من حديث: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك..»

(997) حدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا ليثٌ. ح، وحدثنا محمد بن رمحٍ: أخبرنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابرٍ قال: أعتق رجلٌ من بني عُذْرَةَ عبدًا له عن دُبُرٍ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: أَلَكَ مالٌ غيره؟ فقال: لا. فقال: مَن يشتريه مني؟ فاشتراه نُعَيم بن عبدالله العدوي بثمانمئة درهمٍ، فجاء بها رسول الله ﷺ، فدفعها إليه، ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيءٌ فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيءٌ فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك.

الشيخ: وهذا يُبين أن الإنسان يبدأ بهذه الأمور قبل أن يُعتق أو يُوقِف، ما دام في حاجةٍ لا يُوقِف ولا يُعتق، الإنفاق في نفسه أولى من العتق، وأولى من الوقف، إنما يُوقف عن ظهر غِنًى، مثلما قال النبي ﷺ لكعبٍ: أَمْسِكْ عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك.

ولهذا لما أعتق الرجل عبدًا له عن دُبُرٍ، يعني: جعل عتقه مُعلَّقًا بالموت، وسأله النبي ﷺ، وأنه فقيرٌ ما عنده شيءٌ، باعه، وأمره أن يُنفق على نفسه، وأن يقضي دَينه.

وهذا من أدلة: أن المُعلَّق على الموت ما يلزم، وصيةٌ، له أن يرجع عنها، فإذا قال: هذا البيت سبالةٌ إذا متّ، أو هذا العبد عتيقٌ إذا متّ، أو هذا النَّخل كذلك. هذه وصيةٌ، له الرجوع عنها.

(997) وحدثني يعقوب بن إبراهيم الدَّورقي: حدثنا إسماعيل –يعني: ابن عُلية- عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابرٍ: أن رجلًا من الأنصار -يُقال له: أبو مذكور- أعتق غلامًا له عن دُبُرٍ يُقال له: يعقوب .. وساق الحديث بمعنى حديث الليث.

(998) حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأتُ على مالكٍ، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة: أنه سمع أنس بن مالكٍ يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالًا، وكان أحبّ أمواله إليه بَيْرَحَى، وكانت مُستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيبٍ.

قال أنسٌ: فلما نزلتْ هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله يقول في كتابه: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإن أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحَى، وإنها صدقةٌ لله، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله، فَضَعْهَا يا رسول الله حيث شئتَ. قال رسول الله ﷺ: بَخْ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، قد سمعتُ ما قلتَ فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمِّه.

الشيخ: يعني: تصدق بها ووزَّعها عليهم؛ ليتصرفوا فيها، وهذا الملك العظيم الذي في مُستقبل المسجد، وهذه منقبةٌ لأبي طلحة ، لما سمع الله يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قال: يا رسول الله، إن أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحَاء، وإنها صدقةٌ لله، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله، فَضَعْهَا حيث أراك الله. فأرشده النبي ﷺ إلى أن يُوزعها بين الأقربين، فقسمها في أَقْرَبِيه وانتفعوا بها .

وهذا فيه حثٌّ على مُساعدة الأقربين، يقول النبي ﷺ: الصدقة على الفقير صدقةٌ، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقةٌ وصِلَةٌ، ويقول ﷺ: مَن أحبَّ أن يُبْسَط له في رزقه، وأن يُنْسَأَ له في أجله فَلْيَصِلْ رحمه.

(998) حدثني محمد بن حاتم: حدثنا بَهْز: حدثنا حماد بن سلمة: حدثنا ثابتٌ، عن أنسٍ قال: لما نزلتْ هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قال أبو طلحة: أُرَى ربنا يسألنا من أموالنا، فأُشهدك يا رسول الله أني قد جعلتُ أرضي بَرِيحَا لله. قال: فقال رسول الله ﷺ: اجعلها في قرابتك، قال: فجعلها في حسان بن ثابت، وأُبَي بن كعب.

(999) حدثني هارون بن سعيدٍ الأَيْلِي: حدثنا ابن وهبٍ: أخبرني عمرٌو، عن بُكَيْرٍ، عن كُريبٍ، عن ميمونة بنت الحارث: أنها أعتقتْ وليدةً في زمان رسول الله ﷺ، فذكرتْ ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: لو أعطيتها أخوالكِ كان أعظم لأجركِ.

الشيخ: وهذا يدل على أن الإحسان إلى الأقارب أعظم من العتق، وأفضل من العتق، فإن ميمونة أعتقتْ جاريةً لها، فأخبرت النبيَّ ﷺ بذلك، فقال: أما إنكِ لو أعطيتها أخوالك لكان أعظم لأجركِ، في هذا دلالةٌ على عظم أجر صِلة الرحم، وأن أجرها عظيمٌ، حتى إن ذلك مُقدَّمٌ على العتق.

وفيه من الفوائد: أن المرأة لها التَّصرف في مالها إذا كانت رشيدةً من دون إذن زوجها، لها التَّصرف في مالها من دون إذن زوجها؛ ولهذا لم يَقُلْ لها: لماذا أعتقتيها وما شاورتيني؟ هي قالت: يا رسول الله، أشعرتَ أني أعتقتُ فلانة؟ قال: أما إنكِ لو أعطيتها أخوالك لكان أعظم لأجركِ، ولم يَقُلْ لها: لماذا أعتقتيها ولم تُشاوريني؟ فدلَّ على أن المرأة الرشيدة لها التَّصرف في مالها.

ومن هذا ما في الصحيحين: أنه ﷺ كان إذا فرغ من خطبة العيد أتى النساء فذكَّرهنَّ وحثَّهنَّ على الصدقة، فكنَّ يتصدقن من حُليهنَّ، ولم يَقُلْ لهنَّ: استأذنَّ أزواجكنَّ، بل أرشدهنَّ إلى الصدقة، وحثَّهنَّ على الصدقة، وقَبِلَها منهنَّ، فدلَّ على أن النساء لهنَّ التَّصرف في أموالهنَّ إذا كنَّ رشيدات من دون إذن أبٍ أو زوجٍ أو غيرهما.

أما حديث: «لا يحلّ لامرأةٍ عطيةٌ إلا بإذن زوجها» فهو ضعيفٌ، انقلب على الراوي، والصواب: أنه لا يحلّ لها عطيةٌ في مال زوجها، ما هو من مالها هي، العطية من مال زوجها إلا بإذنه، أما مالها هي فلها التَّصرف في مالها.

(1000) حدثنا حسن بن الربيع: حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عمرو بن الحارث، عن زينب -امرأة عبدالله- قالت: قال رسول الله ﷺ: تَصَدَّقْنَ يا معشر النساء، ولو من حُلِيِّكُنَّ، قالت: فرجعتُ إلى عبدالله فقلتُ: إنك رجلٌ خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فَأْتِهِ فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتُها إلى غيركم. قالت: فقال لي عبدالله: بل ائتِيهِ أنتِ.

قالت: فانطلقتُ، فإذا امرأةٌ من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها. قالت: وكان رسول الله ﷺ قد أُلْقِيَتْ عليه المهابة. قالت: فخرج علينا بلالٌ، فقلنا له: ائتِ رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتُجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتامٍ في حُجُورهما؟ ولا تُخبره مَن نحن. قالت: فدخل بلالٌ على رسول الله ﷺ فسأله، فقال له رسول الله ﷺ: مَن هما؟ فقال: امرأةٌ من الأنصار وزينب. فقال رسول الله ﷺ: أي الزَّيانب؟ قال: امرأة عبدالله. فقال له رسول الله ﷺ: لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة.

الشيخ: وهذا كالذي قبله يدل على أنه لا حاجة لاستئذان الأزواج، لهنَّ أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة، فإذا تصدقتْ على زوجها الفقير، أو على أيتامها وأولادها فهم أولى، مثلما قال ﷺ: ابدأ بنفسك، ثم بمَن تعول، فصدقتها في أيتامها، في زوجها، في إخوتها وأقاربها أفضل من الأجانب.

(1000) حدثني أحمد بن يوسف الأزدي: حدثنا عمر بن حفص بن غِيَاثٍ: حدثنا أبي: حدثنا الأعمش: حدثني شقيقٌ، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبدالله.

قال: فذكرتُ لإبراهيم، فحدثني عن أبي عبيدة، عن عمرو بن الحارث، عن زينب -امرأة عبدالله- بمثله سواء، قال: قالت: كنتُ في المسجد، فرآني النبي ﷺ فقال: تَصَدَّقْنَ، ولو من حُلِيِّكُنَّ .. وساق الحديث بنحو حديث أبي الأحوص.

الشيخ: يعني: تتصدق ولو من الحُلِي، ولو من القلائد، ولو من الخواتم التي عندها، الصدقة مطلوبةٌ، ما هو بلازمٍ من النقود، ولو من الحُلي، إذا تصدقتْ من حُلِيِّها فالفقير يبيع الحُلِي وينتفع، يبيعه في السوق وينتفع بأثمانه؛ ولهذا كنَّ يتصدقن بِحُلِيِّهنَّ.

(1001) حدثنا أبو كُريبٍ محمد بن العلاء: حدثنا أبو أسامة: حدثنا هشامٌ، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: قلتُ: يا رسول الله، هل لي أجرٌ في بني أبي سلمة؟ أُنْفِقُ عليهم، ولستُ بتاركتهم هكذا وهكذا، إنما هم بَنِيَّ. فقال: نعم، لكِ فيهم أجر ما أنفقتِ عليهم.

الشيخ: وهم أولادها، فهكذا الإنسان نفقته على أولاده مأجورٌ في ذلك –الصدقة- له أجرٌ عظيمٌ في نفقته على أولاده، وإحسانه إلى أولاده، وإلى إخوته الذين هم تحت يده، وإلى غيرهم من أقاربه، وإن كانت واجبةً، واجبةٌ وفيها أجرٌ عظيمٌ، وهي واجبةٌ، وهكذا نفقة المرأة على أيتامها.

(1001) وحدثني سُوَيد بن سعيدٍ: حدثنا علي بن مُسْهِرٍ. ح، وحدثناه إسحاق بن إبراهيم، وعَبْدُ بن حُميدٍ، قالا: أخبرنا عبدالرزاق: أخبرنا معمرٌ -جميعًا- عن هشام بن عروة .. في هذا الإسناد بمثله.

(1002) حدثنا عبيدالله بن معاذ العَنْبَري: حدثنا أبي: حدثنا شعبة، عن عدي -وهو ابن ثابت- عن عبدالله بن يزيد، عن أبي مسعودٍ البدري، عن النبي ﷺ قال: إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقةً وهو يحتسبها كانت له صدقةً.

(1002) وحدثناه محمد بن بشار، وأبو بكر بن نافع –كلاهما- عن محمد بن جعفر. ح، وحدثناه أبو كُريبٍ: حدثنا وكيعٌ -جميعًا- عن شعبة .. في هذا الإسناد.

(1003) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبدالله بن إدريس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء قالت: قلتُ: يا رسول الله، إن أمي قدمتْ عليَّ، وهي راغبةٌ أو راهبةٌ، أَفَأَصِلُها؟ قال: نعم.

الشيخ: وهذا فيه الدلالة على الإحسان حتى إلى الكفرة، حتى إلى الكافرات، مثلما قال جلَّ وعلا: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15]؛ لأن هذا من أسباب إسلامهم، إذا أحسن الولد لآبائه الكفار أو أمهاته أو إخوته فهو من أسباب إسلامهم؛ ولهذا لما قدمتْ أم أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما عليها في المدينة في الهدنة التي بين النبي ﷺ وقريش، فإنه هادنهم يوم الحديبية على وضع الحرب عشر سنين، فانتشر الناس في هذه الهدنة، وساروا إلى المدينة، وأسلم الجمُّ الغفير وهاجروا، ومن ذلك أم أسماء جاءتْ تطلب الرِّفْد، وهي على دين قومها، فاستأذنتْ أسماءُ النبيَّ ﷺ في ذلك، فقال النبي ﷺ: صِلِيها؛ لأنها من أسباب إسلامها، ومن تأليف قلبها، وكان عمر يصل أقارب له في مكة في الهدنة رجاء إسلامهم.

ومن هذا الباب قوله جلَّ وعلا في كتابه العظيم في سورة الممتحنة: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] هذه ..... الكفرة: أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، ما داموا ليسوا حربًا لنا، وبيننا وبينهم هدنةٌ، في حال الهدنة نُحْسِن إليهم ونَبَرُّهم رجاء إسلامهم.

(1003) وحدثنا أبو كُريبٍ محمد بن العلاء: حدثنا أبو أسامة، عن هشامٍ، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكرٍ قالت: قدمتْ عليَّ أُمي وهي مُشركةٌ في عهد قريشٍ إذ عاهدهم، فاستفتيتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: يا رسول الله، قدمتْ عليَّ أُمي وهي راغبةٌ، أَفَأَصِلُ أمي؟ قال: نعم، صِلِي أمكِ.

الشيخ: اللهم صلِّ وسلم عليه، اللهم صلِّ عليه وسلم.

(1004) وحدثنا محمد بن عبدالله بن نُمَيرٍ: حدثنا محمد بن بشرٍ: حدثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشة: أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أُمي افْتُلِتَتْ نفسها ولم تُوصِ، وأظنها لو تكلمتْ تصدَّقتْ، أفلها أجرٌ إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: نعم.

الشيخ: هذا فيه الصدقة عن الميت، وأنها تنفعه، قال: يا رسول الله، إن أُمي افْتُلِتَتْ نفسها، يعني: تُوفيت، ولم تُوصِ، أفلها أجرٌ إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: نعم.

ومن هذا الباب قوله ﷺ: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له.

(1004) وحدثنا محمد بن عبدالله بن نُمَيرٍ: حدثنا محمد بن بشرٍ: حدثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشة: أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أُمي افْتُلِتَتْ نفسها ولم تُوصِ، وأظنها لو تكلمتْ تصدَّقتْ، أفلها أجرٌ إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: نعم.

(1004) وحدثنيه زُهير بن حربٍ: حدثنا يحيى بن سعيدٍ. ح، وحدثنا أبو كُريبٍ: حدثنا أبو أسامة. ح، وحدثني علي بن حُجْرٍ: أخبرنا علي بن مُسْهِرٍ. ح، حدثنا الحكم بن موسى: حدثنا شُعيب بن إسحاق –كلهم- عن هشامٍ .. بهذا الإسناد، وفي حديث أبي أسامة: "ولم تُوصِ" كما قال ابن بشرٍ، ولم يَقُلْ ذلك الباقون.

(1005) حدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا أبو عوانة. ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عَبَّاد بن العوام –كلاهما- عن أبي مالكٍ الأشجعي، عن رِبْعِي بن حِرَاشٍ، عن حذيفة، في حديث قتيبة قال: قال نبيُّكم ﷺ. وقال ابن أبي شيبة: عن النبي ﷺ قال: كل معروفٍ صدقةٌ.

الشيخ: كل معروفٍ صدقةٌ هذا من جوامع الكلم، كل معروفٍ صدقةٌ من جوامع الكلم، الشفاعة في تخليص مظلومٍ صدقةٌ، إرشاد ضالٍّ عن الطريق تدلّه على الطريق صدقةٌ، أعمى تدلّه على الطريق صدقةٌ، تُمْهِله في قضاء الدَّين وتُنْظِره في قضاء الدَّين صدقةٌ، تُسْقِط بعض الدَّين صدقةٌ، تُعلمه بعض ما ينفعه صدقةٌ، تنهاه عن بعض ما يضرّه صدقةٌ، وهكذا كل معروفٍ، كل شيءٍ ينفع الإنسان، ويُسمى: معروفًا، فيه إحسانٌ، فيه خيرٌ؛ صدقةٌ.

(1006) وحدثنا عبدالله بن محمد بن أسماء الضُّبَعِي: حدثنا مهدي بن ميمون: حدثنا واصلٌ -مولى أبي عيينة- عن يحيى بن عقيلٍ، عن يحيى بن يَعْمَر، عن أبي الأسود الدِّيلي، عن أبي ذرٍّ: أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يُصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون بفضول أموالهم. قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحةٍ صدقةً، وكل تكبيرةٍ صدقةً، وكل تحميدةٍ صدقةً، وكل تهليلةٍ صدقةً، وأمرٍ بالمعروف صدقةً، ونَهْيٍ عن مُنكرٍ صدقةً، وفي بُضْع أحدكم صدقةٌ، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ.

الشيخ: وهذه نعمةٌ عظيمةٌ، وفضلٌ كبيرٌ، إذا ذهب الناس بالدُّثور والأموال، عندهم الأموال والصدقات، فالفقير جعل له الصدقة مُيسرةً: تسبيحٌ، تحميدٌ، تهليلٌ، تكبيرٌ، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وسائر وجوه الخير، حتى جِمَاعه لزوجته، حتى مُباضعته لزوجته صدقةٌ؛ لأنها من أسباب عِفَّته وعِفَّتها عن الزنا، فكونه يُجامعها صدقة أيضًا، كما أنه إذا أتى الحرام يأثم، فإذا وضع الشهوة في الحلال يُؤْجَر، وهذا من فضل الله.

وإذا جمع الغني بين هذا وهذا -مثلما فعل الأغنياء في عهد النبي ﷺ- صار خيرًا عظيمًا، إذا تصدَّقوا من أموالهم، وأضافوا مع ذلك: التَّسبيح، والتَّحميد، والتَّهليل، والتَّكبير صار خيرًا إلى خيرٍ مثلما جاء في الحديث.

وفي اللفظ الآخر: ويكفي من ذلك ركعتان تركعهما من الضُّحى، إذا صلَّى ركعتين من الضُّحى تقوم مقام هذا العمل العظيم: التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير، هذا أيضًا فيه فضل ركعتين من الضُّحى كما يأتي.

(1007) حدثنا حسن بن علي الحُلْوَاني: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع: حدثنا معاوية –يعني: ابن سلام- عن زيدٍ: أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبدالله بن فَرُّوخ: أنه سمع عائشة تقول: إن رسول الله ﷺ قال: إنه خُلِقَ كل إنسانٍ من بني آدم على ستين وثلاثمئة مفصلٍ، فمَن كبَّر الله ، وحمد الله ، وهلل الله ، وسبَّح الله ، واستغفر الله ، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكةً، أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروفٍ، أو نهى عن مُنكرٍ عدد تلك الستين والثلاثمئة السُّلَامَى فإنه يمشي يومئذٍ وقد زحزح نفسه عن النار، قال أبو توبة: وربما قلتُ: يُمْسِي.

الشيخ: هذا من فضل الله جلَّ وعلا، وهذه من آيات الله.

كل إنسانٍ مخلوقٌ على ثلاثمئة وستين مفصلٍ، فإذا سبَّح الله، وحمد الله، وكبَّر الله، وهلل الله، وعزل حجرًا عن الطريق، أو شوكةً، أو عظمًا، أو استغفر الله بعدد هذه المفاصل أصبح وقد زحزح نفسه عن النار، من أسباب عتقه من النار.

أَعِد حديث عائشة.

أنه سمع عائشة تقول: إن رسول الله ﷺ قال: إنه خُلِقَ كل إنسانٍ من بني آدم على ستين وثلاثمئة مفصلٍ، فمَن كبَّر الله ، وحمد الله ، وهلل الله ، وسبَّح الله ، واستغفر الله ، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكةً، أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروفٍ، أو نهى عن مُنكرٍ عدد تلك الستين والثلاثمئة السُّلَامَى فإنه يمشي يومئذٍ وقد زحزح نفسه عن النار، قال أبو توبة: وربما قلتُ: يُمْسِي.

(1007) وحدثنا عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي: أخبرنا يحيى بن حسان: حدثني معاوية: أخبرني أخي زيد .. بهذا الإسناد مثله، غير أنه قال: أو أمر بمعروفٍ، وقال: فإنه يُمسي يومئذٍ.

(1007) وحدثني أبو بكر بن نافع العَبْدِي: حدثنا يحيى بن كثيرٍ. قال علي –يعني: ابن المبارك-: حدثنا يحيى، عن زيد بن سلام، عن جدِّه أبي سلام قال: حدثني عبدالله بن فَرُّوخ: أنه سمع عائشة تقول: قال رسول الله ﷺ: خُلِقَ كل إنسانٍ .. بنحو حديث معاوية، عن زيدٍ، وقال: فإنه يمشي يومئذٍ.

(1008) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ قال: على كل مسلمٍ صدقةٌ، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يَعْتَمِل بيديه ...

الشيخ: قف على حديث أبي موسى، سَمِّ، بركةٌ.