الفصل الرابع والستون: في الذِّكْر إذا قال هُجْرًا أو جرى على لسانه ما يُسخط ربَّه
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: مَن حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعُزَّى، فليقل: لا إله إلا الله، ومَن قال لصاحبه: تعالَ أُقامرك، فليتصدق.
فكل مَن حلف بغير الله فهذه كفارته؛ لأن النبي ﷺ قال: مَن حلف بغير الله فقد أشرك، حديثٌ صحيحٌ، وكفارة الشرك التوحيد، وهو كلمة: لا إله إلا الله.
ومَن قال: "تعالَ أُقامرك" فقد تكلم بِهُجْرٍ وفُحْشٍ يتضمن أكل المال وإخراجه بالباطل، وكفارة هذه الكلمة بضد القمار، وهو إخراج المال في أحقِّ مواضعه، وهو الصَّدقة.
وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاصٍ، عن أبيه: حلفتُ باللات والعُزَّى، وكان العهد قريبًا، فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ، فقال: قد قلتَ هُجْرًا، قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وانفُثْ عن يسارك سبعًا، ولا تَعُدْ.
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيما يتعلق بالقول السيء والهُجْر، وهو القول السيء، القول الهُجْر: القول السَّيء، المنكر؛ كالكذب، والزور، والحلف بغير الله، ونحوها، والغيبة، والنَّميمة، كله هُجْرٌ.
والواجب على المؤمن أن يصون لسانه عن الهُجْر، عن القول السَّيء، وأن يصون أفعاله وجوارحه عن الفعل السَّيء أيضًا، فلا يقول هُجْرًا، ولا يفعل سيئًا، بل يحذر ذلك كله، يحذر المنكر من القول، والمنكر من الفعل.
يقول الله جلَّ وعلا في كتابه الكريم: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71]، ويقول جلَّ وعلا في كتابه الكريم: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، ويقول جلَّ وعلا: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات:12]، لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ [الحجرات:11]، فكل ما يتعلق بالمنكرات من القول يُسمَّى: هُجْرًا.
وهكذا ما يتعلق بالأفعال من الهُجْر؛ من زنا، وقمار، وربا، وظلم، كله هُجْرٌ، كله مُنكرٌ يجب على المؤمن الحذر منه، وأن يصون جوارحه ولسانه عما لا يجوز، وأن يتحرى في أفعاله وأقواله الطيب من القول والفعل، فإذا قال هُجْرًا فليقل: لا إله إلا الله؛ ولهذا قال ﷺ: مَن قال: واللات والعُزَّى فليقل: لا إله إلا الله؛ لأن الحلف باللات والعُزَّى شركٌ، وقول: "لا إله إلا الله" توحيدٌ وإخلاصٌ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: مَن حلف بغير الله فقد أشرك.
ودواء الشرك وعلاجه بالتوبة إلى الله، وبالتوحيد والإخلاص لله، فليقل: لا إله إلا الله، قول التائب الصادق، المُوحد لله، المُخلص لله .
وفي الرواية الأخرى: ولينفث عن يساره سبعًا يعني: يتعوذ بالله من الشيطان سبع مراتٍ؛ ليصونه الله من هذا العدو المبين وهو الشيطان.
ولما قال عثمان بن أبي العاص للنبي ﷺ: يا رسول الله، إن الشيطان قد لبَّس عليَّ صلاتي. قال: ذاك شيطانٌ يُقال له: خنزب، فإذا أحسستَ به فَاتْفُلْ عن يسارك ثلاث مراتٍ، وتعوذ بالله من الشيطان.
هذا أيضًا من العلاج، عند الوساوس ينفث عن يساره ثلاث مراتٍ، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وهكذا إذا حلف بغير الله غلطًا، جاهلًا أو ناسيًا، ثم تنبه يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ينفث عن يساره ثلاث مراتٍ ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الله جلَّ وعلا هو الذي يُعيذه منه؛ ولهذا يقول سبحانه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200]، فهو الذي سبحانه يقدر أن يُعيذ العبد منه، وأن يكفيه شَرَّه.
ومَن قال: تعالَ أُقامرك، أُقامرك مجزومٌ في جواب الأمر تعالَ، مثل قوله: تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]، فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ [يوسف:63]، الفعل المضارع يُجزم في جواب الأمر.
ومعنى أُقامرك يعني: أتعاطى معك القمار.
والقمار هو بين الغَرَر والميسر، فمَن قال ذلك فليتصدق؛ لأن علاج المعاملات الرديئة الصدقة، فالصدقة منها من أسباب تكفير السيئات، فإذا طلب المال بالطرق الخبيثة فالعلاج من ذلك التوبة والرجوع إلى الله والصدقة بما يتيسر له، لعل الله يمحو بذلك السيئات عنه.
وكانت الجاهلية تتعاطى القمار، وهو الميسر، فأنزل الله في ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90].
والميسر والقمار هو الأخذ بالمُغالطة –بالمُجاهرة- من غير عِوَضٍ معينٍ، ولا شروط العِوَض في المعاملة الطيبة، بالمُخاطرة، يُسمَّى: قمارًا، ويُسمَّى: ميسرًا، أخذ المال بالمُخاطرة من دون عِوَضٍ شرعيٍّ، ولا عقدٍ شرعيٍّ.
فالواجب على المؤمن أن يتحرى في أقواله وأفعاله ما أجازه الشرع، ويحذر في أقواله وأفعاله ما حرَّمه الشرع.
وفَّق الله الجميع.
الأسئلة:
س: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال إنسانٌ -مثلًا-: "أعوذ بالله" مُختصرةً هل تُجزئ؟ أحسن الله إليك.
ج: لا، يأتي بالشيطان، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
س: يعني: يُكملها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟
ج: نعم، نعم، هذه السُّنة.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، حديث مصعب بن سعدٍ: ينفث سبعًا؟
ج: هذا "سبعًا"، في الروايات: سبعًا، هل علَّق عليه عندك؟
القارئ: الذي عند أحمد والنسائي: وانفث عن يسارك ثلاثًا؟
الشيخ: هذا المعروف في الروايات، لكن هذه الرواية.
القارئ: يقول: رواه أحمد في "المسند"، والنَّسائي في "الإيمان" باب "الحلف باللات والعُزَّى"، وابن ماجه، وابن حبان، وإسناده حسنٌ.
الشيخ: فقط؟ أعد الحاشية.
القارئ: رواه أحمد في "المسند"، والنَّسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وإسناده حسنٌ. وإحالةٌ إلى "الإرواء".
الشيخ: أيش قال؟
القارئ: انظر "الإرواء" رقم (2563)، فقط.
الشيخ: فقط؟
القارئ: نعم.
الشيخ: تُراجع روايته في "المسند"، راجع "المسند" مسند سعد.
القارئ: طيب.
س: بعض الناس يحلفون بالقرآن، أو يحلفون بمكة أو بالحجر الأسود، هذا من الشرك؟
ج: يقول النبي ﷺ: مَن حلف بشيءٍ دون الله فقد أشرك، بالكعبة، أو بالنبي، أو بالأمانة، كله من الشرك؛ الشرك الأصغر، أما القرآن لا، القرآن كلام الله.
س: القرآن ممكن أن يحلف؟
ج: القرآن كلام الله، إذا قال: وعلم الله، أو وكلام الله، هذا شرعٌ، حلفٌ شرعيٌّ.
س: هو يقول، يُقسم بالقرآن مثلًا؟
ج: القرآن كلام الله، والقرآن ما أفعل كذا، والقرآن ما أفعل كذا، مثلما تقول: وعلم الله، ورضا الله، وعزة الله، ما يُخالف.
س: أحسن الله إليك، قول: "لا إله إلا الله" كفَّارةٌ ..؟
ج: لمَن صدق فيها.
س: إذا صدق فيها؟
ج: ..... إذا قالها عن صدقٍ وإخلاصٍ فهي توبةٌ من الشرك.
س: الحلف بغير الله يدخل في الكبائر؟
ج: من الشرك، من الشرك الأصغر.
س: مَن قال: ..... الصحابة ارتدَّ بحلفه باللات يا شيخ؟
ج: لا، الحلف بغير الله شركٌ أصغر، ما هو بردةٍ، شركٌ أصغر، نعم.
كانوا يحلفون في أول الهجرة بآبائهم، ثم نهاهم الله بعد ذلك، كان الصحابة يحلفون في أول الهجرة.
س: أحسن الله إليك، بعض الناس يقول: هاتِ المصحف أحلف عليه؟
ج: هذا ما له أصلٌ ..... بدون مصحفٍ، يحلف بدون مصحفٍ.
س: ويضع اليد على المصحف؟
ج: هذا يفعله بعض أهل العلم وبعض الناس، لكن ما عليه دليل، يكفي بدون مصحفٍ.
س: أحسن الله إليكم، الذي يسب الدين وهو في حالة غضبٍ شديدٍ؟
ج: إن لم يكن عقله معه ما عليه شيءٌ، وإن كان عقله معه ارتدَّ.
س: بعض الناس إذا تثاءب قال: أعوذ بالله من الشيطان. هل له أصلٌ؟ أحسن الله إليك.
ج: ما أُخبر إلا هذه الآية الكريمة: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف: 200]، والرسول ﷺ يقول: التَّثاؤب من الشيطان، هذا وجهٌ.
س: يعني يقول: أعوذ بالله من الشيطان؟
ج: مَن قالها فلا بأس، لكن يُنْظَر، ما نعرف أنه ورد فيه شيءٌ؛ لأنه من الشيطان، التَّثاؤب من الشيطان؛ ولهذا يقول ﷺ: إذا تثاءب أحدكم فَلْيَكْظِم ما استطاع، ولا يقول: هاه، فإن الشيطان يدخل فِيهِ.
س: كذلك -أحسن الله إليك- بعض العوام إذا كغَّر قال: الحمد لله، هل لها أصلٌ؟
ج: ما أعرف شيئًا ..... من آثار النعمة يعني.
س: يعني: ما فيها شيءٌ؟
ج: ......
س: أحسن الله إليكم يا شيخ، هذا ..... كلام بعض المشايخ في تفسير قوله تعالى: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا [الأعراف:190]، يذكر أن هذا لا ينبغي لمقام الأنبياء، ويذكر عِلَلًا كثيرةً -يا شيخ- أعرض عليكم بعضها؟
ج: أخذه من كلام ابن كثيرٍ وبعض السلف.
س: زاد عليه.
ج: ما هو بشيءٍ.
س: زاد عليه .....
ج: ......
س: نعم؟
ج: الآية نَصٌّ في ذلك.
س: أعرض عليكم -يا شيخ- كلامه؟
ج: أقول: الآية نَصٌّ في ذلك، كلها تأويلات .....
س: زاد عليه يقول: هذا شركٌ في الربوبية يا شيخ؟
ج: .....
س: يقول: من أجل رواية: أجعل للابن قرن أيل، قال: هذا جَوَّزناه، يعني: جوزنا شرك الربوبية يا شيخ؟
ج: أقول: هذا جهلٌ، الذي يخاف من اللصوص يحطون أدوات تخريب يصير شركًا في الربوبية .....
س: يقول: كيف يخرج في بطن الأم قرن أيل؟
ج: الأيل عند فرجها، يعني: عند خروجه من فرجها.
س: جزاكم الله خيرًا.
كذلك -يا شيخ- هذه الرواية وجدتُها في ابن كثيرٍ من رواية شريك بن عبدالله.
ج: إذا جعلتَ عند باب المنزل أو باب الدكان واحدًا يحرس يصير شركًا في الربوبية!
س: كذلك هذه الرواية -يا شيخ- فيها ضعفٌ ..؟
ج: هذا من الأسباب.
س: هذه الرواية التي يقول فيها: "أجعل قرن أيل" يا شيخ هي من رواية شريك بن عبدالله القاضي.
ج: ..... كلها من أخبار الشيطان، يُخوفهما.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، الذي يقول: النبي عليه الصلاة والسلام جزءٌ من نور الله، يعني: قبضةً من نور الله، يقول بعض ..؟
ج: إذا أراد النور المخلوق ما يُخالف، الشمس والقمر كلها من نور الله: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور:35]، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ [الشورى:52] القرآن، والنبي محمد ﷺ نورٌ من الله، يعني: مخلوقًا.
س: يكفر يا شيخ؟
ج: الرسول ﷺ مخلوقٌ، والشمس مخلوقةٌ، كلها من نور الله، فالله الذي خلق هذا النور.
س: إذا قصد النور الذي هو نور ذات الله يا شيخ؛ قبضة منه؟
ج: غلط.
س: يكون كفرًا يا شيخ؟
ج: ..... مُختصٌّ باسمه.
الفصل الخامس والستون: فيما يقول مَن اغتاب أخاه المسلم
يُذكر عن النبي ﷺ أن كفارة الغيبة: أن تستغفر لمَن اغتبتَه، تقول: اللهم اغفر لنا وله، ذكره البيهقي في كتاب "الدعوات الكبير"، وقال: في إسناده ضعفٌ.
وهذه المسألة فيها قولان للعلماء -هما روايتان عن الإمام أحمد- وهما: هل يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار للمُغتاب، أم لا بد من إعلامه وتحليله؟
والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه، بل يكفيه الاستغفار له، وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيه.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
والذين قالوا: "لا بد من إعلامه" جعلوا الغيبة كالحقوق المالية، والفرق بينهما ظاهرٌ؛ فإن الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعود نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها، وإن شاء تصدق بها.
وأما في الغيبة فلا يمكن ذلك، ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصود الشارع ﷺ؛ فإنه يُوغِر صدره ويُؤذيه إذا سمع ما رُمِيَ به، ولعله يُهَيِّج عداوته، ولا يصفو له أبدًا، وما كان هذا سبيله فإن الشارع الحكيم ﷺ لا يُبِيحُه، ولا يُجَوِّزه، فضلًا عن أن يُوجبه ويأمر به، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها.
والله تعالى أعلم.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذا الكلام يتعلق بالغيبة، والغيبة معصيةٌ، ومن أسباب الفتنة ونشر العداوة بين الناس والشَّحناء؛ ولهذا قال الله جلَّ وعلا: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات:12] فنهى عن الغيبة في نصِّ القرآن الكريم.
قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: ذِكْرُك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله، إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه.
فالمُغتاب على كل حالٍ ظالمٌ مطلقًا؛ إن أصاب فقد اغتاب، وإن أخطأ فقد بَهَتَ وظلم.
فالشريعة تطلب من المسلمين التَّحابَّ في الله، والتعاون على الخير، والتَّواصي بالحقِّ، والبُعد عن أسباب الشَّحناء والعداوة، والغيبة من أسباب الشَّحناء والعداوة.
ولهذا يقول ﷺ: كل المسلم على المسلم حرامٌ: دمه، وماله، وعِرْضه خرَّجه مسلمٌ في "الصحيح".
ويقول ﷺ في الحديث الصحيح: مَن كان عنده لأخيه مظلمةٌ من عِرْضٍ أو شيءٍ فَلْيَتَحَلَّله اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهمٌ، إن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذَ من حسناته بقدر مظلمته، فإن لم تكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات صاحبه فَحُمِلَ عليه.
وفي الحديث الصحيح الآخر يقول لهم الرسول ﷺ: ما تعدون المُفْلِس فيكم؟ قالوا: مَن لا درهم له ولا متاع. المُفْلِس: الذي ما عنده شيءٌ، الفقير، قالوا: المُفْلِس فينا مَن لا درهم له ولا متاع. فقال ﷺ: لكن المُفْلِس الذي يأتي يوم القيامة وقد ظلم هذا، وشتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، فَيُعْطَى هذا من حسناته، ويُعْطَى هذا من حسناته، فإذا فَنِيَتْ حسناته ولم يُقْضَ ما عليه حُمِلَ عليه من سيئاتهم ثم طُرِحَ في النار، نسأل الله العافية.
هذا يدل على أن الظلم في الأعراض وفي الأموال قبيحٌ، فالواجب الحذر، والسيئات لها شأنٌ خطيرٌ، وإذا تعلقتْ بالإنسان لظلمه والعدوان عليه صارتْ أخطر.
واختلف الناس في المُغْتَاب ماذا يفعل؟ هل يتحلل مَن اغتابه أو يكفيه أن يستغفر له ويذكره بمحاسن أعماله؟
على قولين لأهل العلم:
منهم مَن قال: لا بد أن يتحلله؛ لحديث: مَن كان عنده لأخيه مظلمةٌ من عِرْضٍ أو شيءٍ فليتحلله.
وقال آخرون: التَّحلل قد يُوغِر صدره، قد تبقى في نفسه العداوة إذا أُخْبِرَ أنه قال فيه كذا، وقال فيه كذا، وقال فيه كذا، ولكن يستغفر له، ويدعو له، ويذكره بمحاسن أعماله التي يعرفها عنه، المحاسن الطيبة من الأعمال الطيبة يذكره بها في المواضع والمجالس التي اغتابه فيها، فتكون هذه بدل هذه، يكون ذكر الأعمال الطيبة بدل ما ذكر من الأعمال الرديئة، تكون هذه بهذه، مع الاستغفار له، والدعاء له.
والأقرب -والله أعلم- أنه إذا تيسر التَّحلل منه أولى، إذا كان التَّحلل منه لا يترتب عليه شرٌّ، ظاهر الحديث أنه لا بد من التَّحلل؛ لقوله ﷺ: مَن كان عنده لأخيه مظلمةٌ من عِرْضٍ أو شيءٍ فليتحلله اليوم رواه البخاري.
فذكر العِرْض، فإذا كان تحلله في العِرْض لا تترتب عليه مفسدةٌ كبرى، قال: يا أخي، أنا قلتُ كذا، وتكلمتُ فيك بكذا، أو اغتبتُك، أرجو أن تُسامحني، وأنا لا أعود إن شاء الله.
هذا أكمل إذا سامحه وأباحه، أما إذا كان يخشى فتنةً، يخشى شرًّا أكبر؛ فإنه يكفيه الدعاء له، والاستغفار له، وذكر محاسنه؛ عملًا بقاعدةٍ هي: تحصيل المصالح، ودَرْء المفاسد، وأن المفسدة الكبرى تُدْرَأ بالحسنة.
فإذا كان يترتب على إخباره خطرٌ وسُوء عاقبةٍ لم يُخبره، ولكن يستغفر له، ويدعو له، ويذكر محاسنه الطيبة؛ حذرًا من العواقب الوخيمة.
وفَّق الله الجميع.
الأسئلة:
س: في نفس المجلس؟
ج: في المجالس التي ظلمه فيها، قال: إنه بخيلٌ، وإنه سيئ الخلق، في هذه المجالس يقول: فلانٌ -ما شاء الله- عنده حرصٌ على الخير؛ حرصٌ على الصلوات، مُواظبةٌ على الصلوات، بارٌّ بوالديه، كثير الإحسان، إذا كان يعلم هذا منه.
س: يُذْكَر بالشيء الذي فيه؟
ج: الذي يعلم أنه طيبٌ.
س: بالذي فيه؟
ج: بضد المسألة الأولى التي ذكرها عنه.
س: لا يزود؟
ج: المقصود: يذكره بالخصال الحميدة التي يعلمها.
س: أحسن الله إليك، كلمة المؤلف: "الشارع الحكيم ﷺ"، هل الشارع هو النبي ﷺ أم الله ؟
ج: يُطلق الشارع على الله وعلى الرسول ﷺ، يُطلق على الله الشارع: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى:13]، ويُطلق على الرسول ﷺ أنه شارعٌ، يعني: مُبَلِّغًا عن الله.
س: أحسن الله إليك، بعضهم إذا قال: حللني. قال: أولًا ما أُحللك إلا إذا أخبرتني بماذا تحدثتَ عني، فهل يُخبره؟ أحسن الله إليك.
ج: مُخَيَّرٌ، إن شاء أخبره إن كان يرى المصلحة في إخباره، وإن كان يرى مفسدةً لا يُخبره، إذا كانت مفسدةٌ فلا يُخبره.
س: وإذا رفض أن يُحلله، قال: ما أُسامحك؟
ج: يدعو له، ويستغفر له، ويذكر محاسنه التي يعلمها عنه؛ لعل الله أن يُكفر بها عن سيئاته.
س: إذا كان بين شخصين تنافسٌ في العلم أو في المادة، مثل: تجار، أو مثل: الأشرطة وكذا، كل واحدٍ عنده دكاكين، وكل واحدٍ يقول للثاني: أَبْغَاكَ تُسَكِّر، أو اذهب إلى المكان الفلاني، تحول عني، فكيف المصلحة بينهما؟
ج: يُشار عليهم ويُنصحون بأن يتعاونوا ويتركوا الشَّحناء، والرزق عند الله جلَّ وعلا، إذا ما تعدى أحدٌ على أحدٍ يُنْصَحون جميعًا، كل واحدٍ يُقال له: اتَّقِ الله، هذا أخوك، والرزق عند الله، وكلٌّ يجيئه الرزق من عند الله، هذا يبيع، وأنت تبيع.
س: الاستحلال المُبْهَم .....؟
ج: إذا سمح بالمُبْهَم ما في بأس، وإلا ما هو بلازمٍ.
الفصل السادس والستون: فيما يُقال ويُفْعَل عند كسوف الشمس وخسوف القمر
في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: إن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتُموهما فكبِّروا، وادعوا الله وصلوا وتصدَّقوا.
وفي "صحيح مسلمٍ" عن عبدالرحمن بن سَمُرَة ﷺ قال: بينما أنا أرمي بأسهمٍ لي في حياة رسول الله ﷺ إذ كسفت الشمس، فَنَبَذْتُهُنَّ وقلتُ: لأنظرنَّ إلى ما يحدث لرسول الله ﷺ في انكساف الشمس اليوم، فانتهيتُ إليه وهو رافعٌ يديه يدعو ويُكبر ويحمد ويُهلل ويدعوه حتى جُلِّي عن الشمس، فقرأ بسورتين، وركع ركعتين.
والنبي ﷺ أمر في الكسوف بالصلاة والعتاقة والمُبادرة إلى ذكر الله تعالى والصدقة، فإن هذه الأمور تدفع أسباب البلاء.
الفصل السابع والستون: فيما يقول مَن ضاع له شيءٌ ويدعو به
ذكر علي بن المديني عن سفيان، عن ابن عجلان، عن عمر بن كثير بن أفلح قال: كان ابن عمر يقول للرجل إذا أضلَّ شيئًا: قل: اللهم ربَّ الضَّالة، هادي الضَّالة، تهدي من الضَّلالة، رُدَّ عليَّ ضالتي بقُدرتك وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك.
وفي وجهٍ آخر: سُئل ابن عمر ﷺ عن الضَّالة، فقال: يتوضأ ويُصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول: اللهم رادَّ الضَّالة، هادي الضَّلالة، تهدي من الضَّلال، رُدَّ عليَّ ضالتي بعزك وسلطانك، فإنها من فضلك وعطائك.
قال البيهقي: هذا موقوفٌ، وهو حسنٌ.
وقد قيل: إن مَن ضاع له شيءٌ فقال: يا جامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، رُدَّ عليَّ ضالتي. ردَّها الله تعالى عليه.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث الأولى فيما يتعلق بالكسوف، والمؤلف رحمه الله اختصر الوارد في الكسوف، وقد ورد في الكسوف أحاديث صحيحةٌ كثيرةٌ عن النبي ﷺ من حديث عائشة، ومن حديث ابن عباسٍ، ومن حديث أبي موسى، ومن أحاديث أخرى، كلها تدل على شرعية الصلاة عند الكسوف، وأنها متى كسفت الشمس أو كسف القمر شُرِعَ للمسلمين أن يُصلوا، وأن يدعوا الله، وأن يُكبروا، وأن يتصدقوا، وأن يُكثروا من ذكر الله ؛ ولهذا في حديث ابن عباسٍ: فادعوا الله، وتصدقوا، وكبِّروا، وصلوا، وفي حديث أبي موسى: فافزعوا إلى ذكر الله، وإلى دعائه واستغفاره، مع الصلاة.
فالسنة في كسوف الشمس والقمر أن يُصلي الإمام والناس في جميع البلد، يُصلون ركعتين، كل ركعةٍ فيها ركوعان، وقراءتان، وسجدتان، هذا أفضل ما ورد، يقوم فيُصلي، فيقرأ أولًا ويُطيل القراءة، ثم يركع ويُطيل، ثم يرفع ويقرأ ويُطيل أقلّ من الأولى، ثم يركع ويُطيل أقلّ من الركوع الأول، ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم فيقرأ ويُطيل دون القراءة الأولى، ثم يركع ويُطيل لكن دون الأول، ثم يرفع ويقرأ ويُطيل دون الأول، ثم يركع ويُطيل دون الأول، ثم يرفع ويُطيل إطالةً خفيفةً، ثم يسجد سجدتين.
هذا أصحُّ ما ورد في الكسوف: قراءتان، وركوعان، وسجدتان في ركعتين، لكن مع الإطالة بخلاف العادة، يُطيل في القراءة، وفي الركوع، وفي السجود إطالةً لا تشقُّ على الناس، إطالة يحصل بها الخضوع لله، والعناية بالدعاء في السجود، ثم بعد ذلك يشتغل بالذكر، يُسلِّم، إن تجلَّت الشمس فالحمد لله، وإلا اشتغل الناس بذكر الله وبالتكبير والصدقة حتى ينكشف ما بهم، حتى تعتدل الشمس.
وقد جاء في ذلك أيضًا ثلاث قراءاتٍ، وثلاثة ركوعاتٍ، وسجدتان، وجاء في هذا أربع قراءاتٍ، وأربعة ركوعاتٍ، وسجدتان، وجاء خمسة ركوعاتٍ، لكن أصحّ ذلك: قراءتان، وركوعان، وسجدتان، هذا أصحّ: ركعتان، في كل ركعةٍ قراءتان، وركوعان، وسجدتان، يُطيل في الأولى، ويُطيل في الركوع الأول، ثم تكون القراءة الثانية أقلّ قليلًا من الأولى، والركوع الثاني أقلّ قليلًا من الركوع الأول، ثم يسجد سجدتين يُطيل فيهما، ثم يرفع ويقرأ دون الأول، ثم يركع دون الأول، ثم يرفع ويقرأ دون الأول، ثم يركع ويُطيل دون الأول، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين، كلها فيها إطالةٌ، لكن كل قراءةٍ دون التي قبلها، وكل ركوعٍ دون الذي قبله، والسجدتان في الركعتين يُطول فيهما، ويخشع فيهما، ويدعو فيهما، ثم يُسلم.
وينصح الناس ويَعِظ الناس بعد الصلاة، ويُذَكِّر الناس كما ذَكَّرهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ أنه بعدما سلَّم خطب الناس وقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلوا، وادعوا، وكبِّروا، وتصدقوا، وأمر بالعتق أيضًا، وفي لفظٍ قال: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله، وإلى دعائه واستغفاره، مع الصلاة، هذا هو السنة عند الكسوف.
أما مَن ضلَّ له بعيرٌ أو شيءٌ فيسأل ربه يقول: اللهم رُدَّ ضالتي عليَّ، اللهم يَسِّر ضالتي، اللهم رُدَّها عليَّ، اللهم تفضل بها عليَّ. يدعو ربه، الله يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، مثلما فعل ابن عمر: اللهم ردَّها عليَّ، اللهم يَسِّرها لي، اللهم احفظها عليَّ. يدعو ربَّه بما تيسر في سجوده في صلاته، وفي غير الصلاة، يسأل ربه، فهو القائل جلَّ وعلا: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].
ضالة أو نقود ضاعتْ منه، أو ما أشبه ذلك، أيّما فَقَدَ يسأل ربه أن الله يردّ عليه ما فُقِدَ منه، وأن الله يحفظ عليه ما ذهب منه، هذا مشروعٌ في كل ما يحتاجه المؤمن في جميع الأمور، يدعو ربه في كل حاجاته، ويسأل ربه كل حاجاته من حاجات الدنيا والآخرة.
وفَّق الله الجميع.
الأسئلة:
س: أحسن الله إليك، إذا أخبر أهل الهيئة بالكسوف وحال دونه غيمٌ؟
ج: يُصلي صلاة الكسوف، ولا عليه من الغيم، يُصلي صلاة الكسوف والحمد لله.
س: بالنسبة للقمر -أحسن الله إليك- لم يَرَ كسوف القمر، وأخبر الهيئة بذلك، فهل يُصلي على خبرهم؟
ج: لا، ما دام راح غاب ولا ..... ما يُصلَّى إلا إذا أصابوه ..... رأوا الكسوف يُصلون.
س: أحسن الله إليكم يا شيخ، أثر ابن عمر هل له حكم الرفع؟ وهل هو صحيحٌ يا شيخ؟
ج: ما أدري، يحتاج إلى نظرٍ، والظاهر أنه ليس له حكم الرفع؛ لأن هذا يُؤخذ من قوله جلَّ وعلا: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، صحَّ عن ابن عمر أو ما صحَّ، الأمر في هذا واسعٌ، المهم الدعاء، يدعو ربه ويُبْشِر بالخير، إن شاء الله.
س: يقول: يتوضأ وكذا لعل ..؟
ج: لا، هذا اجتهادٌ منه، يدخل في الاجتهادات.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، في سنة 68 ميلادي قالت شركة "ناسا" الأمريكية المتخصصة في علم الفلك أنها طلعت القمر.
ج: الله أعلم، الله أعلم.
س: أيش رأيك يا شيخ؟
ج: لا تُصدَّق، ولا تُكذَّب.
س: لكن الذي يطلعه كيف ..؟
ج: إذا طلعوا وجاءونا بأناسٍ شهودٍ عدولٍ صدَّقناهم، وإلا نحن نقول: الله أعلم.
س: هناك أدعيةٌ للخسوف والكسوف؟
ج: يدعو بما تيسر، يسأل ربه المغفرة، وإلى ذكر الله، وإلى دعائه واستغفاره.
س: إذا طال الجلاء هل ينفضون من مكانهم أو ينتظرون في مكان الصلاة؟
ج: نعم؟
س: إذا طال جلاء القمر أو الشمس ..؟
ج: إذا طال الكسوف؟
س: نعم، هل ينتظرون؟
ج: لا، ما هو بلازمٍ، إذا صلوا كلٌّ يروح لحاله، ويذكر الله في بيته، وفي الطريق.
س: مثلًا: نسي سؤالًا أو شيئًا يقول له: تشهد؟
ج: يذكر ربه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:24]، أما سمعتَ القرآن؟ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ، يقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، سبحان الله، ويُبْشِر بالخير.
س: بعضهم -أحسن الله إليك- يقول: صَلِّ ركعتين، ثم تذكر وأنت في الصلاة؟
ج: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ، فقط.
الفصل الثامن والستون: في عقد التَّسبيح بالأصابع وأنه أفضل من السّبحة
روى الأعمش عن عطاء بن السَّائب، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يعقد التَّسبيح بيمينه. رواه أبو داود.
وروتْ يُسَيْرَة -إحدى المُهاجرات رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: عليكنَّ بالتَّسبيح والتَّهليل والتَّقديس، ولا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحمة، واعقِدْنَ بالأنامل، فإنهنَّ مَسْؤُولاتٌ ومُسْتَنْطَقَاتٌ.
الفصل التاسع والستون: في أحبِّ الكلام إلى الله بعد القرآن
ثبت في "صحيح مسلمٍ" عن سمرة بن جندبٍ قال: قال رسول الله ﷺ: أحبُّ الكلام إلى الله تعالى أربعٌ، لا يضرك بأيّهنَّ بدأتَ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وفي أثرٍ آخر: أفضل الكلام بعد القرآن أربعٌ، وهنَّ من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وفي أثرٍ آخر: أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
وفي "صحيح مسلمٍ" عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمس.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث: عقد الأذكار بالأصابع، والحثّ على الإكثار من التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل والتَّكبير.
في الحديث الأول: أنه ﷺ كان يعقد التَّسبيح بيده اليمنى عليه الصلاة والسلام، وفي حديث يُسَيْرَة: أن الرسول ﷺ أمر النساء أن يُكْثِرن من التَّسبيح والتَّحميد، ويَحْذَرْنَ الغفلة، ويعقدن بالأنامل؛ لأنهن مسؤولاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، وهذا خيرٌ من السّبحة، خيرٌ من المسبحة التي يفعلها الناس من خرزٍ ونحوه، أو بالنَّوى، أو بالحصى، كونه يُسبح بأصابعه كما كان النبي ﷺ يُسبح بأصابعه أفضل، "سبحان الله" يعدّها بالأصابع، هذا هو الأفضل، وإن عدَّها بالنَّوى أو بالحصى أو بالعقد فلا بأس، لكن عدّها بالأصابع هو الأفضل، هو السُّنة.
ومن ذلك: أن يُسبح بعد كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين تسبيحةً، وثلاثًا وثلاثين تحميدةً، وثلاثًا وثلاثين تكبيرةً: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين مرةً، ويختم المئة بقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ.
وإن سبَّح خمسًا وعشرين تسبيحةً، وخمسًا وعشرين تحميدةً، وخمسًا وعشرين تكبيرةً، وخمسًا وعشرين تهليلةً، فالجميع مئةٌ، فهذا أيضًا سُنةٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمسٌ وعشرون مرةً، يكون الجميع مئةً.
وإن ختم المئة بالتَّكبير فلا بأس: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين مرةً، ويزيد التَّكبيرة الرابعة: الله أكبر، كل هذا جاءتْ به السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد علَّم ذلك المهاجرين من الصحابة، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق. فقال: ألا أُعلمكم ما تُدركون به مَن سبقكم، وتسبقون به مَن بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضل منكم إلا مَن صنع مثلما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تُسبحون وتحمدون وتُكبرون دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين مرةً، هذا يعدل الصدقات بالمال.
قال النبي ﷺ: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمس.
وقال ﷺ: أحبّ الكلام إلى الله أربعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أخرجه مسلمٌ في "صحيحه".
وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، متفقٌ على صحته.
وقال ﷺ أيضًا: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نسأل الله للجميع التوفيق.
الأسئلة:
س: مَن قال: إن التَّسبيح بالسّبحة بدعةٌ. وقال: إن هذه عبادةٌ، والعبادة مبناها على التوقيف، وليس هناك مجالٌ للقياس؟
ج: المقصود العدّ، كان بعض الصحابة يعدّون بغير الأصابع، المقصود عدّها، فإذا عدَّها بالأصابع -استعمل بعض بدنه- أفضل، كما استعمله النبي ﷺ.
س: مَن رأى الجواز استدلَّ بحديث جويرية؟
ج: نعم، جويرية وغيرها.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، في بعض البلدان -في غير هذه البلاد- يضعون سبحات في المسجد، هل يُقال -أحسن الله إليك- إنها بدعةٌ؟ يضعونها لأجل المصلين؛ يُسبحون بعد الصلاة.
ج: بالأصابع أفضل، وإلا فكونها بدعةً محل نظرٍ؛ لأن المقصود العدّ.
س: في الحديث الأول قال: يعقد التَّسبيح بيمينه، وفي الحاشية قال: ليست عند الترمذي والحاكم: بيمينه.
ج: تحتاج إلى مراجعةٍ، أيش قال المُحشي عليها؟
القارئ: رواه أبو داود في "الصلاة" باب "التَّسبيح بالحصى" عن عبدالله بن عمرو، وأخرجه الترمذي والحاكم، وصححه الذهبي، وهو كما قال، وليس عند الترمذي والحاكم قوله: "بيمينه".
الشيخ: الظاهر في الروايات محمد بن قدامة عند الترمذي، شيخ المؤلف محمد بن قدامة ..... حديث عائشة: يُعجبه التَّيمن في تنعله وطهوره وسواكه، وفي شأنه كله، يعمُّ ذلك، اليمين هي المُقدمة في هذا.
س: إحدى عشرة تسبيحةً؟
ج: جاء في بعض الروايات: إحدى عشرة، لكن أكملها ثلاثٌ وثلاثون، ويختم بلا إله إلا الله.
س: مَن سبَّح بيساره، جمع بين اليُمنى واليُسرى؟
ج: لا بأس، مثلما قال النبي ﷺ للنساء: اعْقِدْنَ بالأَنَامِل، لو سبَّح بالثنتين ما في بأس.
س: أحسن الله إليكم يا شيخ، يُروى عن ابن مسعودٍ أنه وجد رجلًا يُسبح بالحصى ..؟
ج: هذا بدعةٌ، هذا ..... بدعة، يقول: سبِّحوا وافعلوا، يأمرهم ويعدّ لهم .....
س: في الحديث الثاني -يا شيخ- ركله، هذا رجلٌ ثانٍ ركله ابن مسعودٍ، وجده يُسبح بالحصى؟
ج: هذا يحتاج إلى نظرٍ، الذي أنكره ابن مسعودٍ كونهم يجتمعون ويقول لهم: عُدُّوا مئةً، فيعدّون بالحصى، عُدُّوا مئةً، سبِّحوا كذا، يكون فيهم رئيس .....
س: في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" يقول الشيخ الألباني: هذا الحديث غير صحيحٍ؛ لأنه يقول: فيه رجلٌ حبشيٌّ؟
ج: وأيش هو؟
س: حديث التَّسبيح بالأنامل، كانت زوجات النبي ﷺ يُسَبِّحْنَ بالأنامل، الشيخ الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" يقول: غير صحيحٍ.
ج: حديث اعْقِدْنَ بالأنامل لا بأس به.
س: ما العِلة في النَّهي عن التَّسبيح بالمسابيح؟
ج: ما فيها بأسٌ، لكن الأصابع أفضل؛ لأنهن مسؤولاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، بيده أفضل، وإن سبَّح بالحصى أو بالمسبحة فلا حرج -إن شاء الله- لكن الأصابع أفضل كما كان النبي يفعل في أصابعه عليه الصلاة والسلام.
الفصل السبعون: في الذكر المُضاعف
في "صحيح مسلمٍ" عن جويرية -أم المؤمنين رضي الله عنها-: أن النبي ﷺ خرج من عندها بُكْرَةً حين صلَّى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسةٌ، فقال: ما زلتِ على الحال التي فارقتُكِ عليها؟ قالت: نعم. فقال النبي ﷺ: لقد قلتُ بعدكِ أربع كلماتٍ ثلاث مراتٍ لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهنَّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زِنَة عرشه، سبحان الله مِدَاد كلماته.
وعن سعد بن أبي وقاصٍ : أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأةٍ وبين يديها نوى أو حصى تُسبح به، فقال: أُخْبِرُكِ بما هو أيسر عليكِ من هذا وأفضل، فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك، رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
الفصل الحادي والسبعون: فيما يُقال لمَن حصل له وحشةٌ
رُوينا في "معجم الطبراني" عن البراء بن عازب : أن رجلًا اشتكى إلى رسول الله ﷺ الوحشة، فقال: قل: سبحان الله الملك القدوس، ربّ الملائكة والروح، جَلَّلْتَ السماوات والأرض بالعِزَّة والجبروت، فقالها الرجل، فأذهب الله عنه الوحشة.
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فهذه أحاديث تتعلق بالأذكار المُضاعفة التي أرشد إليها النبي عليه الصلاة والسلام، وتقدم قوله ﷺ: أحبُّ الكلام إلى الله أربعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذا أحبُّ شيءٍ إلى الله بعد القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وتقدم قوله ﷺ: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمس، أخرجهما مسلمٌ في الصحيح.
وتقدم أيضًا قوله ﷺ: كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أخرجه الشيخان.
وهكذا تقدم قوله ﷺ: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أخرجه أهل السنن بإسنادٍ صحيحٍ.
فهذه الأحاديث الصحيحة فيها خيرٌ عظيمٌ.
وهكذا قوله ﷺ: مَن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ عشر مراتٍ كان كمَن أعتق أربعة أنفسٍ من ولد إسماعيل، متفقٌ على صحته.
وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: مَن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ مئة مرةٍ في اليوم كانت له عدل عشر رقابٍ يعني: يُعتقها، وكتب الله له مئة حسنةٍ، ومحا عنه مئة سيئةٍ، وكان في حِرْزٍ من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عمل أكثر من عمله، أخرجه الشيخان أيضًا.
وهكذا في حديث جويرية رضي الله عنها: أنه خرج من عندها بعد صلاة الفجر، وهي في مسجدها تذكر ربها، ثم رجع إليها ضُحًى وهي في مكانها، فقال: ما زلتِ على ما كنتِ عليه منذ اليوم؟ قالت: نعم. قال: لقد قلتُ بعدكِ كلماتٍ أربع لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهنَّ: سبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زِنَة عرشه، سبحان الله مِدَاد كلماته، رواه مسلمٌ.
هذا يدل على فضل هذه الكلمات: "سبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زِنَة عرشه، سبحان الله مِدَاد كلماته" يُكررها ثلاث مراتٍ صباحًا ومساءً وفي كل وقتٍ خيرٌ عظيمٌ، فهذه كلماتٌ عظيمةٌ.
وهذا يدل على أنه قد يخرج من المسجد بعد صلاة الفجر عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال: "خرج من عندها بعد صلاة الفجر"، هذا يدل على أن كونه يبقى في المصلى حتى تطلع الشمس هذا هو الغالب، وقد يخرج لبعض الأسباب عليه الصلاة والسلام.
كذا في حديث سعدٍ: سبحان الله العظيم وبحمده عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما خلق بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالقٌ، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك، هذا فيه أيضًا فضلٌ عظيمٌ، وقد حسَّنه جماعةٌ.
فهذه الفضائل ينبغي للمؤمن أن يُكْثِرَ منها.
أما ما يتعلق بدعاء الوحشة: «سبحان الله الملك القدوس، ربّ الملائكة والروح، جَلَّلْتَ السماوات والأرض بالعِزَّة والجبروت» فهو حديثٌ ضعيفٌ، ويكفي عنه ما ثبت في الحديث الصحيح: مَن نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، لم يضره شيءٌ حتى يرتحل من منزله، فينبغي أن يقوله مَن دخل منزلًا، أو مَن وجد وحشةً: أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، وإذا كررها ثلاثًا كان أكمل: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامةٍ، ومن كل عينٍ لامَّةٍ، كان ﷺ يُعَوِّذ بهما الحسن والحسين: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامةٍ، ومن كل عينٍ لامَّةٍ، أخرجه مسلمٌ أيضًا.
أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يُجاوزهنَّ بَرٌّ ولا فاجرٌ من شرِّ ما خلق وذَرَأَ وبَرَأَ، ومن شَرِّ ما ينزل من السماء، ومن شَرِّ ما يعرج فيها، ومن شَرِّ ما ذَرَأَ في الأرض، ومن شَرِّ ما يخرج منها، ومن شَرِّ فتن الليل والنهار، ومن شَرِّ كل طارقٍ إلا طارقًا يطرق بخيرٍ يا ربَّ العالمين، أخرجه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيحٍ.
ورُوي عن النبي ﷺ أنه كان يستعيذ باسم الله: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه، ومن شرِّ عباده، ومن همزات الشياطين، وأعوذ بك ربّ أن يَحْضُرون.
فالمؤمن هكذا يجتهد في هذه الأذكار وهذه التَّعوذات الشرعية، وفيها الخير والبركة.
وفَّق الله الجميع.
الأسئلة:
القارئ: طلبتُم تخريج حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاصٍ، يقول ..
الشيخ: مصعب؟
القارئ: مصعب بن سعد بن أبي وقاصٍ.
الشيخ: الذي عن؟
القارئ: يقول: حلفتُ باللات والعُزَّى، وكان العهد قريبًا، فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ، فقال: قد قلتَ هُجْرًا، قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وانفث عن يسارك سبعًا، ولا تَعُدْ، رواه أحمد.
الشيخ: أما قل: لا إله إلا الله فثابتٌ في الصحيح: مَن حلف باللات والعُزَّى فليقل: لا إله إلا الله نعم، والزيادة هي محل الإشكال.
القارئ: هذا -سلَّمك الله- في مسند الإمام أحمد بن حنبل، ورد فيه ذكر الثلاثة فقط، يقول: حدثنا عبدالله قال: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: حلفتُ باللات والعُزَّى، فقال أصحابي: قد قلتَ هُجْرًا. فأتيتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: إن العهد كان قريبًا، وإني حلفتُ باللات والعُزَّى. فقال رسول الله ﷺ: قل: لا إله إلا الله وحده ثلاثًا، ثم انفث عن يسارك ثلاثًا، وتعوذ، ولا تَعُد، على صفحةٍ أخرى أيضًا.
الشيخ: هذا جيدٌ، لكن أبا إسحاق قد يُدلِّس، ولكن جيدٌ.
القارئ: ذكره بسندٍ آخر.
الشيخ: أصله في الصحيحين، نعم.
القارئ: يقول: حدثنا عبدالله قال: حدثني أبي قال: حدثنا حُجَيْن بن المثنى وأبو سعيدٍ –كلاهما- قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق قال. أبو سعيدٍ قال: حدثنا أبو إسحاق، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاصٍ .. نفس الحديث.
الشيخ: طيب.
القارئ: وذكره الشيخ الألباني في "الإرواء": أخرجه النَّسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة وابن حبان -والسياق له- وأحمد من طريق أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، ورجاله ثقاتٌ رجال الشيخين، غير أن أبا إسحاق -وهو السَّبيعي واسمه عمرو بن عبدالله- كان اختلط، ثم هو مُدلسٌ، وقد عنعنه.
الشيخ: هو من رجال الشيخين، ثقةٌ، لولا التَّدليس، قد يُدلِّس، لكن ما هو بغالبٍ، قليلٌ، تدليسه قليلٌ؛ ولهذا بعضهم ما ذكره في المُدلِّسين، فهذا حسنٌ، وكونه يقول: "لا إله إلا الله" ثابتٌ في الصحيحين، وكونه يتفل عن يساره ثلاث مراتٍ ويتعوذ بالله من الشيطان هذا حسنٌ؛ لأنه من الشيطان، من نزغات الشيطان الحلف بغير الله، وكل معصيةٍ من نزغات الشيطان.
س: أحسن الله إليكم يا شيخ، عند الروع هل يقول: بسم الله؟ عند الروعة.
ج: يقول: بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، هكذا أرشد النبي ﷺ.
س: أحسن الله إليك، في بعض الأحيان –مثلًا- يمزحون مع بعضٍ ويُروعه؟
ج: ما يجوز، لا، ما يجوز، ترويع المؤمن ما يجوز؛ لأنه أذًى له: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58]، ويقول ﷺ: مَن ضارَّ مسلمًا ضارَّه الله.
س: أحسن الله إليك، إذا عنعن المُحَدِّث، إذا كان فقيهًا وعنعن هل تُقبل العنعنة؟
ج: إذا كان ما يُعرف بالتَّدليس فروايته مقبولةٌ؛ لأن الأصل فيها السماع، هكذا أكثر الروايات، هكذا: عن فلانٍ، عن فلانٍ، إذا كان ما عُرِفَ بالتدليس –يعني: حذف الشيخ في بعض الأحيان- ما في بأس.
س: وهل يُفَضَّل على المُحَدِّث الفقيه؟
ج: ..... إذا كان ثقةً ..... ولم يُعرف بالتدليس لا بأس، ولو قال: عن، أو قال: قال.
س: سورة الفاتحة بعد الصلاة لها أصلٌ؟
ج: ما أعرف فيها شيئًا، المعروف أن يقول: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص] والمعوذتين، مع آية الكرسي، في "نُخْبَة الفِكَر" شرحها الحافظ ابن حجر، كتابه صغيرٌ، لكنه مفيدٌ جدًّا .....
الفصل الثاني والسبعون: في الذكر الذي يقوله أو يُقال له إذا لبس ثوبًا جديدًا
عن أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا استَجَدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه: قميصًا، أو إزارًا، أو عمامةً، يقول: اللهم لك الحمد أنت كَسَوْتَنِيهِ، أسألك من خيره وخير ما صُنِعَ له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنِعَ له.
قال أبو نضرة: وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا رأى أحدهم على صاحبه ثوبًا قال: تُبْلِي ويُخْلِف الله تعالى. ذكره البيهقي.
وعن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: مَن لبس ثوبًا جديدًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوةٍ، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيما يتعلق بلبس الثوب الجديد.
كان ﷺ إذا لبس ثوبًا جديدًا من قميصٍ أو عمامةٍ قال: اللهم إني أسألك خيره وخير ما صُنِعَ له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنِعَ له.
يُستحب له عندما يلبس ثوبًا جديدًا أو بشتًا جديدًا أن يقول: "اللهم إني أسألك خيره وخير ما صُنِعَ له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنِعَ له".
ويقول عند لبسه: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه من غير حولٍ مني ولا قوةٍ.
كل هذا من شكر الله على نعمه، وإظهار فضله سبحانه وتعالى، واعتراف العبد بعجزه وضعفه، فيحمد الله على ما مَنَّ به عليه، ويسأل الله خير هذا اللباس وخير ما صُنِعَ له، ويعوذ به من شَرِّه وشَرِّ ما صُنِعَ له.
كان بعض السلف إذا لقي أخاه وعليه ثوبٌ جديدٌ قال: "تُبْلِي ويُخْلِف الله" يعني: تُبْلِيه بالعافية والسلامة، ويُخْلِف الله، هذا من الدعاء الحسن، من باب التعاطف بين الإخوة، وتعاطي الأساليب الحسنة من الكلام التي يحصل بها جمع القلوب والتَّآلف والتعاون على الخير والتَّذكير بِنِعَم الله جلَّ وعلا.
وكذلك كان إذا استجدَّ جاريةً أو عبدًا قال: "اللهم إني أسألك خيره وخير ما جَبَلْتَه عليه، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما جَبَلْتَه عليه"، وهكذا مع الزوجة الجديدة: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جَبَلْتَها عليه، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما جَبَلْتَها عليه".
كل هذا فيه اللُّجْؤُ إلى الله، وردّ الأمور إليه سبحانه وتعالى، وسؤاله من فضله جلَّ وعلا.
أسأل الله أن يُوفق الجميع.
الأسئلة:
س: أحسن الله إليك يا شيخ، يقول هذا الدعاء عند اللبسة الأولى أو كلما لبس؟
ج: لا، عند اللبسة الأولى.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، أيش معنى: عمامة؟
ج: التي على الرأس العمامة.
س: يعني: أي شيءٍ؟
ج: من جنسها تُسمى: عمامة.
س: حتى الغُتْرَة؟
ج: تُسمى: عمامة، نعم.
س: من السُّنة يا شيخ؟
ج: من المُباحات، اللباس أمره مُباحٌ.
س: أحسن الله إليك، أنت كسوتنيه هذا حديثٌ صحيحٌ؟ أحسن الله إليك.
ج: فيه كلامٌ في الحاشية، اقرأ الحاشية عليه.
القارئ: رواه ابن السُّني هكذا مُختصرًا في "عمل اليوم والليلة"، وليس عنده: «وما تأخر»، وهو جزءٌ من حديثٍ طويلٍ رواه أبو داود في "اللباس" في فاتحته، وإسناده حسنٌ، وحسَّنه الحافظ في "تخريج الأذكار" كما في ابن علان، ورواه أيضًا الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وليس عنده: «وما تأخر»، لا في الطعام، ولا في اللباس. انتهى.
الشيخ: المقصود أن زيادة: «وما تأخر» ما هي بثابتةٍ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وهذا فضلٌ عظيمٌ.
س: يعني: لو قاله لا بأس به؟ أحسن الله إليك.
ج: نعم، طيب.
س: أحسن الله إليكم يا شيخ، لبس الخفين هل يُشترط أن ينوي أن يمسح عليهما أم ولو لم يَنْوِ؟
ج: ولو ما نوى، إذا أراد المسح عليهما وهما على طهارةٍ لا بأس، ولو ما نوى عند اللبس، متى أراد المسح عليهما وقد لبسهما على طهارةٍ فالحمد لله.
س: أحسن الله إليك، إذا لبس الخفَّ الثاني فوق الأول وكان على طهارةٍ بالمسح ..؟
ج: يمسح على الثاني؛ لأنه لبسه على طهارةٍ مُؤقتةٍ، لا بأس، مثلما لو لبسه على جبيرةٍ أيضًا، طهارة جبيرة.
س: الوقت للأول؟
ج: لو جعله للأول من باب الاحتياط فحسنٌ وإلا الثاني؛ لأنه لبسه على طهارةٍ.
س: أحسن الله إليك، لو نزعهما وهو على طهارةٍ؟
ج: نعم؟
س: لو نزع الخُفَّين وهو على طهارةٍ؟
ج: يُعيد.
س: وهو على طهارةٍ من أول؟
ج: لكن إن كان على طهارته الأولى ما أحدث لا بأس، وإن كان قد أحدث ينتقض وضوؤه.
س: هل يمسح فقط من أجل أن .....؟
ج: ..... إذا دعت الحاجة إلى هذا، قد يلبسها لبردٍ يشقُّ عليه، قد يكون بردٌ، قد يكون عَجِلَ يريد الأخفَّ له والأسرع له، لا بأس.
الفصل الثالث والسبعون: فيما يُقال عند رؤية الفجر
روى ابن وهبٍ عن سليمان بن بلال، عن سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفرٍ فَبَدَا له الفجر قال: سمَّع سامعٌ بحمد الله ونعمته وحُسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا فأفضل علينا، عائذًا بالله من النار، يقول ذلك ثلاث مراتٍ، ويرفع بها صوته.
هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ.
الفصل الرابع والسبعون: في التَّسليم للقضاء والقدر بعد بذل الجهد في تعاطي ما أُمِرَ به من الأسباب
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156]، فنهى سبحانه عباده أن يتشبَّهوا بالقائلين: لو كان كذا وكذا لما وقع قضاؤه بخلافه.
وقال النبي ﷺ: وإياك واللو، فإن اللو تفتح عمل الشيطان.
وقال أبو هريرة : قال النبي ﷺ: المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا كان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان، رواه مسلمٌ.
وعن عوف بن مالكٍ: أن النبي ﷺ قضى بين رجلين، فقال المَقْضِي عليه لما أدبر: حسبنا الله ونعم الوكيل. فقال النبي ﷺ: إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمرٌ فقل: حسبي الله ونعم الوكيل.
فنهى النبي ﷺ أن يقول عند جريان القضاء ما يضرّه ولا ينفعه، وأمره أن يفعل من الأسباب ما لا غنى له عنه، فإن أعجزه القضاء قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فإذا قال: "حسبي الله" بعد تعاطي ما أُمِرَ به من الأسباب قالها وهو محمودٌ؛ فانتفع بالفعل والقول، وإذا عجز وترك الأسباب، وقالها وهو ملومٌ بترك الأسباب التي اقتضتها حكمة الله ، فلم تنفعه الكلمة نفعها لمَن فعل ما أُمِرَ به.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذا الحديث الأول فيما يتعلق بما يقول المؤمن عند رؤية الصبح وانفجار الفجر، كما قال ﷺ: سمَّع سامعٌ بحمد الله وحُسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذًا بالله من النار، عائذًا بالله من النار، يُكرر ذلك ثلاثًا كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
ولا شكَّ أن الصبح والليل كلها من نِعَم الله: فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا [الأنعام:96]، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [الحج:61]، فمن نِعَمه العظيمة: أن جعل الليل سكنًا، والنهار معاشًا للعباد، يتصرفون ويعملون في طلب الرزق.
فالإنسان يحمد ربه، ويأخذ بالأسباب، ويعمل بالكيس، ويسأل ربه التوفيق، فهذا هو المشروع للمؤمن دائمًا في كل وقتٍ: الأخذ بالأسباب الشرعية والحسية، والاعتماد على الله والتوكل عليه، مع الأخذ بالأسباب، والحرص على الأسباب، ويأتي بالأذكار المشروعة في الصباح والمساء: التَّسبيح، والتَّهليل، والتَّحميد، والتَّكبير، والاستغفار، جميع ما شرعه الله من الأذكار كلها من الأسباب، لكن مع الجدِّ في أخذ الأسباب الحسية التي تنفعه من بيعٍ أو شراءٍ أو عملٍ ينفعه، أو ترك ما يضره، ولا يتَّكل على القدر فقط، لا، بل يأخذ بالأسباب، كما صرَّح بهذا في قوله ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا كان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قَدَر الله وما شاء فعل، "قَدَر الله" يعني: هذا قَدَر الله، خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أو "قدَّر الله لي هذا الشيء وما شاء فعل"، وهذا يقوله المؤمن عندما يغلبه الأمر.
ويقول جلَّ وعلا: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155- 157]، ونهى عن التَّشبه بأعداء الله الذين يعترضون على القدر، بل يجب على المؤمن أن يُسلم للقدر، ولكن يأخذ بالأسباب، فالإنسان مذمومٌ في تعلقه بالقدر وتركه الأسباب، ولكن عليه بالكيس؛ ولهذا لما حكم ﷺ على أحد الشخصين وأدبر المحكوم قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأرشده النبي ﷺ إلى الكيس، فقال: عليك بالكيس، فإذا غلبك أمرٌ فقل: حسبي الله ونعم الوكيل.
فالإنسان يأخذ بالأسباب، ويعمل ويجتهد، ويأخذ بالكيس، فإذا غلبه أمرٌ –يعني: فُلِجَ أو نزل به المرض أو خسر في البيع أو جُرِحَ في القتال أو ما أشبه ذلك- يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، قَدَر الله وما شاء فعل.
والخلاصة: أن الله ..... علَّق الأمور بالأقدار، وذمَّهم على هذا، وقال جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا [آل عمران:156]، لا تقل: لو كان فلانٌ عندنا ما مات، لو ما سافر ما جرى كذا، لو ما راح للطبيب ما جرى كذا. ولكن قل: قَدَر الله وما شاء فعل.
أما تمني الطيب، تمني الشيء الطيب: لو علمتُ أن فلانًا أتى رُحْتُ له أُسلم عليه، لو علمتُ أن هناك جهادًا لسافرتُ إلى الجهاد، لو علمتُ أن فلانًا تزوج هَنَّأْتُه وباركتُ له الزواج. هذا مثل قوله ﷺ: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ من باب تمني الخير، لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، هذا من باب تمني الخير، لو علمتُ أنك موجودٌ لأتيتُك، لو علمتُ أن فلانًا سافر لأنفقتُ على أهله، أو ساعدتُ أهله. هذه من باب تمني الخير، ليس من باب الاعتراض، المذموم الاعتراض: لو تداويتُ كان ما أصابني كذا، لو جئتُ للطبيب الفلاني ما أصابني كذا. هذا هو المذموم.
الإنسان يأخذ بالأسباب، فإذا غلبه الأمر يقول: قَدَر الله وما شاء فعل، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
وفَّق الله الجميع.
الأسئلة:
س: أحسن الله عملك، بالنسبة لحديث رؤية الفجر يذكر أنه إذا كان في السفر؟
ج: .....؛ لأنهم يُشاهدونه، وفي الحضر عند أهله ما يُشاهده .....
س: بالنسبة لاستخدام "لو" في الأمور المباحة؟
ج: إذا كان ما هو باعتراضٍ: لو علمتُ أن الضيف يجيء جهزتُ كذا وجهزتُ كذا، لو علمتُ أن هذه السلعة لها رواجٌ شريتُها، وأشباه ذلك.
س: لا بأس؟
ج: لا بأس، نعم، ما هو باعتراضٍ ..... الاعتراض: لو عالجتُ ما أصابني كذا، لو جئتُ الطبيب الفلاني ما أصابني كذا، لو فلانٌ فعل كذا وكذا ما مات. اعتراضٌ على القدر.
س: أحسن الله إليك، لا بد من تنسيق العبارات -أحسن الله إليك- مثلًا: "قدَّر الله وما شاء فعل"، ومثلًا: كلمة "لو" لا بد -أحسن الله إليك- أن تكون مُنسقةً؟
ج: الاعتراض المذموم، الاعتراض على القدر يكون مذمومًا: لولا كذا، لو كذا، أما في تمني الخير والتَّأسف على عدم فعل الخير هذا لا بأس: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولجعلتُها عمرةً، لو علمتُ أن فلانًا موجودٌ زُرْتُه، لو علمتُ أن فلانًا مريضٌ عُدْتُه، من باب تمني الخير، هذا ما هو باعتراضٍ على القدر: لو علمتُ أن هذه الساعة تُباع عند فلانٍ شريتُ منه.
س: حديث عوف بن مالك صحيحٌ؟
ج: أيش هو؟
س: «إن الله يذمُّ على العجز، ولكن عليك بالكيس»؟
ج: ما راجعتُه، وحديث أبي هريرة يكفي، رواه مسلمٌ في "الصحيح": احرص على ما ينفعك واستعن بالله، المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ رواه مسلمٌ في "الصحيح"، يكفي عن حديث عوف.
س: ضبط: قَدَر الله أو قدَّر الله؟
ج: يجوز هذا وهذا: "قَدَر الله وما شاء فعل" يعني: هذا قَدَر الله، و"قَدَّر الله" يعني: قَدَّر الله هذا الشيء وما شاء فعل، يصير مفعولًا محذوفًا.
س: أحسن الله إليك، بالنسبة للكيس هو الحزم؟
ج: الكيس: الحزم والأخذ بأسباب الخير، هذا الكيس.
س: أحسن الله إليك: الكَيِّس مَن دان نفسه ..؟
ج: يعني: الحازم، الجيد.
س: هل هذا حديثٌ؟
ج: حديثٌ فيه بعض الضعف، وبعض الأئمة وثَّقه، لكن فيه لينٌ: الكَيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
س: المؤمن مِرْآة أخيه؟
ج: لا بأس به.
س: سنده؟
ج: حسنٌ، ذكره الحافظ رحمه الله في "الترغيب في مكارم الأخلاق" في "البلوغ"، في آخر "البلوغ"، "الترغيب في مكارم الأخلاق": المؤمن مِرْآة أخيه المؤمن.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، هل هذا من الاعتراض: أحيانًا يكون –مثلًا- مجموعةٌ في سيارةٍ، ثم يموت منهم شخصان، وهم خمسةٌ؟ هل هذا اعتراضٌ أن يقول: إن فلانًا نجا من الحادث، وفلانًا توفاه الله ؟ هل هذا اعتراضٌ ..؟
ج: لا، لا، هذا إخبارٌ فقط، من باب الخبر.
س: ما في اعتراض؟
ج: لا، لا بأس، فلانٌ تُوفي، وفلانٌ سَلِمَ، ما في شيء.
س: لأنه أحيانًا يقولون –مثلًا-: إن فلانًا نجا بأعجوبةٍ وكذا؟
ج: لا، هذا ما فيه اعتراضٌ.
س: كلمة "نجا بأعجوبةٍ" هل فيها شيءٌ؟ أحسن الله إليك.
ج: أعجوبة بأسبابها، معناها: بأعجوبة بسبب كذا وكذا، نجا بأسباب أنه كان كذا وكذا، يُبَيِّنون الأسباب: بسبب أنه لم يستعجل، ما قال ..... أنجا فلان أو فلان، ذكر السبب فقط، مثلما تقول: فلانٌ جيدٌ، والسبب عدم غشّه وعدم خيانته، وسبب أن فلانًا متهورٌ بسبب سرعته، تُخبر عن الأسباب.
س: قول: نجوتُ بفضل الله، أو بقدر الله؟
ج: كله واحدٌ، "بفضل الله" أحسن، و"قدر الله" صحيحٌ، "بفضل الله ورحمته" أجمل وأطيب.
س: رفع اليدين بعد الإقامة للدعاء؟
ج: أقول: ما أُخبر أنه ورد في هذا شيءٌ، أقول: ما أعلم أنه ورد في هذا شيءٌ.
س: مَن استعمله يُنْكَر عليه؟
ج: الله أعلم.
س: أحسن الله إليك، مَن قرأ آيةً واحدةً في صلاة الفجر؟
ج: ما في بأس، لو ما قرأ إلا الفاتحة تُجزئ، لكن الزيادة على الفاتحة سُنةٌ.