(989) حدثنا أبو كامل فُضيل بن حسين الجَحْدَري: حدثنا عبدالواحد بن زياد: حدثنا محمد بن أبي إسماعيل: حدثنا عبدالرحمن بن هلال العَبْسِي، عن جرير بن عبدالله قال: جاء ناسٌ من الأعراب إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن ناسًا من المُصَدِّقين يأتوننا فيظلموننا. قال: فقال رسول الله ﷺ: أرضوا مُصَدِّقِيكم.
قال جريرٌ: ما صدر عني مُصَدِّقٌ منذ سمعتُ هذا من رسول الله ﷺ إلا وهو عني راضٍ.
(989) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبدالرحيم بن سليمان. ح، وحدثنا محمد بن بشار: حدثنا يحيى بن سعيد. ح، وحدثنا إسحاق: أخبرنا أبو أسامة –كلهم- عن محمد بن أبي إسماعيل .. بهذا الإسناد نحوه.
(990) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيعٌ: حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سُويد، عن أبي ذرٍّ قال: انتهيتُ إلى النبي ﷺ وهو جالسٌ في ظِلِّ الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون وربّ الكعبة، قال: فجئتُ حتى جلستُ، فلم أَتَقَارَّ أن قمتُ فقلتُ: يا رسول الله، فداك أبي وأمي، مَن هم؟ قال: هم الأكثرون أموالًا إلا مَن قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، وقليلٌ ما هم، ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ ولا غنمٍ لا يُؤدي زكاتها إلا جاءتْ يوم القيامة أعظم ما كانت وأَسْمَنَه، تنطحه بِقُرُونها، وتَطَؤُه بِأَظْلَافها، كلما نفدتْ أُخراها عادتْ عليه أُولاها حتى يُقْضَى بين الناس.
الشيخ: هذا كله في الحثِّ على النَّفقة من صاحب الزكاة.
قال: هم الأكثرون يوم القيامة، هم الأكثرون أموالًا إلا مَن قال هكذا وهكذا وهكذا، فأنفق من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله.
هذا فيه الحثُّ على الإنفاق وعدم البُخل، فالبُخل شَرُّه عظيمٌ؛ ولهذا حذَّر النبي ﷺ من البخل، وقال: ما أحبّ أن يكون لي مثل أُحُدٍ ذهبًا تمضي عليَّ ثلاث ليالٍ وعندي منه دينارٌ إلا دينار أَرْصُدُه لِدَينٍ، وأعظم ذلك الزكاة؛ لأنها حقُّ المال، فالواجب العناية بها وإخراجها كاملةً عن طِيب نفسٍ، ثم مُساعدة الفقير والمسكين، وإكرام الضيف، والنَّفقة في سبيل الله، وغير ذلك من وجوه الخير.
(990) وحدثناه أبو كُريبٍ محمد بن العلاء: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المعرور، عن أبي ذرٍّ قال: انتهيتُ إلى النبي ﷺ وهو جالسٌ في ظل الكعبة .. فذكر نحو حديث وكيعٍ، غير أنه قال: والذي نفسي بيده، ما على الأرض رجلٌ يموت فَيَدَع إبلًا أو بقرًا أو غنمًا لم يُؤَدِّ زكاتها.
(991) حدثنا عبدالرحمن بن سَلَّام الجُمَحِي: حدثنا الربيع –يعني: ابن مسلم- عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: ما يَسُرُّني أن لي أُحُدًا ذهبًا تأتي عليَّ ثالثةٌ وعندي منه دينارٌ إلا دينار أَرْصُدُه لِدَينٍ عليَّ.
(991) وحدثنا محمد بن بشار: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا شعبة، عن محمد بن زيادٍ قال: سمعتُ أبا هريرة، عن النبي ﷺ .. بمثله.
(94) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى، وابن نُمَيرٍ، وأبو كُريبٍ –كلهم- عن أبي معاوية. قال يحيى: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن أبي ذرٍّ قال: كنتُ أمشي مع النبي ﷺ في حَرَّة المدينة عشاءً، ونحن ننظر إلى أُحُدٍ، فقال لي رسول الله ﷺ: يا أبا ذرّ، قال: قلتُ: لبيك يا رسول الله. قال: ما أُحبُّ أن أُحُدًا ذاك عندي ذهبٌ أمسى ثالثةً عندي منه دينارٌ إلا دينارًا أرصده لِدَينٍ إلا أن أقول به في عباد الله هكذا حَثَا بين يديه، وهكذا عن يمينه، وهكذا عن شماله.
قال: ثم مشينا، فقال: يا أبا ذر، قال: قلتُ: لبيك يا رسول الله. قال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا مَن قال هكذا وهكذا وهكذا، مثلما صنع في المرة الأولى.
قال: ثم مشينا، قال: يا أبا ذرّ، كما أنت حتى آتيك، قال: فانطلق حتى توارى عني، قال: سمعتُ لَغَطًا، وسمعتُ صوتًا. قال: فقلتُ: لعلَّ رسول الله ﷺ عُرِضَ له. قال: فهممتُ أن أتبعه. قال: ثم ذكرتُ قوله: لا تبرح حتى آتيك، قال: فانتظرته، فلما جاء ذكرتُ له الذي سمعتُ، قال: فقال: ذاك جبريل أتاني فقال: مَن مات من أُمتك لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قال: قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق.
الشيخ: هذا يدل على أن مَن مات على التوحيد فله الجنة، وإن وقعتْ منه معاصٍ من الزنا والسرقة أو غيرها من المعاصي، فإنه تحت المشيئة، قد يُعذَّب عليها، ثم تكون له الجنة بعد ذلك، وقد يعفو الله عنه بأعمالٍ أخرى صالحةٍ، وقد يتوب؛ ولهذا كرر -كما سيأتي- أبو ذرٍّ السؤال: وإن زنى وإن سرق؟ وإن زنى وإن سرق؟ حتى قال له: وإن رَغِم أنف أبي ذرٍّ.
وهذا حُجةٌ لأهل السنة والجماعة -خلافًا للخوارج- أن العاصي تحت مشيئة الله، ليس مقطوعًا له بأنه يدخل النار، ولا يُغْفَر له، لا، ذاك الكافر، أما العاصي فَتَحْتَ مشيئة الله، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فالعاصي تحت المشيئة، قد يُعَذَّب إذا مات على المعصية ولم يَتُبْ، وقد يغفر الله له، وإذا دخل النار لا يُخلد فيها، إذا دخل الزاني النار أو السارق أو العاق لوالديه أو آكل الربا إذا دخلوا النار لا يُخلدون خلود الكفار، بل لهم نهايةٌ، لعذابهم نهايةٌ، ثم يُخرجهم الله من النار إلى الجنة بسبب أنهم ماتوا على الإسلام وعلى التوحيد.
هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج.
(94) وحدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا جريرٌ، عن عبدالعزيز -وهو ابن رُفَيعٍ- عن زيد بن وهبٍ، عن أبي ذرٍّ قال: خرجتُ ليلةً من الليالي فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده، ليس معه إنسانٌ. قال: فظننتُ أنه يكره أن يمشي معه أحدٌ. قال: فجعلتُ أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: مَن هذا؟ فقلتُ: أبو ذر، جعلني الله فداءك. قال: يا أبا ذرّ، تعاله، قال: فمشيتُ معه ساعةً، فقال: إن المُكْثِرين هم المُقِلُّون يوم القيامة إلا مَن أعطاه الله خيرًا فَنَفَحَ فيه يمينه وشماله، وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيرًا.
قال: فمشيتُ معه ساعةً، فقال: اجلس هاهنا، قال: فأجلسني في قاعٍ حوله حجارةٌ، فقال لي: اجلس هاهنا حتى أرجع إليك، قال: فانطلق في الحَرَّة حتى لا أراه، فَلَبِثَ عني فأطال اللُّبْثَ، ثم إني سمعتُه وهو مُقْبِلٌ وهو يقول: وإن سرق وإن زنى، قال: فلما جاء لم أصبر، فقلتُ: يا نبي الله، جعلني الله فداك، مَن تُكلم في جانب الحَرَّة؟ ما سمعتُ أحدًا يرجع إليك شيئًا. قال: ذاك جبريل عرض لي في جانب الحَرَّة، فقال: بَشِّرْ أُمَّتك أنه مَن مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة. فقلتُ: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قال: قلتُ: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قال: قلتُ: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر.
الشيخ: مثلما تقدم أن هذا ردٌّ على الخوارج والمعتزلة في قولهم: إن العاصي مُخلَّدٌ في النار. وأن هذا القول باطلٌ.
أهل السنة والجماعة يقولون: إن المُخلد في النار هو الكافر، مَن مات على الكفر: كاليهود والنصارى والمجوس والوثنيين ومُنكري وجود الربِّ جلَّ وعلا، وهكذا الشيوعيين وأشباههم، هؤلاء هم المُخلدون في النار.
أما مَن أقرَّ بالإسلام، ودخل في الإسلام، ووحَّد الله، واتَّبع الرسول ﷺ، ولكن له سيئاتٌ بأن مات على الزنى، لم يَتُبْ، أو على السرقة، أو على العقوق لوالديه، أو أكل الربا، أو ما أشبه ذلك، فهو تحت مشيئة الله، قد يُعَذَّب ويبقى في النار ما شاء الله، ثم يُخرج من النار، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
وفي الحديث الصحيح المتفق عليه يقول ﷺ: إنه يدخل النار من أُمته مَن يدخلها من أهل المعاصي، فيشفع فيهم، فيحدّ الله له حدًّا فيخرجون من النار، ثم يشفع فيحدّ الله له حدًّا فيُخرجهم من النار، ثم يشفع الثالثة، فيحدّ الله له حدًّا فيُخرجهم من النار، ثم يشفع الرابعة، ويحدّ الله له حدًّا فيُخرجهم من النار بتوحيدهم وإسلامهم.
ويبقى في النار عُصاةٌ لا تشملهم الشفاعة، فيُخرجهم الله بعد عذابهم واحتراقهم بالنار، يُخرجهم الله وقد احترقوا، فيُلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حَمِيل السَّيل، فإذا تمَّ خلقهم أدخلهم الله الجنة بتوحيدهم الذي ماتوا عليه.
(992) وحدثني زُهير بن حربٍ: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجُرَيْرِي، عن أبي العلاء، عن الأحنف بن قيسٍ قال: قدمتُ المدينة، فبينا أنا في حلقةٍ فيها ملأٌ من قريشٍ إذ جاء رجلٌ أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بَشِّر الكانزين بِرَضْفٍ يُحْمَى عليه في نار جهنم، فيُوضع على حلمة ثَدْي أحدهم حتى يخرج من نُغْضِ كتفيه، ويُوضع على نُغْضِ كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل.
قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيتُ أحدًا منهم رجع إليه شيئًا. قال: فأدبر، واتَّبعتُه حتى جلس إلى ساريةٍ، فقلتُ: ما رأيتُ هؤلاء إلا كرهوا ما قلتَ لهم. قال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا، إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فأجبتُه، فقال: أترى أُحُدًا؟ فنظرتُ ما عليَّ من الشمس، وأنا أظن أنه يبعثني في حاجةٍ له، فقلتُ: أراه. فقال: ما يسرني أن لي مثله ذهبًا أُنفقه كله إلا ثلاثة دنانير، ثم هؤلاء يجمعون الدنيا، لا يعقلون شيئًا.
قال: قلتُ: ما لك ولإخوتك من قريشٍ لا تَعْتَريهم وتُصيب منهم؟! قال: لا وربك، لا أسألهم عن دنيا، ولا أستفتيهم عن دينٍ حتى ألحق بالله ورسوله.
(992) وحدثنا شيبان بن فَرُّوخ: حدثنا أبو الأشهب: حدثنا خُلَيْدٌ العَصَرِيّ، عن الأحنف بن قيسٍ قال: كنتُ في نفرٍ من قريشٍ، فَمَرَّ أبو ذرٍّ وهو يقول: بَشِّر الكانزين بِكَيٍّ في ظهورهم يخرج من جنوبهم، وبِكَيٍّ من قِبَل أقفائهم يخرج من جباههم. قال: ثم تَنَحَّى فقعد. قال: قلتُ: مَن هذا؟ قالوا: هذا أبو ذرّ. قال: فقمتُ إليه، فقلتُ: ما شيءٌ سمعتُك تقول قُبَيل؟ قال: ما قلتُ إلا شيئًا قد سمعتُه من نبيهم ﷺ. قال: قلتُ: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خُذْه، فإن فيه اليوم معونةً، فإذا كان ثمنًا لدينك فَدَعْهُ.
الشيخ: يعني: خُذِ العطاء من بيت المال إذا كان لا يضرّ دينك، أما إذا كان يضرّ دينك فلا تأخذه.
(993) حدثني زُهير بن حربٍ، ومحمد بن عبدالله بن نُمَيرٍ، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم، أَنْفِقْ أُنْفِق عليك.
الشيخ: بركةٌ، سَمِّ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الإمام مسلمٌ رحمه الله تعالى:
(993) حدثني زُهير بن حربٍ، ومحمد بن عبدالله بن نُمَيرٍ، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم، أَنْفِقْ أُنْفِق عليك، وقال: يمين الله مَلْأَى -وقال ابن نُمَيرٍ: مَلْآن- سَحَّاء، لا يَغِيضُها شيءٌ الليل والنهار.
(993) وحدثنا محمد بن رافعٍ: حدثنا عبدالرزاق بن همام: حدثنا معمر بن راشد، عن همام بن مُنَبِّهٍ -أخي وهب بن مُنَبِّهٍ- قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ .. فذكر أحاديث منها: وقال: قال رسول الله ﷺ: إن الله قال لي: أَنْفِقْ أُنْفِق عليك.
وقال رسول الله ﷺ: يمين الله مَلْأَى، لا يَغِيضُها، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتُم ما أَنْفَقَ مُذْ خلق السماء والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما في يمينه، قال: وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض، يرفع ويخفض.
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ وسلم على رسول الله.
هذه الأحاديث وما جاء في معناها تحثُّ على الإنفاق والإحسان والجود والكرم، وتُحذر من الشُّحِّ والبُخل.
وقد قال الله في كتابه الكريم -وهو أصدق القائلين-: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد:7].
هذه الآية العظيمة: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ خصَّ النَّفقة مع الإيمان: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ.
أنت مُسْتَخْلَفٌ، ستذهب وتتركه، أنت عندك الفضل، عندك الخير قبل أن يفوت أو تفوت.
ثم يقول جلَّ وعلا: يا ابن آدم، أَنْفِقْ أُنْفِق عليك، ويقول سبحانه في كتابه العظيم: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، ويقول جلَّ وعلا: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن:16].
رُوِيَ عن عبدالرحمن بن عوف أنه في بعض أطوفته كان يُلِحُّ في قوله: "اللهم قِنِي شُحَّ نفسي"، يُكثر منها في الطواف، فقال له بعض إخوانه الذين معه: إنك تُكثر من هذه الدعوة! فقال: إن الله يقول: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، فإذا وقاني الله شُحَّ نفسي فقد أفلحتُ.
ومن هذا تعاهد الفقراء من جيرانك، ومن معارفك، تعاهدهم بالمساعدة وبالصدقة ولو قليلًا، حتى التمرة والتمرتان، فالإنسان يتعاهد الفقراء حسب الطاقة.
في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم ، عن النبي ﷺ أنه قال: ما منكم من أحدٍ إلا سيُكَلِّمه ربه ليس بينه وبينه تَرْجَمان يعني: واسطة، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر عن شماله فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار، فاتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ، فمَن لم يجد فبكلمةٍ طيبةٍ.
وفي "صحيح مسلمٍ" عن النبي ﷺ أنه قال: ما من عبدٍ يتصدق بعدل تمرةٍ من كسبٍ طيبٍ، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإذا تقبلها الله منه فَيُرَبِّيها لصاحبها كما يُربِّي أحدكم فَلُوَّه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل»، هذه التمرة تُنَمَّى حتى تكون مثل الجبل، يُضاعف الله أجرها حسب الإخلاص والصدق والكسب الطيب.
وفي "صحيح البخاري" عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني امرأةٌ تسأل ومعها ابنتان، فلم أجد في البيت إلا ثلاثة تمراتٍ، فدفعتُها إليها، فأعطتْ كل واحدةٍ من بنتيها تمرةً، ورفعت الثالثة إلى فيها لتأكلها، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابنتاها التمرة الثالثة، فشقَّتها بينهما نصفين، ولم تأكل شيئًا، قالت: فأعجبني شأنها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته، فقال: إن الله أوجب لها بها الجنة يعني: بسبب هذه الرحمة وهذا الإحسان.
فالعمل اليسير قد يُضاعفه الله، ويكون سببًا للسعادة، وسببًا للتوفيق؛ حتى تستقيم على أمر الله وتفوز بالسعادة.
ومن هذا مُلاحظة الأيتام والنساء الأرامل الذين ما عندهم مَن يقوم عليهم، وأبناء السَّبيل والسَّائلين في الطرقات والمساجد، كل هؤلاء الصدقة فيهم عظيمةٌ ومُضاعفةٌ، وقد يكون بعضهم في أشدِّ الحاجة وأشدِّ الضَّرورة.
يقول النبي ﷺ: ليس المسكين بهذا الطَّوَّاف الذي تردّه اللُّقْمَة واللُّقْمَتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غِنًى يُغْنِيه، ولا يُفْطَن له فَيُتَصَدَّق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس يعني: المُتعفف في بيته، لكن يستحي أن يخرج ويسأل، هذا المسكين الأكبر، المسكين الأعظم.
الطَّوَّاف مسكينٌ، ولكن هذا أشدّ مَسْكَنَةً، المُتعفف أشدّ وأحقّ، مثلما قال ﷺ: ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، فالصُّرَعَة شديدٌ، الذي يصرع الناس ويطرحهم بقوته شديدٌ، لكن أشدّ منه وأولى منه بهذا الاسم الذي يملك نفسه عند الغضب، الذي يصرعها يملكها، إذا غضب يملكها حتى لا يقع منه ما لا ينبغي.
(994) حدثنا أبو الربيع الزهراني، وقتيبة بن سعيدٍ –كلاهما- عن حماد بن زيدٍ، قال أبو الربيع: حدثنا حماد: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: أفضل دينارٍ يُنفقه الرجل دينارٌ يُنفقه على عياله، ودينارٌ يُنفقه الرجل على دابته في سبيل الله عزَّ وجلَّ، ودينارٌ يُنفقه على أصحابه في سبيل الله.
قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال.
ثم قال أبو قلابة: وأي رجلٍ أعظم أجرًا من رجلٍ يُنفق على عيالٍ صغارٍ، يعفّهم أو ينفعهم الله به ويُغنيهم؟!
الشيخ: وهذا مثلما جاء في الأحاديث الأخرى: اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى، وابدأ بمَن تعول، لا بد من البداءة بالأهل والعائلة، فهم أولى بالناس بالصدقة، في ذِمَّته، ومسؤولٌ عنهم، هم أهمّ من غيرهم، فأفضل الدنانير دينارٌ يُنفقه في أهله من زوجةٍ وأولادٍ.
(995) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزُهير بن حربٍ، وأبو كُريبٍ -واللفظ لأبي كُريبٍ- قالوا: حدثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن مُزاحم بن زُفَر، عن مجاهدٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله، ودينارٌ أنفقتَه في رقبةٍ، ودينارٌ تصدقتَ به على مسكينٍ، ودينارٌ أنفقتَه على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك.
الشيخ: لأنه شيءٌ واجبٌ، مهمٌّ، أفضل من الإنفاق في سبيل الله، وفي عتق الرقاب، وفي الصدقة على المساكين.
(996) حدثنا سعيد بن محمدٍ الجَرْمِي: حدثنا عبدالرحمن بن عبدالملك بن أَبْجَر الكناني، عن أبيه، عن طلحة بن مُصَرِّفٍ، عن خيثمة قال: كنا جلوسًا مع عبدالله بن عمرو إذ جاءه قَهْرَمَانٌ له فدخل، فقال: أعطيتَ الرَّقيق قُوتهم؟ قال: لا. قال: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهم. قال: قال رسول الله ﷺ: كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمَّن يملك قُوته.
الشيخ: وهذا من جنس البهائم أيضًا، الأرقاء والبهائم أولى من غيرهم، مثل: الأهل، مَن كان عنده أرقاء أو بهائم في بيته -غنمٌ أو إبلٌ أو حُمُرٌ أو خيلٌ- يبدأ بهم قبل الصدقة على الآخرين، يعني: يُقدمهم، واجبٌ عليه أن يبدأ بهم: كفى بالمرء إثمًا أن يُضيع مَن يَقُوت، وفي اللفظ الآخر: أن يحبس عمَّن يملك قُوته.