الفصل الثامن والخمسون: في الفأل والطيرة

الفصل الثامن والخمسون: في الفأل والطيرة

قال النبي ﷺ: لا عدوى، ولا طيرة، وأصدقها الفأل، قيل: وما الفأل؟ قال: الكلمة الحسنة يسمعها الرجل.

وكان النبي ﷺ يُعجبه الفأل، كما كان في سفر الهجرة فلقيهم رجلٌ، فقال: ما اسمك؟ قال: بُريدة. قال: برد أمرنا.

وقال ﷺ: رأيتُ في منامي كأني في دار عقبة بن رافع، وأُتِينَا بِرُطَبٍ من رُطَبِ ابن طابٍ، فأوَّلتُها الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة لنا في الآخرة، وأن ديننا قد طاب.

وأما الطيرة فقال معاوية بن الحكم: قلتُ: يا رسول الله، منا رجالٌ يتطيرون. قال: ذلك شيءٌ تجدونه في صدوركم، فلا يَصُدَّنَّكم.

وهذه الأحاديث في الصِّحاح.

وعن عقبة بن عامرٍ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الطيرة فقال: أصدقها الفأل، ولا تَردُّ مسلمًا، وإذا رأيتم من الطيرة شيئًا تكرهونه فقولوا: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأحاديث تتعلق بالطيرة والفأل.

بيَّن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة -في الصحيحين وغيرهما- أنه لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صَفَر، ولا نَوْء، ولا غُوْل، وأن هذه من الأشياء التي اعتادها أهل الجاهلية ويعتقدونها، وهي باطلةٌ، فليس هناك شيءٌ يُعْدِي بطبعه؛ ولهذا لما قال رجلٌ: يا رسول الله، الإبل تكون في الفلاة كالظِّباء، فيأتيها البعير الأجرب فتُجرب، قال: فمَن أجرب الأول؟ يعني: مَن أعدى الأول؟ الذي أنزله بالأول هو الذي أنزله بالأخيرات، ولكن الله جعل الخُلطة قد تكون سببًا، الاختلاط قد يكون سببًا في انتقال البلاء، ولكن ليس بطبعه، بأمر الله وتكوينه وإذنه وقدره جلَّ وعلا.

ولهذا ثبت في الحديث الصحيح، يقول ﷺ: لا يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ أي: لا يُورِد صاحب إبلٍ مِرَاضٍ على صاحب إبلٍ صِحَاحٍ، فهذا في وقتٍ، وهذا في وقتٍ، كل واحدٍ ينفرد.

وقال ﷺ: فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد، فهذا يفيد أنه ينبغي البُعد عن المُخالطة لمَن كانت أمراضه في الغالب تنتقل، ولكن يعلم المؤمن أنها لا تنتقل بطبعها، ولا بذاتها، ولكنه بإذن الله وتكوينه وقدره سبحانه ومشيئته جلَّ وعلا، فالمؤمن يتوقَّى الشر، ويبتعد عن المُخالطة للشيء الذي يُخْشَى منه.

وقد ثبت عنه ﷺ أنه جاءه جماعةٌ فيهم إنسانٌ مجذومٌ فبايعهم، وقال للمجذوم: قد بايعتُكَ، ولا حاجة إلى مجيئك.

وجاء عنه ﷺ أنه أخذ بيد مجذومٍ فأكل معه، وقال: كُلْ، بسم الله، ثقةً بالله؛ ليُبين للناس أن هذا ليس بأمرٍ لازمٍ، بل قد يختلط الرجل الصحيح مع المريض بالجُذَام وغيره ويسلم، إنما هي أمورٌ بيد الله.

المرء مأمورٌ بالأسباب، مأمورٌ بتعاطي أسباب الصحة، وأسباب العافية؛ ولهذا يُنْهَى عن اختلاطه بمَن ابتُلوا بأمراضٍ من عادتها ومن صفتها أنها تنتقل فتُعدي مَن خالطته؛ فلهذا قال ﷺ: لا يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ، وفِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد من باب ترك الأسباب الضَّارة، والأخذ بالأسباب النافعة، مع اعتقاد أن الأمور بيد الله، وأنه سبحانه هو الذي يُدبر الأمور، وهو الذي يقضي بانتقال هذا الداء وعدم انتقاله.

فالمؤمن يأخذ بالأسباب مع إيمانه بأن الأمور بيد الله، وأنه سبحانه هو النَّافع والضَّار، ومُسبب الأسباب، بيده الأمر كله .

ولما سُئِل قال له معاوية: مِنَّا أناسٌ يتطيرون. قال: «ذلك شيءٌ يجده أحدكم في صدره، فلا يَصُدَّنَّكم».

فـلا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صَفَر، ولا نَوْء، ولا غُول.

لا عدوى يعني: لا تُعْدِي بطبعها، بل قد يكون اختلاط المريض بالصحيح من أسباب الانتقال.

ولا طيرة التَّشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، وكانوا في الجاهلية يتشاءمون ويرجعون عن حاجاتهم، يتطيرون، فالنبي ﷺ أبطلها.

والطيرة ما أمضى الإنسان أو ردَّه، لا حقيقة لها، بل هي باطلةٌ وشركٌ، من قسم الشرك الأصغر، كما في الحديث الآخر: الطيرة شركٌ، الطيرة شركٌ، وما منا إلا، ولكن الله يُذْهِبه بالتَّوكل.

ولا هامة الهامة: طائرٌ يصيح في الغالب عند بيوتهم؛ فيقولون: قد نَعَى إلى أهل البيت صاحبهم، ويتطيرون منه، ويُقال: إنه البُومَة، فأبطل النبي ﷺ هذا، وأنه شيءٌ لا حقيقة له، بل هو باطلٌ.

كذلك الصَّفَر، بعضهم يتشاءم بشهر صفر، فأخبر النبي ﷺ أنه لا صَفَر، ليس فيه تشاؤمٌ، وبعضهم فسَّرها بأنها دابةٌ في البطن يُقال لها: صفر يتشاءمون بها بمُخالطة أصحابها، فأبطل النبي ﷺ ذلك.

ولا نَوْء النَّوء: النَّجم، والغُول: مُخَبَّلَة الجنِّ، نوعٌ من الجنِّ يَعْرِضون للناس في الصحاري، وفي البراري، وفي الطرقات، ويُقال لهم: مُخَبَّلَة الجنِّ، فهم لا يفعلون هذا بطبعهم، بل بأمر الله، وإذن الله وتكوينه .

فمَن ابتُلِيَ بشيءٍ من ذلك فليكن عنده من القوة والتوكل على الله ما يكفي؛ حتى يردع أولئك الشياطين، ويُخيِّب عملهم وسعيهم، ويقول عند الطيرة، إذا أحسَّ بشيءٍ يقول: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك.

فالطيرة لا تَرُدُّ مسلمًا عن حاجته، المسلم يمضي في حاجته، ويتعوذ بالله من شرِّ كل ذي شرٍّ، ولا تردّه عن حاجته، بل يقول: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك.

وفي حديث عبدالله بن عمرو: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك، هكذا المؤمن يعتصم بالله، ويتوكل عليه، ويمضي في حاجاته.

وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: أحسن الله إليك، مَن يَسُبُّ اليوم –مثلًا- يقول: إذا حصل حادثٌ –مثلًا- في يوم السبت وكذا يُقال: يوم السبت الأسود أو المشؤوم. ما حكمه؟ أحسن الله إليك.

ج: لا، ما يقول هذا، السبت والأحد ما عنده شيءٌ، لكن يُقال: أيامٌ نَحِساتٌ، كما قال الله في أيام عاد أنها أيامٌ نَحِساتٌ، فاليوم الذي أصابه فيه إذا قال: إنه يوم نَحْسٍ، ويومٌ مَشْؤومٌ عليه هو، بالنسبة إليه هو، كما قال الله في قصة عادٍ، فالله سلَّط عليهم الريح في أيامٍ نَحِسَاتٍ.

س: أحسن الله إليك، بعض الإخوة المقيمين -مثلًا- يقول بعضُهم لبعضٍ: يومك أسود. ما رأيكم في هذا؟ أحسن الله إليك.

ج: لا، ما ينبغي أن يقول له هذا، أقول: ينبغي له في مثل هذا أن يُخفف عليه ويقول: اصبر يا أخي واحتسب، ولا يزيد البلاء بلاءً، احتسب واصبر، والأمور بيد الله، والإنسان يُؤجر على المصيبة، مثلما قال ﷺ: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خيرٌ، إن أصابته ضَرَّاء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سَرَّاء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن.

ما يقول: يومك أسود، ويومك منحوسٌ، وأنت ما فيك خير. لا، يُصَبِّره ويقول: اصبر يا أخي، والأمور بيد الله: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127]، قل: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وما أشبه هذا من الكلام الطيب.

س: أحسن الله إليكم، إذا رأى شخصٌ شيئًا ما يكرهه من الغُول أو الجانّ يُؤَذِّن، السُّنة؟

ج: الأذان ينفع في هذا، يذكر الله، وإذا أذَّن طيبٌ، يطرد الشيطان.

س: ابن خزيمة يقول: ما في السنة حديثان مُتعارضان، مع أننا نرى هذين الحديثين اللذين هما: فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد، و«لا يُورِد ..».

ج: لا، مقصوده أن الجمع ممكنٌ، يعني: أنه يُجمع بينهما، المُطْلَق يُفَسَّر بالمُقيد، والعام يُفَسَّر بالخاص، ولا يمكن لابن خزيمة أن يُنكر وجود التَّعارض، لكن العلماء فَسَّروا الآيات المُتعارضة والأحاديث المُتعارضة بأن يُحْمَل المُطْلَق على المُقيد، والعام على الخاص، وهكذا، مثل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء:11]، هذا مُحْكَمٌ، ويقول النبي ﷺ: لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ، هذا مُستثنًى من القرآن، مُستثنًى، وهكذا في القاتل، وأشباه ذلك، مثل نصوصٍ كثيرةٍ.

س: مع أن السيوطي عدَّ سبعة أبوابٍ.

ج: لا ..... عند العلماء، ما يمكن لابن خزيمة ..... لكن مُراده أنها يُفَسِّر بعضها بعضًا، يعني: مُطْلَقها يُفَسَّر بمُقيدها، وعامّها يُفَسَّر بخاصِّها، ولا يمكن إنكار السُّنة.

س: الحديث الأول مُطْلَقٌ، والثاني مُقَيَّدٌ؟

ج: وأيش فيه؟

س: في هذا الباب الذي مَرَّ؟

ج: نعم.

س: فِرَّ من المجذوم ...

ج: ولا يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ كذلك من هذا الباب، يعني: خُذْ بالأسباب، ولا تعتقد بالطيرة، ولا العدوى بنفسها، والأمور بيد الله، ما هو بيد المرض، المرض لا يُعْدِي بطبعه، المرض أمرٌ مُدبَّرٌ من الله جلَّ وعلا، مَقْضِيٌّ منه .

س: أحسن الله إليكم، بعض الناس إذا سمع أحدًا يقول: يا صبَّاح، يا عليم، يا رزاق، يا كريم. ما المقصود بها؟ أحسن الله إليك، يقولون –مثلًا-: إن حُفَّار القبور يفرحون بهذا؟

ج: خرافاتٌ ما لها أصلٌ، هذه خرافاتٌ ما لها أصلٌ، يتعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، ويأتي بالتَّعوذات الشرعية، والحمد لله.

الفصل التاسع والخمسون: في الحَمَّام

يُذْكَر عن أبي هريرة أنه قال: «نِعْم البيت الحَمَّام يدخله المسلم، إذا دخله سأل الله الجنة، واستعاذ به من النار».

الفصل الستون: في الذِّكْر عند دخول الخلاء والخروج منه

في الصحيحين عن أنسٍ قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث، وزاد سعيد بن منصورٍ: بسم الله.

وفي مسند الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ: إن هذه الحشوش مُحْتَضَرَةٌ، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث.

وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة : أن رسول الله ﷺ قال: لا يعجز أحدكم إذا دخل مِرْفَقَه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرِّجْس النَّجِس، الخبيث المُخْبِث، الشيطان الرَّجيم.

وفي الترمذي عن عليٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: سِتْر ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إذا دخل الكَنِيف أن يقول: بسم الله.

وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الغائط قال: غُفْرَانك، رواه الإمام أحمد وأهل السُّنن.

وفي سنن ابن ماجه عن أنسٍ : كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.

الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: الحديث الأول يتعلق بالحَمَّام، والأحاديث في الحَمَّام كلها ضعيفةٌ، أحاديث الحَمَّامات كلها ضعيفةٌ، والحديث الذي ذكره المؤلف ضعيفٌ: «نِعْمَ البيت الحَمَّام» ضعيفٌ.

والحَمَّامات هي محلات تُتَّخذ للاغتسال في البلاد الباردة كالشام ونحوها، يتَّخذون حَمَّامات فيها الماء الساخن، يدخلها الرجال والنساء للغسل بسبب برودة الجو، فلا بأس بدخولها إذا وُجِدَتْ مع السّتر؛ لأنه قد يدخلها عددٌ، فيكون الداخل لها مُتسترًا بالإزار إلا إذا كان وحده، إذا كان في الحَمَّام وحده فلا بأس أن يكشف عورته، أما إذا كان معه غيره فلا بد أن يكون مستور العورة عند تَرَوّشه.

ولا تدخلها النساء إذا كانت مُشتركةً، أما إذا وُجِدَتْ حَمَّامات خاصة بالنساء ومستورة فلا بأس.

هذا الأصل المعروف في الشريعة، وأما أحاديث الحَمَّام التي فيها مدحها أو ذمّها فهي كلها ضعيفةٌ إلا حديثًا واحدًا، وهو قوله ﷺ: الأرض كلها مسجدٌ إلا المقبرة والحَمَّام، هذا الحديث ثابتٌ من حديث أبي سعيدٍ، رواه أحمد وغيره بإسنادٍ جيدٍ: الأرض كلها مسجدٌ إلا المقبرة والحَمَّام، والنبي ﷺ يقول: جُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا، من خصائصه ﷺ: أن الله جعل له الأرض مسجدًا وطَهُورًا، فَأَيَّما رجلٌ من أُمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره أخرجه الشيخان في الصحيحين.

فالأرض كلها مسجدٌ إلا ما خصَّه الدليل كالمقبرة، فلا يُصلَّى فيها؛ لقوله ﷺ: لعن الله اليهود والنَّصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولقوله ﷺ: لا تُصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها، ولقوله ﷺ: الأرض كلها مسجدٌ إلا المقبرة والحَمَّام؛ لأن الصلاة فيها وسيلةٌ إلى الشرك، والصلاة إليها وسيلةٌ إلى الشرك؛ فلهذا نُهِيَ عنها بسبب أن هناك مَن يعبدها من دون الله، ويستغيث بأهلها، وينذر لهم؛ فلهذا لعن الرسول ﷺ مَن اتَّخذها مساجد.

وأما الحَمَّام فلأنه محل النَّجاسات، محل البول والنَّجاسة، فلا يُصلَّى فيه؛ لأن أرضه قد تتعرض للنَّجاسات؛ ولهذا في الحديث: الأرض كلها مسجدٌ إلا المقبرة والحَمَّام.

وأما الأحاديث الأخرى ففيها الدلالة على شرعية التَّعوذ بالله من الخُبُث والخبائث عند دخول محل قضاء الحاجة، يقول عند الدخول: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث، بسم الله، أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث. رواه الشيخان في الصحيحين.

وعند الخروج يقول: غُفْرَانك كما روته عائشة، عن النبي ﷺ.

أما حديث: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني الذي رواه ابن ماجه فهو ضعيفٌ، معناه صحيحٌ، لكن الحديث ضعيفٌ، وإنما المُستحب أن يقول: غُفْرَانك.

وإذا حمد الله فلا بأس، طيب، لكن كونه سُنةً يحتاج إلى صحة الحديث، والحديث ضعيفٌ.

وأما حديث: غُفْرَانك فهو حديثٌ لا بأس به، إذا خرج يُقَدِّم رِجْلَه اليُمنى عند الخروج ويقول: غُفْرَانك، وعند الدخول يُقَدِّم رِجْلَه اليُسرى ويقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث.

وفَّق الله الجميع.

س: أحسن الله إليك، يقصد بالحَمَّام هنا: الحُشّ أو الحَمَّام الذي ..؟

ج: الحَمَّام الذي فيه قضاء الحاجات.

س: والاغتسال والذي فيه البُخار هذا ما عليه؟

ج: هذا ما يضرُّ ..... لكن قد يكون عُرْضَةً للبول، لكن الحَمَّامات التي تكون في البلاد الخارجية يكون فيها قضاء الحاجة، ويكون فيها محل التَّروش، المعروف في أحاديث الحَمَّام أنها كلها ضعيفةٌ إلا حديث: الأرض كلها مسجدٌ إلا المقبرة والحَمَّام.

س: أحسن الله إليك، قبل أن يدخل يقول الدعاء أو عند الدخول؟ أحسن الله إليك.

ج: عند الدخول، وفي الحديث الآخر: إذا أراد أحدكم أن يدخل عند إرادة الدخول يُقَدِّم رِجْلَه اليُسرى ويقول: بسم الله.

س: قبل الدخول؟ أحسن الله إليك.

ج: عند الدخول، قبل الدخول، نعم.

س: قبل الدخول؟

ج: عند الدخول، قبل الدخول.

س: وإذا دخل؟ أحسن الله إليك.

ج: إذا دخل يتكلم، إذا دعت الحاجة يتكلم، ما في بأس، أقول: إذا دعت الحاجة يتكلم.

س: أحسن الله إليك، السلام عند المغاسلة بعض الناس يتحرج؟

ج: لا، المغاسل الظاهرية للتَّمسح ما فيها شيءٌ.

س: ما فيها شيءٌ؟

ج: الكراهة في المحل الذي في بيت الماء، الذي فيه البول والغائط.

س: الرسائل الصغيرة مثلًا؟

ج: يدخل بها.

س: يدخل بها؟

ج: نعم، إذا ما تيسر يدخل بها، والحمد لله.

س: ما عدا المصحف؟

ج: والمصحف للضرورة كذلك، لا يُسْرَق، حتى المصحف للضرورة، إذا اضطرَّ إليها لا بأس: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119].

س: أحسن الله إليك يا شيخ، يعني: ورقات مكتوبٌ فيها اسم الله يدخل بها الحَمَّام؟

ج: الأفضل: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، ونقش خاتمه: "محمدٌ رسول الله"، فكان إذا أراد دخول الخلاء وضع خاتمه خارج الحَمَّام، فإذا تيسر .. معه أوراقٌ أو غيرها يجعلها خارج الحمام إذا تيسر، وإن خاف عليها ما هو بلزومٍ .....

جاء: "اللهم"، وجاء: "بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث"، أعوذ بالله من ..... كلها صحيحةٌ، كلها جاءتْ.

الفصل الحادي والستون: في الذِّكْر عند إرادة الوضوء

ثبت في النَّسائي عنه ﷺ أنه وضع يديه في الجَفْنَة وقال: توضؤوا ببسم الله.

وفي "صحيح مسلمٍ" عن جابرٍ في حديثه الطويل، وفيه: يا جابر، نَادِ بوضوءٍ، فقلتُ: ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ فَصَبَبْتُ عليه وقلتُ: بسم الله، فرأيتُ الماء يفور من بين أصابع رسول الله ﷺ.

وفي "المسند" و"السنن" من حديث سعيد بن زيدٍ، عن النبي ﷺ: لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه، قال البخاري: هذا أحسن شيءٍ في هذا الباب.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة لمَن لا وضوء له، ولا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه، رواه أحمد وأبو داود.

وفي "المسند" من حديث أبي سعيدٍ الخدري ، عن النبي ﷺ: لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه.

الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأحاديث كلها تتعلق بالتَّسمية في الوضوء، وقد دلَّت الأحاديث الكثيرة على شرعية التَّسمية في الوضوء عند بدئه، يقول: بسم الله، ويبدأ الوضوء بغسل كفيه ثلاث مراتٍ، ثم يتمضمض ويستنشق .. إلخ.

والمشهور عند أهل العلم أنه سنةٌ؛ أن التَّسمية سنةٌ، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها مع العلم والذكر.

وذكر الحافظ ابن كثيرٍ رحمه الله وجماعةٌ أن الحديث من باب الحسن لغيره، وأنه بتعدد طرقه يكون من باب الحسن لغيره، طرقه ضعيفةٌ، لكن من باب الحسن لغيره.

الحديث: «توضؤوا ..»، لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه في الحديث نفي الوضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه، جاء بطرقٍ ضعيفةٍ، قال أحمد: لا يثبت في هذا الباب شيءٌ.

ولكن قال جماعةٌ: إنه من باب الحسن لغيره.

فينبغي للمؤمن أن يُسمِّي الله عند الوضوء، وألا يتساهل في هذا، فعندما يُقدم يده في الوضوء يقول: بسم الله، وإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، كمَّلها كان أكمل، و"بسم الله" تكفي عند بدء الوضوء.

والسنة أن يغسل كفَّيه ثلاثًا، ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر ثلاثًا بثلاث غرفاتٍ، ثم يغسل وجهه ثلاثًا، هذا هو الكمال، ثم يديه مع المرفقين ثلاثًا، ثلاثًا، ثم يمسح رأسه مع أُذُنيه مسحةً واحدةً، ثم يغسل رجليه مع الكعبين ثلاثًا، ثلاثًا، هذا هو الأفضل، هذا هو الكمال.

وإن اكتفى بواحدةٍ، تمضمض بواحدةٍ، تنشَّق بواحدةٍ، غسل وجهه بواحدةٍ، وغسل يديه على واحدةٍ، واحدةٍ، ومسح رأسه وأُذُنيه مرةً واحدةً، وغسل رجليه مرةً واحدةً؛ كفى، والثنتان أفضل، والثلاث أكمل.

ومعنى الغسلة: أن يعمَّها بالماء، إذا عمَّ يده بالماء مع المرفقين، وعمَّ رجله بالماء مع الكعبين حصلت الكفاية، لكن كونه يُكرر ثنتين أو يُكرر ثلاثًا هذا هو الأكمل والأفضل.

ثم يختم بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المُتطهرين. هذا المُستحب بعد كمال الوضوء.

يقول النبي ﷺ: مَن توضأ فأسبغ الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فُتحتْ له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيّها شاء رواه مسلمٌ.

وزاد الترمذي رحمه الله بإسنادٍ صحيحٍ: اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المُتطهرين هذا هو السُّنة، بعد الفراغ من الوضوء تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المُتطهرين.

وجاء في رواية النَّسائي بإسنادٍ صحيحٍ بعد الوضوء يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك، مثل كفَّارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك يعني: بعد الوضوء.

كل هذا مشروعٌ؛ لما جاء في الحديث الصحيح.

وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: إذا نسي في البداية؟

ج: لا حرج، إذا نسي لا حرج.

س: وذكر في أثنائه؟

ج: يُسمِّي في أثناء الوضوء ويكفي، إذا ذكر وهو يغسل يديه أو يمسح رأسه يُسمِّي.

س: أحسن الله إليك، بالنسبة للمسح على الرأس هل يُرجعه مرةً أخرى أو يكفي مرةً؟

ج: الأفضل هكذا وهكذا وهكذا، وإن مسح هكذا وهكذا مرةً واحدةً كفى، لكن كونه يفعل ما فعل النبي ﷺ هكذا وهكذا، ثم يردّ هكذا، النبي ﷺ قال هكذا، ثم ردَّه إلى المكان الذي بدأ منه، هذا أفضل.

س: ولو بدأ من النصف؟ الله يُحْسِن عملك.

ج: لو قال هكذا وهكذا وهكذا يُجزئ، المقصود مسح رأسه؛ لأن الله قال: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6].

س: تعتبر واحدةً؟

ج: هي مسحةٌ واحدةٌ، ولو ردَّ يديه هي مسحةٌ واحدةٌ.

س: أحسن الله إليك، بالنسبة لبعض الإخوان القادمين إلى هذه البلاد أحيانًا ما يُصلي إلا بطاقيةٍ -أحسن الله إليك- ما يُصلي إذا كان ما على رأسه شيءٌ؟

ج: ما هو بلازمٍ، ما في بأس، إن صلَّى مثلما قال الله: خُذُوا زِينَتَكُمْ [الأعراف:31]، إن صلَّى مستور الرأس طيبٌ، وإن كشف فلا بأس، المُحْرِمون كلهم يصلون مكشوفة رؤوسهم، أقول: المُحْرِمون من الرجال كلهم يُصلون مكشوفة رؤوسهم.

س: لأن بعضهم -أحسن الله إليك- أراهم يضعون ..؟

ج: ما في حرج، ما في حرج، مَن صلَّى بطاقيةٍ أو بِغُتْرَةٍ فلا بأس، ومَن ترك فلا بأس.

س: ..... يا شيخ، لو كنتُ -الله يُكرم الملائكة والسامعين- في دورة المياه ما أقدر أن أُسَمِّي؟

ج: لا، لا، سَمِّ من ظاهرٍ، إذا خرجتَ، إذا انتهيتَ من قضاء الحاجة تخرج وتُسمِّي من ظاهرٍ، إذا ما تيسر سَمِّ عند الوضوء ولو أنك من داخل ..... عند الحاجة ولو من داخل عند البدء في الوضوء، يعني: عند البدء في المضمضة والاستنشاق.

س: أحسن الله إليك، مَن ترك البسملة عامدًا يبطل ..؟

ج: فيه خلافٌ، والجمهور على أنه لا يبطل، ترك سُنةً، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يبطل؛ لأنه ترك واجبًا عن تعمدٍ، والأحوط للمؤمن ألا يتعمد.

س: أحسن الله إليك، إذا كان يتوضأ داخل الدورة هل يُسَمِّي؟

ج: يُسمِّي عند الحاجة، إذا ما تيسر له أن يتوضأ في الخارج لا يُضيع التَّسمية، يُسَمِّي بلسانه؛ لأن الكراهة تزول عند الحاجة.

س: ما مدى صحة حديث: «مَن قال بعد الوضوء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله، رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا».

ج: لا، ما ثبت.

س: «غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه»؟

ج: لا، ما فيه شيءٌ، «أشهد أن لا إله إلا الله» فقط، ما في "رضيتُ بالله ربًّا".

س: «غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه»؟

ج: فُتحتْ له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيِّها شاء.

س: يعني: هذا الحديث ضعيفٌ؟

ج: رواه مسلمٌ في "الصحيح"، وفي رواية النسائي: إذا قال: سبحانك اللهم، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، طُبِعَ عليها بطابعٍ تحت العرش.

س: لا بد من استقبال القبلة عند التَّشهد؟ أحسن الله إليك.

ج: ما هو بلزومٍ، لا، ما هو بلزومٍ.

س: رفع البصر - الله يُحْسِن عملك- بعد الوضوء؟

ج: جاء فيه حديثٌ، لكن في سنده بعض الضعف، فإذا تشهد ولو ما رفع بصره ما له لزومٌ.

س: ..... البسملة؟

ج: أحوط، أحوط، الجمهور على أنها سُنةٌ، الأكثرون على أنها سُنةٌ، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها مع التَّذكر والعلم.

س: يجهر بالبسملة عند ..؟

ج: يُسَمِّي بلسانه، ما هو بقلبه، بلسانه يقول: بسم الله.

س: يُغَطِّي رأسه أحسن؟

ج: إذا لبس زينةً كاملةً أحسن، فالله يقول: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، ومن الزينة غطاء الرأس إذا كانوا مُعتادينه في بلده، إذا كانوا مُعتادين غطاء الرأس يلبسه، ويكون أكمل.

س: أحسن الله إليك، المقصود بـكُلِّ مَسْجِدٍ الصلاة أو في المساجد فقط؟

ج: لا، عند الصلاة، فسَّرها العلماء بالصلاة ..... خروجًا من الخلاف سَمِّ الله عند الوضوء.

الفصل الثاني والستون: في الذِّكْر بعد الفراغ من الوضوء

روى مسلمٌ في "صحيحه" عن عمر بن الخطاب ، عن النبي ﷺ قال: ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيُبْلِغ أو فَيُسْبِغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلا فُتحتْ له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيِّها شاء.

وزاد فيه الترمذي بعد ذكر الشهادتين: اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المُتطهرين.

وفي بعض طرقه ذكرها أبو داود والإمام أحمد: فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء فقال .. وذكره.

وفي لفظٍ للإمام أحمد: مَن توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال ثلاث مراتٍ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وفي سنن النَّسائي عن أبي سعيدٍ الخدري قال: مَن توضأ ففرغ من وضوئه، وقال: سُبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، طُبِعَ عليها بطابعٍ، ثم رُفِعَتْ تحت العرش فلم تُكْسَر إلى يوم القيامة.

هكذا رواه من قول أبي سعيدٍ ، ورواه بقي بن مخلد في "مسنده" من حديثه أيضًا مرفوعًا.

وأما الأذكار التي يقولها العامة على الوضوء عند كل عضوٍ فلا أصل لها عن رسول الله ﷺ، ولا عن أحدٍ من الصحابة والتابعين، ولا الأئمة الأربعة، وفيها حديث كذب على رسول الله ﷺ.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأحاديث فيما يتعلق بالذكر عقب الوضوء، وسبق أنه يُشرع عند الوضوء التَّسمية عند بدء الوضوء، أن يُسَمِّي الله فيقول: "بسم الله" عند بدء الوضوء، يغسل كفَّيه ثلاثًا، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا بثلاث غرفاتٍ، ويغسل وجهه ثلاثًا .. إلى آخره.

والسُّنة بعد ذلك أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هكذا رواه مسلمٌ في "الصحيح" من حديث عمر بن الخطاب ، عن النبي ﷺ أنه قال: ما من أحدٍ يتوضأ فَيُسْبِغ الوضوء -أو قال: فَيُبْلِغ الوضوء- ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيِّها شاء، هذا وعدٌ عظيمٌ، وفضلٌ كبيرٌ، وهذا عند أهل العلم بشرط: اجتناب الكبائر، كما هو معروفٌ.

والمقصود أن هذه الكلمة -كلمة التوحيد وشهادة الشهادتين عن صدقٍ وعن إخلاصٍ- من أسباب دخول الجنة، والنَّجاة من النار، ولا سيما إذا اجتنب الكبائر كما تقدم؛ لقوله جلَّ وعلا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، وقول النبي ﷺ: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفَّارات لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائر.

زاد الترمذي رحمه الله بعد قوله: وأن محمدًا عبده ورسوله: اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين.

يُسَنّ للمؤمن والمؤمنة بعد الوضوء أن يقول هذا الذكر، إذا فرغ يُسْبِغ الوضوء، ويعتني بالوضوء، ثم يقول بعد الفراغ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -عن صدقٍ- اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين.

وفي رواية النَّسائي: أن العبد إذا فرغ من وضوئه فقال: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك" طُبِعَتْ بطابعٍ، وجُعِلَتْ تحت العرش، فلم يُفتح إلى يوم القيامة، يعني: كذكر القيام من المجلس.

رواه النَّسائي بإسنادٍ جيدٍ، وهو في حكم الرفع؛ لأن هذا لا يُقال من جهة الرأي، هذا في حكم الرفع.

ورواه بَقِي بن مخلد، فصرَّح بالرفع، وبَقِيٌّ إمامٌ من أئمة المغرب، من المُحَدِّثين المغربيين، له مسندٌ جيدٌ، رواه مرفوعًا عن أبي سعيدٍ .

أما ما يعتاده بعض العامة من الكلام عند الأعضاء؛ عند غسل الوجه يقول: اللهم بَيِّضْ وجهي يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه. وعند غسل اليدين يقول: اللهم أعطني كتابي بيميني. وعند مسح الرأس يقول: اللهم أظلني تحت ظل عرشك. وعند غسل قدميه يقول: اللهم ثبِّتْ قدمي. هذه ليس لها أصلٌ، مثلما قال المؤلف، كلها ما لها أصلٌ عن النبي ﷺ، إنما هي من اختراع بعض الناس، فلا أصل لها، وإنما المُستحب التَّسمية عند البدء، والشهادة عند النهاية.

وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: أحسن الله إليك، إذا تيمم الإنسان يُشرع له ..؟

ج: مثل الوضوء، إذا تيمم يقول مثل الوضوء، نعم.

س: في بعض البيوت، يعني: في الحمام ويغسل، يخرج من الحمام ..؟

ج: إذا خرج من الحمام، إذا فرغ من الوضوء وانتهى وخرج من الحمام يأتي بالشهادة.

س: طيب، هل يمكن أن يُسَمِّي الله لما يتوضأ؟

ج: ما يُخالف، التَّسمية عند الوضوء لا بأس.

س: أحسن الله إليك، قول الصحابي متى يكون له حكم الرفع؟

ج: إذا كان مثله لا يُقال من جهة الرأي، وليس مما يُنْقَل عن بني إسرائيل.

س: لو أن الإنسان -مثلًا- توضأ ثم نسي أن يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله"، هل يُتمّ وضوءه؟ أحسن الله إليك.

ج: نعم، مُستحبٌّ، هذا مُستحبٌّ.

س: أحسن الله إليك، البسملة ما تجب؟

ج: الجمهور على أنها سنةٌ؛ لأن الحديث فيه ضعفٌ، وقال بعضهم: إنه من باب الحسن لغيره.

فينبغي له ألا يدعها؛ ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها؛ لأن قوله: «لا وضوء» يقتضي الوجوب، لكن الحديث في سنده .. كل طرقه فيها ضعفٌ.

قال أحمد رحمه الله: لا يثبت في هذا الباب شيءٌ.

لكن قال ابن كثيرٍ وجماعةٌ: إنه يُعتبر هذا الحديث من باب الحسن لغيره؛ لكثرة الطرق، وإن كانت ضعيفةً.

س: إن نسيها في الأول وذكرها في الآخر، أحسن الله إليك.

ج: أيش هي؟

س: البسملة.

ج: متى ذكر يُسَمِّي، ولو كان عند غسل اليدين أو الرِّجلين، والحمد لله.

س: حتى في الآخر؟ أحسن الله إليك.

ج: إذا ذكر في أثنائه يكفي.

س: أحسن الله إليك، مَن قال: لا وضوء كامل؟

ج: محل نظرٍ، المقصود: الإتيان بها أحوط، وإن لم يأتِ بها صحَّ الوضوء، إن شاء الله.

الفصل الثالث والستون: في ذِكْر صلاة الجنازة

في "صحيح مسلم" عن عوف بن مالكٍ قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازةٍ، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له، وارحمه، وعافِه، واعفُ عنه، وأَكْرِم نُزُلَه، وَوَسِّع مُدْخَله، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونَقِّه من الذنوب والخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأَعِذْه من عذاب القبر، قال: حتى تمنيتُ أن أكون أنا ذلك الميت؛ لدعاء رسول الله ﷺ.

وفي لفظٍ: وَقِهِ فتنة القبر وعذاب النار.

وفي "سنن أبي داود" عن أبي هريرة قال: صلَّى رسول الله ﷺ على جنازةٍ فقال: اللهم اغفر لِحَيِّنَا ومَيِّتِنَا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنْثَانا، اللهم مَن أحييتَه منا فَأَحْيِهِ على الإسلام، ومَن توفيتَه منا فَتَوَفَّه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تُضلنا بعده.

وفي "سنن أبي داود" أيضًا عن واثلة بن الأسقع قال: صلَّى رسول الله ﷺ على رجلٍ من المسلمين، فسمعتُه يقول: اللهم إنَّ فلان ابن فلان في ذِمَّتك وحبل جوارك، فَقِهِ فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له، وارحمه، إنك أنت الغفور الرَّحيم.

وسأل مروان أبا هريرة: كيف سمعتَ رسول الله ﷺ يُصلي على الجنازة؟ قال: اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضتَ روحها، وأنت أعلم بِسِرِّها وعلانيتها، جئناك شفعاء، فاغفر له، رواه الإمام أحمد وأبو داود.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأحاديث فيما يتعلق بصلاة الجنازة والدعاء لها.

يجب على المسلمين أن يصلوا على جنائزهم، فقد كان النبي يُصلي على الجنائز عليه الصلاة والسلام، ويقول: صلوا كما رأيتُموني أُصلي عليه الصلاة والسلام، فيجب أن يُصلَّى على الجنائز، وأن يُدْعَى للميت كما دعا النبي ﷺ للموتى عليه الصلاة والسلام.

وصفة الصلاة عليها: أن يُكبر عليها أربعًا.

استقرت السُّنة على أن يُكبر أربعًا:

الأولى: يقرأ فيها الفاتحة، وإن قرأ معها شيئًا زيادةً؛ كسورةٍ قصيرةٍ أو بعض الآيات، كما صحَّ عن ابن عباسٍ.

الثانية: يُكبر ويُصلي على النبي ﷺ كما يُصلي في الصلاة: اللهم صلِّ على محمدٍ .. إلى آخره.

والثالثة: يُكبر ويدعو، يقول: "اللهم اغفر لِحَيِّنَا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم مَن أحييتَه منا فَأَحْيِهِ على الإسلام، ومَن توفيتَه منا فَتَوَفَّهُ على الإيمان".

ثم يقول: "اللهم اغفر له" إذا كان رجلًا، و"اللهم اغفر لها" إن كانت امرأةً، "اللهم اغفر له، وارحمه، وعافِه، واعفُ عنه، وأكرم نُزُلَه، وَوَسِّع مُدْخَلَه، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، وقِهِ فتنة القبر وعذاب النار"، وفي لفظٍ: "أنت ربه، وأنت خلقته، وأنت هديته للإسلام، وأنت قبضته إليك، وأنت أعلم بِسِرِّه وعلانيته، قد جئنا شفعاء له، فاغفر له"، هذه الدعوات التي يُدْعَى بها للميت بعد التكبيرة الثالثة.

ثم يُكبر الرابعة ويُسلم تسليمةً واحدةً عن يمينه، ليس فيها دعاء، يُكبر ويسكت قليلًا، ثم يُسلم عن يمينه تسليمةً واحدةً.

هكذا السُّنة في صلاة الجنائز، ويرفع يديه مع كل تكبيرةٍ، هذا هو الأفضل.

وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا كانوا –مثلًا- خمس جنائز يأخذ أجرهم -أحسن الله إليك- خمسة قراريط، كل قيراط ..؟

ج: يحطهم جميعًا ويُصلي عليهم، ويكون وسط المرأة، وحيال رأس الرجل، إذا اجتمعوا يُصلَّى عليهم جميعًا إذا تيسر، يكون وسط المرأة، وحيال رأس الرجل، ويدعو لهم جميعًا، ويُكتب له صلاة عدة جنائز.

س: على العدد؟ أحسن الله إليك.

ج: نعم، هذا الظاهر، هذا الظاهر من الأحاديث.

س: نقل الميت -يا شيخ- متى يجوز نقل الميت من بلدٍ إلى آخر؟

ج: عدم النَّقل أولى، ما كان الصحابة ينقلون، يُدْفَن في بلده، ما دام بلدًا إسلاميًّا يُدْفَن في بلده، لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك لمصلحةٍ شرعيةٍ فلا بأس بالنَّقل، أو كان في بلدٍ كافرةٍ يُدْفَن مع المسلمين، يُنْقَل.

س: لو أدرك التكبيرة الأخيرة يُعيد التكبيرات الأولى والثانية ..؟

ج: أفضل له؛ لقوله ﷺ: ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتمُّوا، إذا كبَّر الأخيرة يقرأ الفاتحة، ثم يُكبر ويقول: اللهم صلِّ على محمدٍ، ثم يُكبر ويقول: اللهم اغفر له، ثم يُكبر ويُسلم.

س: أحسن الله إليك يا شيخ، بعض الناس يُلَقِّن الداخل بعد صلاة الجنازة؟

ج: السُّنة الإسراع بها: أسرعوا بالجنازة، إذا سلَّم يذهبون به حالًّا، هذه السُّنة، الرسول ﷺ قال: أسرعوا بالجنازة، فإن تَكُ صالحةً فخيرٌ تُقَدِّمونها إليه، وإن تَكُ سِوَى ذلك فَشَرٌّ تضعونه عن رقابكم، ما هو محل درسٍ، ولا هو محل موعظةٍ، أما إذا كانوا جالسين ينتظرونها ووعظهم ما في بأسٍ، إذا كانوا ينتظرونها ما في بأسٍ، إذا كان يعظهم ويُذَكِّرهم.

س: هذا هو السبب.

ج: لا بأس، لا بأس أن يُذكرهم بالموت، وما بعد الموت.

س: وضع علامةٍ على القبر؟

ج: لا حرج، يحطّ عليه حجرًا أو شيئًا.

س: خشبة مثلًا؟

ج: وخشبة ..... لا يُكتب عليه.

س: أيضًا القماش؟

ج: لا، إما حجر أو قطعة خشبٍ .....

س: كتابة اسمه على الحجر؟

ج: لا يُكتب الاسم، لا يُكتب شيءٌ، ولا يحطّ قماشًا.

س: ما دون البلوغ يُعتبر فرطًا لأهله؟

ج: ما دون البلوغ يُسمَّى: فرطًا، اللهم اجعله ..... وفرطًا.

س: تغطية المرأة عند قبرها؟

ج: أحسن، جاء هذا عن السلف.

س: إذا كان طفلًا يُدْعَى بالدعاء المعروف: اللهم اغفر لِحَيِّنا وميتنا ..؟

ج: نعم، فقط.

س: الدعاء للطفل؟

ج: اللهم اغفر لِحَيِّنا وميتنا، والطفل يُقال: اللهم اجعله ذُخْرًا لوالديه، بعد ذلك.

س: صندوق خشب -يا شيخ- في دولة غير المسلمين؟

ج: لا، ما يحتاج إلى صناديق، على الأرض، هذا أفضل.

س: لكن يحطُّونه في صندوقٍ -يا شيخ- على أساس أنهم يُشحمون الصندوق في بلده ..؟

ج: إذا كانت الأرض رطبةً ..... إذا دعت الحاجة إليه ..... وإلا يُوضع في الأرض.