضية حرام عليه حينئذ، والقاضي معذورٌ قد قطع له قطعة من النار مثلما قال ﷺ: فَلْيحملها أو ليذرها.

وهكذا لو حلف وهو يعلم أنه كاذب، اقترض من زيدٍ مائةَ ريالٍ أو ألفَ ريالٍ أو أكثر ولا عنده بينة، قال: أعطني حقي؟ ما عندي لك شيء، ما اقترضتُ منك ولا عندي لك شيء. ثم حلف عند القاضي، قال له القاضي: ما لك إلا يمينه. هذا حكم القاضي، ما عنده إلا هذا. فحلف: إني ما اقترضت منه شيئًا، ولا عندي له شيء؛ فقد أخذ قطعة من النار، حُكْم القاضي ما يحلها له وهو يعلم أنه كاذب.

أحد الطلاب: قوله يا شيخنا: نحن أولى بالشك من إبراهيم؟

الشيخ: حين قال: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، ما بين عينِ اليقين وعلمِ اليقين يُسمى "شكًّا"؛ لاعتبارين: اعتباريٍّ إضافيٍّ؛ فإن مشاهدة الطيور حين أحياها الله هذه رؤيةٌ، هذا علمُ يقينٍ، علمٌ عينيٌّ مُشاهَدةٌ، وتصديقُ الخبر هذا غيرُ المشاهدة.

وهذا يُسمونه أنواعَ العلم، ثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.

علم اليقين: أخبر به الثقات أن هذا الشيء وقع. هذا علم اليقين، مثلما تعلم أن الله جل وعلا فوق العرش، وأنه كلم أنبياءه ورسله بتصديق الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وعين اليقين: المشاهدة، مثلما قال إبراهيم: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260] هذا عين اليقين، تُشاهِد الشيء، تَشُوف الماءَ يمشي، تشوف الوادي يمشي، هذا عين اليقين، تقول: هو هذا؛ أَشُوفه يمشي.

عِلمٌ: أخبروك، قال لك واحد: إن الوادي مشي، قال لك ثقات: إنه مشى. هذا علم اليقين، ثقاتٌ.

فلمَّا جِئْتَ الوادي تَشُوفه يمشي هذا عينُ اليقين.

فإذا خُضْتَه -خضت بيدك الماء، خضته- هذا حق اليقين.

القارئ:

وإذا كان لديك معلومٌ أنَّ مثل هذا الشَّكِّ لم يُرِدْه النَّبيُّ ﷺ بقوله: إذا شكَّ أحدكم، بل أكثر الخلق لا يجزمون جزمًا يقينيًّا لا يحتمل الشَّكَّ بِعَدٍّ لكلِّ صلاةٍ صلَّاها، ولكن يعتقدون عدد الصَّلاة اعتقادًا راجحًا، وهذا ليس بشكِّ.

وقوله ﷺ: إذا شكَّ أحدكم إنَّما هو حالُ مَن ليس له اعتقادٌ راجحٌ وظنٌّ غالبٌ، فهذا إذا تحرَّى وارتأى وتأمَّل فقد يظهر له رجحان أحد الأمرين، فلا يَبْقَ شاكًّا، وهو المذكور في حديث ابن مسعودٍ؛ فإنَّه كان شاكًّا قبل التَّحرِّي، وبعد التَّحرِّي ما بقي شاكًّا مثل سائر مواضع التَّحرِّي، كما إذا شكَّ في القبلة فتحرَّى حتَّى ترجَّح عنده أحد الجهات؛ فإنَّه لم يبق شاكًّا.

الشيخ: يعني هذا جهده، هذا جهده: أن يتحرى، وغلب على ظنِّه أنها ثلاث... يجعلها ثلاثًا، تحرى في الجهةِ القبلةَ وترجَّح عنده أن القبلة كذا؛ صلى إليها. والحمد لله.

القارئ:

وكذلك العالم المجتهد والنَّاسي إذا ذَكَر، وغير ذلك.

وقوله في حديث أبي سعيدٍ: إذا شكَّ أحدكم خطابٌ لمن استمرَّ الشَّكُّ في حقِّه بألا يكون قادرًا على التَّحرِّي؛ إذ ليس عنده أمارةٌ ودلالةٌ تُرجِّح أحدَ الأمرين. أو تحرَّى وارتأى فلم يترجَّح عنده شيءٌ.

ومن قال: ليس هنا دلالةٌ تُبيِّن أحدَ الأمرين؛ غَلَطٌ؛ فقد يَستدلُّ على ذلك بموافقة المأمومين إذا كان إمامًا، وقد يَستدلُّ بمُخبِر يخبره ُوإن لم يكن معه في الصَّلاة؛ فيحصل له بذلك اعتقادٌ راجحٌ، وقد يتذكَّر ما قرأ به في الصَّلاة فيذكر أنَّه قرأ بسورتين في ركعتين، فيعلم أنَّه صلَّى ركعتين لا ركعةً، وقد يذكر أنَّه تشهَّد التَّشهُّد الأوَّل فيعلم أنَّه صلَّى ثنتين لا واحدةً، وأنَّه صلَّى ثلاثًا لا اثنتين، وقد يذكر أنَّه قرأ الفاتحة وحدها في ركعةٍ ثمَّ في ركعةٍ، فيعلم أنَّه صلَّى أربعًا لا ثلاثًا، وقد يذكر أنَّه صلَّى بعد التَّشهُّد الأوَّل ركعتين فيعلم أنَّه صلَّى أربعًا لا ثلاثًا، واثنتين لا واحدةً، وقد يذكر أنَّه تشهَّد التَّشهُّدَ الأوَّل، والشَّكُّ بعده في ركعةٍ؛ فيعلم أنَّه صلَّى ثلاثًا لا اثنتين.

ومنها: أنَّه قد يَعرِض له في بعض الرَّكعات إمَّا مِن دعاءٍ وخشوعٍ، وإمَّا من سعالٍ ونحوه، وإمَّا من غير ذلك ما يَعرف به تلك الرَّكعة، ويعلم أنَّه قد صلَّى قبلها واحدةً أو اثنتين أو ثلاثًا فيزول الشَّكُّ.

وهذا بابٌ لا ينضبط؛ فإنَّ النَّاس دائمًا يَشُكُّون في أمورٍ: هل كانت أم لم تكن؟ ثمَّ يتذكَّرون ويستدلُّون بأمور على أنَّها كانت فيزول الشَّكُّ، فإذا تحرَّى الَّذي هو أقرب للصَّواب أزال الشَّكَّ. ولا فرق في هذا بين أن يكون إمامًا أو منفردًا.

ثمَّ إذا تحرَّى الصَّواب ورأى أنَّه صلَّى أربعًا كان إذا صلَّى خامسةً قد صلَّى في اعتقاده خمس ركعاتٍ، وهو لم يؤمر بذلك. بخلاف الشَّكِّ المتساوي؛ فإنَّه لا بدَّ معه من الشَّكِّ في الزِّيادة والنَّقص، والشَّكُّ في الزِّيادة أولى، فإنَّ ما زاده مع الشَّكِّ مثل ما زاده سهوًا، وذلك لا يُبطل صلاته.

وأمَّا إذا شكَّ في النَّقص فهو شاكٌّ في فِعل ما أُمِر به فلم تبرأ ذمَّته منه.

وأيضًا فالأقوال الممكنة في هذا الباب: إمَّا أن يُقال: يَطرح الشَّكَّ مطلقًا ولا يتحرَّى، أو يَحمل التَّحرِّي على طَرْح الشَّكِّ؛ فهذا مخالفةٌ صريحةٌ لحديث ابن مسعودٍ. وإمَّا أن يستعمل هذا في حقِّ الإمام وهذا في حقِّ المنفرد. ومعلومٌ أنَّ كلا الحديثين خطابٌ للمُصلِّين، لم يُخاطِب بأحدهما الأئمَّةَ، وبالآخر المنفردين، ولا في لفظٍ واحدٍ من الحديثين ما يدلُّ على ذلك...

الشيخ: والصواب: أنه خطابٌ للأئمة والمنفردين؛ أما المأموم تبعٌ لإمامه، الصواب أنه خطابٌ للأئمةِ ليتحروا والمنفردِ ليتحرى. فإذا تردَّد ولم يكن عنده تَحَرٍّ بنى على اليقين، واليقين إذا شكَّ أن يجعلها ثنتين بدل الثلاث، والثلاث بدل الأربع؛ هذا اليقين.

وأما التحري؛ قد تكون عنده علاماتٌ وأمارات يَعرف بها أنه صلى ثلاثًا يجعلها ثلاثًا، أمارات اتضحت له أنه صلى أربعًا يجعلها أربعًا ويسجد للسهو بعد السلام.

القارئ:

فجَعل هذا هو مراد الرَّسول مِن غير أن يكون في كلامه ما يدلُّ عليه نسبةٌ له إلى التَّدليس والتَّلبيس، وهو مُنزَّهٌ عن ذلك.

وأيضًا فإنَّ حديث أبي سعيدٍ مع تساوي الشَّكِّ، مُتناوِلٌ للجميع بالاتِّفاق؛ فإخراج الأئمَّة منه غيرُ جائزٍ. وحديث ابن مسعودٍ متناولٌ لما تناوله حديث أبي سعيدٍ؛ فلم يَبْقَ إلَّا القسم الثَّالث وهو: أنَّ كلاهما خطابٌ للشَّاكِّ، فذاك أمرٌ له بالتَّحرِّي إذا أمكنه فيزول الشَّكُّ.

والثَّاني: أمرٌ له إذا لم يَزُل الشَّكُّ ماذا يصنع، وهذا كما يقال للحاكم: احكُم بالبيِّنة واحكم بالشُّهود ونحو ذلك، فهذا مع الإمكان، فإذا لم يمكن ذلك رجع إلى الاستصحاب وهو البراءة.

كذلك المصلِّي الشَّاكُّ يعمل بما يُبيِّن له الصَّواب، فإن تعذَّر ذلك رجع إلى الاستصحاب، واللَّه أعلم؛ ولأنَّ العمل بالتَّحرِّي يقطع وسواس الشَّيطان أو يُقلِّله؛ بخلاف ما إذا لم يتحرَّ فلا يزال الشَّيطان يُشكِّكه فيما فعله أنَّه لم يفعله، وقد قالوا: إنَّه لو شكَّ بعد السَّلام هل ترك واجبًا لم يَلتفت إليه...

الشيخ: وهذا هو الصواب: إذا كان الشك بعد الصلاة ما يلتفت إليه، الصلاة صحَّت والحمد لله؛ لأن الشيطان حريصٌ على إيذاء بني آدم وإدخال الشك عليهم، إذا سلَّم على أنه قد كمَّل الصلاةَ ثم جاء -طرأ- عليه الشك بعد ذلك لا يَلتفت إليه.

القارئ:

وما ذاك إلَّا لأنَّ الظَّاهر أنَّه سَلَّم بعد إتمامها، فعُلم أنَّ الظَّاهر يُقدَّم على الاستصحاب، وعلى هذا عامَّة أمور الشَّرع.

ومثل هذا يقال في عدد الطَّواف والسَّعي ورمي الجمار، وغير ذلك، وممَّا يُبيِّن ذلك....

الشيخ: يعني البناء على غالب الظن، الطواف والسعي ورمي الجمار: هل رَمَى سبعًا.. وإذا عمل باليقين فلا بأس، وكمَّل السبعة يقينًا، وكمَّل الرمي يقينًا.

القارئ:

وممَّا يُبيِّن ذلك: أنَّ التَّمسُّك بمجرَّد استصحاب حال العدم أضعفُ الأدلَّة مطلقًا، وأدنى دليلٍ يُرجَّح عليه كاستصحاب براءة الذِّمَّة...

الشيخ: وهذا -كل هذا- له فوائد عظيمة؛ لأن الناس يُصيبهم هذا، يتحرجون، فإذا علموا أن غلبة الظن تكفي -والحمد لله- صار في هذا إرغامٌ للشيطان، فإذا بنى على غالب ظنه وكمَّل الصلاة وكمَّل الطواف وكمَّل السعي وكمَّل رَمْيَ الجمار استراح وأرغم الشيطان.

القارئ:

كاستصحاب براءة الذِّمَّة في نفي الإيجاب والتَّحريم، فهذا باتِّفاق النَّاس أضعفُ الأدلَّة، ولا يجوز المصير إليه باتِّفاق النَّاس إلَّا بعد البحث التَّامِّ: هل أدلَّة الشَّرع ما تقتضي الإيجاب أو التَّحريم؟

ومن النَّاس مَن لا يُجوِّز التَّمسُّك به في نفي الحكم، بل في دفع الخصم ومَنْعه، فيقول: أنا لا أُثبت الإيجابَ ولا أنفيه، بل أُطالب مَن يُثبته بالدَّليل أو أَمنعه أو أَدفعه عن إثباتِ إيجابٍ بلا دليلٍ، كما يقول ذلك مَن يقوله من أصحاب أبي حنيفة.

وأمَّا أهل الظَّاهر فهو عمدتهم، لكن بعد البحث عن الأدلَّة الشَّرعيَّة، ولا يجوز الإخبار بانتفاء الأشياء وعدم وجودها بمجرَّد هذا الاستصحاب مِن غير استدلالٍ بما يقتضي عدمَها، ومَن فَعَل ذلك كان كاذبًا مُتكلِّمًا بلا علمٍ؛ وذلك لكثرة ما يوجد في العالم والإنسان لا يعرفه، فعَدَمُ عِلْمه ليس علمًا بالعدم، ولا مجرَّد كون الأصل عدم الحوادث يُفيد العلم بانتفاء شيءٍ منها إلَّا بدليلٍ يدلُّ على النَّفي.

الشيخ: وهكذا لا يقول: ما فيه دليل، أو ما صح فيه دليل، وهو لا يعلم، لا بد من التحري والعناية حتى يكون عنده بصيرة.

القارئ:

لكن الاستصحاب يُرجَّح به عند التَّعارض، وما دلَّ على الإثبات من أنواع الأدلَّة فهو راجحٌ على مجرَّد استصحاب النَّفي، وهذا هو الصَّواب الَّذي أُمِر المصلِّي أن يتحرَّاه؛ فإنَّ ما دلَّ على أنَّه صلَّى أربعًا من أنواع الأدلَّة راجحٌ على استصحاب عدم الصَّلاة، وهذا حقيقة هذه المسألة.

فصلٌ:

وأمَّا «المسألة الثَّانية» وهي محلُّ السُّجود: هل هو قبل السَّلام، أو بعده؟ ففي ذلك أقوالٌ مشهورةٌ: قيل: كلُّه قبل السَّلام، وقيل: كلُّه بعده، وقيل: بالفرق بين الزِّيادة والنُّقصان؛ وعلى هذا ففي الشَّكِّ نزاعٌ.

وقيل: بأنَّ الأصل أن تسجد قبل السَّلام؛ لكن ما جاءت السُّنَّة بالسُّجود فيه بعد السَّلام سجد بعده؛ لأجل النَّصِّ؛ والباقي على الأصل، وهذا هو المشهور عن أحمد. والأوَّل قول الشَّافعيِّ، والثَّاني قول أبي حنيفة.

الشيخ: والأرجح في هذا التوسعة: إن سجد قبل السلام أو بعد السلام الأمر واسع، سجود السهو قبل السلام أو بعده.

لكن، إذا كان عن نقصٍ: سلَّم عن نقصِ ركعةٍ فأكثر؛ فيكون بعد السلام أفضل؛ لقصة ذي اليدين، وهكذا إذا كان بَنَى على غالب الظن؛ يسجد بعد السلام هذا هو الأفضل؛ لقوله في حديث ابن مسعود: فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين.

إذا كان سلَّم عن نقصِ ركعةٍ فأكثر فالأفضل أن يكون بعد السلام، أو بنى على غالب ظنه يكون بعد السلام، وما سوى ذلك فهو قبل السلام. هذا هو الأفضل، والأمر في هذا واسع.

القارئ:

والثَّالث قولُ مالكٍ، وأحمد واختُلف عنه فرُوي عنه فيما إذا صلَّى خمسًا: هل يسجد قبل السَّلام أو بعده؟ على روايتين، وقد حُكي عنه روايةٌ بأنَّه كلُّه قبل السَّلام، لكن لم نجد بهذا لفظًا عنه، وحُكي عنه أنَّه كلُّه بعد السَّلام، وهذا غلطٌ محضٌ.

والقاضي وغيره يقولون: لم يختلف كلام الإمام أحمد أنَّ بعضه قبل السَّلام وبعضه بعده؛ قال القاضي أبو يعلى: لا يختلف قول أحمد في هذين الموضعين أن يسجد لهما بعد السَّلام إذا سلَّم، وقد بقي عليه ركعةٌ أو أكثر، وإذا شكَّ وتحرَّى.

قال أحمد في رواية الأثرم: أنا أقول: كلُّ سهوٍ جاء عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه سجد فيه بعد السَّلام؛ فإنَّه يَسجد فيه بعد السَّلام، وسائر السُّجود يسجد فيه قبل السَّلام. هو أصحُّ في المعنى؛ وذلك أنَّه من شأن الصَّلاة، فيقضيه قبل أن يسلِّم.

ثمَّ قال: فسجد النَّبيُّ ﷺ في ثلاثة مواضع بعد السَّلام، وفي غيرها قبل السَّلام.

قلت: اشرح المواضع الثَّلاثة الَّتي بعد السَّلام. قال: «سلَّم من ركعتين فسجد بعد السَّلام» هذا حديث ذي اليدين. وسلَّم من ثلاثٍ فسجد بعد السَّلام، هذا حديث عمران بن حصينٍ. وحديث ابن مسعودٍ في التَّحرِّي: سجد بعد السَّلام.

الشيخ: هذا هو أظهر الأقوال، وهو الذي قام عليه الدليل: إن سلَّم عن نقصِ ركعةٍ أو ركعتين؛ يكون بعد السلام أفضل، أو بنى على غلبة الظن والتحري يكون بعد السلام أفضل؛ وما سوى ذلك قبل السلام. ومع هذا كله، الأمر فيه واسع، مَن سجد قبل السلام أو بعده أجزأه.

القارئ:

قال أبو محمَّدٍ: قال القاضي: لا يختلف قول أحمد في هذين الموضعين: أنَّه يسجد لهما بعد السَّلام.

قال: واختَلف قوله فيمن سها فصلَّى خمسًا: هل يسجد قبل السَّلام أو بعده؟ على روايتين. وما عدا هذه المواضع الثَّلاثة يسجد لها قبل السَّلام روايةً واحدةً. وبهذا قال سليمان بن داود وأبو خيثمة وابن المنذر.

قال: وحكى أبو الخطَّاب روايتين أخريين: إحداهما: أنَّ السُّجود كلَّه قبل السَّلام، وهو مذهب الشَّافعيِّ. والثَّانية: أنَّ ما كان مِن نقصٍ يسجد له قبل السَّلام لحديث ابن بُحَيْنة، وما كان من زيادةٍ سجد له بعد السَّلام لحديث ذي اليدين وحديث ابن مسعودٍ حين صلَّى خمسًا. وهذا مذهب مالكٍ وأبي ثورٍ.

وقال أبو حنيفة وأصحابه وطائفةٌ: كلُّه بعد السَّلام.

قلت: أحمد يقول في الشَّكِّ إذا طرحه وبنى على اليقين: إنَّه يسجد له قبل السَّلام؛ كما ثبت في الحديث الصَّحيح، فعلى قوله الموافِق لمالكٍ: ما كان مِن نقصٍ وشكٍّ فقَبْله، وما كان من زيادةٍ فبعده.

وحُكي عن مالكٍ: أنَّه يسجد بعد السَّلام؛ لأنَّه يحتمل للزِّيادة لا للنَّقص، والزِّيادةُ الَّتي اختَلف فيها كلامُ أحمد هي: ما إذا صلَّى خمسًا، فقد ثبت في الصَّحيح: أنَّه يسجد بعد السَّلام، لكن هناك كان قد نسي.

وفي الصَّحيحين عن ابن مسعودٍ قال: صلَّى بنا رسول اللَّه ﷺ خمسًا، فلمَّا انفتل شوَّش القومُ بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول اللَّه، زِيدَ في الصَّلاة؟ قال: لا، قالوا: فإنَّك قد صلَّيت خمسًا. فانفتل ثمَّ سجد سجدتين ثمَّ سلَّم، ثمَّ قال: إنَّما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون، وفي روايةٍ أنَّه قال: إنَّما أنا بشرٌ مثلكم أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالسٌ، ثمَّ تحوَّل رسول اللَّه ﷺ فسجد سجدتين»، وللبخاريِّ عن ابن مسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى الظُّهر خمسًا فسجد سجدتين بعدما سلَّم.

وفي الصَّحيحين عن ابن مسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سجد سجدتي السَّهو بعد السَّلام والكلام.

فهذا الموضع اختلف فيه كلام أحمد: هل يسجد بعد السَّلام كما سجد النَّبيُّ ﷺ؟ أم يسجد قبله إذا ذَكَر قبل السَّلام؟ والنَّبيُّ ﷺ إنَّما سَجَد بعد السَّلام لكونه لم يَذْكر حتَّى سلَّم وذَكَّروه.

على إحدى الرِّوايتين عنده: لا يكون السُّجود بعد السَّلام مختصًّا بمورد النَّصِّ، كما قاله الأكثرون كأبي حنيفة ومالكٍ، وغيرهما. كما لا يكون السُّجود قبل السَّلام مختصًّا بمورد النَّصِّ، كما قاله الأكثرون؛ أبو حنيفة ومالكٌ وغيرهما.

بل الصَّواب: أنَّ السُّجود بعضه قبل السَّلام وبعضه بعده؛ كما ثبتت بذلك الأحاديث الصَّحيحة.

ومَن قال: كلُّه قبل السَّلام واحتجَّ بحديث الزُّهريِّ: كان آخر الأمرين السُّجود قبل السَّلام؛ فقد ادَّعى النَّسخ، وهو ضعيفٌ؛ فإنَّ السُّجود بعد السَّلام في حديث ذي اليدين، فمالكٌ والشَّافعيُّ والجمهور يقولون: إنَّه ليس بمنسوخ.

وإنَّما يقول "إنَّه منسوخٌ" مَن يحتجُّ بقول الزُّهريِّ: إنَّ ذي اليدين مات قبل بدرٍ، وإنَّ هذه القصَّة كانت مُتقدِّمةً، فقول الزُّهريِّ بنَسْخه مبنيٌّ على هذا، وهو ضعيفٌ؛ فإنَّ أبا هريرة صلَّى خلف النَّبيِّ ﷺ في حديث ذي اليدين، وإنَّما أسلم عام خيبر.

فالَّذين يحتجُّون بقول الزُّهريِّ هنا قد ردُّوا قولَه بالنَّسخ هناك، والَّذين يقولون بنسخ حديث ذي اليدين هم يأمرون بالسُّجود بعد السَّلام.

فكلٌّ من الطَّائفتين ادَّعت نسخ الحديث فيما يخالف قولها بلا حجَّةٍ، والحديث مُحكَمٌ في أنَّ الصَّلاة لا تَبطل، وفي أنَّه يسجد بعد السَّلام، ليس لواحدٍ منهما عن النَّبيِّ ﷺ مُعارِضٌ ينسخه.

وأيضًا فالنَّسخ إنَّما يكون بما يناقض المنسوخ، والنَّبيُّ ﷺ سجد بعد السَّلام، ولم يَنقل مسلمٌ أنَّه نهى عن ذلك؛ فبطل النَّسخ.

وإذا قيل: إنَّه سجد بعد ذلك قبل السَّلام، فإن كان في غير هذه الصُّورة كما في حديث ابن بُحَيْنة لمَّا قام من الرَّكعتين، وفي حديث الشَّكِّ؛ فلا منافاة.

لكنَّ هذا الظَّانَّ ظنَّ أنَّه إذا سجد في صورةٍ قبل السَّلام كان هذا نسخًا للسُّجود بعده في صورةٍ أخرى؛ وهذا غلطٌ منه، ولم يُنقل عنه في صورةٍ واحدةٍ أنَّه سجد تارةً قبل السَّلام وتارةً بعده، ولو نُقل ذلك لدلَّ على جواز الأمرين. فدعوى النَّسخ في هذا الباب باطلٌ، وكيف يجوز أن يَبطل بأمره بالسُّجود بعد السَّلام في صورةٍ وفِعْلُه له ممَّا لا يناقض ذلك؟!

ومَن قال: السُّجود كلُّه بعد السَّلام، واحتجَّ بما في السُّنن من حديث ثَوْبان: «لكلِّ سهوٍ سجدتان بعد التَّسليم»؛ فهو ضعيفٌ؛ لأنَّه من رواية ابن عيَّاشٍ عن أهل الحجاز، وذلك ضعيفٌ باتِّفاق أهل الحديث. وبحديث ابن جعفرٍ: «من شكَّ في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلِّم»؛ ففيه ابن أبي ليلى، قال الأثرم: لا يثبت واحدٌ منهما.

مع أنَّ هذا قد يكون مثل حديث ابن مسعودٍ: «وإذا شكَّ فيتحرَّى»، ويكون هذا مختصرًا من ذاك، ومثل هذا لا يُعارِض الحديثَ الصَّحيح؛ حديث أبي سعيدٍ في الشَّكِّ: «أنَّه أمر بسجدتين قبل السَّلام»، وحديث ابن بُحَيْنة الَّذي في الصَّحيحين الَّذي هو أصلٌ مِن أصول مسائل السَّهو: لمَّا ترك التَّشهُّد الأوَّل وسجد قبل السَّلام.

فهذه الأحاديث الصَّحيحة تُبيِّن ضَعْفَ قولِ كلِّ مَن عَمَّم فجعله كلَّه قبله أو جعله كلَّه بعده.

بقي التَّفصيل، فيقال: الشَّارع حكيمٌ لا يُفرِّق بين الشَّيئين بلا فرقٍ، فلا يجعل بعض السُّجود بعده وبعضه قبله إلَّا لفرق بينهما.

وقول مَن يقول: القياس يقتضي أنَّه كلُّه قبله، لكن خولف القياس في مواضع للنَّصِّ، فبقي فيما عداه على القياس. يَحتاج في هذا إلى شيئين: إلى أن يُبيِّن الدَّليل المقتضي لكونه كله قبله، ثمَّ إلى بيان أنَّ صورة الاستثناء اختصَّت بمعنًى يوجب الفرق بينها وبين غيرها.

وإلَّا، فإذا كان المعنى الموجب للسُّجود قبل السَّلام شاملًا للجميع؛ امتنع مِن الشَّارع أن يجعل بعض ذلك بعد السَّلام، وإن كان قد فرَّق لمعنًى فلا بدَّ أن يكون المعنى مختصًّا بصورة الاستثناء، فإذا لم يُعرف الفرق بين ما استثنى وبين ما استبقى كان تفريقًا بينهما بغير حجَّةٍ.

وإذا قال: علمتُ أنَّ الموجِب للسُّجود قبل السَّلام عامٌّ، لكن لمَّا استثنى النَّصُّ ما استثناه؛ علمتُ وجودَ المعنى المعارِض فيه.

فيقال له: فما لم يَرِدْ فيه نصٌّ جاز أن يكون فيه الموجِبُ لما قبل السَّلام وجاز أن يكون فيه الموجب لما بعد السَّلام، فإنَّك لا تعلم أنَّ المعنى الَّذي أوجب كون تلك الصُّور بعد السَّلام منتفيًا عن غيرها، ومع كون نوعٍ من السُّجود بعد السَّلام يمتنع أن يكون الموجب التَّامُّ له قبل السَّلام عامًّا؛ فما بقي معك معنًى عامٌّ يُعتمد عليه في الجزم بأنَّ المشكوك قبل السَّلام، ولا بأنَّ المُقتضِي له بعد السَّلام، مختصٌّ بمورِد النَّصِّ.

فنَفْي التَّفريق قولٌ بلا دليلٍ؛ يُوجب الفرق، وهو قولٌ بتخصيص العلَّة من غير بيان فوات شرطٍ أو وجود مانعٍ، وهو الاستحسان المحض الَّذي لم يتبيَّن فيه الفرق بين صورة الاستحسان وغيرها.

وحينئذٍ فأظهر الأقوال: الفرق بين الزِّيادة والنَّقص، وبين الشَّكِّ مع التَّحرِّي والشَّكِّ مع البناء على اليقين. وهذا إحدى الرِّوايات عن أحمد.

وقولُ مالكٍ قريبٌ منه وليس مثله؛ فإنَّ هذا -مع ما فيه من استعمال النُّصوص كلِّها- فيه الفرق المعقول.

وذلك أنَّه إذا كان في نقصٍ -كترك التَّشهُّد الأوَّل- احتاجت الصَّلاة إلى جَبْرٍ، وجابِرُها يكون قبل السَّلام لِتَتِمَّ به الصَّلاة؛ فإنَّ السَّلام هو تحليلٌ من الصَّلاة. وإذا كان من زيادةٍ -كركعة- لم يجمع في الصَّلاة بين زيادتين، بل يكون السُّجود بعد السَّلام؛ لأنَّه إرغامٌ للشَّيطان، بمنزلة صلاةٍ مستقلَّةٍ جَبَر بها نقصَ صلاته؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ جعل السَّجدتين كركعة.

وكذلك إذا شكَّ وتحرَّى فإنَّه أتمَّ صلاته، وإنَّما السَّجدتان لترغيم الشَّيطان، فيكون بعد السَّلام، ومالكٌ لا يقول بالتَّحرِّي ولا بالسُّجود بعد السَّلام فيه.

وكذلك إذا سلَّم وقد بقي عليه بعض صلاته ثمَّ أكملها فقد أتمَّها، والسَّلام منها زيادةٌ، والسُّجود في ذلك بعد السَّلام؛ لأنَّه إرغامٌ للشَّيطان.

وأمَّا إذا شكَّ ولم يتبيَّن له الرَّاجح: فهنا إمَّا أن يكون صلَّى أربعًا أو خمسًا، فإن كان صلَّى خمسًا فالسَّجدتان يشفعان له صلاته ليكون كأنَّه قد صلَّى ستًّا لا خمسًا، وهذا إنَّما يكون قبل السَّلام. ومالكٌ هنا يقول: يسجد بعد السَّلام.

فهذا القول الَّذي نصرناه هو الَّذي يُستعمل فيه جميع الأحاديث لا يُترك منها حديثٌ، مع استعمالِ القياس الصَّحيح فيما لم يَرِدْ فيه نصٌّ، وإلحاقِ ما ليس بمنصوصٍ بما يُشبهه من المنصوص.

وممَّا يوضِّح هذا: أنَّه إذا كان مع السَّلام سهوٌ سجد بعد السَّلام، فيقال: إذا زاد غير السَّلام من جنس الصَّلاة كركعة ساهيًا أو ركوعٍ أو سجودٍ ساهيًا فهذه زيادةٌ لو تعمَّدها بطلت صلاته كالسَّلام، فإلحاقها بالسَّلام أولى من إلحاقها بما إذا ترك التَّشهُّد الأوَّل، أو شكَّ وبنى على اليقين.

وقول القائل: إنَّ السُّجود من شأن الصَّلاة فيقضيه قبل السَّلام، يقال له: لو كان هذا صحيحًا لوجب أن يكون كلُّه قبل السَّلام، فلمَّا ثبت أنَّ بعضه بعد السَّلام عُلم أنَّه ليس جنسه من شأن الصَّلاة كالَّذي يقضيه قبل السَّلام.

وهذا مُعارَضٌ بقولِ مَن يقول: السُّجود ليس مِن مُوجِبِ تحريمِ الصَّلاة؛ فإنَّ التَّحريمَ إنَّما أَوْجَبَ الصَّلاةَ السَّليمةَ. وهذه الأمور دعاوى لا يقوم عليها دليلٌ؛ بل يقال: التَّحريم أوجب السُّجودَ الَّذي يُجبَر به الصَّلاة، ويقال: مِن السُّجود ما يكون جَبْره للصَّلاة إذا كان بعد السَّلام؛ لئلَّا يجتمع فيها زيادتان؛ ولأنَّه مع تمام الصَّلاة إرغامٌ للشَّيطان، ومُعارَضةٌ له بنقيض قصده؛ فإنَّه قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من الزِّيادة، فأَمَرَ العبد أن يُرغمه فيأتي بسجدتين زائدتين بعد السَّلام ليكون زيادةً في عبادة اللَّه.

والسُّجود للَّه والتَّقرُّب إلى اللَّه الَّذي أراد الشَّيطان أن ينقصه على العبد، فأراد الشَّيطان أن ينقص من حسناته، فأمره اللَّه أن يُتِمَّ صلاته، وأن يرغم الشَّيطان، وعفا اللَّه للإنسان عمَّا زاده في الصَّلاة نسيانًا من سلامٍ وركعةٍ زائدةٍ وغير ذلك؛ فلا يأثم بذلك، لكن قد يكون تقرُّبه ناقصًا لنقصه فيما ينساه؛ فأمره اللَّه أن يُكمل ذلك بسجدتين زائدتين على الصَّلاة. واللَّه أعلم.

فصلٌ:

وأمَّا وجوبه؛ فقد أمر به النَّبيُّ ﷺ في حديث أبي هريرة المتقدِّم لمجرَّد الشَّكِّ، فقال: إذا قام أحدكم يصلِّي جاءه الشَّيطان فلَبَّس عليه صلاته حتَّى لا يدري كم صلَّى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالسٌ.

وأَمَر به فيما إذا طَرَح الشَّكَّ، فقال في حديث أبي سعيدٍ: فليطرح الشَّكَّ وَلْيَبْنِ على ما استيقن، ثمَّ يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فإن كان صلَّى خمسًا شفعتا له صلاته، وإن كان صلَّى تمامًا لأربعٍ كانتا ترغيمًا للشَّيطان.

الشيخ: وهذا في سجود السهو إذا شك: هل صلى ثنتين أو ثلاثًا، أو ثلاثًا أو أربعًا؟ يَبني على اليقين ويطرح الشك، ثم يُكمل، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلم، كما في حديث أبي سعيد عند مسلم رحمه الله، بخلاف ما إذا بنى على غالب ظنه فإنه يكون سجوده أفضل بعد السلام.

القارئ:

وكذلك في حديث عبدالرَّحمن: ثمَّ ليسجد سجدتين وهو جالسٌ قبل أن يُسلِّم ثمَّ يسلِّم، وأَمَر به في حديثِ ابن مسعودٍ -حديث التَّحرِّي- قال: فليتحرَّ الصَّواب فَلْيُتِمَّ عليه ثمَّ ليسجد سجدتين، وفي لفظٍ: هاتان السَّجدتان لمن لا يدري أزاد في صلاته أم نقص، فيتحرَّى الصَّواب فيُتِمَّ عليه ثمَّ يسجد سجدتين، وفي الحديث الآخر المتَّفق عليه لابن مسعودٍ، فقلنا: يا رسول اللَّه، أحَدَثَ في الصَّلاة شيءٌ؟ فقال: لا، فقلنا له الَّذي صنع، فقال: إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين، قال: ثمَّ سجد سجدتين.

فقد أَمَر بالسَّجدتين إذا زاد أو إذا نقص، ومراده: إذا زاد ما نَهَى عنه أو نَقَص ما أَمَر به؛ ففي هذا إيجابُ السُّجود لكلِّ ما يُترك ممَّا أَمَر به إذا تركه ساهيًا، ولم يكن تَرْكُه ساهيًا موجبًا لإعادته بنفسه، وإذا زاد ما نَهَى عنه ساهيًا.

فعلى هذا؛ كلُّ ما أَمَر به في الصَّلاة إذا تركه ساهيًا: فإمَّا أن يعيده إذا ذكره، وإمَّا أن يسجد للسَّهو، لا بدَّ من أحدهما.

فالصَّلاة نفسها إذا نسيها صلَّاها إذا ذكرها لا كفَّارة لها إلَّا ذلك. وكذلك إذا نسي طهارتها، كما أَمَر الَّذي تَرَك موضع لُمْعةٍ من قدمه لم يُصِبْها الماء: أن يعيد الوضوء والصَّلاة.

وكذلك إذا نسي ركعةً؛ كما في حديث ذي اليدين؛ فإنَّه لا بدَّ مِن فِعل ما نسيه إمَّا مضمومًا إلى ما صلَّى وإمَّا أن يبتدئ الصَّلاة، فهذه خمسة أحاديث صحيحةٍ فيها كلُّها يأمر السَّاهي بسجدتي السَّهو، وهو لمَّا سها عن التَّشهُّد الأوَّل سجدهما بالمسلمين قبل السَّلام، ولمَّا سلَّم في الصَّلاة من ركعتين أو من ثلاثٍ صلَّى ما بقي وسجدهما بالمسلمين بعد الصَّلاة، ولمَّا أذكروه أنَّه صلَّى خمسًا سجدهما بعد السَّلام والكلام.

وهذا يقتضي مداومته عليهما وتوكيدهما، وأنَّه لم يَدَعْهما في السَّهو المقتضي لها قطُّ، وهذه دلائل بيِّنةٌ واضحةٌ على وجوبهما، وهو قول جمهور العلماء، وهو مذهب مالكٍ وأحمد وأبي حنيفة، وليس مع مَن لم يوجبهما حجَّةٌ تُقارِب ذلك.

الشيخ: وهذا مثلما قال رحمه الله: خمسُ سننٍ في سجود السهو:

حديث أبي سعيد: إذا شك هل صلى ثنتين أو ثلاثًا؟ بنى على اليقين، وسجد للسهو قبل أن يُسلِّم.

والثانية: أنه ﷺ قام عن التشهد الأول ناسيًا، فلما كمَّل الصلاة سجد سجدتين للسهو ثم سلم.

الثالثة: أنه سلم من ثنتين في حديث ذي اليدين، فلما نبهوه كمَّل الصلاة ثم سجد للسهو بعد السلام.

الرابعة: أنه سلم من ثلاثٍ في حديث عمران بن حصين، فلما كلموه ونبهوه كمَّل الصلاة وسجد للسهو بعد السلام.

الخامسة: حديث ابن مسعود لما صلى خمسًا قالوا له: يا رسول الله، إنك صليت خمسًا؟ قال: أفلا كنتم آذنتموني؟ إذا سها أحدكم فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين بعد أن يسلم.

هذه السنة الخامسة، إذا سها فإنه يتحرى الصواب، فإذا بنى على غالب ظنه كمَّل الصلاة ثم سجد للسهو بعد السلام، هذا هو الأفضل، كما لو سلم عن نقصٍ يكون سجوده بعد السلام.

فهذه خمس سنن كلها جاءت في سجود السهو.