الشيخ: أعد السند.
الشيخ: يعني: من حرصهم على تنفيذ البيعة، بايعهم على توحيد الله، وعدم الإشراك به، وعلى العناية بالصلاة والمحافظة عليها، وعلى طاعة ولاة الأمور، يعني: بالمعروف، وألا يسألوا الناس شيئًا، حتى إن سوط أحدهم يسقط وهو على الدابة فينزل يأخذه؛ من شدة حرصه على تنفيذ البيعة، ولا يقول: ناولني يا فلان، من حرصهم على تنفيذ هذه البيعة.
وذلك يدل على كراهة السؤال، والحرص على عدم الحاجة إلى الناس إلا عند الضرورة، كالمسائل الثلاث التي تقدمتْ وستأتي، وما ذاك إلا لما في المسألة من الذل، فالمسألة فيها ذلٌّ، وفيها أيضًا -بعض الأحيان- جشعٌ، فقد يكون صاحبها ليس مُضطرًّا.
الشيخ: تكلَّم عندك على «سُحْتًا» بالنَّصب؟
الطالب: نعم، هكذا هو في جميع النُّسخ: «سُحْتًا»، ورواية غير مسلمٍ: «سُحْتٌ»، وهذا واضحٌ، ورواية مسلمٍ صحيحةٌ، وفيه إضمارٌ، أي: اعتقده سُحْتًا، أو يُؤْكَل سُحْتًا.
الشيخ: نعم.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه، اللهم صلِّ عليه.
هذه السُّنة: إذا أتاه من غير طلبٍ يأخذه، يتصدق ويُحْسِن؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعمر: ما جاءك من هذا المال وأنت غير مُشْرِفٍ ولا سائلٍ فَخُذْهُ تموله أو تصدق به.
س: هل هناك فرقٌ بين عطية السلطان وغيره؟ المال الذي يأتي من السلطان وغيره هل هناك فرقٌ؟
ج: إذا جاء من غير سؤالٍ مثلما قال ﷺ، خُذْه وتصدق به أو تموله، أما ما كان عن إسرافٍ وترقبٍ وطلبٍ فهذا تركه أفضل.
(1045) وحدثني أبو الطاهر: أخبرنا ابن وهبٍ، قال عمرو: وحدثني ابن شهابٍ بمثل ذلك عن السَّائب بن يزيد، عن عبدالله بن السَّعدي، عن عمر بن الخطاب ، عن رسول الله ﷺ.
(1045) حدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا لَيْثٌ، عن بُكَيْرٍ، عن بُسْرِ بن سعيدٍ، عن ابن السَّاعِدِيِّ المالكيِّ أنه قال: اسْتَعْمَلَنِي عمر بن الخطاب على الصدقة، فلما فرغتُ منها وأَدَّيْتُها إليه أَمَرَ لي بِعُمَالَةٍ، فقلتُ له: إنما عملتُ لله، وأجري على الله. فقال: خُذْ ما أُعْطِيتَ، فإني عملتُ على عهد رسول الله ﷺ فَعَمَّلَنِي، فقلتُ مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ: إذا أُعْطِيتَ شيئًا من غير أن تَسْأَل فَكُلْ وتَصَدَّقْ.
(1045) وحدثني هارون بن سعيدٍ الأَيْلِيُّ: حدثنا ابن وهبٍ: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكَيْر بن الأَشَجِّ، عن بُسْرِ بن سعيدٍ، عن ابن السَّعْدِيِّ أنه قال: اسْتَعْمَلَنِي عمر بن الخطاب على الصدقة، بمثل حديث الليث.
(1046) حدثنا زُهَيْر بن حربٍ: حدثنا سفيان بن عُيينة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، يبلغ به النبيَّ ﷺ، قال: قلبُ الشيخ شَابٌّ على حبِّ اثنتين: حب العيش والمال.
الشيخ: هذه طبيعة الإنسان، لا سيما الشيخ كبير السنِّ إلا مَن رحم الله: حب المال، وحب طول الحياة، يعني: يطلب المزيد، ولو عُمِّر ألف عامٍ يطلب المزيد، هذه حال الإنسان إلا مَن رحم الله، مَن رزقه القناعة، والله المستعان.
الشيخ: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر:20]، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8]، الله أكبر.
كما تقدم: لو أُعطي ابن آدم واديان من مالٍ -وفي لفظٍ آخر: من ذهبٍ- لأحبَّ أن يكون له ثالثٌ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على مَن تاب.
(1047) وحدثني يحيى بن يحيى، وسعيد بن منصورٍ، وقتيبة بن سعيدٍ –كلهم- عن أبي عَوَانَةَ. قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: يَهْرَمُ ابن آدم، وتَشِبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر.
(1047) وحدثني أبو غَسَّان المِسْمَعِيُّ، ومحمد بن المُثَنَّى، قالا: حدثنا معاذ بن هشامٍ: حدثني أبي، عن قتادة، عن أنسٍ: أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال بمثله.
الشيخ: يعني: الإنسان يَهْرَم، وكلما زادتْ سِنُّه زاد معه حب الدنيا وحب الحياة: يَهْرَمُ ابن آدم، وتَشِبُّ منه اثنتان، تَشِبّ: تزداد وتنشط: حب الدنيا وطول الأمل، حب الحياة، إلا مَن رحم الله.
وحدثنا محمد بن المُثَنَّى، وابن بَشَّارٍ، قالا: حدثنا محمد بن جعفرٍ: حدثنا شعبة قال: سمعتُ قتادة يُحَدِّث عن أنس بن مالكٍ، عن النبي ﷺ بنحوه.
(1048) حدثنا يحيى بن يحيى، وسعيد بن منصورٍ، وقتيبة بن سعيدٍ، قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لَابْتَغَى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التُّراب، ويتوب الله على مَن تاب.
(1048) وحدثنا ابن المُثَنَّى، وابن بَشَّارٍ، قال ابن المُثَنَّى: حدثنا محمد بن جعفرٍ: أخبرنا شعبة قال: سمعتُ قتادة يُحَدِّث عن أنس بن مالكٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول -فلا أدري أَشَيْءٌ أُنْزِلَ أم شيءٌ كان يقوله- بمثل حديث أبي عوانة.
(1048) وحدثني حرملة بن يحيى: أخبرنا ابن وهبٍ: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، عن أنس بن مالكٍ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لو كان لابن آدم وادٍ من ذهبٍ أحبَّ أنَّ له واديًا آخر، ولن يملأ فَاهُ إلا التُّراب، والله يتوب على مَن تاب.
(1049) وحدثني زُهَير بن حربٍ، وهارون بن عبدالله، قالا: حدثنا حجاج بن محمدٍ، عن ابن جُرَيْجٍ قال: سمعتُ عطاء يقول: سمعتُ ابن عباسٍ يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لو أنَّ لابن آدم مِلْءَ وادٍ مالًا لأحبَّ أن يكون إليه مثله، ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التُّراب ...
الشيخ: المعنى مُتقاربٌ، تقدَّم: جوف، وتقدم: فاه، ونفس، والمعنى مُتقاربٌ.
المقصود: من طبيعة ابن آدم حبّ المال والحرص عليه، هذه طبيعته إلا مَن رحم الله.
ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التُّراب، والله يتوب على مَن تاب.
قال ابن عباسٍ: فلا أدري أَمِن القرآن هو أم لا؟
وفي رواية زُهَيْرٍ قال: فلا أدري أَمِن القرآن. لم يذكر ابن عباسٍ.
الشيخ: تكلم الشارح على: ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب؟
الطالب: تكلم عن الحديث بشكلٍ عامٍّ.
الشيخ: على كلمة "التراب": ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، أو فَاهُ إلا التراب.
الطالب: قال: إنه لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت ويمتلأ جوفه من تُراب قبره.
وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا، ويُؤيده قوله ﷺ: ويتوب الله على مَن تاب.
الشيخ: فقط؟
الطالب: قال: وهو مُتعلقٌ بما قبله، ومعناه: أنَّ الله يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات.
الشيخ: في شرحٍ آخر حاضرٍ لمسلمٍ؟
الطالب: لا.
الشيخ: نعم.
الشيخ: الله المستعان، الله المستعان، لا شكَّ أن هناك أشياء نزلتْ، ثم نسخ اللهُ لفظَها سبحانه وتعالى.
الشيخ: الله المستعان، هذا هو الغنى النافع: غنى القلب في النفس، أما الأموال فقد تكثر، ولكن لا يستغني القلب والنفس، فيهما فقرهما؛ ولهذا يقول ﷺ: ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض كنز الأموال ولكن الغِنَى غِنَى النفس غنى القلب.
إذا استغنى القلب استغنى الإنسان ماليًّا ولو كان ماله قليلًا؛ ولهذا يقول ﷺ: قد أفلح مَن أسلم، ورُزِقَ كفافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه.
فالعروض قد تكثر من العقارات والنقود والحيوانات، وغير ذلك، لكن القلب لا يزال فقيرًا، فإذا رزق اللهُ العبدَ غِنَى القلب لم تضره قِلة المال، نعم.
الشيخ: والمعنى: أنَّ كثرة المال ليست خيرًا، قد يكون خيرًا، وقد يكون شرًّا، والخير لا يأتي إلا بالخير، التقوى لا تأتي إلا بالتقوى، والخير والحسنات لا تأتي إلا بالحسنات، وكسبها لا يأتي إلا بالخير، لكن كثرة المال لزهرة الدنيا قد تكون خيرًا، وقد تكون شرًّا بالنسبة إلى النفس، فمَن أخذ المال بقناعةٍ وسخاوة نفسٍ بارك الله له فيه، ومَن أخذه بإشرافٍ وجشعٍ لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، نسأل الله السلامة.
وفيما تقدم من دعوة أبي موسى للقُرَّاء دلالةٌ على أنه ينبغي للقُرَّاء -وهم العلماء- أن ينصحوا الناس، وأن يُفَقِّهوا الناس، وأن يكونوا قُدوةً في الخير؛ لأنهم هم المتبوعون، والقُرَّاء هم العلماء.
فواجبٌ على أهل العلم وطلبة العلم أن يكونوا قُدوةً في الخير، فقد يتأسَّى بهم الناس في الخير: في القناعة، وفي الدعوة إلى الله، وفي إيثار الأعمال الصالحات، وفي الحذر من الجشع وأخذ المال بغير حقٍّ، إلى غير هذا.
يكونون قُدوةً في أعمالهم الطيبة: في تَحَرِّيهم الحلال، في بُعْدِهم عن الحرام، في كثرة أعمالهم الصالحة، في دعوتهم إلى الله، في نشاطهم في الخير، في بُعْدِهم عن الشرِّ، يكونون قُدوةً، ويُتأسَّى بهم.
قال جلَّ وعلا: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ [التوبة:100]، فأهل العلم هم القُدوة من الصحابة ومَن سلك سبيلهم: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] يعني: خشيةً كاملةً، كل مسلمٍ يخشى الله، وكل مسلمةٍ تخشى الله، الرجال والنساء، لكن الخشية الكاملة تزداد بالعلم، فكلما زاد العلم زادت الخشية.
وعلى رأس العلماء: الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم أكثر الناس خشيةً، وهم أكمل الناس خشيةً، كما قال النبي ﷺ: أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، يحلف ﷺ يقول: أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له.
لما جاء بعض الناس وسألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السرِّ كأنهم تَقَالُّوا عمل النبي ﷺ، فقال بعضهم: أما أنا فأُصلي ولا أنام. وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أُفطر. وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم. وقال الآخر: لا أنام على فراشٍ. فبلغ النبيَّ ﷺ ذلك، فخطب الناس وقال: ما بال أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أُصلي وأنام، وأصوم وأُفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمَن رغب عن سُنتي فليس مني، اللهم صلِّ عليه.
فإنه لا يلزم من تقوى الله أنه يسهر ولا ينام، أو يصوم دائمًا، أو يترك الفراش، أو يترك ما أباح الله من لحمٍ وغيره، لا، هذا ما هو من تقوى الله.
تقوى الله: ترك ما حرَّم الله، وأداء ما أوجب الله، والاستقامة على دين الله، واستباحة ما أحلَّ الله، وتحريم ما حرَّم الله، هذه هي التقوى.
س: ليس من الغلو؟
ج: نوعٌ من الغلو والتَّقشف الفاسد والزهد الفاسد.
الشيخ: نهانا عن ..... مما يُنبت الربيعُ يَقتل حَبَطًا أو يُلِمُّ ..... إلا آكِلَةَ الخَضِر، أكلتْ حتى إذا امتدتْ خَاصِرَتاها اسْتَقْبَلَت عين الشمس، فَثَلَطَتْ وبَالَتْ، ثم رتعتْ.
يعني: أخذتْ بالأسباب حتى خرج من بطنها ما قد يُؤذيها، فهكذا الرجل، وهكذا المرأة؛ إذا أخذ المال بحقِّه، وأنفق في حقِّه؛ سلم من شرِّه، وإذا أخذه بالجشع والبخل والحرص وعدم أداء الحقِّ هلك.
الشيخ: يعني: نِعْمَ الصاحب للمسلم إذا أدَّى حقَّه، هذا المال إذا أدَّى حقَّه: فتصدق وأحسن وأنفق في سُبل الخير؛ فَنِعْمَ المال، فهذا هو الذي يأخذه بسخاوة نفسٍ، لا بإشرافٍ وجشعٍ، وإنما يُنْفِق ويُحْسِن، فيكون هذا المال خيرًا له، نِعْمَ الصاحب له هذا المال، بخلاف مَن أخذه بإشرافٍ وجشعٍ، فإنه يبخل به، ولا يصرفه إلا في هواه وشهواته، فيكون وبالًا عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الشيخ: الله أكبر.