من حديث: نزول قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ..}

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال الإمام مسلمٌ رحمه الله تعالى:

(1018) حدثني يحيى بن معينٍ: حدثنا غُنْدَرٌ: حدثنا شعبة. ح، وحدَّثنيه بِشْر بن خالدٍ -واللفظ له-: أخبرنا محمدٌ –يعني: ابن جعفر- عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائلٍ، عن أبي مسعودٍ قال: أُمِرْنَا بالصدقة. قال: كنا نُحامل. قال: فتصدق أبو عَقِيلٍ بنصف صاعٍ. قال: وجاء إنسانٌ بشيءٍ أكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغنيٌّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء. فنزلتْ: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [التوبة:79]، ولم يلفظ بِشْرٌ: بالمطوعين.

الشيخ: وهذا شأن المنافقين: اللَّمْز والاستهزاء والسُّخرية بأهل الإيمان.

وفي هذا لما أمرهم النبيُّ ﷺ بالصدقة على إخوانهم الفقراء صار الرجل يُحامل على ظهره؛ يحمل لزيدٍ وعمرٍو حاجاتٍ، ويتصدق بالأجرة، يحمل لزيدٍ طعامًا، ويحمل له حَطَبًا، ويحمل له خشبًا، ويحمل له أشياء، ويأخذ الأُجرة ويتصدق، وهذا يأتي بنصف صاعٍ، وهذا يأتي بريالٍ أو ريالين على حسب ما يتيسر له.

فالمنافقون إن رأوا المسلمين جاؤوا بالشيء الكثير والصدقات الكثيرة قالوا: هذا مُرَاءٍ. وإن رأوا إنسانًا جاء بشيءٍ قليلٍ قالوا: الله غنيٌّ عن صدقة هذا. فهم مُثَبِّطون، مُجرمون، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة:79]، فهو يَلْمِز؛ يلمزون مَن أتى بالشيء الكثير بأنه مُرَاءٍ، ومَن أتى بالقليل: أن الله غنيٌّ عن صدقته ..... صاع أو نصف صاع، فلا يسلم منهم أحدٌ؛ لخُبْثِهم وخُبْث قلوبهم، وإنكارهم الحقّ، شأنهم التَّثْبِيط عن الخير.

فالواجب الحذر من صفاتهم الذَّميمة، وأن المؤمن يُشَجَّع على الخير، مَن أتى بالكثير يُشَجَّع، ومَن أتى بالقليل يُشْكَر على قدر ..... كلٌّ منهم يُشْكَر على صدقاته: قليلة أو كثيرة؛ حتى يتشجع الجميع.

والله جلَّ وعلا أمر بالصدقة ولو بالقليل، فليس من شرط الصدقة: أن تكون كثيرةً: فاتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ، إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل:20]، ولو كان قليلًا، لكن المنافقين وأشباههم أعداء للحقِّ، يُثَبِّطون عن الحقِّ بكل وسيلةٍ، فيجب على المؤمن الحذر من صفاتهم الذَّميمة، وأن يكون من أهل الخير الباذلين والمُشَجِّعين.

(1018) حدثناه محمد بن بشارٍ: حدثني سعيد بن الربيع. ح، وحدثنيه إسحاق بن منصور: أخبرنا أبو داود -كلاهما- عن شعبة .. بهذا الإسناد، وفي حديث سعيد بن الربيع قال: كنا نُحامل على ظهورنا.

(1019) حدثنا زُهير بن حربٍ: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به: ألا رجلٌ يمنح أهل بيتٍ ناقةً تَغْدُو بِعُسٍّ، وتروح بِعُسٍّ، إن أجرها لعظيمٌ.

الشيخ: أيش؟

(1019) حدثنا زُهير بن حربٍ: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به.

الشيخ: معنى: "يبلغ به" يعني: يبلغ به النبيَّ ﷺ.

هذه قاعدةٌ عند المُحدِّثين، إذا قال الصحابي: يبلغ به، أو يرويه، أو يرفعه، أو روايةً، أو مرفوعًا، معناه: إلى النبي ﷺ، كما قال الحافظ العراقي رحمه الله في "الألفية":

وقولهم: يرفعه، يبلغ به روايةً ينميه رفعٌ فَانْتَبِه

هذا من باب الاختصار، نعم.

يبلغ به: ألا رجلٌ يمنح أهل بيتٍ ناقةً تَغْدُو بِعُسٍّ، وتروح بِعُسٍّ، إن أجرها لعظيمٌ.

الشيخ: نعم، يعني: يمنحهم الناقة أو البقرة، تروح بِعُسٍّ، وتَغْدُو بِعُسٍّ، يعني: إناء فيه لبنٌ، تنفعهم، تقوم بحالهم، فالمَنِيحَة تكون بالناقة، وتكون بالبقرة، وتكون بالشاة ..... للفقراء، يعيشون على لبنها، ثم يردونها على صاحبها إذا أغناهم الله، تكون مَنِيحةً.

(1020) حدثني محمد بن أحمد بن أبي خلفٍ: حدثنا زكريا بن عدي: أخبرنا عبيدالله بن عمرو، عن زيدٍ، عن عدي بن ثابتٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: أنه نهى .. فذكر خِصَالًا، وقال: مَن منح مَنِيحةً غَدَتْ بصدقةٍ، وراحتْ بصدقةٍ، صَبُوحها وغَبُوقها.

(1021) وحدثنا عمرو النَّاقد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. قال عمرو: وحدثنا سفيان بن عيينة قال: وقال ابن جُريجٍ: عن الحسن بن مسلم، عن طاووس، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: مثل المُنْفِق والمُتَصَدِّق كمثل رجلٍ عليه جُبَّتان أو جُنَّتان من لَدُنْ ثُدِيِّهما إلى تَرَاقِيهما، فإذا أراد المُنْفِق -وقال الآخر: فإذا أراد المُتَصَدِّق- أن يتصدق سَبَغَتْ عليه أو مَرَّتْ، وإذا أراد البخيل أن يُنْفِق قَلَصَتْ عليه، وأخذتْ كل حلقةٍ موضعها حتى تُجِنَّ بَنَانَه، وتَعْفُو أَثَرَه، قال: فقال أبو هريرة: فقال: يُوَسِّعها فلا تَتَّسع.

الشيخ: هذا مثلٌ للمُتصدق والبخيل، مثل: إنسان عليه جُنَّةٌ أو جُبَّةٌ من حديدٍ قد التصقتْ ببدنه، فالمُتَصَدِّق مَن رزقه الله السَّخاء، كلما أراد أن يتصدق اتَّسعتْ هذه الجُبَّة أو الجُنَّة وانفَتَحَتْ عليه، وهذه إشارةٌ إلى انشراح صدره، كلما أراد الصدقة انشرح صدره، وطابتْ نفسه، وفرح بالصدقة حتى يُخرجها؛ لما جعل الله في قلبه من السعة والانشراح والرغبة في الصدقة، فهو في انفساحٍ وسرورٍ حتى يُخرجها ويُفَرِّقها على المحاويج ونحوهم ممن يتصدق عليهم، أو يُنْفِقها في جهات البِرِّ.

والبخيل مثل: صاحب الجُبَّة الذي كلما أراد أن يتخلص منها قَلَصَتْ، كلما أراد أن يُوَسِّعها، يُخرج يده، يُخرج كذا، ضاقتْ عليه، ولزمتْ كل حلقةٍ مكانها، فهو يُوَسِّعها فلا تتسع؛ إشارةً إلى ما في قلبه من الضيق والحرج والبُخل والشُّح، فكلما أراد أن يتصدق أبى عليه شُحُّه وبُخْلُه، وضاقتْ نفسه حتى يمتنع من الصدقة بسبب ما في نفسه من الشُّح والبُخل.

وهذا أمر الله وعدله بين عباده، هذا يُوَفَّق، وهذا يُخْذَل، هذا يُهْدَى، وهذا يُحْرَم، والمؤمن يضرع إلى الله ويسأله أن يشرح صدره للخير، وأن يُعينه على كل ما يُرضي الله من صدقةٍ وعملٍ صالحٍ، فالأمر بيده جلَّ وعلا، هو المُوَفِّق والهادي، فَلْيَضْرَع إليه، وليسأله من فضله، كما قال تعالى: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32]، ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وليتذكر قوله تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، وقوله سبحانه: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل:20]، وقوله جلَّ وعلا: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [التغابن:17]، القرض: الصَّدقة والعمل الصالح.

مَن يُقدم قرضًا: نفقةً، بناء مسجدٍ، بناء مدرسةٍ، إلى رباطٍ، فقراء، نفقة للجهاد، نفقة على أيتام الفقراء، نفقة على أبناء السَّبيل، هذا قرضٌ يُقدمه لله؛ لأن الله يُكافئه عليه.

فالمُقْرِض يُعطي أخاه ليُوسِّع عليه يريد الأجر، فأنت تُقْرِض الله؛ لماذا؟

تُقدم الصدقة والنَّفقة في وجوه الخير، والله يُثيبك على ذلك، يُثيبك بالأجر مع الخلف العظيم.

وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ: ما من يومٍ يُصبح فيه الناس إلا وينزل فيه ملكان، أحدهما يقول: اللهم أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، والثاني يقول: اللهم أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، والله يقول: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [محمد:38]، ما بَخِلَ إلا عن نفسه؛ عن نفعها، إذا بخل فقد بخل عن نفسه، وفَعَلَ ما يضرُّها، ومَن أحسن فقد أحسن إلى نفسه، قال تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ [الإسراء:7]، ففاعل الخير لنفسه: صدقة، عمل صالح، صلاة، صوم، جهاد، تسبيح، تهليل، قراءة قرآنٍ، كله حسناتٌ لنفسك، تُقدمها لنفسك: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] .

(1021) حدثني سليمان بن عبيدالله أبو أيوب الغيلاني: حدثنا أبو عامر –يعني: العَقَدي-: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن طاووس، عن أبي هريرة قال: ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمُتصدق كمثل رجلين عليهما جُنَّتان من حديدٍ، قد اضْطُرَّتْ أيديهما إلى ثُدِيِّهما وتَرَاقِيهما، فجعل المُتصدق كلما تصدق بصدقةٍ انبسطتْ عنه حتى تُغَشِّي أنامله، وتعفو أَثَرَه، وجعل البخيل كلما همَّ بصدقةٍ قَلَصَتْ وأخذتْ كل حلقةٍ مكانها. قال: فأنا رأيتُ رسول الله ﷺ يقول بإصبعه في جيبه، فلو رأيتَه يُوسِّعها ولا توسّع.

الشيخ: نسأل الله العافية، نسأل الله العافية.

(1021) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أحمد بن إسحاق الحَضْرَمي، عن وُهيبٍ: حدثنا عبدالله بن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: مثل البخيل والمُتصدق مثل رجلين عليهما جُنَّتان من حديدٍ، إذا همَّ المُتصدق بصدقةٍ اتَّسَعَتْ عليه حتى تُعَفِّي أثره، وإذا همَّ البخيل بصدقةٍ تَقَلَّصَتْ عليه، وانضَمَّتْ يداه إلى تَرَاقِيه، وانقبضتْ كل حلقةٍ إلى صاحبتها، قال: فسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: فَيَجْهَدُ أن يُوَسِّعها فلا يستطيع.

(1022) وحدثني سُوَيد بن سعيدٍ: حدثني حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: قال رجلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ الليلة بصدقةٍ. فخرج بصدقته فوضعها في يد زانيةٍ، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق الليلة على زانيةٍ! قال: اللهم لك الحمد على زانيةٍ. لَأَتَصَدَّقَنَّ بصدقةٍ. فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيٍّ، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على غنيٍّ! قال: اللهم لك الحمد على غنيٍّ. لَأَتَصَدَّقَنَّ بصدقةٍ. فخرج بصدقته فوضعها في يد سارقٍ، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على سارقٍ! فقال: اللهم لك الحمد على سارقٍ، وعلى زانيةٍ، وعلى غنيٍّ. فَأُتِيَ فقيل له: أما صدقتك فقد قُبِلَتْ، أما الزانية فلعلها تَسْتَعِفّ بها عن زناها، ولعل الغنيَّ يعتبر فيُنفق مما أعطاه الله ، ولعل السارق يَسْتَعِفّ بها عن سرقته.

الشيخ: هذا إنسانٌ تصدَّق، خرج بصدقته فصادف امرأةً اعتقد أنها فقيرةٌ، وأنها أهلٌ للصدقة؛ فأعطاها، وكانت معروفةً بالزنا، وهو لا يدري عنها، والذين شاهدوه حين أعطاها تحدثوا فيما بينهم: تُصُدِّق على زانيةٍ! فقال: اللهم لك الحمد على زانيةٍ. يعني: ما قصدي إلا الخير.

ثم خرج في وقتٍ آخر يتصدق، فصادف أنه غنيٌّ، وهو يظنه فقيرًا، فقال الذين شاهدوه أعطاه: تُصُدِّق على غنيٍّ! فقال: اللهم لك الحمد على غنيٍّ.

وخرج مرةً أخرى، فأعطى إنسانًا صدقةً، وكان ممن يُعرف بالسرقة، فقال الناس: تُصُدِّق على سارقٍ! فسمعهم يقولون ذلك، فقال: اللهم لك الحمد على سارقٍ.

ثم أُتِيَ؛ يعني: أُتِيَ في منامه، رؤيا صالحة، فقيل له: إن صدقتك قد قُبِلَتْ، أما الزانية فلعلها أن تَسْتَعِفَّ، لعلها دفعها للزنا الفقر، ولعل صدقتك هذه تكون سببًا لِعِفَّتها وتوبتها، والغني لعله يعتبر ويَتَزَكَّى بهذه الصدقة حتى يتصدق، يقتدي بك، والسارق أيضًا لعله حمله الجوع والفقر، فلعل هذه الصدقة تَكُفُّه عن السرقة، وتكون سببًا لهدايته.

والمقصود من هذا: أن الإنسان يتحرى، ولا عليه، يتحرى الصدقة، فلو صادف أنه ما أصاب مُراده ما يضرّه، له نيته، فيتحرى الفقير، يتحرى المُتعفف، يتحرى أهل الخير، فلو صادف أنه غلط لا يضرّه، أجره تامٌّ.

(1023) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو عامر الأشعري، وابن نُمَيرٍ، وأبو كُريبٍ –كلهم- عن أبي أسامة، قال أبو عامر: حدثنا أبو أسامة: حدثنا بُرَيدٌ، عن جدِّه أبي بُرْدَة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: إن الخازن المسلم الأمين ...

الشيخ: تكلم المُحشي عندك على: فَأُتِيَ؟

القارئ: قال: "باب ثبوت أجر المُتصدق وإن وقعت الصدقة في يد فاسقٍ ونحوه.

فيه حديث المُتصدق على سارقٍ وزانيةٍ وغنيٍّ، وفيه ثبوت الثواب في الصدقة وإن كان الآخذ فاسقًا وغنيًّا، ففي كل كبدٍ حَرَّى أجرٌ، وهذا في صدقة التَّطوع، وأما الزكاة فلا يجزي دفعها إلى غنيٍّ".

الشيخ: ما تكلم على: فَأُتِيَ؟

القارئ: لا.

الشيخ: هذا يعمُّ صدقة التَّطوع والزكاة، حتى الزكاة، إذا ظنَّ أنه فقيرٌ لا يضره، وإن كان في نفس الأمر غنيٌّ وهو ما دَرَى، لكن يتحرى أنه فقيرٌ، وتُجزئه، والعلم عند الله، ليس له إلا الظاهر، فلو أنه أعطى مَن ظنَّه فقيرًا وهو في نفس الأمر ليس كذلك لا يضرّه ذلك؛ لأنه مأمورٌ بالاجتهاد والتَّحري.

عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: إن الخازن المسلم الأمين الذي يُنْفِذ -وربما قال: يُعْطِي- ما أُمِرَ به، فيُعطيه كاملًا، مُوَفَّرًا، طيبةً به نفسه، فيدفعه إلى الذي أُمِرَ له به أحدُ المُتَصَدِّقَيْن.

الشيخ: هذا من فضل الله، وهذا من كرم الله: أن الخادم والوكيل في الصدقة شريكٌ في الأجر، إذا دفع الصدقة لمَن أُمِرَ بها له عن طِيب نفسٍ، من غير إيذاءٍ ولا مشقةٍ يكون هو أحد المُتصدقين، يكون له أجرٌ.

الخادم، والوكيل، والزوجة، المقصود: الذي يُساعد في الصدقة ويُوصلها إلى مُستحقِّها بطيب نفسٍ، من غير أذًى للفقير يكون شريكًا لصاحب المال في الأجر، هذا له أجره، وهذا له أجره، وهذا له أجره.

(1024) حدثنا يحيى بن يحيى، وزُهير بن حربٍ، وإسحاق بن إبراهيم –جميعًا- عن جريرٍ، قال يحيى: أخبرنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن شقيقٍ، عن مسروقٍ، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مُفسدةٍ كان لها أجرها بما أنفقتْ، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعضٍ شيئًا.

الشيخ: الحمد لله، الحمد لله، نعم.

(1024) وحدثناه ابن أبي عمر: حدثنا فُضيل بن عياضٍ، عن منصورٍ .. بهذا الإسناد، وقال: من طعام زوجها.

(1024) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيقٍ، عن مسروقٍ، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مُفسدةٍ كان لها أجرها، وله مثله بما اكتسب، ولها بما أنفقتْ، وللخازن مثل ذلك من غير أن ينتقص من أجورهم شيئًا.

الشيخ: إذا أنفقت المرأة –الزوجة- من طعام بيتها، ومن مال زوجها ما يأذن فيه، وما جرت العادة بإنفاقه على وجهٍ ليس فيه فسادٌ، كان لها أجرها، وللزوج أجره، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعضٍ شيئًا، كلهم شُركاء في الأجر.

(1024) وحدثناه ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبي، وأبو معاوية، عن الأعمش .. بهذا الإسناد نحوه.

(1025) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نُمَيرٍ، وزُهير بن حربٍ –جميعًا- عن حفص بن غِيَاثٍ، قال ابن نُمَيرٍ: حدثنا حفصٌ، عن محمد بن زيد، عن عُمَير -مولى آبي اللحم- قال: كنتُ مملوكًا، فسألتُ رسول الله ﷺ: أأتصدق من مال مواليَّ بشيءٍ؟ قال: نعم، والأجر بينكما نصفان.

الشيخ: يعني: بإذنهم، هذا المراد، يعني: بإذنهم العُرْفِي أو النُّطْقِي، كما تُفسره الآيات والأدلة الأخرى، الزوجة والخادم بالإذن النُّطْقِي أو العُرْفِي.

(1025) وحدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا حاتمٌ –يعني: ابن إسماعيل- عن يزيد –يعني: ابن أبي عبيدٍ- قال: سمعتُ عُمَيرًا -مولى آبي اللحم- قال: أمرني مولاي أن أُقَدِّد لحمًا، فجاءني مسكينٌ فأطعمتُه منه، فعلم بذلك مولاي فضربني، فأتيتُ رسول الله ﷺ فذكرتُ ذلك له، فدعاه فقال: لِمَ ضربتَه؟ قال: يُعطي طعامي بغير أن آمره. فقال: الأجر بينكما.