الفصل الخامس والسبعون: في جوامع أدعية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعوذاته لا غنى للمرء عنها.

الفصل الخامس والسبعون: في جوامع من أدعية النبي ﷺ وتعوذاته، لا غِنَى للمرء عنها

قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ يُحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك.

وفي "المسند" والنسائي وغيرهما: أنَّ سعدًا سمع ابنًا له يقول: اللهم إني أسألك الجنة وغُرَفَها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وأغلالها وسلاسلها. فقال سعدٌ : لقد سألتَ الله خيرًا كثيرًا، وتعوذتَ من شرٍّ كثيرٍ، وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: سيكون قومٌ يعتدون في الدعاء، وبحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك من الخير كله، ما علمتُ منه، وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، ما علمتُ منه، وما لم أعلم.

وفي مسند الإمام أحمد وسنن النَّسائي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان من دعاء النبي ﷺ: ربِّ أعنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، وانصرني على مَن بغى عليَّ، ربِّ اجعلني لك شَكَّارًا، لك ذَكَّارًا، لك رَهَّابًا، لك مِطْوَاعًا، لك مُخْبِتًا، إليك أَوَّاهًا مُنِيبًا، ربِّ تقبل توبتي، واغسل حَوْبَتي، وأَجِبْ دعوتي، وثَبِّتْ حُجَّتي، واهدِ قلبي، وسدد لساني، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قلبي، هذا حديثٌ صحيحٌ، رواه الترمذي وحسَّنه وصححه.

وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالكٍ قال: كنتُ أَخْدم النبيَّ ﷺ، فكنتُ أسمعه يُكثر أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجُبن، وضلع الدَّين وغلبة الرجال.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأحاديث في شيءٍ من دعوات النبي ﷺ وتعوذاته.

يُستحب للمؤمن أن يجتهد في التَّعوذات الشرعية، والدعوات الشرعية؛ لأنها أفضل من غيرها، ويدعو بما أحبَّ، بكل دعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ، ولكن إذا تيسر له توخي الدعوات التي دعا بها النبي ﷺ يكون أفضل وأكمل، وإلا فَلْيَدْعُ بما يَسَّر الله له، وليس بشرطٍ أن يكون منقولًا؛ لقوله ﷺ: ما من عبدٍ يدعو الله بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاثٍ: إما أن تُعَجَّل له دعوته في الدنيا، أو تُدَّخر له في الآخرة، أو يصرف الله عنه من الشرِّ مثل ذلك، قالوا: يا رسول الله، إذن نُكثر. قال: الله أكثر.

فالإنسان يدعو بما تيسر، ولكن إذا تيسرت التَّعوذات الشرعية يكون ذلك أفضل، مثل: أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، هذا من دعوات النبي ﷺ، وكان يعتني بجوامع الكلم، ويدع ما سوى ذلك، فيدعو بالدعوات الجامعة التي تجمع الخير كله، مثل: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه، وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشرِّ كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه، وما لم أعلم، وأسألك من خير ما سألك منه عبدك ونبيك ﷺ، وأعوذ بك من شرِّ ما استعاذ منه عبدك ونبيك ﷺ، اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، اللهم اجعل كل قضاءٍ قضيتَه لي خيرًا، اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفو فاعفُ عني، وما أشبه ذلك من الدعوات الطيبة، يتحرى الإنسان الدعوات الطيبة التي دعا بها النبي ﷺ، ومنها: اللهم أَعِنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، ويسِّر لي الخير كله، اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفو فاعفُ عني.

فالمؤمن يتحرى الدعوات الطيبة، ومنها هذا الدعاء الطويل: اللهم أَعِنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ ..، وبقية الدعاء المذكور هنا، وما جاء في معناه: ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

سعدٌ خاف على ولده أن يعتدي فقال: إنه سمع النبي ﷺ يقول: يأتي قومٌ يعتدون في الدعاء، فأرشد ولده إلى أن يدعو بالدعوات الجامعة، ولا بأس أن يقول: "اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها، وأعوذ بك من النار وعذابها"، لكن لا يُفصل: "ربِّ أسألك الجنة وكذا وكذا"، ما له حاجةٌ، إذا حصلت الجنة حصل فيها كل خيرٍ، وإذا أعاذه الله من النار فقد أعاذه الله من كل شرٍّ.

ومن ذلك دعوات: اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن، والعجز والكسل، والجُبن والبُخل، ومن ضلع الدين وغلبة الرجال، اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء، اللهم إني أعوذ بك من جَهْد البلاء، ومن دَرَك الشَّقاء، ومن سُوء القضاء، ومن شماتة الأعداء.

كل هذه من الدعوات التي كان يدعو بها ﷺ، ومنها: ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار. هذا من دعائه الكثير عليه الصلاة والسلام، كان أكثر دعائه: ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار. نعم.

الأسئلة:

س: أحسن الله إليك، ما معنى: غلبة الرجال؟

ج: قهرهم.

س: قهر الرجال؟

ج: يعني: إيذاءهم وقهرهم، غلبتهم بالظلم والعدوان.

س: أحسن الله إليكم، الاعتداء في الدعاء يكون بالدعاء بقطيعة الرحم والإثم؟

ج: الاعتداء بالدعاء الذي ما هو مشروع، مثل: أن يدعو على والديه، أو على أرحامه بغير حقٍّ، أو يدعو على زيدٍ أو على عمرٍو بغير حقٍّ، أو يقول: اللهم أعني على الزنا، أو اللهم أعني على شُرب الخمر، هذا من الاعتداء.

س: يعني: دعاء ابن سعد بن أبي وقاص ..؟

ج: خاف؛ لأنه سمعه يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وغُرَفها وكذا، ويُعدد، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، ويُعدد، خاف عليه أن يكون من الاعتداء.

س: أحسن الله إليك، في بعض الأحيان يكون في صحيفةٍ أو في مجلةٍ، ويكون –مثلًا- مُطربٌ أو كذا، ثم يقول: هذا من توفيق الله . هل هذا اعتداء على الله ؟

يعني يقول: وَفَّقني الله في هذه الأغنية. وهذا حرامٌ -أحسن الله إليك- فهل هذا اعتداء على الله أنه ينسب توفيقه إلى الله بهذه المعصية؟

ج: هذا ما يجوز، كلامه لا يجوز، أما هي فبقدر الله، هي من قدر الله، لكن ما هي من توفيقه، من خذلانه، يكون إيقاع المعصية من خذلان الله، ما هي من توفيق الله، لكن كونها بقدرٍ هي بقدرٍ، كل شيءٍ بقدرٍ.

س: أحسن الله إليك، "ويدع ما بين ذلك" ما المقصود ..؟

ج: يدع يعني: يترك.

س: في سجود الشكر يلزم استقبال القبلة؟

ج: أفضل، أفضل، سجود الشكر وسجود التلاوة الأفضل فيه استقبال القبلة.

س: الطهارة أيضًا؟

ج: لا، الطهارة ما هي بلازمٍ، لكن إذا تيسرت الطهارة فالطهارة طيبةٌ.

س: الدعاء بالتَّلحين أحسن على طريقة قراءة القرآن؟

ج: لا، يدعو بدون تكلفٍ، دعاءً عاديًّا من دون تكلفٍ.

س: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يُشرع الدعاء بعد ختم القرآن؟

ج: أفضل، كما فعله السلف .

مداخلة: أحسن الله إليك يا شيخ، معي شرح حديث: سمَّع سامعٌ حديث أمس.

الشيخ: إيه.

الطالب: يقول محمد فؤاد عبدالباقي -هو علَّق على "صحيح مسلم" ورتَّبه- يقول: قال: سمَّع سامعٌ بحمد الله وحُسن بلائه علينا رُوي بوجهين:

أحدهما: فتح الميم من سَمِعَ مع تشديدها.

والثاني: كسرها مع تخفيفها.

واختار القاضي هنا وفي "المشارق" وصاحب "المطالع": التَّشديد، وأشار إلى أنه رواية أكثر رواة مسلمٍ، قالا –يعني: صاحب "المطالع" وصاحب "المشارق"-: ومعناه: بلغ سامع قولي هذا لغيره.

وضبطه الخطابي وآخرون بالكسر والتَّخفيف، قال الخطابي: ومعناه: شهد شاهدٌ. قال: وهو أمرٌ بلفظ الخبر، وحقيقته: ليسمع السامع، وليشهد الشاهد على حمدنا لله تعالى على نعمه وحُسن بلائه. انتهى يا شيخ.

الشيخ: الله أعلم، خير إن شاء الله ..... الله أعلم، قد يكون معناه: سمَّع سامعٌ عام، وأن التَّسميع يكون عامًّا من النبي ﷺ، ومن غيره من الدعاة إلى الله، ومن الرسل، ومن غيرهم، يعني: أن الله جلَّ وعلا بلَّغ دعوة المرسلين، بلَّغ دعوة المؤمنين، وسمَّع سامعٌ منهم للناس الذين دُعوا ورُغِّبوا ورُهِّبوا؛ لأنه أطلق النبي ﷺ قال: سمَّع سامعٌ.

أما "سَمِع سامعٌ" ما هو بواضحٍ، لكن "سمَّع سامعٌ" ممكن، ويحتمل "سَمِعَ سامعٌ" يعني: سَمِعَ سامعٌ بدعوة الله وكتابه العظيم بحمد الله الذي جعله يسمع، على وجه مَن خفضها -كسر الميم-: "سَمِعَ سامعٌ" يعني: أن الله جلَّ وعلا وفَّق حتى سمع السامعون لكلام الله وكلام رسوله ﷺ، وهذا بحمده وفضله الذي جعلهم يسمعون، كلها مُحتملةٌ.

س: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لعبارة ..... إذا سمع أحدًا رزقه الله بمولودٍ قال: يتربى في عزِّك، هل هذه العبارة فيها شيءٌ؟

ج: لا، الأحسن أن يقول: يتربى في الإسلام ..... والكلام الطيب، "في عزك" يعني: في حياتك، هذا قصده، وإذا قال: نسأل الله أن يجعله مولودًا صالحًا، وأن يعيش في ظل والديه المُسْلِمَيْنِ، يعني: دعوات لهم بطول العمر، لا بأس، لكن كونه يدعو لهم بالدعوة الطيبة: أنه يعيش في الإسلام، ويعيش في التربية الصالحة، أحسن من مجرد "عزك".

س: ما العبارة التي يَرُدّ بها عليه؟

ج: يقول: بارك الله لك فيه، وأصلحه، وأنبته نباتًا حسنًا، وأشباه ذلك من الدعوات الطيبة.

س: إذا قيل له -مثلًا-: تربى في عزِّك ماذا يقول لهم؟ أحسن الله إليك.

ج: الأمر واسعٌ، سهلٌ.

وفي "صحيح مسلم" عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزَكِّها أنت خير مَن زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، ونفسٍ لا تشبع، وعلمٍ لا ينفع، ودعوةٍ لا يُستجاب لها.

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ كان يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المَأْثَم والمَغْرَم، فقال له قائلٌ: ما أكثر ما تستعيذ من المَغْرَم يا رسول الله! فقال: إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف.

وفي "صحيح مسلم" عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان من دعاء النبي ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، ومن فُجَاءة نقمتك، ومن جميع سخطك.

الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأحاديث في جملةٍ من أدعيته ﷺ، والمؤمن يُشرع له أن يدعو بالدعوات الجامعة، الطيبة، الثابتة عنه ﷺ، وأي دعاءٍ دعا به ليس فيه إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ لا بأس به، وإن كان لم يُنْقَل، فله أن يدعو بالدعوات الطيبة وإن كانت لم تُنْقَل، إن كان معناها صحيحًا، وليس فيها محذورٌ، فله أن يدعو، لكن الدعوات المأثورة الثابتة عن النبي ﷺ تكون أفضل من غيرها، ومن هذا ما رواه زيد بن أرقم وغيره: ابن عمر، وابن عباسٍ، وغيرهم.

ومما روى زيد بن أرقم: اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن، ومن الجُبن والبُخل، ومن الهرم، ومن عذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير مَن زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعاءٍ لا يُسْمَع.

هذه الدعوات: اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير مَن زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحول عافيتك، ومن فَجْأَة نقمتك، ومن جميع سخطك.

الإنسان يتحرى الدعوات الطيبة التي وردتْ عن النبي ﷺ، وكذلك الدعوات التي تُقال في آخر الصلاة من حديث عائشة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من المأثم والمَغْرَم، قيل: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المَغْرَم! قال: إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف، إذا كثر عليه الدَّين صار يَعِد الناس ويُخْلِف، ويُحَدِّث فيكذب؛ لأنه ما عنده شيءٌ ..... يُرضيهم بالكذب.

فالمقصود أن هذه الجوامع من الدعوات وأشباهها يُستحب للمؤمن أن يدعو بها في سجوده، وفي آخر الصلاة، وفي آخر الليل، وفي جوف الليل، وفي أي وقتٍ يتحرى الدعوات.

ومن أجمعها أيضًا: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خيرٍ، واجعل الموت راحةً لي من كل شرٍّ أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام.

اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحول عافيتك، ومن فَجْأَة نقمتك، ومن جميع سخطك كما ذكر المؤلف هنا، رواه مسلمٌ.

هذه دعواتٌ عظيمةٌ: اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، والمَأْثَم والمَغْرَم، ومن غلبة الدين وقهر الرجال، اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجُذام، وأعوذ بالله من سَيِّئ الأسقام.

فهذه الدعوات وأشباهها يتحرى ما ورد، وجمع ذلك صاحب "الترغيب والترهيب" وغيره كالمؤلف في كتابه هذا، وذكر ابن حجر جملةً من ذلك في آخر كتاب "البلوغ"، وللعلماء في هذا مؤلفاتٌ كثيرةٌ في الدعوات.

نسأل الله للجميع التوفيق.

الأسئلة:

س: أحسن الله إليك يا شيخ، هل هذه الدعوات تُقال ولو لم يكن في صلاةٍ؟ يعني: يرفع يديه أو بدون؟

ج: في جميع الأوقات، وقت الرفع في وقت الرفع، والأوقات الباقية يدعو، مثل: بين السجدتين، مثل: السجود ..... آخر الصلاة يدعو، وإذا دعا في وقتٍ آخر في آخر الليل ورفع يديه، أو في أي وقتٍ وهو جالسٌ ورفع يديه فلا بأس.

س: أحسن الله إليك، دون وقت الصلاة، في الأوقات ..؟

ج: رفع اليدين من أسباب الإجابة، أما الأوقات التي ما رفع فيها النبي ﷺ فلا ترفع فيها: بعد السلام من الفريضة ما كان النبي ﷺ يرفع يديه، وبين السجدتين ما كان يرفع يديه، وفي آخر الصلاة ما كان يرفع يديه، لكن إذا رفعتَ ودعوتَ في أي وقتٍ غير هذه الأوقات التي ما رفع فيها النبي ﷺ لا بأس.

س: أحسن الله إليك يا شيخ، بعض الإخوة المقيمين بعدما يأتي بالصلاة مباشرةً يأتي بالسنة؟

ج: السنة أن يجلس ويستغفر الله ثلاثًا: اللهم أنت السلام .. يأتي بالأذكار الشرعية، ويجعل السُّنة بعد ذلك، هذه السُّنة.

س: يُنْكَر عليه؟

ج: يُعلَّم، يُعلَّم، من باب التعليم، من باب النَّصيحة.

س: مسح الوجه -يا شيخ- بعد الدعاء؟

ج: إن مسح فلا بأس، وإن ترك فلا بأس، تارةً وتارةً، ما يُواظب عليه، النبي ﷺ ما كان يُواظب عليه، فالدعوات المشهورة عن النبي ﷺ ما كان يمسح وجهه، ورد أنه كان يمسح وجهه في بعض الدعوات، لكن الدعاء الذي دعا به يوم الاستسقاء ما ذكروا أنه مسح وجهه لما استسقى الناس، وإن دعا في بعض الأحيان ومسح وجهه فلا بأس، بعض الأحيان، نعم.

س: قول: "اللهم إني أسألك من خير ما سألك به نبيك محمدٌ ، وأعوذ بك من شرِّ ما استعاذ به .."؟

ج: كله طيبٌ، هذا ورد في حديث عائشة، طيبٌ.

س: الدعاء بعد الأكل -يا شيخ- ويرفع الجماعة الأيدي يدعون للذي أطعمهم؟

ج: ما أعلم فيه شيئًا، وما ورد فيه شيءٌ، لكن الدعاء طيبٌ، ما فيه شيءٌ.

س: صفة رفع اليدين في الاستسقاء؟

ج: هكذا، هكذا.

س: رفع اليدين، لو قال فيه ..... تضرع تكون اليدان متفرقتين؟

ج: هكذا، هكذا، يرفعها ويضم إحداها إلى الأخرى، كأنه ..... شيئًا.

س: الآن بعضهم يُبين الإبطين؟ أحسن الله إليك.

ج: هذا في الاستسقاء، يُبالغ في الاستسقاء، في الاستسقاء السُّنة أن يرفع ويُبالغ، هكذا.

س: يرفع يديه حتى ..؟

ج: في الاستسقاء.

س: ..... ما لها أصلٌ؟

ج: ما بلغني.

س: أحسن الله إليك، إذا دعا الإمام في خطبة الجمعة؟

ج: إذا كان في الاستسقاء يرفع يديه، أما الجمعة لا، ما يرفع، خطبة الجمعة لا يرفع فيها إلا إذا استسقى واستغاث للناس.

س: إذا طلع الإمام المنبر يرفع يديه؟

ج: لا، ما يرفع يديه إلا في الاستسقاء فقط، أما خطبة الجمعة أو خطبة العيد فلا يرفع إلا إذا استسقى للناس، إذا استسقى للناس واستغاث لهم يرفع يديه.

س: والمصلون أيضًا يرفعون أيديهم؟

ج: يرفعون أيديهم، المصلون يرفعون أيديهم في الاستسقاء تبع الإمام.

س: الدعاء بين الخطبتين يُستجاب؟ أحسن الله إليك.

ج: تُرجى فيه الإجابة، من حين يجلس على المنبر إلى أن تُقضى الصلاة يوم الجمعة محلٌّ تُرجى فيه الإجابة .....

س: ..... الاستغفار بين الخطبتين؟

ج: نعم، الدعاء، الاستغفار من الدعاء.

وفي الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر ما أسأل؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفوَ فَاعْفُ عني، قال الترمذي: صحيحٌ.

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق، عن النبي ﷺ أنه قال: عليكم بالصدق، فإنه مع البرِّ، وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور، وهما في النار، وسَلُوا الله المُعافاة، فإنه لم يُؤْتَ رجلٌ بعد اليقين خيرًا من المُعافاة.

وفي صحيح الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: ما سُئل الله شيئًا أحبّ إليه من أن يُسأل العافية.

وذكر الفريابي في كتاب "الذكر" من حديث أنس بن مالكٍ قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: أي الدعاء أفضل؟ قال: تسأل الله العفو والعافية، فإذا أُعطيتَ ذلك فقد أفلحتَ.

وفي "الدعوات" للبيهقي عن معاذ بن جبلٍ قال: مَرَّ رسول الله ﷺ برجلٍ يقول: اللهم إني أسألك الصبر. قال: سألتَ الله البلاء، فَسَلِ العافية، ومَرَّ برجلٍ يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة. فقال: وما تمام النعمة؟ قال: سألتُ وأنا أرجو الخير. قال له: تمام النعمة الفوز من النار، ودخول الجنة.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأحاديث فيها شيءٌ من الدعوات المنقولة عن النبي ﷺ.

سبق أنه ينبغي للمؤمن أن يتحرى الأدعية النبوية الثابتة عنه ﷺ؛ لما فيها من الخير العظيم؛ ولأنها من جوامع الدعاء، وكان أحبّ شيءٍ إليه جوامع الدعاء عليه الصلاة والسلام، الدعوات الجامعة، فيُشرع للمؤمن أن يتحرى الدعوات الجامعة المنقولة عن النبي ﷺ ويدعو بها، مثل: اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

ومن دعاء النبي ﷺ الذي علَّمه لعائشة: اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفو فَاعْفُ عني، يُدْعَى به في أفضل ليلةٍ، وهي ليلة القدر، لما سألته قالت: يا رسول الله، إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفو فاعفُ عني، فالعفو من الله جلَّ وعلا أعظم نعمةٍ؛ أن يعفو عنك فتفوز بالجنة، وتنجو من النار.

وكذلك: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة.

وكان من دعائه ﷺ: اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي.

فسؤال الله العافية من أعظم الدعاء، ومن أجمع الدعاء.

كذلك يسأل الله الصدق والبِرَّ، فإنهما في الجنة، ويتعوذ بالله من الكذب والفجور، فإنهما في النار، كما في حديث ابن مسعودٍ في الصحيحين: عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإن البِرَّ يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفُجور، وإن الفُجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا.

فمن أجمع الدعوات سؤال الله العافية، وسؤال الله الجنة والنَّجاة من النار، وسؤال الله رضاه والجنة، والعافية من عذابه وغضبه ، وسؤال الله الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، والتَّعوذ بالله من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

اللهم اغفر لي، وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم، هذا من دعائه ﷺ: اللهم اغفر لي، وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم.

وهكذا الدعوات الجامعة التي فيها خير الدنيا والآخرة: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خيرٍ، واجعل الموت راحةً لي من كل شرٍّ أخرجه مسلمٌ في "الصحيح"، هذه من الدعوات الجامعة.

اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدَّين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء.

أعوذ بالله من جَهْد البلاء، ومن دَرَك الشقاء، ومن سُوء القضاء، ومن شماتة الأعداء.

فيتحرى المؤمن مثل: "الترغيب والترهيب" فقد جمع جملةً من الأدعية، و"رياض الصالحين"، ومثل كتاب المؤلف هذا "الوابل الصيب"، وغيرها، يتحرى ويتتبع ما ورد في الأحاديث، فالدعوات المنقولة الطيبة الجامعة أفضل من الدعوات التي يأتي بها من كيسه، وإن كان الأمر فيها واسعًا -الحمد لله- فإذا دعا بشيءٍ ينفعه فلا بأس ما لم يكن فيه إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ، فكونه يتحرى الدعوات التي تنفعه وهو بحاجةٍ إليها لا بأس: اللهم يَسِّر لي قضاء دَيني، اللهم يَسِّر لي سببًا صالحًا طيبًا من الرزق، اللهم أصلح ذُريتي، اللهم أصلح زوجتي، يتحرى الدعوات التي يحتاج إليها، لا بأس، لكن المنقولة والثابتة عن النبي ﷺ تكون أفضل من غيرها.

وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: أحسن الله إليك، صيغة النبي في الاستغفار؟

ج: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، حثَّ عليها النبي ﷺ، ومنها: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدِّي وهَزْلي، وخَطَئِي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المُقدم، وأنت المُؤخر، وأنت على كل شيءٍ قديرٌ متفقٌ على صحته.

ومنها سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت هذا من الدعوات العظيمة.

ومثل ما كان في آخر الصلاة: اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المُقدم، وأنت المُؤخر، لا إله إلا أنت، اللهم اغفر لي، وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الغفور.

يقول ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نعدّ للنبي ﷺ في المجلس الواحد مئة مرةٍ يقول: اللهم اغفر لي، وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الغفور، وفي بعضها: إنك أنت التواب الرحيم.

س: حديث الصبر -يا شيخ- الذي قال له: قد سألتَ البلاء، وقول الله جلَّ وعلا: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة:250]؟

ج: انظر الكلام على حديث الصبر: سألتَ الله البلاء؟

القارئ: يقول الشارح: رواه أيضًا الإمام أحمد في "المسند"، والترمذي في "الدعوات" باب رقم (9)، وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ. وهو كما قال.

الشيخ: فقط؟

القارئ: انتهى، فقط.

الشيخ: هذا إن صحَّ يعني: يجمع بينهما، يعني: الصبر على ما يشقّ عليَّ، "اللهم إني أسألك الصبر" يعني: على ما يشقّ عليَّ، وعلى أداء الواجبات، وعلى أداء ما يُحبه الله، وعلى ترك ما حرَّمه الله، يسأل ربه الصبر على ذلك، ويسأله أيضًا العافية مما يَسُوؤه ويضرّه.

فالمقصود أن الصبر جاء في النصوص الحثُّ عليه: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127]، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46].

فأنا أعتقد أن في صحته نظرًا هذا الحديث، وإن حسَّنه الترمذي، في صحته نظرٌ؛ لأن ظاهره مُخالفة الأحاديث والآيات المعروفة، تُراجعونه، تُجْمَع طرقه.

س: ..... ما قلَّ ودلَّ؟

ج: هذا يحتاج إلى نظرٍ في سنده، يُروى عن عليٍّ : "خير الدعاء ما قلَّ ودلَّ، ولم يطل فَيُمَلّ"، يحتاج إلى مُراجعة أسانيده.

س: التَّفصيل في الدعاء يكون من الإلحاح؟

ج: التَّكرار، التَّكرار، التَّفصيل على حسب الحاجة، لكن يُستحب التَّكرار والإلحاح في الدعاء، إن الله يُحب المُلحين في الدعاء.

أقول: الإلحاح معناه يدل على قوة الرغبة.

س: تكرار نفس الدعاء؟

ج: إذا دعت الحاجة للتفصيل مثلما جاء عن النبي ﷺ: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقّه وجِلّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسِرّه، هذا رواه مسلمٌ، كان يدعو به في السجود عليه الصلاة والسلام.

س: يعني: في المنقول فقط؟

ج: نعم.

س: لأنه قد يكون من الاعتداء؟

ج: ليس من الاعتداء.

س: قصده في التَّفصيل.

ج: ليس من الاعتداء.

س: أحسن الله إليك، وأعوذ بك من سقرها وسعيرها وزقُّومها ..؟

ج: سعد بن أبي وقاص كره لابنه ذلك وإلا ما فيه شيءٌ، ما فيه شيءٌ.

س: أحسن الله إليك يا شيخ، رجلٌ يدعو: يا ربّ، يا إلهي، يا خالقي ..؟

ج: يا رحمن، يا رحيم.

س: يقول: يا حبيبي، ويُكررها؟

ج: هو حبيب المؤمن، ما فيه شيءٌ، هو حبيب كل مؤمنٍ.

وفي "صحيح مسلم" عن أبي مالكٍ الأشجعي، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يُعلم مَن أسلم أن يقول: اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني، وارحمني.

وفي "المسند" عن بُسْر بن أرطاة رضي الله تعالى عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

وفي "المسند" وصحيح الحاكم عن ربيعة بن عامر ، عن النبي ﷺ: أَلِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام أي: الزموها وداوموا عليها.

وفي صحيح الحاكم أيضًا عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال لهم: أتُحبون أيها الناس أن تجتهدوا في الدعاء؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: قولوا: اللهم أَعِنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك.

وفي الترمذي وغيره: أن النبي ﷺ أوصى معاذًا أن يقولها في دبر كل صلاةٍ.

وفي صحيحه أيضًا عن أنسٍ قال: كنا مع النبي ﷺ في حلقةٍ، ورجلٌ قائمٌ يُصلي، فلما ركع وسجد تشهد ودعا، فقال في دعائه: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي، يا قيوم"، فقال النبي ﷺ: لقد سألتَ باسمه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأحاديث دلَّتْ والتي قبلها على الحثِّ على الدعاء بدعوات النبي ﷺ، والحرص على جوامع الدعاء، كما في حديث عائشة: "كان ﷺ يستحب جوامع الدعاء، ويَدَع ما سوى ذلك"، والدعوات الجامعة التي تجمع الخير كله مع اختصارها.

فالمؤمن يجتهد في الدعوات الطيبة، ولا سيما الواردة عن النبي ﷺ؛ لأن المأثور أفضل من غيره، وإذا دعا بغير ذلك من الدعوات الجامعة فكله طيبٌ؛ لأن الله جلَّ وعلا يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، ويقول جلَّ وعلا: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ۝ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55- 56].

فالمؤمن يجتهد في الدعاء، ويحرص على الدعاء على ما يسَّر الله له، وإذا تيسرت له دعوات مأثورة كان الدعاء بها أفضل من غيرها، ومن ذلك ما كان يُعلمه النبي ﷺ مَن أسلم، يقول له: قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني، هذه دعواتٌ طيبةٌ.

وعلَّمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

قال: يا رسول الله، هذا لربي، فما لي؟

قال: قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني.

ومنها: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، هذه دعوةٌ جامعةٌ: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

اللهم أَعِنِّي على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، وكان ﷺ يُعلم معاذًا أن يقولها دبر كل صلاةٍ: اللهم أَعِنِّي على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك.

فهذه الدعوات وأشباهها من خير الدعاء، وتقدمت دعواتٌ كثيرةٌ، ومنها: ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

"اللهم أَعِنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويَسِّر الهدى إليَّ، اللهم اجعلني لك شَكَّارًا، لك ذَكَّارًا، لك مِطْوَاعًا، لك مُخْبِتًا، لك أَوَّاهًا مُنِيبًا"، وما أشبه ذلك من الدعوات الطيبة.

وليحرص على الجوامع كما تقدم، مثل: "اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفو فاعفُ عني، اللهم أصلح قلبي وعملي، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار، اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ"، وما أشبه هذه الدعوات الجامعة.

نسأل الله للجميع التوفيق.

الأسئلة:

س: ..... دعاء معين إذا أصاب الإنسان المرض -أحسن الله إليك- يدعو به الله ؟

ج: سؤال العافية، ما سأل العبدُ أفضل من العافية: "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة"، وأيوب لما قال: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] يعني: اشفني وعافني، اللهم اشفني وعافني، ربي إني مسني الضرُّ وأنت أرحم الراحمين، اللهم اكشف ضُرِّي، اللهم أَسْبِغْ عليَّ لباس العافية.

س: اسم الله الأعظم؟

ج: "بسم الله العظيم" جاء في النصوص "الأعظم" يعني: العظيم؛ لأنها جاءت نصوصٌ كثيرةٌ: "بسم الله الأعظم" يعني: بسم الله العظيم، أقول: أسماء الله كلها حُسْنَى، وكلها عظيمةٌ.

س: ما ورد أنه "الحي القيوم"؟

ج: ورد لكن بأسانيد فيها ضعفٌ.

س: أحسن الله إليك يا شيخ، كثيرٌ من الناس يقولون: الله يُخليك؟

ج: يعني: يُبقيك.

س: يجوز يا شيخ؟

ج: إي، يُخليك يعني: يُبْقِيك، لكن يزيد فيها: على طاعةٍ، أو على الخير أفضل.

س: .....؟

ج: يُخليك بمعنى: يُبْقِيك، يعني: يحفظك على خيرٍ، يزيد فيها: على خيرٍ، على هدًى، على طاعة الله.

س: أحسن الله إليك، مَن أسلم يُؤْمَر بالاغتسال؟

ج: أفضل، كما جاء أنه أمر قيس بن عاصم أن يغتسل، ومثلما فعل ثُمَامة لما أراد أن يُسْلِم اغتسل وأسلم ، لكن ليس بواجبٍ، كما قال بعض أهل العلم: إنه واجبٌ، ليس بواجبٍ؛ لأن الرسول ﷺ لم يأمر به مَن أسلم عام الفتح، أسلم عام الفتح أممٌ كثيرةٌ، ولم يُحفظ عنه أنه قال لهم: اغتسلوا، فالمقصود أنه أفضل، سُنةٌ.

س: أحسن الله إليك، هل يغتسل من المَذْي؟

ج: المَذْي لا، إنما يغسل ما أصابه المَذْي، يغسل ذَكَرَه وأُنْثَييه، الخَصْيَتين والذَّكَر، يغسل ما أصابه، يرشّ ما أصابه بالماء ويكفي، الغسل يكون من المني إن كان عن شهوةٍ.

س: هو نجسٌ يا شيخ؟

ج: نجسٌ لكن مُخَفَّفة، يغسل ما أصابه، والحمد لله.

س: والثياب يُغيرها؟

ج: يغسل ذَكَره وأُنْثَييه من المَذْي بالذات.

وفي "المسند" وصحيح الحاكم أيضًا عن شداد بن أوسٍ قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا شداد، إذا رأيتَ الناس يكنزون الذهب والفضة فَاكْنِزْ هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرُّشْد، وأسألك شُكْر نعمتك، وحُسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علَّام الغيوب.

وفي الترمذي: أن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي قال له النبي ﷺ: كم تعبد إلهًا؟ قال: سبعةً؛ ستةً في الأرض، وواحدًا في السماء. قال: فأيّهم تَعُدُّ لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: أما لو أسلمتَ لعلَّمتُك كلمتين تنفعانك، فلما أسلم قال: يا رسول الله، علِّمني الكلمتين اللتين وعدتني. قال: قل: اللهم ألهمني رُشْدِي، وقِنِي شرَّ نفسي حديثٌ صحيحٌ.

وزاد الحاكم فيه في صحيحه: اللهم قِنِي شرَّ نفسي، واعزم لي على أرشد أمري، اللهم اغفر لي ما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أخطأتُ وما تعمدتُ، ما علمتُ وما جهلتُ، وإسناده على شرط الصحيحين.

وفي صحيح الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ أبو بكرٍ فقال: هل سمعتِ من رسول الله ﷺ دعاءً علَّمنيه؟ قلتُ: ما هو؟ قال: كان عيسى ابن مريم ﷺ يُعَلِّمه أصحابه، قال: لو كان على أحدكم جبل ذهبٍ دَيْنًا فدعا الله بذلك لقضاه الله عنه: اللهم فَارِجَ الهَمِّ، كاشف الغَمِّ، مُجِيب دعوة المُضْطَرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمني، فَارْحَمْنِي رحمةً تُغْنِيني بها عن رحمة مَن سواك.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأدعية كالتي قبلها، يُشرع للمؤمن الإكثار من الدعاء، والعناية بالدعاء في الأوقات المناسبة: كحال السجود، وحال الجلوس قبل السلام، وبعد التَّشهد، وفي وسط الليل، وجوف الليل، وفي آخر الليل، وفي جميع الأوقات، وفي آخر نهار الجمعة قبيل الغروب، يتحرى الأوقات المناسبة، وبين الأذان والإقامة، يدعو بالدعوات التي ثبتت عن النبي ﷺ، وهكذا بالدعوات التي يحتاجها، وهي لا حرج فيها.

ومن ذلك هذا الحديث: حديث شداد بن أوس، يقول: إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحُسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، فإنك أنت علَّام الغيوب، دعاءٌ عظيمٌ.

كذلك ما جاء في الحديث الآخر: "اللهم ربّ النبي محمد عليه الصلاة والسلام اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأعذني من مُضلات الفتن ما أبقيتني".

كذلك ما علَّمه النبي ﷺ حصين بن عبيد والد عمران، حصين هذا هو أبو عمران بن حصين الصحابي الخزاعي المشهور، علَّمه النبي ﷺ إذا أسلم أن يقول: اللهم ألهمني رُشْدِي، وأَعِذْني من شرِّ نفسي، هذا دعاءٌ عظيمٌ مُختصرٌ: اللهم أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وأَعِذْني من شرِّ نفسي.

وكان عبدالرحمن بن عوف يدعو في الطواف يقول: "اللهم قِنِي شُحَّ نفسي، اللهم قِنِي شُحَّ نفسي"؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

وكذلك الحديث الآخر: اللهم فَارِج الهمِّ، كاشف الغَمِّ، مُجيب دعوة المُضطرين، رحمن الدنيا والآخرة، ثم تسأل حاجتك، تتضرع إليه .

وهكذا: "اللهم اشرح لي صدري، ويَسِّر لي أمري، واجعلني مُباركًا"، "اللهم اشرح صدري لما هو أحبّ إليك"، يسأل الإنسان ما يهمه في أمر دنياه وأُخراه بالدعوات التي يحفظها، وبالدعوات التي تُناسبه، ولو كان ما يحفظها، منقولة، إذا كان معناها صحيحًا، يسأل الله ويُلِحُّ في الدعاء، ويُكثر من الدعاء، فالله يُحب جلَّ وعلا أن يُلِحَّ عليه في الدعاء، وهو القائل جلَّ وعلا: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].

نسأل الله للجميع التوفيق.

الأسئلة:

طالب: أحسن الله إليك، في الحاشية هنا زيادة في تحقيق إسماعيل الأنصاري.

الشيخ: نعم.

الطالب: يقول في حديث ..... حصين: هكذا فيما لدي من نسخ كتاب "الوابل الصيب" المخطوطة والمطبوعة، ويُوافقه قول ابن القيم في "نونيته"، وذكر حديث حصين بن المنذر الثقة، الرَّضي، أعني: أبا عمران.

الشيخ: هو حصين بن عبيد، الغلط من "النونية".

الطالب: إذ قال: "ربي في السماء لرغبتي ولرهبتي، أدعوه كل أوانٍ"، كما يُوافقه ما ذكره في الباب الحادي عشر من "إغاثة اللهفان" حيث قال: وفي "المسند" والترمذي من حديث حصين بن المنذر .. فذكر هذا الحديث، ولم أجد في "جامع الترمذي" نسب حصين، وإنما وجدتُ في الكتب المُصنفة في أسماء الرجال في الصحابة أنه حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي.

الشيخ: نعم، هذا المحفوظ، والد عمران.

س: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة للدعاء في آخر ساعة من يوم الجمعة، هل يرفع يديه؟

ج: إذا رفع ما في بأس، من أسباب الإجابة.

س: لو كان في السيارة مثلًا؟

ج: في السيارة، أو في غيرها.

س: يعني: في أي مكانٍ؟

ج: نعم، من أسباب الإجابة رفع اليدين إلا المواضع التي ما رفع فيها ﷺ لا ترفع فيها؛ في خطبة الجمعة لا ترفع فيها، ومثل: بين السجدتين لا ترفع، آخر الصلاة قبل السلام لا ترفع، بعد السلام من الفريضة لا ترفع؛ لأنه ما رفع فيها النبي ﷺ.

وفي صحيح الحاكم أيضًا عن أم سلمة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ: هذا ما سأل محمدٌ ربَّه: اللهم إني أسألك خير المسألة، وخير الدعاء، وخير النجاح، وخير العمل، وخير الثواب، وخير الحياة، وخير الممات، وثَبِّتْنِي، وثَقِّل موازيني، وحقق إيماني، وارفع درجتي، وتقبل صلاتي، واغفر خطيئتي، وأسألك الدرجات العُلا من الجنة، اللهم إني أسألك فواتح الخير وخواتمه وجوامعه، وأوله وآخره، وظاهره وباطنه، والدرجات العُلا من الجنة، آمين.
اللهم إني أسألك خير ما آتي، وخير ما أفعل، وخير ما بطن، وخير ما ظهر، والدرجات العُلا من الجنة، آمين.
اللهم إني أسألك أن ترفع ذِكْرِي، وتضع وِزْرِي، وتُصلح أمري، وتُطهر قلبي، وتُحصن فرجي، وتُنور لي قلبي، وتغفر لي ذنبي، وأسألك الدرجات العُلا من الجنة، آمين.
اللهم إني أسألك أن تُبارك لي في نفسي، وفي سمعي، وفي بصري، وفي روحي، وفي خَلْقِي، وفي خُلُقي، وفي أهلي، وفي محياي، وفي مماتي، وفي عملي، وتقبل حسناتي، وأسألك الدرجات العُلا من الجنة، آمين
.

وفي صحيحه أيضًا من حديث معاذٍ ﷺ قال: أبطأ عنا رسول الله ﷺ بصلاة الفجر حتى كادتْ أن تُدركنا الشمس، ثم خرج فصلى بنا فَخَفَّف، ثم انصرف، فأقبل علينا بوجهه فقال: على مكانكم، أُخبركم ما أبطأني عنكم اليوم: إني صليتُ في ليلتي هذه ما شاء الله، ثم ملكتني عيني فنمتُ، فرأيتُ ربي تبارك وتعالى، فَأَلْهَمَنِي أن قلتُ: اللهم إني أسألك الطيبات، وفعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وأن تتوب عليَّ، وتغفر لي، وترحمني، وإذا أردتَ في خلقك فتنةً فَنَجِّني إليك منها غير مفتونٍ، اللهم وأسألك حبَّك، وحبَّ مَن يُحبك، وحبَّ عملٍ يُقَرِّبني إلى حبِّك، ثم أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: تعلَّموهنَّ وادرسوهنَّ، فإنهنَّ حقٌّ.

ورواه الترمذي والطبراني وابن خزيمة وغيرهم بألفاظٍ أُخَر.

وفي صحيح الحاكم أيضًا عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان النبي ﷺ يدعو: اللهم قَنِّعْنِي بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف عليَّ كل غائبةٍ لي بخيرٍ.

وفيه أيضًا عن أنس بن مالكٍ ﷺ: أن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم انفعني بما علَّمتني، وعلمني ما ينفعني، وارزقني علمًا ينفعني.

وفيه أيضًا عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ أمرها أن تدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه، وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه، وما لم أعلم، وأسألك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ، وأسألك من خير ما سألك عبدك ورسولك محمدٌ ﷺ، وأعوذ بك من شرِّ ما استعاذ بك منه عبدك ورسولك محمدٌ ﷺ، وأسألك ما قضيتَ لي من أمرٍ أن تجعل عاقبته رشدًا.

وفيه عن أبي هريرة ﷺ: أن رسول الله ﷺ أوصى سلمان الخير فقال له: إني أريد أن أمنحك كلماتٍ تسألهنَّ الرحمن، وترغب إليه فيهنَّ، وتدعو بهنَّ في الليل والنهار، قل: اللهم إني أسألك صحةً في إيمانٍ، وإيمانًا في حُسن خُلُقٍ، ونجاحًا يتبعه فلاحٌ، ورحمةً منك وعافيةً، ومغفرةً منك ورضوانًا.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه جملةٌ من الأحاديث المروية عن النبي ﷺ في أنواعٍ من الدعاء.

تقدم أن الدعاء بابه مفتوحٌ، كل دعاءٍ ليس فيه إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ يدعو به الإنسان ولو لم يُنْقَل، ما دام في حاجةٍ إلى شيءٍ من الدعاء فلا بأس أن يدعو وإن لم يُنْقَل، والله يُحب منه أن يُكثر من الدعاء، يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، ولكن المنقولات الثابتة عن النبي ﷺ تكون أفضل من غيرها، الدعوات المأثورة الثابتة تكون أفضل من غيرها، والنبي ﷺ كان يدعو كثيرًا، ويضرع إلى ربه كثيرًا، وبعض الدعوات الأحاديث فيها غير ثابتةٍ، وغير صحيحةٍ، وكان يستحب جوامع الدعاء كما قالت عائشة، عليه الصلاة والسلام.

فالمؤمن يجتهد في الدعوات الطيبة، ولا سيما الثابتة عن النبي ﷺ، ويدعو بما دعت الحاجة إليه ويختص به، كل ذلك أمرٌ مطلوبٌ؛ لأن الله جلَّ وعلا قال: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32]، وقال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، فكلٌّ يدعو بما يُناسبه، هذا يسأل ربه زوجةً صالحةً، وهذا يسأل ربه ذُريةً طيبةً، وهذا يسأل ربه رزقًا حلالًا، وهذا يسأل ربه أن يقضي دَيْنَه،  إلى غير هذا من السُّؤالات.

ومنها دعوات النبي ﷺ الجامعة، ومن دعواته الجامعة ما تقدم في الأحاديث الصحيحة، ومنها ما ذكر هنا، لكن بعضها في سنده نظر؛ لأن روايات الحاكم يغلب عليها الضعف رحمه الله، لكنها دعواتٌ معناها صحيحٌ.

منها هذا الدعاء المعروف، قوله: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبضني إليك غير مفتونٍ، اللهم إني أسألك حبَّك، وحبَّ مَن يُحبك، وحبَّ عملٍ يُقربني إلى حبِّك، هذا معروفٌ، وهذا جيدٌ، فإذا دعا به الإنسان: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبضني إليك غير مفتونٍ، اللهم إني أسألك حبَّك، وحبَّ مَن يُحبك، وحبَّ عملٍ يُقربني إلى حبِّك.

كذلك حديث عائشة: اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك ﷺ، وأعوذ بك من شرِّ ما استعاذ منه عبدك ونبيك ﷺ، اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه، وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه، وما لم أعلم، اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ.

وهكذا يتحرى الدعوات الطيبة حتى لو كانت غير منقولةٍ، الدعوات التي يحتاجها يدعو بها، والله يُحب منه أن يدعوه، ويُحب أن يُسأل .

وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: أحسن الله إليك يا شيخ، هل الأفضل للإمام في دعاء القنوت في رمضان أن يُنوع لجماعة المسجد الأدعية، أو يكون على صيغةٍ واحدةٍ طول الشهر؟

ج: إذا أتى ببعض الدعوات الجامعة طيبٌ، لكن لا يُطول على الناس، يأتي بما في حديث الحسن: اللهم اهدنا فيمَن هديتَ، وإذا زاد دعوات جامعة طيبة فالحمد لله، ولو نوَّع.

س: ..... وإذا أردتَ بعبادك فتنةً المقصود بالفتنة في الدين أو في الدنيا؟

ج: عام، والأعظم فتنة الدين: فاقبضني إليك غير مفتونٍ، قد تكون فتنةً في دينه -والعياذ بالله- ويرتد عن الإسلام، وقد تكون الفتنة في دنياه؛ تكون شحناء وعداوة بين الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

س: يعني: فتنةً كُبرى، الله يُحسن عملك؟

ج: قد تكون، يعني: فتنةً تضرهم، هذا المراد، وإلا فالمال فتنةٌ، والولد فتنةٌ، فالمراد الفتنة التي تضر الناس: إما شركٌ، أو معاصٍ، أو بدعٌ، أو شحناء، نسأل الله العافية.

س: بعض الناس يقولون: لا حول لله؟

ج: العامة، أقول: العامة، لا حول ولا قوة .....

س: لها أصلٌ؟

ج: لا، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا الأفضل، لا حول ولا قوة، لكن العامة .....

س: .......؟

ج: لأنه من باب "الترغيب والترهيب"، وإلا فصحيح الحاكم فيه الغَثُّ والسَّمين، فيه الصحيح والضعيف والموضوع أيضًا؛ لأنه من باب الدعاء، يعني: فيه التَّسامح، هذا الأصل، حتى لو كان غير مأثورٍ –الدعاء- إذا كان في نفسه صحيحًا ولو غير مأثورٍ.

وفي صحيح الحاكم أيضًا عن أم سلمة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم أنت الأول لا شيء قبلك، وأنت الآخر لا شيء بعدك، أعوذ بك من شرِّ كل دابةٍ ناصيتُها بيدك، وأعوذ بك من الإثم والكسل، ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى، ومن فتنة الفقر، وأعوذ بك من المأثم والمَغْرَم.
اللهم نَقِّ قلبي من الخطايا كما نَقَّيْتَ الثوب الأبيض من الدَّنَس، اللهم بَعِّدْ بيني وبين خطيئتي كما بَعَّدْتَ بين المشرق والمغرب
.

وفي مسند الإمام أحمد وصحيح الحاكم أيضًا عن عمار بن ياسر : أنه صلى صلاةً أوجز فيها، فقيل له في ذلك، قال: لقد دعوتُ الله فيها بدعواتٍ سمعتهنَّ من رسول الله ﷺ: اللهم بعلمك الغيب، وقُدرتك على الخلق، أحيني ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمتَ الوفاة خيرًا لي، اللهم وأسألك خشيتَك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحقِّ في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد، وأسألك قُرة عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذَّة النَّظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك من غير ضَرَّاء مُضرةٍ، ولا فتنةٍ مُضلةٍ، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مُهتدين.

وفي صحيح الحاكم أيضًا عن ابن مسعودٍ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ: اللهم إنَّا نسألك مُوجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثمٍ، والغنيمة من كل بِرٍّ، والفوز بالجنة، والنَّجاة من النار.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فلا شكَّ أن العناية بدعوات النبي ﷺ والدعاء بذلك من أفضل الدعاء، فإنه ﷺ كان يعتني بجوامع الدعاء كما قالت عائشة رضي الله عنها، فإذا تيسر للمؤمن تتبع الأحاديث الصحيحة والدعاء بالدعوات التي يدعو بها ﷺ كان هذا من أفضل القُرَب، وكل دعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ يدعو بها المؤمن ولو لم تثبت، فالدعاء بابه مفتوحٌ بالوارد وبغير الوارد إذا كان دعاءً سليمًا ليس فيه إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ يدعو به المؤمن؛ لقوله ﷺ: ما من عبدٍ يدعو الله بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاثٍ: إما أن تُعَجَّل له دعوته في الدنيا، وإما أن تُدَّخَر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشرِّ مثل ذلك، قيل: يا رسول الله، إذن نُكثر. قال: الله أكثر.

وهكذا ما جاء في حديث أم سلمة: اللهم أنت الأول فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن فليس دونك شيءٌ، ثم يدعو بدعواتٍ منه.

ومن ذلك ما رواه مسلمٌ في "الصحيح" أنه ﷺ كان يقول: اللهم ربّ السماوات السبع، وربّ الأرض، وربّ العرش العظيم، ربنا وربّ كل شيءٍ، فالق الحَبِّ والنَّوى، مُنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شرِّ كل شيءٍ أنت آخذٌ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن فليس دونك شيءٌ، اقضِ عنا الدَّين، وأغننا من الفقر، هذا رواه مسلمٌ في الصحيح.

وفي حديث أم سلمة: اللهم إني أعوذ بك من العجز، ومن الكسل، ومن الجبن، ومن الهرم، ومن عذاب القبر.

وهكذا الدعوات التي دعا بها في حديث عمار بن ياسر عند أحمد والحاكم، ورواه النَّسائي أيضًا بإسنادٍ صحيحٍ: اللهم بعلمك الغيب، وقُدرتك على الخلق، أحيني ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحقِّ في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد، وقُرَّة عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضَرَّاء مُضرةٍ، ولا فتنةٍ مُضلةٍ، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مُهتدين، هذه الدعوات وأشباهها كلها منه.

ومنها الحديث الآخر، حديث: اللهم حبب إليَّ الإيمان وزينه في قلبي، وكرِّه إليَّ الكفر والفسوق والعصيان، واجعلني من الراشدين، اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبضني غير مفتونٍ، اللهم إني أسألك حبَّك، وحبَّ مَن يُحبك، وحبَّ عملٍ يُقربني إلى حبِّك، اللهم أعنِّي على ذكرك، وشكرك، وحُسن عبادتك، وما أشبه هذا من الدعوات الطيبة.

الإنسان يتحرى الدعوات الطيبة في أوقات الإجابة: في السجود، في آخر الصلاة، كل هذا خيرٌ.

وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يُقال –مثلًا-: إن الأذكار تحمي الإنسان من الحوادث؟

ج: نعم، هي من الأسباب، والتوفيق بيد الله، هي من الأسباب، وقدر الله ماضٍ، لكنها من الأسباب، هي من سائر أنواع الطبِّ، من الأسباب، والقدر ماضٍ بسببه الذي علَّقه الله عليه.

س: ما معنى: عزائم المغفرة؟

ج: يعني: ..... المغفرة التي يجزم بها سبحانه، التامة، الكاملة.

س: المَغْرَم هو الدَّين؟

ج: نعم، المأثم: الإثم، والمَغْرَم: الدَّين.

س: المَغْرَم، أحسن الله عملك؟

ج: المَغْرَم: الدَّين، والمأثم: الإثم، يعني: المعصية.

س: مرأةٌ كبيرةٌ في السنِّ تُسبِّح على السِّبْحَة؟

ج: باليدين أفضل، والسِّبحة لا بأس بها.

س: يعني: لا بأس بها؟

ج: باليدين أفضل، وإذا سبَّح بالحصى أو بالسِّبحة أو بالعقد كلها لا بأس بها.

س: أحسن الله إليك، هذا الدعاء ما رأيكم فيه: "اعتصمتُ بالله الذي لا إله إلا هو، إلهي، وإله كل شيءٍ، وتوكلتُ على الحي الذي لا يموت، واستدفعتُ الشرَّ بلا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الذي هو حسبي، حسبي الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، وهو يُجير، ولا يُجار عليه، حسبي الله وكفى، سمع الله لمَن دعا، ليس وراء الله مَرْمَى"؟

ج: كله طيبٌ، لا بأس ..... حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبي الله لا إله إلا هو ..... كل دعاءٍ ما فيه محظورٌ جائزٌ ولو ما نُقِلَ، كل دعاءٍ ما فيه محظورٌ.

س: ..... الدعاء للمسلمين أجمع؟

ج: طيبٌ، هذا طيبٌ، جزاك الله خيرًا، اللهم اغفر لي ولجميع المسلمين.

وفي صحيح الحاكم أيضًا عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو: اللهم احفظني بالإسلام قائمًا، واحفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تُشْمِتْ بي عدوًّا حاسدًا، اللهم إني أسألك من كل خيرٍ خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شرٍّ خزائنه بيدك.

وعن النَّواس بن سمعان قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ما من قلبٍ إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه، وكان رسول الله ﷺ يقول: يا مُقلب القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك، والميزان بيد الرحمن ، يرفع أقوامًا، ويخفض آخرين إلى يوم القيامة، حديثٌ صحيحٌ، رواه الإمام أحمد، والحاكم في صحيحه.

وفي صحيح الحاكم أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه لم يكن يجلس مجلسًا -كان عنده أحدٌ أو لم يكن- إلا قال: اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، اللهم ارزقني من طاعتك ما تحول به بيني وبين معصيتك، وارزقني من خشيتك ما تُبلغني به رحمتك، وارزقني من اليقين ما تُهون به عليَّ مصائب الدنيا، وبارك لي في سمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، اللهم اجعل ثأري على مَن ظلمني، وانصرني على مَن عاداني، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّي، ولا مبلغ علمي، اللهم لا تُسلط عليَّ مَن لا يرحمني، فَسُئِلَ عنهنَّ ابن عمر فقال: كان رسول الله ﷺ يختم بهنَّ مجلسه.

والحمد لله ربِّ العالمين حمدًا طيبًا مُباركًا فيه كما يُحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله، مِلْء سماواته، ومِلْء أرضه، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شاء من شيءٍ بعد، حمدًا لا ينقطع ولا يبيد ولا يفنى، عدد ما حمده الحامدون، وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمدٍ، خاتم أنبيائه ورسله، وخيرته من بَرِيَّته، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، فاتح أبواب الهُدَى، ومُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الذي بعثه للإيمان مُناديًا، وإلى الصراط المستقيم هاديًا، وإلى جنَّات النَّعيم داعيًا، وبكل معروفٍ آمرًا، وعن كل مُنكرٍ ناهيًا، فأحيا به القلوب بعد مماتها، وأنارها بعد ظُلماتها، وألَّف بينها بعد شتاتها، فدعا إلى الله على بصيرةٍ من ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وجاهد في الله تعالى حقَّ جهاده حتى عُبِدَ الله وحده لا شريك له، وسارتْ دعوته سيرة الشمس في الأقطار، وبلغ دينه الذي ارتضاه لعباده ما بلغ الليل والنَّهار.

وصلى الله وملائكته وجميع خلقه عليه كما عرَّف بالله تعالى ودعا إليه وسلم تسليمًا كثيرًا.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.

أما بعد: هذه أيضًا بعض الأدعية التي ينبغي أن يُدْعَى بها، وتُروى عن النبي ﷺ، ومن ذلك: أنه كان يقول ﷺ: اللهم احفظني بالإسلام قائمًا، واحفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تُشْمِتْ بي الأعداء.

هذه من الدعوات الطيبة حتى لو ما صحَّ بها الحديث، معناها صحيحٌ، وكذلك ما يتعلق بالقلوب، وأنها بين أصبعين من أصابع الله، هذا ثابتٌ عن النبي ﷺ، فالقلوب بين أصابع الله يُقلبها كيف يشاء، وكان النبي ﷺ يُكثر أن يقول: اللهم يا مُقلب القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك، فيُستحب الإكثار من هذا الدعاء: اللهم يا مُقلب القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك، ويا مُصرف القلوب، صَرِّفْ قلبي على طاعتك، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يُقلبها كيف يشاء .

فينبغي الإكثار من هذا الدعاء: اللهم يا مُقلب القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك، ويا مُصرف القلوب، صَرِّفْ قلبي على طاعتك.

اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المُقدم، وأنت المُؤخر، لا إله إلا أنت.

وهكذا من جنس هذه الأدعية الواردة عن النبي ﷺ وما جاء في معناها، كل دعاءٍ معناه صحيح.

فالمؤمن يدعو، ويستكثر من الدعاء، ويحرص، يرجو الإجابة، يرجو من الله الإجابة، ولا يَمَلّ: إن الله لا يَمَلّ حتى تملّوا، الإنسان لا يَمَلّ، يدعو كثيرًا في ليله ونهاره، في سجوده، في آخر الصلاة، في جوف الليل، قائمًا، وقاعدًا، ومُضطجعًا، وفي طريقه، يُكثر من ذكر الله، ويُكثر من الدعاء.

هكذا شأن المؤمن؛ يكون اللسان رطبًا بذكر الله، رطبًا بالدعاء الطيب في جلساته، في سيره إلى حاجاته، في مُضْطَجَعه للنوم، عند يقظته من النوم، ويُلاحظ الأشياء التي ثبتت عن النبي ﷺ فيستعملها أكثر.

وقد جمع العلماء في هذا كثيرًا من أذكاره ودعواته، كما فعل المؤلف رحمه الله، وكذلك صاحب "الترغيب والترهيب"، والنووي في "الأذكار"، وغيرهم ممن جمع في هذا الباب ما تيسر له من الأحاديث.

وقد لخصنا بعض ذلك في كُتيب "تحفة الأخيار"، جمعنا فيه ما تيسر من الأذكار الصحيحة والدعوات الصحيحة.

هذا مما يُعين على حفظها واستعمالها في أوقاتها، وهكذا الدعوات المطلقة، والأذكار المطلقة يعتني بها الإنسان، ويُكثر منها أينما كان.

وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة للشخص إذا حجَّ عدة مراتٍ ثم تُوفي، هل لأولاده أو بناته أن يحجوا عنه، أو يتصدقوا عنه؟

ج: هذا وهذا، هذا وهذا، يُستحب لهم الصدقة عنه، والحجّ عنه، كله طيبٌ، كله خيرٌ.

س: والأفضل، أحسن الله إليك؟

ج: محل نظرٍ، الأفضل محل نظرٍ.

س: "واجعلهما الوارث مني"؟

ج: يعني: الباقي حتى أموت، يعني: ما تتعبني حتى أموت.

س: أفضل الدعاء للوالدين؟

ج: تدعو لهما بالمغفرة والرحمة، مثلما قال إبراهيم ونوحٌ: "اللهم اغفر لي ولوالدي، اللهم اغفر لي وللمؤمنين"، لكن إذا كان والداه مسلمين: "اللهم اغفر لي ولوالدي، اللهم ارحمهما، اللهم اغفر لهما، اللهم ارحمهما كما ربَّياني صغيرًا".

س: أحسن الله إليك يا شيخ، يقول: "ربِّ اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات"؟

ج: كذلك طيبٌ، كله طيبٌ.

س: أحسن الله إليك، أحد الإخوة يسأل يقول: قريتهم كلهم يتبعون الشيخ أحمد عبدالقادر، وإمامهم يعتقد ما يعتقده الصوفية، وهم أيضًا، ويقول: ما في مسجد غيره، ولا في أناسٍ من المُوحدين، هل يجوز له أن يُصلي خلف هذا الإمام مع هذه الجماعة؟

ج: إذا كان إمام مشركين لا، ما يُصلَّى خلفه، إذا كان ممن يعبد عبدالقادر أو البدوي أو النبي أو التِّيجاني ما يُصلَّى خلفه، نسأل الله العافية.

س: يقول: كيف يُبلغهم الدعوة في مثل هذه الحالة؟

ج: إذا كانوا يحترمونه، ويعرفون له الفضل، وأنه عنده علمٌ يُبلغهم، يخطب فيهم ويُذكرهم، أما إن كانوا ما يحترمونه، ولا يعرفون له الفضل؛ يبحث عن غيره، يلتمس العلماء، ويقول لهم: لعلكم تجيئون وتنصحون هؤلاء، وتُبلغون هؤلاء. يُساعد.

س: هل يرحل من قريته إلى قريةٍ أخرى أم ماذا يصنع؟

ج: يُهاجر.

س: يُهاجر؟

ج: نعم.

س: صحة حديث ابن عمر الأخير -أحسن الله إليك- أنه لم يكن يجلس مجلسًا كان عنده أحدٌ أو لم يكن .. صحة هذا الحديث، أحسن الله إليك؟

ج: فيه بعض الشيء، فيه عبيدالله بن ..... فيه بعض الضعف، لكن دعواته طيبةٌ، ولو ما صحَّ الحديث، هذا دعاءٌ طيبٌ.

س: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لمن يأخذ حجةً يُؤْجَر أو ما يُؤْجَر؟

ج: نعم؟

س: الذي يأخذ حجةً؟

ج: على حسب نيته؛ إن كان قصده الخير والمشاركة في الخير وحضور هذه المواضع الشريفة فله أجرٌ، وإن كان قصده المال، إن كان ما قصد إلا المال ما ينبغي له.