من حديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة..»

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال الإمام مسلمٌ رحمه الله تعالى:

(979) وحدثني عمرو بن محمد بن بُكَيْرٍ النَّاقد: حدثنا سفيان بن عيينة قال: سألتُ عمرو بن يحيى بن عمارة، فأخبرني عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدري، عن النبي ﷺ قال: ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ، ولا فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقةٌ، ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقةٌ.

الشيخ: هذه من أصول الزكاة في النُّصُبِ، وهذا المقام في الإبل والفضة والحبوب.

أقل نصاب الإبل خمسٌ، خمس رؤوسٍ من الإبل، وما دونها ليس فيه زكاةٌ إلا أن يكون للتجارة، فمَن ملك خمسةً من الإبل وجبتْ فيها زكاةٌ واحدةٌ إذا كانت راعيةً، سائمةً، أما إن كانت للبيع والشراء فهي من عموم التجارة، واحدةٌ أو أكثر.

وهكذا الفضة ليس فيها زكاةٌ حتى تبلغ مئتين، خمس أواقٍ، مئةً وأربعين مثقالًا، أو ما يُعادلها ويقوم مقامها من العُمَل الأخرى.

والحبوب بدءًا من خمسة أوسقٍ، ستون صاعًا في الوسق، يعني ثلاثمئة صاع، كصاع النبي عليه الصلاة والسلام، سواء كانت الحبوب حِنْطَةً أو دُخْنًا أو ذُرةً، وكذلك الثمار من ..... من التمر والعنب ..... خمسة أوسقٍ ..... تمور، عنب، سائر الحبوب.

(979) وحدثنا محمد بن رمح بن المُهاجر: أخبرنا الليث. ح، وحدثني عمرو النَّاقد: حدثنا عبدالله بن إدريس -كلاهما- عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرو بن يحيى .. بهذا الإسناد مثله.

(979) وحدثنا محمد بن رافع: حدثنا عبدالرزاق: أخبرنا ابن جُريجٍ: أخبرني عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه يحيى بن عمارة قال: سمعتُ أبا سعيدٍ الخدري يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول -وأشار النبي ﷺ بكفه بخمس أصابعه- .. ثم ذكر بمثل حديث ابن عيينة.

(979) وحدثني أبو كامل فُضيل بن حسين الجَحْدَري: حدثنا بشرٌ –يعني: ابن مُفضل-: حدثنا عُمارة بن غَزِيَّة، عن يحيى بن عمارة قال: سمعتُ أبا سعيدٍ الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ: ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقةٌ، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقةٌ.

(979) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو النَّاقد، وزُهير بن حربٍ، قالوا: حدثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن إسماعيل بن أُمَيَّة، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: ليس فيما دون خمسة أوساقٍ من تمرٍ ولا حَبٍّ صدقةٌ.

(979) وحدثنا إسحاق بن منصورٍ: أخبرنا عبدالرحمن –يعني: ابن مهدي-: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أُمَيَّة، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيدٍ الخدري: أن النبي ﷺ قال: ليس في حَبٍّ ولا تمرٍ صدقةٌ حتى يبلغ خمسة أوسقٍ، ولا فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقةٌ، ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقةٌ.

(979) وحدثني عَبْدُ بن حُميدٍ: حدثنا يحيى بن آدم: حدثنا سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أُمَيَّة .. بهذا الإسناد مثل حديث ابن مهدي.

(979) وحدثني محمد بن رافعٍ: حدثنا عبدالرزاق: أخبرنا الثوري ومعمر، عن إسماعيل بن أُمَيَّة .. بهذا الإسناد مثل حديث ابن مهدي ويحيى بن آدم، غير أنه قال بدل "التمر": ثمر.

(980) حدثنا هارون بن معروف، وهارون بن سعيدٍ الأَيْلِي، قالا: حدثنا ابن وهبٍ: أخبرني عياض بن عبدالله، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ليس فيما دون خمس أواقٍ من الوَرِق صدقةٌ، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ من الإبل صدقةٌ، وليس فيما دون خمسة أوسقٍ من التمر صدقةٌ.

(981) حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبدالله بن عمرو بن سَرْح، وهارون بن سعيدٍ الأَيْلِي، وعمرو بن سَوَّادٍ، والوليد بن شجاعٍ –كلهم- عن ابن وهبٍ، قال أبو الطاهر: أخبرنا عبدالله بن وهبٍ، عن عمرو بن الحارث: أن أبا الزبير حدَّثه: أنه سمع جابر بن عبدالله يذكر: أنه سمع النبي ﷺ قال: فيما سَقَت الأنهار والغَيْم العُشُور، وفيما سُقِيَ بالسَّانية نصف العُشْر.

الشيخ: يعني: ما يُسْقَى بالمطر والأنهار زكاةٌ كاملةٌ، في الزرع الذي يُسْقَى بالأمطار والعيون الجارية العُشْر؛ لأنه لا كُلْفَة فيه، فيكون للفقراء العُشْر، من كل ألفٍ مئةٌ، من كل ألف صاعٍ مئة صاعٍ.

أما ما يُسْقَى بالتَّعب وبِكُلْفَةٍ بالإبل، أو بالبقر، أو بالسَّواني الأخرى، أو بمكائن؛ ففيه نصف العُشْر للكُلْفَة، من كل ألفٍ خمسون.

(982) وحدثنا يحيى بن يحيى التَّميمي قال: قرأتُ على مالكٍ، عن عبدالله بن دينارٍ، عن سليمان بن يَسَار، عن عِرَاك بن مالك، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقةٌ.

الشيخ: العبيد لأجل شُؤونه، والفرس للعمل ما فيها صدقةٌ، خُدَّامه -وهم العبيد- والفرس كونه يستعملها ليس في البيع، ليس فيه صدقةٌ، أما إذا كان العبيد للبيع، والفرس للبيع، فهذا من عروض التجارة، معروفٌ بأدلةٍ أخرى.

(982) وحدثني عمرو النَّاقد، وزُهير بن حربٍ، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة: حدثنا أيوب بن موسى، عن مكحولٍ، عن سليمان بن يَسَار، عن عِرَاك بن مالك، عن أبي هريرة، قال عمرو: عن النبي ﷺ -وقال زُهير: يبلغ به-: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقةٌ.

(982) حدثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا سليمان بن بلالٍ. ح، وحدثنا قتيبة: حدثنا حماد بن زيدٍ. ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حاتم بن إسماعيل –كلهم- عن خُثَيم بن عِرَاك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .. بمثله.

(982) وحدثني أبو الطاهر، وهارون بن سعيدٍ الأَيْلِي، وأحمد بن عيسى، قالوا: حدثنا ابن وهبٍ: أخبرني مَخْرَمَة، عن أبيه، عن عِرَاك بن مالكٍ قال: سمعتُ أبا هريرة يُحدث عن رسول الله ﷺ قال: ليس في العبد صدقةٌ إلا صدقة الفطر.

(983) وحدثني زُهير بن حربٍ: حدثنا علي بن حفصٍ: حدثنا وَرْقَاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابنُ جميلٍ وخالد بن الوليد والعباس عمّ رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: ما يَنْقم ابن جميلٍ إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالدٌ فإنكم تظلمون خالدًا؛ قد احتبس أَدْرَاعه وأَعْتَاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليَّ ومثلها معها، ثم قال: يا عمر، أما شعرتَ أن عمَّ الرجل صِنْوُ أبيه؟

الشيخ: ماذا قال الشارح على صِنْو أبيه؟

القارئ: قوله ﷺ: عمّ الرجل صِنْو أبيه أي: مثل أبيه، وفيه تعظيم حقِّ العمِّ.

الشيخ: نعم.

(984) حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قَعْنَب، وقتيبة بن سعيدٍ، قالا: حدثنا مالكٌ. ح، وحدثنا يحيى بن يحيى -واللفظ له- قال: قرأتُ على مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ على كل حرٍّ أو عبدٍ، ذكرٍ أو أنثى من المسلمين.

الشيخ: ..... زكاة الفطر صاعٌ واحدٌ عن كل نفسٍ في السنة مرةً يوم عيد الفطر، وهي زكاة البدن، وهي أربع حفناتٍ باليدين المعتدلتين تُقارب الصَّاع ..... هذا هو صاع النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ثلاثة كيلوات إلا قليلًا.

(984) حدثنا ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبي. ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة -واللفظ له- قال: حدثنا عبدالله بن نُمَيرٍ، وأبو أسامة، عن عبيدالله، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ على كل عبدٍ أو حرٍّ، صغيرٍ أو كبيرٍ.

(984) وحدثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا يزيد بن زُرَيعٍ، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: فرض النبي ﷺ صدقة رمضان على الحرِّ والعبد، والذكر والأنثى صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ. قال: فعدل الناس به نصف صاعٍ من بُرٍّ.

الشيخ: هذا في الغالب من قُوت المدينة: التمر والشعير، وذكر أبو سعيدٍ -كما يأتي- الزبيب والأَقِط والطعام، والمقصود: صاعٌ من قُوت البلد من تمرٍ أو زبيبٍ أو ذُرَةٍ أو حِنْطَةٍ، أو غير ذلك.

وقدم معاوية في إحدى قَدَمَاته المدينة، فقال: ما أُرَى مُدَّين من البُرِّ إلا تقومان مقام الصاع من التمر والشعير.

فأخذ بعض الناس بذلك كما قال ابن عمر ..... نصف صاعٍ من بُرٍّ.

والصواب: أنه لا بد من صاعٍ -كما يأتي عن أبي سعيدٍ- صاعٌ للجميع، هذا هو الصواب: صاعٌ من تمرٍ، أو صاعٌ من شعيرٍ، أو صاعٌ من غير ذلك من قُوت البلد: كالأرز والدُّخْن، وغيرهما مما يَتَقَوَّتَه أهل البلاد؛ لأنها مُواساةٌ، مُواساة الأغنياء للفقراء من قُوت البلد، من قُوتهم.

س: مَن أفطر رمضان لِعُذْرٍ تجب عليه الزكاة؟

ج: الزكاة فرضٌ واجبٌ على مَن صام، وعلى مَن أفطر، كلهم، حتى المريض الذي ما يصوم يُزَكِّي زكاة الفطر.

س: الزكاة في الثِّمار -يا شيخ- هل تكون من الزبيب فقط؟

ج: من ثَمَرٍ وحَبٍّ، الصواب أنها تعمُّ الجميع، تعمُّ التمر والأَقِط والزبيب وسائر الحبوب، وهي التي تُكال وتُدَّخَر، أما ثمار الفواكه لا، البطيخ وسائر الفواكه ما فيها زكاة إلا إذا كانت للتجارة، إذا تَجَمَّعَ شيءٌ من التجارة زُكِّيَ.

(984) حدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا ليثٌ. ح، وحدثنا محمد بن رمحٍ: أخبرنا الليث، عن نافعٍ: أن عبدالله بن عمر قال: إن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر صاعٍ من تمرٍ، أو صاعٍ من شعيرٍ. قال ابن عمر: فجعل الناس عِدْلَه مُدَّين من حِنْطَةٍ.

(984) وحدثنا محمد بن رافعٍ: حدثنا ابن أبي فُدَيْكٍ: أخبرنا الضَّحَّاك، عن نافعٍ، عن عبدالله بن عمر: أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفسٍ من المسلمين، حُرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ أو امرأةٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ: صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ.

(985) حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأتُ على مالكٍ، عن زيد بن أسلم، عن عياض بن عبدالله بن سعد بن أبي سَرْحٍ: أنه سمع أبا سعيدٍ الخدري يقول: كنا نُخرج زكاة الفطر صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ، أو صاعًا من زبيبٍ.

(985) حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قَعْنَب: حدثنا داود –يعني: ابن قيسٍ- عن عياض بن عبدالله، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: كنا نُخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغيرٍ وكبيرٍ، حرٍّ أو مملوكٍ: صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من زبيبٍ، فلم نزل نُخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًّا أو مُعتمرًا، فكلَّم الناس على المنبر، فكان فيما كلَّم به الناس أن قال: إني أُرَى أن مُدَّين من سَمْرَاء الشام تعدل صاعًا من تمرٍ. فأخذ الناس بذلك.

قال أبو سعيدٍ: فأما أنا فلا أزال أُخرجه كما كنتُ أُخرجه أبدًا ما عِشْتُ.

الشيخ: يعني: صاعًا ..... أبو سعيدٍ مقصوده: أن الواجب صاعٌ مطلقًا.

(985) وحدثنا محمد بن رافعٍ: حدثنا عبدالرزاق، عن معمرٍ، عن إسماعيل بن أُمية قال: أخبرني عياض بن عبدالله بن سعد بن أبي سَرْحٍ: أنه سمع أبا سعيدٍ الخدري يقول: كنا نُخرج زكاة الفطر ورسول الله ﷺ فينا عن كل صغيرٍ وكبيرٍ، حُرٍّ ومملوكٍ من ثلاثة أصنافٍ: صاعًا من تمرٍ، صاعًا من أَقِطٍ، صاعًا من شعيرٍ، فلم نزل نُخرجه كذلك حتى كان معاوية، فرأى أن مُدَّين من بُرٍّ تعدل صاعًا من تمرٍ.

قال أبو سعيدٍ: فأما أنا فلا أزال أُخرجه كذلك.

(985) وحدثني محمد بن رافعٍ: حدثنا عبدالرزاق: أخبرنا ابن جُريجٍ، عن الحارث بن عبدالرحمن بن أبي ذباب، عن عياض بن عبدالله بن أبي سَرْحٍ، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: كنا نُخرج زكاة الفطر من ثلاثة أصنافٍ: الأَقِط والتمر والشعير.

(985) وحدثني عمرو النَّاقد: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبدالله بن أبي سَرْحٍ، عن أبي سعيدٍ الخدري: أن معاوية لما جعل نصف الصاع من الحِنْطَة عِدْل صاعٍ من تمرٍ أنكر ذلك أبو سعيدٍ وقال: لا أُخرج فيها إلا الذي كنتُ أُخرج في عهد رسول الله ﷺ: صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من زبيبٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ.

(986) حدثنا يحيى بن يحيى: حدثنا أبو خيثمة، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة.

الشيخ: هذا هو الواجب: أن تُؤدَّى قبل صلاة العيد، تُؤدَّى في آخر الشهر، وإذا أُدِّيَتْ في ليلة العيد قبل صلاة العيد فحسنٌ، وكانوا يُخرجونها قبل العيد بيومٍ أو يومين؛ للتوسعة، فإذا أدَّوها في آخر الشهر يوم الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين أو يوم الثلاثين إذا تمَّ الشهر كفى، وإذا أخرجوها ليلة العيد كان أفضل إذا تيسر ذلك.

س: بعد الصلاة يا شيخ؟

ج: ..... لا تُؤجل، قضاء النبي ﷺ أن تخرج قبل الصلاة، قبل صلاة العيد.

س: هل تُجزؤه يا شيخ؟

ج: تُجزئه، لكن يأثم، لا يجوز التَّأخير؛ لأن الأصل .....

(986) حدثنا محمد بن رافعٍ: حدثنا ابن أبي فُدَيْكٍ: أخبرنا الضَّحَّاك، عن نافعٍ، عن عبدالله بن عمر: أن رسول الله ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة.

(987) وحدثني سُوَيْد بن سعيدٍ: حدثنا حفص بن ميسرة الصنعاني، عن زيد بن أسلم: أن أبا صالح ذَكْوَان أخبره: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: ما من صاحب ذهبٍ ولا فضةٍ لا يُؤدِّي منها حقَّها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحَتْ له صفائح من نارٍ، فَأُحْمِيَ عليها في نار جهنم، فَيُكْوَى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ له في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار.

قيل: يا رسول الله، فالإبل؟

قال: ولا صاحب إبلٍ لا يُؤدِّي منها حقَّها -ومن حقِّها حلبها يوم وِرْدِها- إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلًا واحدًا، تَطَؤُه بأَخْفَافها، وتَعَضُّه بأفواهها، كلما مَرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخْرَاها في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار.

قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟

قال: ولا صاحب بقرٍ ولا غنمٍ لا يُؤدِّي منها حقَّها إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ، لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عَقْصَاء، ولا جَلْحَاء، ولا عَضْبَاء، تنطحه بِقُرُونها، وتَطَؤُه بأَظْلَافها، كلما مَرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخْرَاها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار.

قيل: يا رسول الله، فالخيل؟

قال: الخيل ثلاثةٌ: هي لرجلٍ وِزْرٌ، وهي لرجلٍ سِتْرٌ، وهي لرجلٍ أَجْرٌ؛ فأما التي هي له وِزْرٌ فرجلٌ ربطها رياءً وفخرًا ونِوَاءً على أهل الإسلام، فهي له وِزْرٌ، وأما التي هي له سِتْرٌ فرجلٌ ربطها في سبيل الله، ثم لم يَنْسَ حقَّ الله في ظهورها، ولا رقابها، فهي له سِتْرٌ، وأما التي هي له أجرٌ فرجلٌ ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مَرْجٍ وروضةٍ، فما أكلتْ من ذلك المَرْج أو الروضة من شيءٍ إلا كُتِبَ له عدد ما أكلتْ حسناتٌ، وكُتِبَ له عدد أَرْوَاثها وأبوالها حسناتٌ، ولا تَقْطَع طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أو شَرَفَين إلا كتب الله له عدد آثارها وأَرْوَاثها حسناتٍ، ولا مَرَّ بها صاحبها على نهرٍ فشربتْ منه -ولا يريد أن يسقيها- إلا كتب الله له عدد ما شربتْ حسناتٍ.

قيل: يا رسول الله، فالحُمُر؟

قال: ما أُنْزِلَ عليَّ في الحُمُر شيءٌ إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7- 8].

الشيخ: في هذا الحذر من البخل بالزكاة، وأن الواجب على المؤمن أن يُؤَدِّيها طيبةً بها نفسه لمُسْتَحِقِّها، وأنه متى بخل بها عُذِّبَ بها يوم القيامة، عُذِّبَ بهذه الأموال، كما قال جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ إلى أن قال: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34- 35]، وعيدٌ عظيمٌ، فالواجب على مَن رزقه الله المال أن يتَّقي الله ويُخرج الزكاة؛ حتى يفوز بأجرها، ويسلم من تبعتها، سواء كان ذهبًا أو فضةً أو عُمَلًا أخرى، أو إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، أو غير ذلك.

(987) وحدثني يونس بن عبدالأعلى الصَّدَفي: أخبرنا عبدالله بن وهبٍ: حدثني هشام بن سعدٍ، عن زيد بن أسلم .. في هذا الإسناد بمعنى حديث حفص بن ميسرة إلى آخره، غير أنه قال: ما من صاحب إبلٍ لا يُؤَدِّي حقَّها، ولم يقل: «منها حقَّها»، وذكر فيه: لا يفقد منها فصيلًا واحدًا، وقال: يُكْوَى بها جَنْبَاه وجبهته وظهره.

(987) وحدثني محمد بن عبدالملك الأُموي: حدثنا عبدالعزيز بن المختار: حدثنا سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ما من صاحب كنزٍ لا يُؤدِّي زكاته إلا أُحْمِيَ عليه في نار جهنم، فيُجعل صفائح، فيُكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
وما من صاحب إبلٍ لا يُؤدِّي زكاتها إلا بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ كَأَوْفَر ما كانت تَسْتَنُّ عليه، كلما مضى عليه أُخراها رُدَّتْ عليه أُولاها حتى يحكم الله بين عباده في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
وما من صاحب غنمٍ لا يُؤدِّي زكاتها إلا بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ كَأَوْفَر ما كانت، فَتَطَؤُه بأظلافها، وتنطحه بقُرونها، ليس فيها عَقْصَاء، ولا جَلْحَاء، كلما مَضَتْ عليه أُخراها رُدَّتْ عليه أُولاها حتى يحكم الله بين عباده في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار
.

قال سُهيل: فلا أدري أذكر البقر أم لا؟

قالوا: فالخيل يا رسول الله.

قال: الخيل في نواصيها -أو قال: الخيل معقودٌ في نواصيها، قال سُهيل: أنا أشكّ- الخير إلى يوم القيامة، الخيل ثلاثةٌ: فهي لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، ولرجلٍ وِزْرٌ.
فأما التي هي له أجرٌ: فالرجل يتَّخذها في سبيل الله ويعدّها له، فلا تُغَيِّب شيئًا في بطونها إلا كتب الله له أجرًا، ولو رعاها في مَرْجٍ، ما أكلتْ من شيءٍ إلا كتب الله له بها أجرًا، ولو سقاها من نهرٍ كان له بكل قطرةٍ تُغَيِّبها في بطونها أجرٌ -حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها- ولو اسْتَنَّتْ شَرَفًا أو شَرَفين كُتِبَ له بكل خطوةٍ تخطوها أجرٌ.
وأما الذي هي له سِتْرٌ: فالرجل يتَّخذها تَكَرُّمًا وتَجَمُّلًا، ولا ينسى حقَّ ظهورها وبطونها في عُسْرِها ويُسْرِها.
وأما الذي عليه وِزْرٌ: فالذي يتَّخذها أَشَرًا وبَطَرًا وبَذَخًا ورياء الناس، فذاك الذي هي عليه وِزْرٌ
.

قالوا: فالحُمُر يا رسول الله.

قال: ما أنزل الله عليَّ فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذَّة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7- 8].

الشيخ: وهذه الآية عامةٌ في كل شيءٍ، هي من أجمع الآيات: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، أمرها عظيمٌ في أعمال العباد: قليلها وكثيرها، خيرها وشرِّها.

ومن هذا قوله جلَّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40].

وأيضًا قوله في الآية الثالثة: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].

وفي ذكر عقوبة الباخل بالزكاة، وأنه بعد ذلك يرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار؛ ما يدل على أنه لا يكفر بذلك، لا يكون كافرًا، ولكنه قد عرَّض نفسه للوعيد والعذاب، فيُعَذَّب بماله، ثم يرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، فدلَّ على أنه لا يكفر بذلك إذا لم يجحد وجوبها، وإنما بخل ..... عاصٍ، وعلى كبيرةٍ، ومُتوعدٍ بالعذاب.

أما تارك الصلاة فيكفر بذلك؛ لأنه قال في الصلاة: بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة، هكذا قال ﷺ، وقال فيه أيضًا: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تركها فقد كفر.

فتارك الصلاة كافرٌ، كما لو جحدها.

أما الزكاة والصوم والحجّ فتاركها ليس بكافرٍ، لكنه عاصٍ يستحق العقاب إلا أن يعفو الله، فهو مُعَرِّضٌ نفسه لعقاب الله بترك الزكاة إذا لم يجحد وجوبها، وهكذا لو فرَّط في الصوم والحجِّ وهو يستطيع.

(987) وحدَّثناه قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا عبدالعزيز –يعني: الدَّراوردي- عن سُهيلٍ .. بهذا الإسناد، وساق الحديث.

(987) وحدَّثنيه محمد بن عبدالله بن بَزِيع: حدثنا يزيد بن زُرَيعٍ: حدثنا روح بن القاسم: حدثنا سُهيل بن أبي صالح .. بهذا الإسناد، وقال بدل "عَقْصَاء": عَضْبَاء، وقال: فَيُكْوَى بها جنبه وظهره، ولم يذكر: جبينه.

(987) وحدثني هارون بن سعيدٍ الأَيْلِي: حدثنا ابن وهبٍ: أخبرني عمرو بن الحارث: أن بُكَيْرًا حدَّثه عن ذَكْوَان، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا لم يُؤَدِّ المرءُ حقَّ الله أو الصدقة في إبله .. وساق الحديث بنحو حديث سُهيلٍ، عن أبيه.

(988) حدثنا إسحاق بن إبراهيم: أخبرنا عبدالرزاق. ح، وحدثني محمد بن رافعٍ -واللفظ له-: حدثنا عبدالرزاق: أخبرنا ابن جُريجٍ: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبدالله الأنصاري يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ما من صاحب إبلٍ لا يفعل فيها حقَّها إلا جاءتْ يوم القيامة أكثر ما كانت قط، وقعد لها بقاعٍ قَرْقَرٍ، تَسْتَنُّ عليه بقوائمها وأخفافها، ولا صاحب بقرٍ لا يفعل فيها حقَّها إلا جاءتْ يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاعٍ قَرْقَرٍ، تنطحه بقُرونها، وتَطَؤُه بقوائمها، ولا صاحب غنمٍ لا يفعل فيها حقَّها إلا جاءتْ يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاعٍ قَرْقَرٍ، تنطحه بقُرونها، وتَطَؤُه بأظلافها، ليس فيها جَمَّاء، ولا مُنْكَسِرٌ قرنها، ولا صاحب كنزٍ لا يفعل فيه حقَّه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع، يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فَرَّ منه، فيُناديه: خُذْ كنزك الذي خبَّأتَه، فأنا عنه غنيٌّ. فإذا رأى أن لا بد منه سلك يده في فيه، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الفَحْل.

قال أبو الزبير: سمعتُ عُبيد بن عُمَيرٍ يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبدالله عن ذلك، فقال مثل قول عُبيد بن عُمَيرٍ.

وقال أبو الزبير: سمعتُ عُبيد بن عُمَيرٍ يقول: قال رجلٌ: يا رسول الله، ما حقُّ الإبل؟ قال: حلبها على الماء، وإعارة دَلْوها، وإعارة فَحْلها، ومَنِيحتها، وحملٌ عليها في سبيل الله.

(988) حدثنا محمد بن عبدالله بن نُمَيرٍ: حدثنا أبي: حدثنا عبدالملك، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله، عن النبي ﷺ قال: ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ ولا غنمٍ لا يُؤدِّي حقَّها إلا أُقْعِدَ لها يوم القيامة بقاعٍ قَرْقَرٍ تَطَؤُه ذات الظِّلْف بِظِلْفِها، وتنطحه ذات القَرْن بِقَرْنها، ليس فيها يومئذٍ جَمَّاء، ولا مكسورة القَرْن.

قلنا: يا رسول الله، وما حقُّها؟

قال: إِطْرَاق فَحْلها، وإعارة دَلْوها، ومَنِيحتها، وحلبها على الماء، وحملٌ عليها في سبيل الله، ولا من صاحب مالٍ لا يُؤدِّي زكاته إلا تحول يوم القيامة شُجَاعًا أقرع، يتبع صاحبه حيثما ذهب، وهو يَفِرُّ منه، ويُقال: هذا مالك الذي كنتَ تبخل به. فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه، فجعل يَقْضَمُهَا كما يَقْضَم الفَحْل.

الشيخ: ثم يُطَوَّقها كما في الآية الكريمة: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:180]، المقصود: أنه يُطَوَّق ويُدْخِل يده في فيه حتى يَقْضَمها.