بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقال الإمام مسلمٌ رحمه الله تعالى:
(1008) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن سعيد بن أبي بُرْدَة، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ قال: على كل مسلمٍ صدقةٌ، قيل: أرأيتَ إن لم يجد؟ قال: يَعْتَمِل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال: قيل: أرأيتَ إن لم يستطع؟ قال: يُعين ذا الحاجة الملهوف، قال: قيل له: أرأيتَ إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرأيتَ إن لم يفعل؟ قال: يُمْسِك عن الشرِّ، فإنها صدقةٌ.
الشيخ: وهذا هو الواجب، فالمؤمن يحذر ويتصدق حسب طاقته مما أعطاه الله، ولو بالكلمة الطيبة، بالدعوة إلى الله، بالأمر بالمعروف، بالنهي عن المنكر، بالنصيحة، فإن لم يفعل فأقلّ شيءٍ أن يكفَّ شَرَّه عن الناس، إن لم يفعل شيئًا من هذا الخير فأقلّ شيءٍ أن يَكُفَّ شَرَّه عن الناس.
(1008) وحدثناه محمد بن المثنى: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي: حدثنا شعبة .. بهذا الإسناد.
(1009) وحدثنا محمد بن رافعٍ: حدثنا عبدالرزاق بن همام: حدثنا معمرٌ، عن همام بن مُنَبِّهٍ قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمدٍ رسول الله ﷺ .. فذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله ﷺ: كل سُلَامَى من الناس عليه صدقةٌ كل يومٍ تطلع فيه الشمس، قال: تعدل بين الاثنين صدقةٌ، وتُعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقةٌ، قال: والكلمة الطيبة صدقةٌ، وكل خطوةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ، وتُمِيط الأذى عن الطريق صدقةٌ.
الشيخ: الحمد لله ..... والله أكبر، نعم.
(1010) وحدثني القاسم بن زكريا: حدثنا خالد بن مخلد: حدثني سليمان -وهو ابن بلال-: حدثني معاوية –وهو ابن أبي مُزَرِّدٍ- عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.
الشيخ: وهذا فيه الحثُّ على النَّفقة ولو بالقليل.
كل صباح يومٍ ينزل ملكان، أحدهما يقول: اللهم أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا. والثاني يقول: اللهم أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.
هذا فيه الحثُّ على النَّفقة ولو بالقليل في الفقير والمسكين، وفي وجوه الخير: اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ.
اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله.
(1011) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نُمَيرٍ، قالا: حدثنا وكيعٌ: حدثنا شعبة. ح، وحدثنا محمد بن المثنى -واللفظ له-: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا شعبة، عن معبد بن خالدٍ قال: سمعتُ حارثة بن وهبٍ يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: تصدقوا، فيُوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أُعطيها: لو جئتنا بها بالأمس قبلتُها، فأما الآن فلا حاجة لي فيها. فلا يجد مَن يقبلها.
الشيخ: يعني: في آخر الزمان قُرب الساعة ينتشر المال، ويفيض المال، حتى يَهِمَّ الرجل مَن يقبل صدقته، ما يجد، يتعب، مَن يقبل، حتى يقول الرجل له: لو جئتَ بها أمس لأخذتُها، أما اليوم فلا حاجة لي فيها. إما لكثرة المال عنده، وإما لوجود الآيات والأشياء التي تشغله عن ذلك وتهمّه قُرب الساعة، ولكن الروايات يُفسر بعضها بعضًا، ويظهر أنه يفيض المال ويكثر، الله المستعان.
(1012) وحدثنا عبدالله بن بَرَّادٍ الأشعري، وأبو كُريبٍ محمد بن العلاء، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن بُرَيْدٍ، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: ليأتينَّ على الناس زمانٌ يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه، ويُرَى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأةً يَلُذْنَ به من قِلة الرجال، وكثرة النساء، وفي رواية ابن بَرَّادٍ: وترى الرجل.
الشيخ: الله أكبر، الله المستعان.
(157) وحدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا يعقوب -وهو ابن عبدالرحمن القاري- عن سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مُرُوجًا وأنهارًا.
الشيخ: يعني: تكثر فيها الزراعة والشجر والأمطار حتى تكون مُرُوجًا وأنهارًا هذه الجزيرة، وقد وُجِدَ الآن ما يدل على هذا، والله المستعان، كثرة الزراعة في هذه الجزيرة.
والمقصود: أن الناس في آخر الزمان يفيض بينهم المال، ولا سيما عند نزول عيسى وقضائه على الصليب، وعدم قبوله الجزية، وعدم قبوله إلا الإسلام؛ فينتشر الإسلام، ويفيض المال حتى لا يقبله أحدٌ، وقد يكون أيضًا قبل ذلك في زمن المهدي.
والمقصود: أن هذه الأرض إذا حُكِمَ فيها بالعدل، واستقام الناس على العدل؛ فاض المال بين الناس.
القارئ: الشارح يا شيخ قال: حتى تعود أرض العرب مُرُوجًا وأنهارًا معناه -والله أعلم-: أنهم يتركونها ويُعرضون عنها، فتبقى مُهملةً لا تُزرع، ولا تُسْقَى من مياهها؛ وذلك لقِلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقُرب الساعة، وقِلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به.
الشيخ: الأقرب -والله أعلم- غير ذلك، وهو: أنها تكثر فيها الخيرات والأمطار والأنهار، ويكثر فيها الخير، لا العكس، نعم، الله المستعان.
(157) وحدثنا أبو الطاهر: حدثنا ابن وهبٍ، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يُهِمَّ ربَّ المال مَن يقبله منه صدقةً، ويُدْعَى إليه فيقول: لا أَرَبَ لي فيه.
الشيخ: الله المستعان، نعم.
(1013) وحدثنا واصل بن عبدالأعلى، وأبو كُريبٍ، ومحمد بن يزيد الرفاعي -واللفظ لواصلٍ- قالوا: حدثنا محمد بن فُضيلٍ، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: تَقِيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأُسْطُوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلتُ. ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعتُ رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطِعَتْ يدي. ثم يَدَعُونه فلا يأخذون منه شيئًا.
الشيخ: الله المستعان، الله المستعان، الله أكبر، الله أكبر.
وهذا يدل على كثرة المال وظهوره في وجه الأرض، ومنها ..... المدفون الآن، وكذلك من الكنوز الذي انتشر الآن وعمَّ.
الله المستعان، نعم.
الله أكبر، نعم.
(1014) وحدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا ليثٌ، عن سعيد بن أبي سعيدٍ، عن سعيد بن يسار: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: ما تصدق أحدٌ بصدقةٍ من طَيِّبٍ -ولا يقبل الله إلا الطيب- إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرةً، فَتَرْبُو في كَفِّ الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوَّه أو فَصِيلَه.
الشيخ: وهذا فيه الحثُّ على الصدقة من الكسب الطيب، وأن الله يُربيها، ولو كان عدل تمرةٍ يُربيها بيمينه حتى تكون أعظم من الجبل، ولا يقبل الله إلا الكسب الطيب.
ومن هذا قوله ﷺ: اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ، ومن هذا حديث عائشة: أنها أتتها امرأةٌ -ولها ابنتان- تَشْحَذ، فأعطتْها ثلاث تمراتٍ، فأعطتْ كل بنتٍ تمرةً، ورفعت الثالثة لتأكلها، فاستطعمَتْها ابنتاها التمرة؛ فشقَّتها بينهما نصفين، قالت عائشة: فأعجبني شأنها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته، فقال: إن الله أوجب لها بها الجنة، الله المستعان.
(1014) حدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا يعقوب –يعني: ابن عبدالرحمن القاري- عن سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: لا يتصدق أحدٌ بتمرةٍ من كسبٍ طيبٍ إلا أخذها الله بيمينه، فَيُرَبِّيها كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوَّه أو قَلُوصَه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم.
الشيخ: الله أكبر، نعم.
(1014) وحدثني أُمية بن بِسْطَام: حدثنا يزيد –يعني: ابن زُرَيعٍ-: حدثنا روح بن القاسم. ح، وحدثنيه أحمد بن عثمان الأودي: حدثنا خالد بن مَخْلَدٍ: حدثني سليمان –يعني: ابن بلال- كلاهما عن سهيلٍ .. بهذا الإسناد، في حديث روح: من الكسب الطيب، فيضعها في حقِّها، وفي حديث سليمان: فيضعها في موضعها.
وحدثنيه أبو الطاهر: أخبرنا عبدالله بن وهبٍ: أخبرني هشام بن سعدٍ، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .. نحو حديث يعقوب، عن سهيلٍ.
(1015) وحدثني أبو كُريبٍ محمد بن العلاء: حدثنا أبو أسامة: حدثنا فُضيل بن مرزوق: حدثني عدي بن ثابتٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: أيها الناس، إن الله طيبٌ، لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يُطيل السفر، أَشْعَثَ، أَغْبَرَ، يمد يديه إلى السماء: يا ربّ، يا ربّ، ومطعمه حرامٌ، ومَشْرَبُه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟!.
الشيخ: انظر عندك إلى ضبط: غُذِّي أو غُذِي، ضبطها الشارح؟
القارئ: هو بضم الغين، وتخفيف الذال المكسورة.
الشيخ: فقط؟
القارئ: فقط.
الشيخ: الشرح الثاني موجودٌ؟
القارئ: لا.
الشيخ: نعم، نعم.
(1016) حدثنا عون بن سَلَّامٍ الكوفي: حدثنا زُهير بن معاوية الجُعْفِي، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن مَعْقِلٍ، عن عدي بن حاتمٍ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: مَن استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشقِّ تمرةٍ فليفعل.
(1016) حدثنا علي بن حُجْرٍ السعدي، وإسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خَشْرَمٍ، قال ابن حجرٍ: حدثنا. وقال الآخران: أخبرنا عيسى بن يونس: حدثنا الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتمٍ قال: قال رسول الله ﷺ: ما منكم من أحدٍ إلا سيُكلمه الله ليس بينه وبينه تُرْجُمَان، فينظر أَيْمَنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أَشْأَمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ.
زاد ابن حُجْرٍ: قال الأعمش: وحدثني عمرو بن مُرَّة، عن خيثمة مثله، وزاد فيه: ولو بكلمةٍ طيبةٍ.
وقال إسحاق: قال الأعمش: عن عمرو بن مُرَّة، عن خيثمة.
(1016) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كُريبٍ، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن عدي بن حاتمٍ قال: ذكر رسول الله ﷺ النار فأعرض وأشاح، ثم قال: اتَّقوا النار، ثم أعرض وأشاح حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها، ثم قال: اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ، فمَن لم يجد فبكلمةٍ طيبةٍ، ولم يذكر أبو كُريبٍ: كأنما، وقال: حدثنا أبو معاوية: حدثنا الأعمش.
الشيخ: الله المستعان، نعم.
(1016) وحدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر النار فتعوذ منها، وأشاح بوجهه ثلاث مرارٍ، ثم قال: اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ، فإن لم تجدوا فبكلمةٍ طيبةٍ.
الشيخ: يعني: مع الفقير والمسكين إذا كان ما في صدقةٍ كلامٌ طيبٌ من غير زجرٍ ولا نهرٍ: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ [الضحى:10]، إما صدقة ولو بالقليل: ريال، ريالين، تمرة، تمرتين، وإلا أغناك الله، يسَّر الله أمرك، وما أشبه، كلمة طيبة، نعم.
والله سبحانه وبحمده قدَّر: هذا غنيٌّ، وهذا فقيرٌ، وهذا بين ذلك، ابتلى هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، ابتلى الغني بالفقير، والفقير بالغني؛ حتى يتبين ..... يُقدم الصدقة، ومَن يرغب فيما عند الله، ومَن يرحم الفقير، إلى غير هذا ..... لو شاء لجعلهم كلهم أغنياء، ولو شاء لجعلهم كلهم فقراء، لكنه ابتلى هؤلاء بهؤلاء: غنيٌّ وفقيرٌ، صديقٌ وعدوٌّ، كافرٌ ومسلمٌ، قويٌّ وضعيفٌ، إلى غير هذا، ابتلاء وامتحان.
فالمؤمن يتحرى ما يُرضي الله في كل شيءٍ مع القريب والبعيد، والغني والفقير، وغير ذلك، والكافر والمُعْرِض والغافل لا يهمّه إلا هواه، نسأل الله العافية، نعم.
(1017) حدثني محمد بن المثنى العَنَزِي: أخبرنا محمد بن جعفر: حدثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحَيفة، عن المُنْذِر بن جرير، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قومٌ حُفاةٌ، عُراةٌ، مُجْتَابِي النِّمار -أو العباء- مُتقلدي السيوف، عامّتهم من مُضَر، بل كلهم من مُضَر، فَتَمَعَّرَ وجه رسول الله ﷺ؛ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذَّن وأقام، فصلَّى، ثم خطب فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إلى آخر الآية: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، والآية التي في الحشر: اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحشر:18]، تصدق رجلٌ من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره حتى قال: ولو بشقِّ تمرةٍ.
قال: فجاء رجلٌ من الأنصار بِصُرَّةٍ كادتْ كَفُّه تعجز عنها، بل قد عجزتْ.
قال: ثم تتابع الناس حتى رأيتُ كومين من طعامٍ وثيابٍ، حتى رأيتُ وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مُذْهَبَةٌ، فقال رسول الله ﷺ: مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً فله أجرها، وأجر مَن عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً كان عليه وِزْرُها وَوِزْرُ مَن عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ.
الشيخ: وهذا يعني: أظهرها وبيَّنها وسبق إليها، ليس المراد البدعة، سَنَّ في الإسلام يعني: أظهر شيئًا مما شرعه الله وسبق إليه، مثل هذا الرجل لما سمع النبي ﷺ يَحُثُّ على الصدقة من الفضة والثياب والطعام جاء بِصُرَّةٍ –يعني: من الفضة- كادتْ تعجز كَفُّه عنها صدقةً، سبق الناس، بادر، فلما رآه الناس بادر سارعوا أيضًا، هذا يجيء بثوبٍ، وهذا يجيء بطعامٍ، حتى رأى النبي ﷺ كومين من الطعام والثياب لهؤلاء المساكين؛ فتهلل وجه النبي ﷺ سرورًا كأنه مُذْهَبَةٌ من فرحه وسروره بمُسارعتهم لنجدة الفقراء ومُساعدتهم.
وفي هذا حثٌّ لولاة الأمور وأئمة المساجد إذا رأوا الفقراء أن يَحُثُّوا الناس على الصدقة، وأن يُرَغِّبوهم في الصدقة.
طالب: الشارح يرى أنها مُخصَّصةٌ ..... كل بدعةٍ ضلالةٌ.
الشيخ: لا، هذا غلطٌ، المراد بالسنة ..... إظهار ما شرعه الله، ليس المراد به الإحداث، بل يأتي بما شرعه الله، إما من سُنَّةٍ غفل عنها الناس، أو جهلها الناس فيُحييها.
ماذا قال الشارح عندك؟
القارئ: قال: قوله ﷺ: مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً فله أجرها .. إلى آخره، فيه الحثُّ على الابتداء بالخيرات وسَنِّ السُّنن الحسنات.
الشيخ: مما شرعه الله، يعني: مما شرعه الله.
القارئ: والتَّحذير من اختراع الأباطيل والمُستقبحات.
وسبب هذا الكلام في هذا الحديث أنه قال في أوله: "فجاء رجلٌ بِصُرَّةٍ كادتْ كَفُّه تعجز عنها، فتتابع الناس"، وكان الفضل العظيم للبادي بهذا الخير والفاتح لباب هذا الإحسان.
وفي هذا الحديث تخصيصٌ لقوله ﷺ: كل مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وأن المراد به المُحْدَثات الباطلة، والبدع المذمومة، وقد سبق بيان هذا في كتاب ..
الشيخ: المراد بالمُحْدَثَات يعني: المُخالفة للشرع، البدعة والمُحْدَثَة يعني: التي تُخالف الشرع، أما ما أحدثه الناس مما يُوافق الشرع، أو مما جاء به الشرع، لكن غفل عنه الناس، أو جهله الناس؛ فهو مأجورٌ.
س: تقسيم البدعة يا شيخ؟
ج: لا، غلطٌ، البدع كلها ضلالٌ، والتقسيم باطلٌ، كل بدعةٍ ضلالةٌ، كل شيءٍ يُخالف الشرع مما يُحدثه الناس في الدين ضلالةٌ.
(1017) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة. ح، وحدثنا عبيدالله بن معاذ العَنْبَرِي: حدثنا أبي، قالا –جميعًا-: حدثنا شعبة: حدثني عون بن أبي جُحَيْفَة قال: سمعتُ المنذر بن جرير، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ صدر النهار .. بمثل حديث ابن جعفر، وفي حديث ابن معاذٍ من الزيادة قال: ثم صلى الظهر، ثم خطب.
الشيخ: يعني: الصلاة التي حضروها صلاة الظهر، وهم في الأول جاؤوا في الضُّحى، فأمر بلالًا فأذَّن، ثم صلوا الظهر، ثم خطب الناس، اللهم صلِّ عليه وسلم.
(1017) حدثني عبيدالله بن عمر القواريري، وأبو كامل، ومحمد بن عبدالملك الأموي، قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن عبدالملك بن عُمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: كنتُ جالسًا عند النبي ﷺ، فأتاه قومٌ مُجْتَابِي النِّمَار .. وساقوا الحديث بقصته، وفيه: فصلى الظهر، ثم صعد منبرًا صغيرًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الله أنزل في كتابه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ .. الآية [النساء:1].
(1017) وحدثني زُهير بن حربٍ: حدثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن موسى بن عبدالله بن يزيد، وأبي الضُّحى، عن عبدالرحمن بن هلال العَبْسِي، عن جرير بن عبدالله قال: جاء ناسٌ من الأعراب إلى رسول الله ﷺ عليهم الصوف، فرأى سُوء حالهم، قد أصابتهم حاجةٌ .. فذكر بمعنى حديثهم.
(1018) حدثني يحيى بن معين: حدثنا غُنْدَرٌ: حدثنا شعبة. ح، وحدثنيه بشر بن خالد -واللفظ له-: أخبرنا محمدٌ –يعني: ابن جعفر- عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائلٍ، عن أبي مسعودٍ قال: أُمِرْنَا بالصدقة.
الشيخ: بركة، سَمِّ.