القارئ:
والشَّافعيُّ إنَّما لم يوجبهما؛ لأنَّه ليس عنده في الصَّلاة واجبٌ تصحُّ الصَّلاة مع تَرْكه، لا عمدًا ولا سهوًا.
وجمهورُ العلماءِ الثَّلاثةِ وغيرُهم يجعلون مِن واجبات الصَّلاة ما لا يُبطل تَرْكُه الصَّلاة، لكنْ مالكٌ وأحمد وغيرهما يقولون: لا تَبطل الصَّلاة بعمده وعليه الإعادة، ويجب بتركه سهوًا سجودُ السَّهو. وأبو حنيفة يقول: إذا تركه عمدًا كان مسيئًا، وكانت صلاته ناقصةً، ولا إعادة عليه.
وأمَّا ما يزيده عمدًا فكلُّهم يقول: إنَّ فيه ما تَبطل الصَّلاة مع عمده دون سهوه؛ لكن هو في حال العمد مُبطِلٌ فلا سجود، وفي حال السَّهو يقولون: قد عُفي عنه فلا يجب السُّجود.
وقد احتجَّ بعضهم بما رُوي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في حديث الشَّكِّ: كانت الرَّكعة والسَّجدتان نافلةً، وهذا لفظٌ ليس في الصَّحيح، ولفظ الصَّحيح: فليطرح الشَّكَّ وَلْيَبْنِ على ما استيقن ثمَّ يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلَّى خمسًا شفعتا له صلاته، وإن كان صلَّى تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشَّيطان.
فقد أَمَر فيه بالسُّجود، وبَيَّن حِكْمته سواءٌ كان صلَّى خمسًا أو أربعًا، فقال: فإن كان صلَّى خمسًا شفعتا له صلاته، وهذا يقتضي أنَّ التَّطوُّع بالوتر لا يجوز، بل قد أمر اللَّه أن يوتر صلاة النَّهار بالمغرب، وصلاة اللَّيل بالوتر. وهنا لمَّا كان مع الشَّكِّ قد صلَّى خمسًا وهو لا يعلم، جَعَل السَّجدتين قائمةً مقام ركعةٍ فشفعتا له صلاته، قال: وإن كان صلَّى تمامًا لأربع فلم يزد في الصَّلاة شيئًا كانتا ترغيمًا للشَّيطان.
فهذا اللَّفظ، وهو قوله: كانت الرَّكعة والسَّجدتان نافلةً له لا يمكن أن يَستدلَّ به حتَّى يثبت أنَّه مِن قول النَّبيِّ ﷺ، فكيف ولفظه الَّذي في الصَّحيح يقتضي وجوبهما، وجوب الرَّكعة والسَّجدتين.
والرَّكعة قد اتَّفق العلماء على وجوبها، فحيث قيل: إنَّ الشَّاكَّ يطرح الشَّكَّ ويبني على ما استيقن؛ كانت الرَّكعة المشكوك فيها واجبةً، وإذا كانت واجبةً بالنَّصِّ والاتِّفاق، واللَّفظُ المرويُّ هو فيها وفي السُّجود مع أنَّ السُّجود أيضًا مأمورٌ به كما أُمِر بالرَّكعة؛ عُلم أنَّ ما ذُكر لا ينافي وجوب السَّجدتين كما لا ينافي وجوب الرَّكعة. وإن كان هذا اللَّفظ قد قاله الرَّسول فمعناه أنَّه مأمورٌ بذلك مع الشَّكِّ، فعلى تقدير أن تكون صلاته تامَّةً في نفس الأمر لم ينقص منها شيءٌ يكون ذلك زيادةً في عمله، وله فيه أجرٌ كما في النَّافلة.
الشيخ: وهذا من رحمة الله، فإن كان صلى تمامًا كانتا ترغيمًا للشيطان، وإن كان صلى خمسًا كانتا شافعة لصلاته، وهذا من فضل الله جل وعلا أنْ جعل السجدتين مكملتين مرغمتين للشيطان في السهو، فالسجدتان سواء أدَّاهما قبل السلام أو بعد السلام كلتاهما مكملتان للصلاة مرغمتان للشيطان.
القارئ:
وهذا فِعْلُ كلِّ مَن احتاط فأدَّى ما يشكُّ في وجوبه إن كان واجبًا، وإلَّا كانت نافلةً له، فهو إنَّما جعلها نافلةً في نفس الأمر على تقدير إتمام الأربع، ولكن هو لمَّا شكَّ حصل بنفس شكِّه نقصٌ في صلاته فأَمَر بهما، وإن كان صلَّى أربعًا ترغيمًا للشَّيطان.
وهذا كما يأمرون مَن يَشكُّ في غير الواجب بأن يفعل ما يتبيَّن به براءة الذِّمَّة، والواجب في نفس الأمر واحدٌ، والزِّيادة نافلةٌ. وكذلك يؤمر مَن اشتبهت أخته من الرِّضاع بأجنبيَّةٍ، باجتنابهما، والمحرَّم في نفس الأمر واحدٌ.
فذلك المشكوك فيه يُسمَّى "واجبًا" باعتبار أنَّ عليه أن يفعله، ويُسمى "نافلةً" على تقديرٍ أي هو مُثابٌ عليه مأجورٌ عليه، ليس هو عملًا ضائعًا كالنَّوافل، وأنَّه لم يك في نفس الأمر واجبًا عليه لكن وجب لأجل الشَّكِّ. مع أنَّ إحدى الرِّوايتين عن أحمد: أنَّه يجبر المعادة مع إمام الحيِّ ويُسمى "نافلةً"؛ لأمر النَّبيِّ ﷺ بذلك. وكذلك قوله في حديث أبي ذرٍّ: صلِّ الصَّلاة لوقتها، ثمَّ اجعل صلاتك معهم نافلةً، ولا تقل: إنِّي قد صلَّيت فهي نافلةٌ، أي: زائدةٌ على الفرائض الخمس الأصليَّة، وإن كانت واجبةً بسببٍ آخر كالواجب بالنَّذر.
وكثيرٌ من السَّلف يريدون بلفظ: "النَّافلة" ما كان زيادةً في الحسنات، وذلك لمن لا ذنب له؛ ولهذا قالوا في قوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [الإسراء:79]: إنَّ النَّافلة مختصَّةٌ برسول اللَّه ﷺ؛ لأنَّ اللَّه غفر له، وغيره له ذنوبٌ، فالصَّلوات تكون سببًا لمغفرتها. وهذا القول وإن كان فيه كلامٌ ليس هذا موضعه.
فالمقصود: أنَّ لفظ "النَّافلة" تُوُسِّع فيه؛ فقد يُسمَّى به ما أَمَر به، وقد ينفي عن التَّطوُّع، فقد تبيَّن وجوب سجود السَّهو، وسببه إمَّا نقصٌ وإمَّا زيادةٌ؛ كما قال في الصَّحيحين: إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين.
فالنَّقص كما في حديث ابن بُحَينة: لمَّا ترك التَّشهُّد الأوَّل سجد. والزِّيادة كما سجد لمَّا صلَّى خمسًا، وأَمَر به الشَّاكَّ الَّذي لا يدري أزاد أم نقص. فهذه أسبابه في كلام النَّبيِّ ﷺ، إمَّا الزِّيادة وإمَّا النَّقص وإمَّا الشَّكُّ.
وقد تبيَّن أنَّه في النَّقص والشَّكِّ يسجد قبل السَّلام، وفي الزِّيادة بعده.
فصلٌ:
وإذا كان واجبًا فتَرَكه عمدًا أو سهوًا -تَرَك الَّذي قبل السَّلام أو بعده- ففيه أقوالٌ متعدِّدةٌ في مذهب أحمد وغيره:
قيل: إن ترك ما قبل السَّلام عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا لم تبطل، كالتَّشهُّد الأوَّل وغيره من الواجبات، وما بعده لا يبطل بحال؛ لأنَّه جُبْرانٌ بعد السَّلام.
الشيخ: وهذا هو الصواب، إذا ترك... سجود السهو الذي يُشرع قبل السلام عمدًا بَطَلت صلاته، أما إذا تركه سهوًا ما يضره، يسجد بعد السلام والحمد لله.
أما ما شَرَع الله أداءه بعد السلام أو عَزَم على أنه يفعله بعد السلام ثم نسيه أو شُغل عنه؛ فصلاته صحيحة، عليه سجود السهو وأخَّره بعد السلام أو شُغل عنه ونسيه حتى سلَّم؛ فإنه لو تركه لم تبطل صلاته؛ لأنه ... خارج الصلاة، لكن واجبٌ عليه أن يأتي به؛ لما فيه من الجبر.
القارئ:
لأنَّه جُبْرانٌ بعد السَّلام فلا يُبطلها، وهذا اختيار كثيرٍ من أصحاب أحمد.
وقيل: إن ترك ما قبل السَّلام يبطل مطلقًا، فإنْ تركه سهوًا فذَكَر قريبًا سجد، وإن طال الفصل أعاد الصَّلاة، وهو منقولُ روايةٍ عن أحمد، وهو قول مالكٍ وأبي ثورٍ وغيرهما.
وهذا القول أصحُّ من الَّذي قبله؛ فإنَّه إذا كان واجبًا في الصَّلاة فلم يأتِ به سهوًا لم تبرأ ذمَّته منه، وإن كان لا يأثم، كالصَّلاة نفسها فإنَّه إذا نسيها صلَّاها إذا ذكرها، فهكذا ما ينساه من واجباتها لا بدَّ من فعله إذا ذكر، إمَّا بأن يفعله مضافًا إلى الصَّلاة، وإمَّا بأن يبتدئ الصَّلاة؛ فلا تبرأ الذِّمَّة من الصَّلاة ولا من أجزائها الواجبة إلَّا بفعلها.
والواجبات الَّتي قيل: إنَّها تسقط بالسَّهو كالتَّشهُّد الأوَّل، لم يقل: إنَّها تسقط إلى غير بدلٍ، بل سقطت إلى بدلٍ، وهو سجود السَّهو، بخلاف الأركان الَّتي لا بدل لها؛ كالرُّكوع والسُّجود، فإمَّا أن يقال: إنَّها واجبةٌ في الصَّلاة، وإنَّها تسقط إلى غير بدلٍ. فهذا ما علمنا أحدًا قاله، وإن قاله قائلٌ فهو ضعيفٌ مخالفٌ للأصول.
فهذان قولان في الواجب قبل السَّلام إذا تركه سهوًا، وأمَّا الواجب بعده فالنِّزاع فيه قريبٌ، فمَالَ كثيرٌ ممَّن قال إنَّ ذلك واجبٌ: إلى أنَّ ترك هذا لا يبطل؛ لأنَّه جبرٌ للعبادة خارجٌ عنها، فلم تبطل كجُبْران الحجِّ، ونُقل عن أحمد ما يدلُّ على بطلان الصَّلاة إذا ترك السُّجود المشروع بعد السَّلام.
وقد نقل الأثرم عن أحمد الوقف في هذه المسألة، فنقل عنه فيمن نسي سجود السَّهو فقال: إذا كان في سهوٍ خفيفٍ فأرجو ألا يكون عليه، قلت: فإن كان فيما سها فيه النَّبيُّ ﷺ، فقال: هاه. ولم يجب، قال: فبلغني عنه أنَّه يستحبُّ أن يعيده. ومسائلُ الوقف يُخرِّجها أصحابه على وجهين.
وفي الجملة، فقيل: يُعيد إذا تركه عامدًا، وقيل: إذا تركه عامدًا أو ساهيًا، والصَّحيح أنَّه لا بدَّ من هذا السُّجود أو من إعادة الصَّلاة؛ فإنَّه قد تنوزع إلى متى يسجد، فقيل: يسجد ما دام في المسجد ما لم يَطُل الفصل، وقيل: يسجد وإن طال الفصل ما دام في المسجد، وقيل: يسجد وإن خرج وتعدَّى.
والمقصود أنَّه لا بدَّ منه أو من إعادة الصَّلاة؛ لأنَّه واجبٌ أَمَر به النَّبيُّ ﷺ لتمام الصَّلاة، فلا تبرأ ذمَّةُ العبد إلَّا به وإذا أَمَر به بعد السَّلام من الصَّلاة، وقيل: إن فعلته وإلَّا فعليك إعادة الصَّلاة لم يكن ممتنعًا، والمراد تكون الصَّلاة باطلةً: أنَّه لم تبرأ بها الذِّمَّة، ولا فرق في ذلك بين ما قبل السَّلام وما بعده، واللَّه تعالى إنَّما أباح له التَّسليم منها بشرط أن يسجد سجدتي السَّهو، فإذا لم يسجدهما لم يكن قد أباح الخروج منها، فيكون قد سلَّم من الصَّلاة سلامًا لم يؤمر به فيُبطل صلاتَه.
الشيخ: فتَبطل.
القارئ:
الشيخ: والصواب في هذا أنه متى نسي سجود السهو وكان بعد السلام فإن صلاته صحيحة، ومتى ذكر السجود سجد للسهو، وبعض أهل العلم ذكر أنه متى طال الفصل سقط، لكن إذا سجد احتياطًا فحسنٌ، متى ذكره في المسجد أو بعد المسجد سجد سجدتي السهو بنية الصلاة جبرًا لها، وصلاته صحيحة.
القارئ:
الشيخ: كما نقول.
القارئ:
كما نقول في فاسخ الحجِّ إلى التَّمتُّع: إنَّما أبيح له التَّحلُّل إذا قصد أن يتمتَّع فيحجَّ مِن عامه، فأمَّا إن قصد التَّحلُّل مطلقًا لم يكن له ذلك، وكان باقيًا على إحرامه ولم يصحَّ تحلُّله.
لكن الإحرام لا يخرج منه برفض المُحرِم، ولا بفعل شيءٍ من محظوراته، ولا بإفساده، بل هو باقٍ فيه وإن كان فاسدًا...
الشيخ: والمعنى أن الإنسان إذا أحرم بالحج مُفرِدًا أو بالقران؛ فإنه يُشرع له الفسخ إذا كان ليحج، أما يفسخ ليتهرب لا، ليفسخ الحج أو القران ويُحِل بعمرة ثم يُحرِم بالحج، بهذا القصد.
القارئ:
وإن كان فاسدًا بخلاف الصَّلاة، فإنَّها تبطل بفعل ما ينافيها وما حَرُم فيها.
وقياسهم الصَّلاة على الحجِّ باطلٌ؛ فإنَّ الواجبات الَّتي يجبرها دمٌ لو تَعَمَّد تركها في الحجِّ لم تبطل...
الشيخ: لم يبطل.
القارئ:
الشيخ: والمعنى: لو ترك الرَّمْي أو المبيت أو كذا؛ عليه دمٌ والحج صحيح، فوجود الترك لبعض الواجبات لا يُبطل الحج، فليس مثل الصلاة، فالصلاة شيء والحج شيء؛ الحج فيه أوسع.
القارئ:
والجُبْران في ذمَّته لا يسقط بحال. والصَّلاة إذا ترك واجبًا فيها بطلت، وإذا قيل: إنَّه مجبورٌ بالسُّجود؛ فيقتضي أنَّ السُّجود في ذمَّته كما يجب في ذمَّته جُبْران الحجِّ.
أمَّا سقوط الواجب وبَدَلُه فهذا لا أصل له في الشَّرع، فقياس الحجِّ أن يقال: هذا السُّجود بعد السَّلام يبقى في ذمَّته إلى أن يفعله. وهذا القول غير ممتنعٍ؛ بخلاف قولهم: يسقط إلى بدلٍ؛ لكنَّ جبران الحجِّ وهو الدَّم يُفعل مُفرَدًا بلا نزاعٍ.
وأمَّا هذا السُّجود فهل يُفعل مُفرَدًا بعد طول الفصل؟ فيه نزاعٌ، ونحن قلنا: لا بدَّ منه أو من إعادة الصَّلاة.
فإذا قيل فيه: إنَّه يُفعل وإن طال الفصل كالصَّلاة المنسيَّة؛ فهذا مُتوجِّهٌ قويٌّ، ودونه أن يقال: وإن تركه عمدًا يفعله في وقتٍ آخر وإن أَثِم بالتَّأخير، كما لو أخَّر الصَّلاة المنسيَّة بعد الذِّكر عمدًا، فليصلِّها ويستغفر اللَّه من تأخيرها.
الشيخ: وهذا هو الحقُّ؛ فإن الرسولَ عليه السلام قال: مَن نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فالواجب عليه متى ذكر أن يبادر بالصلاة المنسية، والواجب عليه أن يبادر بالصلاة إذا نام عنها، فلو أخَّرها أثم، وعليه أن يفعلها لو صحا من النوم الضُّحَى. لكن تساهَلَ فلم يُصلِّها إلا عند الظهر؛ أَثِمَ، الواجبُ البِدَارُ بها. وهكذا لو نسي، نسي الصلاة ثم ذكرها ضُحًى؛ فالواجب أن يبادر بالصلاة التي ذكرها.
القارئ:
الشيخ: يعني: سجود السهو إذا نسيه؛ متى ذكره سجد للسهو ويستغفر الله من التأخير.
القارئ:
فهذا أيضًا قولٌ مُتوجِّهٌ؛ فإنَّ التَّحديد بطُول الفصل وبغيره غير مضبوطٍ بالشَّرع.
وكذلك الفرق بين المسجد وغيره ليس عليه دليلٌ شرعيٌّ، وكذلك الفرق بين ما قبل الحدث وبعده، بل عليه أن يسجدهما بحسب الإمكان، واللَّه أعلم.
فصلٌ:
وما شُرع قبل السَّلام أو بعده فهل ذلك على وجه الوجوب، أو الاستحباب؟
فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، ذهب كثيرٌ من أتباع الأئمَّة الأربعة إلى أنَّ النِّزاع إنَّما هو في الاستحباب، وأنَّه لو سجد للجميع قبل السَّلام أو بعده جاز.
والقول الثَّاني: إنَّ ما شرعه قبل السَّلام يجب فعله قبله، وما شرعه بعده لا يُفعل إلَّا بعده، وعلى هذا يدلُّ كلام أحمد وغيره من الأئمَّة وهو الصَّحيح، قال النَّبيُّ ﷺ في حديث طَرْح الشَّكِّ قال: وليسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، وفي الرِّواية الأخرى: قبل أن يسلِّم، ثمَّ يسلِّم، وفي حديث التَّحرِّي قال: فليتحرَّ الصَّواب فليبن عليه، ثمَّ ليسجد سجدتين، وفي روايةٍ للبخاريِّ: فَلْيُتِمَّ عليه ثمَّ يُسلِّم ثمَّ يسجد سجدتين، فهذا أمرٌ فيه بالسَّلام ثمَّ بالسُّجود، وذاك أمر فيه بالسُّجود قبل السَّلام، وكلاهما أمرٌ منه يقتضي الإيجاب.
ولمَّا ذَكَر ما يعمُّ القسمين قال: إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين، وقال: فإذا لم يدر أحدكم كم صلَّى فليسجد سجدتين وهو جالسٌ، فلمَّا ذكر النَّقص مطلقًا والزِّيادة مطلقًا والشَّكَّ؛ أمر بسجدتين مطلقًا ولم يُقيِّدهما بما قبل السَّلام. ولمَّا أمر بالتَّحرِّي أمر بالسَّجدتين بعد السَّلام، فهذه أوامره ﷺ في هذه الأبواب لا تَعْدِلْ عنها.
الشيخ: "لا يعدل" أو "لا تعدل عنها"، لكن "لا يعدل عنها" أحسن.
القارئ:
الشيخ: "لا يعدل"، نعم.
القارئ:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، ولكن مَن سجد قبل السَّلام مطلقًا أو بعد السَّلام مطلقًا مُتأوِّلًا فلا شيء عليه، وإن تبيَّن له فيما بعد ُالسُّنَّةُ استأنف العمل فيما تبيَّن له ولا إعادة عليه.
وكذلك كلُّ مَن ترك واجبًا لم يَعلم وجوبه، فإذا عَلم وجوبه فَعَله، ولا تلزمه الإعادة فيما مضى في أصحِّ القولين في مذهب أحمد وغيره.
وكذلك مَن فَعَل محظورًا في الصَّلاة لم يعلم أنَّه محظورٌ ثمَّ علم؛ كمن كان يُصلِّي في أعطان الإبل، أو لا يتوضَّأ الوضوء الواجب الَّذي لم يعلم وجوبه؛ كالوضوء مِن لحوم الإبل. وهذا بخلاف النَّاسي؛ فإنَّ العالم بالوجوب إذا نسي صلَّى متى ذكر، كما قال ﷺ: من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها. وأمَّا من لم يعلم الوجوب، فإذا عَلِمه صلَّى صلاة الوقت وما بعدها ولا إعادة عليه.
الشيخ: وهذا هو الصواب، إذا كان مثلًا جاهلًا ما يعرف الفاتحة واجبة عليه، أو جاهلًا ما يعرف أن لحوم الإبل يتوضأ منها ثم علم بعد هذا؛ لا يعيد ما مضى، ولكن يستقبل العمل مثلما أمر النبيُّ الأعرابيَّ الجاهلَ الذي نَقَر صلاته، أَمَره أن يُعيد الصلاة الحاضرة ولم يأمره أن يعيد الصلوات الماضية، بل أمره أن يعيد الصلاة، وقال: ارجع فصلِّ فإنك لم تُصَلِّ، ثم علَّمه عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا يقع من كثير من الناس بسبب الجهل.
القارئ:
كما ثبت في الصَّحيحين: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال للأعرابيِّ المسيء في صلاته: ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ قال: والَّذي بعثك بالحقِّ لا أُحسِن غير هذا، فعَلِّمني ما يَجْزيني في صلاتي. فعلَّمه ﷺ، وقد أمره بإعادة صلاة الوقت ولم يأمره بإعادة ما مضى من الصَّلاة مع قوله: "لا أُحسن غير هذا".
وكذلك لم يأمر عمر وعمَّارًا بقضاء الصَّلاة، وعمر لمَّا أجنب لم يُصَلِّ، وعمَّارٌ تمرَّغ كما تتمرَّغ الدَّابَّة، ولم يأمر أبا ذرٍّ بما تركه من الصَّلاة وهو جنبٌ، ولم يأمر المستحاضة أن تقضي ما تركت مع قولها: "إنِّي أستحاض حيضةً شديدةً منعتني الصَّوم والصَّلاة"، ولم يأمر الَّذين أكلوا في رمضان حتَّى تَبَيَّن لهم الحبال البيض من السُّود بالإعادة.
والصَّلاةُ أوَّلَ ما فُرضت كانت ركعتين ركعتين، ثمَّ لمَّا هاجر زِيدَ في صلاة الحضر ففُرضت أربعًا، وكان بمكَّة وأرض الحبشة والبوادي كثيرٌ من المسلمين لم يعلموا بذلك إلَّا بعد مدَّةٍ، وكانوا يصلُّون ركعتين فلم يأمرهم بإعادة ما صلَّوا، كما لم يأمر الَّذين كانوا يُصَلُّون إلى القبلة المنسوخة بالإعادة مُدَّةَ صلاتهم إليها قبل أن يَبلغهم النَّاسخ.
فعُلم أنَّه لا فرق بين الخطاب المبتدأ والخطاب النَّاسخ، والرَّكعتان الزَّائدتان إيجابهما مبتدأٌ، وإيجاب الكعبة ناسخٌ، وكذلك التَّشهُّد وغيره إنَّما وجب في أثناء الأمر، وكثيرٌ من المسلمين لم يبلغهم الوجوب إلَّا بعد مدَّة. ومن المنسوخ أنَّ جماعةً من أكابر الصَّحابة كانوا لا يغتسلون من الإقحاط.
الشيخ: من الإقحاط.
القارئ: لا يغتسلون من الإقحاط.
الشيخ: يعني: إذا جامع ولم يُنزل، إذا جامع ولم ينزل يُسمى: "إقحاطًا"، من القحط: وهو عدم المطر، الإقحاط: كونه يجامع ولا ينزل.
القارئ:
كانوا لا يغتسلون من الإقحاط؛ بل يرون الماء من الماء حتَّى ثبت عندهم النَّسخ، ومنهم من لم يثبت عنده النَّسخ وكانوا يصلُّون بدون الطَّهارة الواجبة شرعًا لعدم علمهم بوجوبها ويصلِّي أحدهم وهو جنبٌ.
فصلٌ:
إذا نسي السُّجود حتَّى فعل ما ينافي الصَّلاة من كلامٍ وغيره؛ فقد ثبت في الصَّحيحين عن ابن مسعودٍ عن النَّبيِّ ﷺ: «أنَّه سجد بعد السَّلام والكلام»، فقد بيَّن ذلك في الصَّحيحين أنَّه صلَّى بهم الظُّهر خمسًا، فلمَّا انفتل توشوش القوم فيما بينهم فقال: ما شأنكم؟، قالوا: يا رسول اللَّه، زِيدَ في الصَّلاة؟ قال: لا. قالوا: فإنَّك صلَّيت خمسًا فانفتل ثمَّ سجد سجدتين ثمَّ سلَّم». وهذا قول جمهور العلماء، وهو مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد وغيره.
وعن أبي حنيفة: أنَّه إن تكلَّم بعد السَّلام سقط عنه سجود السَّهو؛ لأنَّ الكلام ينافيها، فهو كالحدث. وعن الحسن ومحمَّدٍ: إذا انصرف وجهه عن القِبلة لم يَبْنِ ولم يسجد.
والصَّواب قول الجمهور كما نطقت به السُّنَّة؛ فإنَّه ﷺ سجد بعد انصرافه وانفتاله وإقباله عليهم، وبعد تحدُّثهم، وبعد سؤاله لهم وإجابتهم إيَّاه.
الشيخ: وهذا هو الصواب، هذا نصُّ الحديث، هذا هو الصواب، إذا زاد خامسةً في الظهر والعصر والعشاء، أو رابعة في المغرب، أو ثالثة في الفجر، ثم نُبِّه بعد السلام؛ يسجد للسهو -والحمد لله- ولو تكلم.
القارئ:
وحديث ذي اليدين أبلغ في هذا؛ فإنَّه «صلَّى ركعتين ثمَّ قام إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجد فاتَّكأ عليها، ثمَّ قال له ذو اليدين: أقَصَرْتَ الصَّلاة، أم نسيت؟ وأجابه، ثمَّ سأل الصَّحابة فصدَّقوا ذا اليدين، فعاد إلى مكانه فصلَّى الرَّكعتين ثمَّ سجد بعد السَّلام سجدتي السَّهو»، وقد خرج السَّرَعان من النَّاس يقولون: قَصَرْتَ الصَّلاة، قصرت الصَّلاة.
وفي حديث عمران وهو في الصَّحيحين: «أنَّه سلَّم في ثلاثٍ من العصر ثمَّ دخل منزله، وقام إليه الخِرْباق فذكر له صنيعه، وأنَّه خرج يَجُرُّ رداءه حتَّى انتهى إلى النَّاس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم. وهذه القصَّة إمَّا أن تكون غير الأولى، وإمَّا أن تكون هي إيَّاها لكن اشتبه على إحدى الرَّاويين.
الشيخ: "أحد"، "على أحد الراويين".
القارئ:
الشيخ: والصواب: أنها قصتان: قصة ذي اليدين من حديث أبي هريرة، وقصة عِمران بن حصين أخرى. هذه سلَّم من ثلاثٍ، وذو اليدين سلَّم من ثنتين.
وذلك مِن نعم الله على عباده؛ حتى يعرفوا الأحكام، حتى تُشرع الأحكام، اللهُ قَدَّر سَهْوه ﷺ حتى يُشرِّع الأحكام ويُعلِّم الناس أحكام هذا السهو: إذا سلَّم من ثنتين، إذا سلم من ثلاث، إذا نسي التشهد الأول، إذا زاد خامسة ثم سلم ناسيًا، الله جل وعلا قدَّر هذا حتى يعرف الناس الأحكام الشرعية في السهو.
القارئ:
والآخر دخوله منزله، ثمَّ من بعد هذا القولِ والعملِ وخروجه من المسجد.
والسَّرَعان مِن النَّاس لا ريب أنَّه أَمَرهم بما يعملون، فإمَّا أن يكونوا عادوا أو بعضهم إلى المسجد فأتمُّوا معه الصَّلاة بعد خروجهم من المسجد، وقولهم: قصرتَ الصَّلاة قصرت الصَّلاة. وإمَّا أن يكونوا أتمُّوا لأنفسهم لمَّا علموا السُّنَّة، وعلى التَّقديرين فقد أتمُّوا بعد العمل الكثير والخروج من المسجد.
وأمَّا أن يقال: إنَّهم أُمروا باستئناف الصَّلاة؛ فهذا لم ينقله أحدٌ، ولو أَمَر به لَنُقل، ولا ذنب لهم فيما فعلوا، وهو في إحدى صلوات الخوف يُصلِّي بطائفةٍ ركعةً والأخرى بإزاء العدوِّ، ثمَّ يَمْضون إلى مَصَافِّ أصحابهم وهم في الصَّلاة فيعملون عملًا ويستدبرون القبلة، ثمَّ يأتي أولئك فيُصلِّي بهم ركعةً ثمَّ يمضون إلى مصافِّ أصحابهم، ثمَّ يصلِّي هؤلاء لأنفسهم ركعةً أخرى وهؤلاء ركعةً أخرى.
وفي ذلك مَشْي كثيرٌ، واستدبارٌ للقبلة وهم في الصَّلاة، وقد يتأخَّر كلُّ طائفةٍ من هؤلاء وهؤلاء في الرَّكعة الأولى والثَّانية بمَشْيِها إلى مَصَافِّ أصحابها، ثمَّ يجيء أصحابها إلى خلف الإمام، ثمَّ بصلاتهم خلف الإمام ثمَّ برجوعهم إلى مَصَافِّ أولئك، ثمَّ بعد هذا كلِّه يُصَلُّون الرَّكعةَ الثَّانية وهم قيامٌ فيها مع هذا العمل والانتظار لكن لا يصلُّون الرَّكعة إلَّا بعد هذا كلِّه.
فعُلم أنَّ الموالاة بين ركعات الصَّلاة لم تجب مع العدوِّ، وموالاة السَّجدتين مع الصَّلاة أولى؛ بخلاف الموالاة بين أبعاض الرَّكعة. وهذا مذهب مالكٍ وأحمد.
ولهذا إذا نسي ركنًا كالرُّكوع مثلًا فإن ذكر في الأولى، مثل أن يذكر بعد أن يسجد السَّجدتين؛ فإنَّه يأتي بالرُّكوع وما بعده، ويَلْغُو ما فَعَله قبل الرُّكوع؛ لأنَّ الفصل يسيرٌ. وهذا قول الجماعة، وإن شرع في الثَّانية إمَّا في قراءتها عندهم وإمَّا في ركوعها على قول [الجماعة، وإن شرع في الثَّانية إمَّا في قراءتها عندهم وإمَّا في ركوعها على قول] مالكٍ، فعند الشَّافعيِّ يلغو ما فعله بعد الرُّكوع إلى أن يركع في الثَّانية، فيقوم مقام ركوع الأولى وإن طال الفصل، ويُلفِّق الرَّكعة من ركعتين، وقد رجَّح أحمد هذا على قول الكوفيِّين، وحكي روايةٌ عنه، والمشهور عنه وعن مالكٍ أنَّهما لا يلفِّقان، بل تلغو تلك الرَّكعة المنسيُّ ركنها، وتقوم هذه مقامهما.
الشيخ: مقامها.
القارئ: نعم؟
الشيخ: مقام التي ترك ركوعها، نسي وسجد ثم تنبه؛ بطلت الأولى وقامت التي بعدها مقامها.
القارئ:
فيكون ترك الموالاة مبطلًا للرَّكعة على أصلهما، لا يَفصل بين ركوعها وسجودها بفاصل أجنبيٍّ عنها؛ فإنَّ أدنى الصَّلاة ركعةٌ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: من أدرك ركعةً من الصَّلاة فقد أدرك.
والرَّكعة إنَّما تكون ركعةً مع الموالاة، أمَّا إذا ركع ثمَّ فعل أفعالًا أجنبيَّةً عن الصَّلاة ثمَّ سجد لم تكن هذه ركعةً مؤلَّفةً من ركوعٍ وسجودٍ؛ بل يكون ركوعٌ مفردٌ وسجودٌ مفردٌ، وهذا ليس بصلاة، والسُّجود تابعٌ للرُّكوع، فلا تكون صلاةٌ إلَّا بركوعٍ يتبعه سجودٌ، وسجودٌ يتبعه ركوعٌ. وبَسْط هذا له موضعٌ آخر، لكنَّ هؤلاء لهم عذر الخوف، وأولئك لهم عذر السَّهو وعدم العلم.
وقد اختُلف في السُّجود والبناء بعد طُولِ الفصل، فقيل: إذا طال الفصل لم يسجد ولم يَبْن. ولم يَحُدَّ هؤلاء طُولَ الفصل بغير قولهم، وهذا قولُ كثيرٍ من أصحاب الشَّافعيِّ وأحمد؛ كالقاضي أبي يعلى وغيره، وهؤلاء يقولون: قد تَقصُر المدَّة وإن خرج، وقد تطول وإن قعد.
وقيل: يسجد ما دام في المسجد، فإن خرج انقطع. وهذا هو الَّذي ذكره الخِرَقِيُّ وغيره، وهو منصوصٌ عن أحمد، وهو قول الحكم وابن شُبْرمة، وهذا حَدٌّ بالمكان لا بالزَّمان، لكنَّه حدٌّ بمكان العبادة.
وقيل: كلٌّ منهما مانعٌ من السُّجود: طول الفصل، والخروج من المسجد. وعن أحمد روايةٌ أخرى: أنَّه يسجد وإن خرج من المسجد وتباعَدَ، وهو قولٌ للشَّافعيِّ، وهذا هو الأظهر؛ فإنَّ تحديد ذلك...
الشيخ: كما تقدم، متى ذكر السجدتين التي نسيها -سجدتي السهو- متى ذكرها أتى بها كما تقدم للمؤلف رحمه الله.
القارئ:
فإنَّ تحديد ذلك بالمكان أو بزمانٍ؛ لا أصل له في الشَّرع، لا سيَّما إذا كان الزَّمان غير مضبوطٍ، فطُولُ الفصل وقِصَرُه ليس له حدٌّ معروفٌ في عادات النَّاس ليرجع إليه، ولم يدلَّ على ذلك دليلٌ شرعيٌّ، ولم يُفرِّق الدَّليل الشَّرعيُّ في السُّجود والبناء بين طول الفصل وقصره، ولا بين الخروج من المسجد والمكث فيه، بل قد دخل هو ﷺ إلى منزله وخرج السَّرَعانُ من النَّاس، كما تقدَّم.
ولو لم يَرِد بذلك شرعٌ فقد عُلم أنَّ ذلك السَّلامَ لم يمنع بناءَ سائر الصَّلاة عليها، فكذلك سَجْدتا السَّهو يُسْجدان متى ما ذكرهما.
وإن تركهما عمدًا: فإمَّا أن يقال: يسجدهما أيضًا مع إثمه بالتَّأخير كما تُفعل جُبْرانات الحجِّ وهي في ذمَّته إلى أن يفعلها، فالموالاة فيها ليست شرطًا كما يُشترط مع القدرة في الرَّكعات. فلو سلَّم من الصَّلاة عمدًا بطلت صلاته باتِّفاق النَّاس؛ لأنَّ الصَّلاة في نفسها عبادةٌ واحدةٌ لها تحليلٌ وتحريمٌ؛ بخلاف السَّجدتين بعد السَّلام فإنَّهما يُفْعلان بعد تحليل الصَّلاة كما يُفعَل طواف الإفاضة بعد التَّحلُّل الأوَّل.
وإمَّا أن يقال: الموالاة شرطٌ فيها مع القدرة، وإنَّما تسقط بالعذر كالنِّسيان، والعجز كالموالاة بين ركعات الصَّلاة؛ وعلى هذا فمتى أخَّرهما لغير عذرٍ بطلت صلاته؛ إذ لم يُشرَع فَصْلهما عن الصَّلاة إلَّا بالسَّلام فقط، وأَمَر بهما عقب السَّلام، فمتى تكلَّم عمدًا أو قام أو غير ذلك ممَّا يقطع التَّتابع عالمًا عامدًا بلا عذرٍ بطلت صلاته كما تبطل إذا ترك السَّجدتين قبل السَّلام.
الشيخ: والصواب: أنها لا تبطل، لكن متى ذكر سجد سجدتي السهو، إذا سلم ولم يسجد سجدتي السهو ثم ذكرهما أتى بهما في المسجد أو بعده، وصلاته صحيحة.
القارئ:
فصلٌ:
فأمَّا التَّكبير في سجود السَّهو؛ ففي الصَّحيحين في حديث ابن بُحَيْنة: «فلمَّا أتمَّ صلاته سجد سجدتين يُكبِّر في كلِّ سجدةٍ وهو جالسٌ قبل أن يُسلِّم، وسَجَدَهما النَّاس معه مكانَ ما نسي من الجلوس»، هذا في السُّجود قبل السَّلام. وأمَّا بعده فحديث ذي اليدين الَّذي في الصَّحيحين عن أبي هريرة قال: «فصلَّى ركعتين وسلَّم، ثمَّ كبَّر وسجد، ثمَّ كبَّر فرفع، ثمَّ كبَّر وسجد، ثمَّ كبَّر فرفع».
والتَّكبير قول عامَّة أهل العلم؛ ولكن تنازعوا في التَّشهُّد والتَّسليم على ثلاثة أقوالٍ:
فرُوي عن أنسٍ والحسن وعطاءٍ: أنَّه ليس فيهما تشهُّدٌ ولا تسليمٌ، ومَن قال هذا قاله تشبيهًا بسجود التِّلاوة؛ لأنَّه سجودٌ مُفرَدٌ فلم يكن فيه تشهُّدٌ ولا تسليمٌ كسجود التِّلاوة، فإنَّه لم يَنقل أحدٌ فيه عن النَّبيِّ ﷺ تسليمًا. وكذلك قال أحمد وغيره.
وقال أحمد: أمَّا التَّسليم فلا أدري ما هو، وجمهور السَّلف على أنَّه لا تسليم فيه، ومَن أثبت التَّسليم فيه أثبته قياسًا وهو قياسٌ ضعيفٌ؛ لأنَّه جعله صلاةً، وأضعفُ منه مَن أثبت فيه التَّشهُّد قياسًا.
والقول الثَّاني: أنَّ فيهما تشهُّدًا، يتشهَّد ويُسلِّم إذا سجدهما بعد السَّلام، وهذا مَرْويٌّ عن ابن عبَّاسٍ، والنَّخَعيِّ، والحكم، وحمَّادٍ، والثَّوريِّ، والأوزاعي، والشَّافعيِّ، وأحمد، وأصحاب الرَّأي.
والثَّالث: فيهما تسليمٌ بغير تشهُّدٍ، وهو قول ابن سيرين، قال ابن المنذر: التَّسليم فيهما ثابتٌ من غيرِ وجهٍ، وفي ثبوت التَّشهُّد نظرٌ، وعن عطاءٍ: إن شاء تشهَّد وسلَّم، وإن شاء لم يفعل.
قال أبو محمَّدٍ: ويحتمل ألا يجب التَّشهُّد؛ لأنَّ ظاهر الحديثين الأوَّلين أنَّه سلَّم من غير تشهُّدٍ، وهي أصحُّ من هذه الرِّواية؛ ولأنَّه سجودٌ مفردٌ، فلم يجب له تشهُّدٌ كسجود التِّلاوة.
قلت: أمَّا التَّسليم فيهما فهو ثابتٌ في الأحاديث الصَّحيحة: حديث ابن مسعودٍ، وحديث عمران.
الشيخ: وهذا هو الصواب: أن سجود السهو ليس فيه تشهد، إنما يسجد سجدتين ثم يسلِّم كما في حديث ذي اليدين وحديث ابن مسعود، يسجدهما بعد السلام ثم يسلم كما قبل السلام، إذا سجدهما قبل السلام كفاه التشهد الذي قبلهما، كما في حديث ابن بُحَينة، فسجود السهو ليس بعده تشهد على الراجح، إنما يسجد سجدتين ثم يسلم، سواء سجدهما قبل السلام أو سجدهما بعد السلام.
القارئ:
ففي الصَّحيحين من حديث ابن مسعودٍ كما تقدَّم، قال: صلَّى رسول اللَّه ﷺ، قال إبراهيم: زاد أو نقص، فلمَّا سلَّم قيل له: يا رسول اللَّه، أحَدَث في الصَّلاة شيءٌ؟ قال: وما ذاك؟. قالوا: صلَّيت كذا وكذا. قال: فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثمَّ سلَّم ثمَّ أقبل علينا بوجهه. الحديث.
وفي الصَّحيحين أيضًا من حديث عمران بن حصينٍ قال: فصلَّى ركعةً ثمَّ سلَّم، ثمَّ سجد سجدتين ثمَّ سلَّم.
الشيخ: يعني لما سلَّم عن ثلاثٍ ونُبِّه؛ صلى الرابعة وسلَّم ثم سجد سجدتي السهو بعد السلام ثم سلم.
القارئ:
وكذلك ذكر محمَّد بن سيرين لمَّا روى حديثَ أبي هريرة، قال: ونُبِّئت أنَّ عمران بن حصينٍ قال: "ثمَّ سلَّم"، وابن سيرين ما كان يروي إلَّا عن ثقةٍ. والفرق بين هاتين وبين سجود التِّلاوة: أنَّ هاتين صلاةٌ، وأنَّهما سجدتان، وقد أقيمتا مقام ركعةٍ وجُعِلَتا جابرتين لنقص الصَّلاة، فجُعِل لهما تحليلٌ كما لهما تحريمٌ. وهذه هي الصَّلاة، كما قال: مفتاح الصَّلاة الطُّهور، وتحريمها التَّكبير، وتحليلها التَّسليم.
وأمَّا «سجود التِّلاوة»: فهو خضوعٌ للَّه، وكان ابن عمر وغيره يسجدون على غير وضوءٍ، وعن عثمان بن عفان في الحائض تَسمع السَّجدة قال: تومئ برأسها. وكذلك قال سعيد بن المسيِّب، قال: ويقول: اللَّهمَّ لك سجدت. وقال الشَّعبيُّ: مَن سمع السَّجدة وهو على غير وضوءٍ يسجد حيث كان وجهه، وقد سجد رسول اللَّه ﷺ، وسجد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنس، ففَعَله الكافر والمسلم، وسجد سحرة فرعون.
وعلى هذا فليس بداخلٍ في مسمَّى الصَّلاة، ولكنْ سَجْدتا السُّجود يُشبهان صلاةَ الجنازة؛ فإنَّها قيامٌ مجرَّدٌ، لكن هي صلاةٌ فيها تحريمٌ وتحليلٌ؛ ولهذا كان الصَّحابة يتطهَّرون لها، ورخَّص ابن عبَّاسٍ في التَّيمُّم لها إذا خَشي الفوات، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين. وهي كسجدتي السَّهو يُشترط لها استقبال الكعبة، والاصطفاف كما في الصَّلاة. والمؤتمُّ فيه تبعٌ للإمام لا يُكبِّر قبله ولا يسلِّم قبله كما في الصَّلاة؛ بخلاف سجود التِّلاوة فإنَّه عند كثيرٍ من أهل العلم يسجد وإن لم يسجد القارئ.
والحديث الَّذي يُروى: «إنَّك إمامنا، فلو سجدت لسجدنا» مِن مراسيل عطاءٍ، وهو من أضعف المراسيل، قاله أحمد وغيره.
ومَن قال: إنَّه لا يسجد إلَّا إذا سجد؛ لم يجعله مُؤتمًّا به مِن كلِّ وجهٍ، فلا يُشترط أن يكون المستمعون يسجدون جميعًا صفًّا كما يسجدون خلف الإمام للسَّهو، ولا يُشترط أن يكون الإمام إمامه كما في الصَّلاة، وللمأموم أن يرفع قبل إمامه؛ فعُلم أنَّه ليس بمؤتمٍّ به في صلاةٍ، وإن قيل: إنَّه مؤتمٌّ به في غير صلاةٍ كائتمام المؤمِّن على الدُّعاء بالدَّاعي، وائتمام المستمع بالقارئ.
فصلٌ:
وأمَّا التَّشهُّد في سجدتي السَّهو، فاعتمَد مَن أثبته على ما رُوي من حديث عمران بن حصينٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهم فسها، فسجد سجدتين ثمَّ تشهَّد ثمَّ سلَّم». رواه أبو داود، والتِّرمذي وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
قلت: كونه غريبًا يقتضي أنَّه لا متابع لمن رواه، بل قد انفرد به، وهذا يُوهي هذا الحديث في مثل هذا؛ فإنَّ رسول اللَّه ﷺ قد ثبت عنه أنَّه سجد بعد السَّلام غير مرَّةٍ، كما في حديث ابن مسعودٍ لمَّا صلَّى خمسًا، وفي حديث أبي هريرة حديث ذي اليدين، وعمران بن حصينٍ لمَّا سلَّم، سواءٌ كانت قضيَّتين أو قضيَّةً واحدةً، وثبت عنه أنَّه قال: إذا شكَّ أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصَّواب فليتمَّ عليه، ثمَّ يسلِّم، ثمَّ يسجد سجدتين، وقال في حديث أبي هريرة الصَّحيح: فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين.
وليس في شيءٍ من أقواله أمرٌ بالتَّشهُّد بعد السُّجود، ولا في الأحاديث الصَّحيحة المتلقَّاة بالقبول أنَّه يتشهَّد بعد السُّجود، بل هذا التَّشهُّد بعد السَّجدتين عملٌ طويلٌ بقدر السَّجدتين أو أطول.
ومثل هذا ممَّا يُحفظ ويُضبط وتتوفَّر الهمم والدَّواعي على نقله، فلو كان قد تشهَّد لَذَكر ذلك مَن ذكر أنَّه سجد، وكان الدَّاعي إلى ذِكر ذلك أقوى من الدَّاعي إلى ذكر السَّلام وذكر التَّكبير عند الخفض والرَّفع، فإنَّ هذه أقوالٌ خفيفةٌ، والتَّشهُّد عملٌ طويلٌ، فكيف ينقلون هذا ولا ينقلون هذا!
وهذا التَّشهُّد عند مَن يقول به كالتَّشهُّد الأخير؛ فإنَّه يتعقَّبه السَّلام فتسنُّ معه الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ والدُّعاء، كما إذا صلَّى ركعتي الفجر أو ركعة الوتر وتشهَّد. ثمَّ الَّذي في الصَّحيح من حديث عمران ليس فيه ذكر التَّشهُّد، فانفراد واحدٍ بمثل هذه الزِّيادة الَّتي تتوفَّر الهمم والدَّواعي على نقلها يُضعف أمرها. ثمَّ هذا المنفرد بها يجب أن يُنظر لو انفرد بحديثٍ هل يثبت أنَّه شريعةٌ للمسلمين؟!
وأيضًا: فالتَّشهُّد إنَّما شُرع في صلاةٍ تامَّةٍ ذاتِ ركوعٍ وسجودٍ، لم يُشرع في صلاة الجنازة مع أنَّه يقرأ فيها بأمِّ القرآن، وسجدتا السَّهو لا قراءة فيهما، فإذا لم يُشرع في صلاةٍ فيها قراءةٌ وليست بركوع وسجودٍ فكذلك في صلاةٍ ليس فيها قيامٌ ولا قراءةٌ ولا ركوعٌ.
وقد يقال: إنَّه أولى وأنفع، فليس هو مشروعًا عقب سجدتي الصَّلب، بل إنَّما يتشهَّد بعد ركعتين لا بعد كلِّ سجدتين، فإذا لم يتشهَّد عقب سجدتي الصَّلب وقد حصل بهما ركعةٌ تامَّةٌ فألا يتشهَّد عقب سجدتي السَّهو أولى؛ وذلك أنَّ عامَّةَ سجدتي السَّهو أن يقوما مقام ركعةٍ؛ كما قال ﷺ: فإن كان قد صلَّى خمسًا شفعتا له صلاته، وإن كان صلَّى لتمامٍ كانتا ترغيمًا للشَّيطان، فجعلهما كركعة لا كركعتين.
وهي ركعةٌ متَّصلةٌ بغيرها، ليست كركعة الوتر المستقلَّة بنفسها؛ ولهذا وجبت فيها الموالاة: أن يسجدهما عقب السَّلام، لا يتعمد تأخيرهما، فهو كما لو سجدهما قبل السلام، وقبل السلام لا يُعيد التشهد بعدهما، فكذلك لا يعيد بعد السلام.
ولأن المقصود أن يختم صلاته بالسجود لا بالتشهد، بدليل أن السجود قبل السلام لم يُشرع قبل التشهد بل إنما شُرع بعد التشهد، فعُلم أنه جُعل خاتمًا للصلاة ليس بعده إلا الخروج منها؛ ولأن إعادة التشهد والدعاء يقتضي تكرير ذلك مع قُرب الفصل بينهما، فلم يكن ذلك مشروعًا كعادته إذا سجد قبل السلام؛ ولأنه لو كان بعدهما تشهُّدٌ لم يكن المشروع سجدتين، والنبي ﷺ إنما أمر بسجدتين فقط لا بزيادةٍ على ذلك، وسماهما: المرغمتين للشيطان.
فزيادة التَّشهُّد بعد السُّجود كزيادة القراءة قبل السُّجود، وزيادة تكبيرة الإحرام.
ومعلومٌ أنَّه لا افتتاح لهما، بل يكبِّر للخفض، لا يكبِّر وهو قاعدٌ، فعُلم أنَّهما داخلتان في تحريم الصَّلاة فيكونان جزءًا من الصَّلاة، كما لو سجدهما قبل السَّلام فلا يختصَّان بتشهُّدٍ ولكن يُسلِّم منهما؛ لأنَّ السَّلام الأوَّل سقط فلم يكن سلامًا منهما؛ فإنَّ السَّلام إنَّما يكون عند الخروج.
وقد نفى بعض الصَّحابة والتَّابعين السَّلام منهما كما أنَّه لا تحريم لهما؛ لكنَّ الصَّوابَ الفرقُ كما وَرَدَتْ به السُّنَّة الصَّحيحة. واللَّه أعلم.
الشيخ: والخلاصة: أنه إذا سجد بعد السلام يسجد سجدتين ثم يسلم، هذا هو الصواب كما جاء في حديث ابن مسعود وعمران بن حصين؛ لأنهما تمامٌ للصلاة وكمالٌ لها، كما لو سجدهما قبل السلام فإنه يسجدهما ثم يسلم.
القارئ:
وسئل رحمه الله: عمَّن صلَّى بجماعة رباعيَّةٍ فسها عن التَّشهُّد، وقام فسبَّح بعضهم فلم يقعد وكمَّل صلاته وسجد وسلَّم، فقال جماعةٌ: كان ينبغي إقعاده، وقال آخرون: لو قعد بطلت صلاته، فأيُّهما على الصَّواب؟
فأجاب: أمَّا الإمام الَّذي فاته التَّشهُّد الأوَّل حتَّى قام فسَبِّح به فلم يرجع وسجد للسَّهو قبل السَّلام فقد أحسن فيما فعل، هكذا صَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ، ومَن قال: كان ينبغي له أن يقعد أخطأ، بل الَّذي فعله هو الأحسن. ومَن قال: لو رجع بطلت صلاته؛ فهذا فيه قولان للعلماء:
أحدهما: لو رجع بطلت صلاته، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأحمد في روايةٍ.
والثَّاني: إذا رجع قبل القراءة لم تبطل صلاته، وهي الرِّواية المشهورة عن أحمد. واللَّه أعلم.
الشيخ: والصواب: أنه إذا قام لا يرجع، سها قام؛ لا يرجع، ويسجد للسهو بعد السلام عن التشهد الأول، لكن لو ذكر قبل أن يقرأ ورجع لا حرج، صلاته صحيحة، ولكن يُكره له الرجوع في هذه الحالة؛ لأن الرسول لم يرجع عليه الصلاة والسلام.
فالمقصود أنه إذا قام يستمر ويسجد للسهو قبل السلام، إذا قام من التشهد الأول ونُبِّه ولم يرجع لا حرج. أما لو نُبِّه عند النهوض فإنه يجلس، أو تَذَكَّر عند النهوض يجلس حتى يأتي بالتشهد الأول.
القارئ:
وسئل رحمه الله: عن إمامٍ قام إلى خامسةٍ فسَبِّح به فلم يَلتفت لقولهم، وظنَّ أنَّه لم يَسْهُ، فهل يقومون معه أم لا؟
فأجاب: إن قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم؛ لكن مع العلم لا ينبغي لهم أن يتابعوه، بل ينتظرونه حتَّى يُسلِّم بهم أو يسلِّموا قبله، والانتظار أحسن. واللَّه أعلم.
الشيخ: وهذا هو السُّنة: أن ينتظروا إذا سها، عليهم أن ينتظروا حتى يسلموا معه، مثلما فعل الصحابة لما قام النبي إلى خامسةٍ انتظروه، ولما سلَّم أشعروه فقال: لو حدث شيء أنبأتكم به، فإذا نسيت فذكروني، ثم سجد للسهو عليه الصلاة والسلام، فهو إذا قام ونبَّهوه ولم يرجع ينتظرونه، ومن كان لا يعلم يقوم معه، الذي ما عنده خبرٌ يقوم معه فإذا سجد سجدوا معه.
أحد الطلاب: والمسبوق بركعة؟
الشيخ: يجلس -إذا كان لا يعلم- إذا كان يعلم أنها زائدة، أما إذا كان لا يعلم يقوم ويتابع الإمام، ولكن لا يعتد بها، إذا ثبت أنها زائدة لا يعتد بها، يقضي بعد ذلك.