الشيخ: وهذه خصالٌ عظيمةٌ: مَن رزقه الله الإسلام والكفاف والقناعة قد أفلح، وفي اللفظ الآخر: طُوبَى لمَن أسلم، ورُزِقَ كفافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه.
وفي الحديث السابق: ومَن يَسْتَعْفف يُعِفَّه الله، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِه الله، ومَن يتصبر يُصبره الله.
ففي هذا الحثّ على الصبر وعدم السؤال، لا للملوك، ولا لغيرهم، مهما استطاع؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: قد أفلح مَن أسلم، ورُزِقَ كفافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه.
وتقدم حديث قبيصة: إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثةٍ: رجل تَحَمَّل حَمَالَةً فَحَلَّتْ له المسألة حتى يُصيبها ثم يُمْسِك حَمَالة لإصلاح ذات البين أو للدَّين، ورجل أصابته جائحةٌ اجتاحتْ ماله من حريقٍ أو سيلٍ فَحَلَّتْ له المسألة حتى يُصيب قِوَامًا من عيشٍ أو قال: سِدَادًا من عيشٍ، والثالث: رجل أصابته فاقةٌ ذهب ماله بأسبابٍ حتى أصابته فاقةٌ حتى يقول ثلاثةٌ من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أصابتْ فلانًا يعني: يشهد له ثلاثة شهودٍ أن أمواله ذهبتْ، وأنه أصابته فاقةٌ، فَحَلَّتْ له المسألة حتى يُصيب قِوَامًا من عيشٍ أو قال: سِدَادًا من عيشٍ، وما سواهنَّ من المسألة يا قبيصة سحتٌ، يأكله صاحبه سُحْتًا، نسأل الله السلامة.
الشيخ: حدثنا عمَّن؟
الشيخ: يعني: كفايةً، لا زائد يشغلهم، ولا ناقص يشغلهم، بل كفاية، كما تقدم: قد أفلح مَن أسلم، ورُزِقَ كَفَافًا.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه وسلم.
(1057) وحدثنا عمرٌو النَّاقد: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي قال: سمعتُ مالكًا. ح، وحدثني يونس بن عبدالأعلى -واللفظ له-: أخبرنا عبدالله بن وهبٍ: حدثني مالك بن أنسٍ، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالكٍ قال: كنتُ أمشي مع رسول الله ﷺ، وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فَجَبَذَه بردائه جَبْذَةً شديدةً، نظرتُ إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ وقد أثَّرتْ بها حاشية الرداء من شدة جَبْذَتِه، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه ..... ﷺ وصبره وتحمله؛ لأن الأعراب من طبيعتهم الجفاء والغلظة، وقد يكون فعله مُتحاملًا؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يزيدهم سُوء الأدب معهم إلا حلمًا وصبرًا، مثلما في الحديث الآخر اليهودي الذي قال: إنكم مُطْلٌ يا بني عبدالمطلب، أعطني حقِّي. فصبر عليه الصلاة والسلام، وقال: أعطوه حقَّه، وفي اللفظ الآخر: قالوا: ما نجد .. كان له سِنٌّ، فلم يجدوا إلا سِنًّا أعلى من سِنِّه، فقال: أعطوه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً، فقال الرجل: إني أردتُ أن أختبرك، فإن الرسل لا يزيدهم الجهل عليهم إلا حلمًا وصبرًا. ثم أسلم، أو كما جاء.
المقصود أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يصبرون ويتحملون الأذى من أقوامهم رجاء أن يُسلموا ويُنِيبُوا إلى الحق، فالجهل عليهم لا يزيدهم إلا حلمًا وصبرًا.
الشيخ: في نحر ..... يعني: من شدة الجذبة تأخر عليه الصلاة والسلام.
وفي حديث همام: فجاذبه حتى انشقَّ البُرْد، وحتى بقيتْ حاشيته في عنق رسول الله ﷺ.
(1058) حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا ليثٌ، عن ابن أبي مُليكة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة أنه قال: قسم رسول الله ﷺ أَقْبِيَةً، ولم يُعْطِ مَخْرَمَة شيئًا، فقال مَخْرَمَة: يا بُنَيَّ، انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ. فانطلقتُ معه، قال: ادخل فَادْعُهُ لي. قال: فدعوتُه له، فخرج إليه وعليه قَبَاءٌ منها، فقال: خَبَّأْتُ هذا لك، قال: فنظر إليه فقال: رَضِيَ مَخْرَمَة.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه وسلم، اللهم صلِّ عليه وسلم، اللهم صلِّ عليه وسلم.
الأقبية: ملابس كالبِشْتِ وأشباهه، ملابس يلبسها الناس فوق الثياب.
تكلم الشارح على: أقبية؟
الطالب: لا، ما ذكر شيئًا.
الشيخ: نعم.
الشيخ: وفي هذا حُسن خُلُقه ﷺ، وتأليفه الناس، وصبره على الناس، خرج إليه ﷺ يقول: هذا خبأتُه لك. يعني: حجزتُه لك حتى تُعطى إياه.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه وسلم.
وفيه من الفوائد: الشفاعة، وأن الواحد من الرعية إذا رأى الشفاعة يشفع إلى ولي الأمر في إعطاء فلانٍ، أو مُساعدة فلانٍ، فإن سعدًا –وهو سعد بن أبي وقاص - شفع لما رأى النبيَّ ﷺ أعطى جماعةً، وترك واحدًا، شفع له، قال: إني أراه مُؤمنًا. قال النبي ﷺ: أو مسلمًا، كررها مرتين أو ثلاثًا.
وهذا يُبين أن المسلم غير المؤمن، وأن الإيمان أكمل، فالمؤمن أكمل، والمسلم: مَن دخل في الإسلام، وإن كان عنده شيءٌ من المعاصي والنَّقص، والمؤمن أكمل منه، وهو الذي استقام على الدين، فإذا قُرِنَا فالمؤمن أكمل، وإذا أُطلق الإسلام أو الإيمان شمل الآخر.
ثم بيَّن النبي ﷺ أنه يُعطي أقوامًا، أو يُعطي الرجل وغيره أحبّ إليه منه خشية أن يُكَبَّ على وجهه في النار؛ تأليفًا لقلبه، وفي بعض الروايات: منهم عمرو بن تغلب، ففرح بها عمرٌو .
المقصود من هذا: أن النبي ﷺ قد يُعطي جماعةً مُساعداتٍ وغيرهم أحبُّ إليه، وأكمل إيمانًا منهم، لكن أعطى هؤلاء تأليفًا لقلوبهم، وخشية أن يرتدوا على أدبارهم، خشي أن يتولاهم الشيطان ويُزين لهم الباطل؛ ولهذا جعل الله في الزكاة وفي بيت المال حقًّا للمُؤلفة قلوبهم: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة:60]، وهكذا في بيت المال.
يوم حنين قسم قَسْمًا على الناس، وأعطى جماعةً من رؤساء العرب على مئةٍ من الإبل يتألفهم يوم حنين، من غنائم حنين، سنة ثمانٍ، أعطى جماعةً على مئةٍ من الإبل من رؤساء العرب من أموال هوازن، منهم عُيينة بن حصن الفزاري وجماعةٌ، ومنهم العباس بن مِرْدَاس وجماعةٌ، يتألفهم على الإسلام.
فولي الأمر له نظرٌ في الفيء، وتخصيص بعض الناس بعطاءٍ لأسبابٍ يراها: إما لِكَفِّ شرِّه، وإما لتأليف قلبه، وإما لمقاصد أخرى إسلاميةٍ، كما فعل النبي ﷺ في يوم حنين وفي غيره، وكما في قصة سعدٍ هذه.
(150) حدثنا ابن أبي عمر: حدثنا سفيان. ح، وحدثنيه زهير بن حربٍ: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد: حدثنا ابن أخي ابن شهاب. ح، وحدثناه إسحاق بن إبراهيم، وعَبْدُ بن حُميدٍ، قالا: أخبرنا عبدالرزاق: أخبرنا معمر –كلهم- عن الزهري .. بهذا الإسناد على معنى حديث صالح، عن الزهري.
حدثنا الحسن بن علي الحُلْوَاني: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد: حدثنا أبي، عن صالح، عن إسماعيل بن محمد بن سعد قال: سمعتُ محمد بن سعد يُحدِّث بهذا الحديث -يعني: حديث الزهري الذي ذكرنا- فقال في حديثه: فضرب رسول الله ﷺ بيده بين عنقي وكتفي، ثم قال: أقتالًا أي سعد؟ إني لأُعطي الرجل ...
(1059) حدثني حَرْمَلَة بن يحيى التُّجِيبِي: أخبرنا عبدالله بن وهبٍ: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ: أخبرني أنس بن مالكٍ: أن أناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فَطَفِقَ رسول الله ﷺ يُعطي رجالًا من قريشٍ المئة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يُعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم!
قال أنس بن مالكٍ: فَحُدِّثَ ذلك رسول الله ﷺ من قولهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قُبَّةٍ من أَدَمٍ، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: ما حديثٌ بلغني عنكم؟ فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أُناسٌ منا حديثةٌ أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله، يُعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال رسول الله ﷺ: فإني أُعطي رجالًا حديثي عهدٍ بكفرٍ أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله لما تنقلبون به خيرٌ مما ينقلبون به، فقالوا: بلى يا رسول الله ﷺ، قد رضينا. قال: فإنكم ستجدون أَثَرَةً شديدةً، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض، قالوا: سنصبر.
الشيخ: الله أكبر، اللهم ارضَ عنهم، الله المستعان.
الشيخ: الله المستعان، الله أكبر، نعم.
(1059) وحدثني زُهير بن حربٍ: حدثنا يعقوب بن إبراهيم: حدثنا ابن أخي ابن شهابٍ، عن عمِّه قال: أخبرني أنس بن مالكٍ .. وساق الحديث بمثله إلا أنه قال: قال أنسٌ: قالوا: نصبر. كرواية يونس، عن الزهري.
(1059) حدثنا محمد بن المُثَنَّى، وابن بشارٍ، قال ابن المُثَنَّى: حدثنا محمد بن جعفر: أخبرنا شعبة قال: سمعتُ قتادة يُحدث عن أنس بن مالكٍ قال: جمع رسول الله ﷺ الأنصار، فقال: أفيكم أحدٌ من غيركم؟ فقالوا: لا، إلا ابن أختٍ لنا. فقال رسول الله ﷺ: إن ابن أخت القوم منهم، فقال: إن قريشًا حديث عهدٍ بجاهليةٍ ومُصيبةٍ، وإني أردتُ أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس واديًا، وسلك الأنصار شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأنصار.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه وسلم، وفي هذا تأليف القلوب، وأن ولي الأمر -وهكذا غير ولي الأمر- إذا أعطى قومًا، وأحسَّ أن آخرين قد تأثروا يُبين لهم، فيتألفهم حتى يطمئنوا ويعرفوا الأسباب، كأن يكون له قراباتٍ فيُعطي هؤلاء أكثر من هؤلاء، ويبين: من الأسباب كذا وكذا، حتى تطيب القلوب.
فالنبي ﷺ بيَّن للأنصار أنه أعطى هؤلاء يتألفهم، وقال: ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون بالنبي إلى رحالكم؟ عليه الصلاة والسلام، قالوا: بلى رضينا. قال: لو سلك الناس واديًا أو شِعْبًا، وسلكت الأنصار واديًا أو شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وادي الأنصار وشِعْبَهم، وفي اللفظ الآخر: لو سلك الناس واديًا، وسلك الأنصار شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأنصار، الأنصار شِعَارٌ، والناس دِثَارٌ، الشِّعَار: ما يلي الجسم، والدِّثار ما فوقه، يعني: الأنصار هم البطانة، هم الخلاصة، هم الأقرب، هم الأخص.
(1059) حدثنا محمد بن الوليد: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا شعبة، عن أبي التَّيَّاح قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ قال: لما فُتِحَتْ مكة قسم الغنائم في قريشٍ، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا تُرَدُّ عليهم! فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجمعهم، فقال: ما الذي بلغني عنكم؟ قالوا: هو الذي بلغك. وكانوا لا يكذبون، قال: أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس واديًا أو شِعْبًا، وسَلَكَت الأنصار واديًا أو شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وادي الأنصار وشِعْبَ الأنصار.
(1059) حدثنا محمد بن المثنى، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة -يزيد أحدهما على الآخر الحرف بعد الحرف- قالا: حدثنا معاذ بن معاذ: حدثنا ابن عونٍ، عن هشام بن زيد بن أنس، عن أنس بن مالكٍ قال: لما كان يوم حنين أقبلتْ هوازن وغطفان وغيرهم بذراريهم ونَعْمِهم، ومع رسول الله ﷺ يومئذٍ عشرة آلافٍ، ومعه الطُّلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده.
قال: فنادى يومئذٍ نداءين لم يخلط بينهما شيئًا، قال: فالتفت عن يمينه فقال: يا معشر الأنصار، فقالوا: لبيك يا رسول الله ﷺ، أَبْشِرْ، نحن معك. قال: ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله، أَبْشِرْ، نحن معك.
قال: وهو على بغلةٍ بيضاء، فنزل، فقال: أنا عبدالله ورسوله، فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله ﷺ غنائم كثيرةً، فقسم في المهاجرين والطُّلقاء، ولم يُعْطِ الأنصار شيئًا، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن نُدْعَى، وتُعْطَى الغنائم غيرنا! فبلغه ذلك، فجمعهم في قُبَّةٍ، فقال: يا معشر الأنصار، ما حديثٌ بلغني عنكم؟ فسكتوا، فقال: يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون بمحمدٍ تَحُوزونه إلى بيوتكم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، رضينا. قال: فقال: لو سلك الناس واديًا، وسَلَكَت الأنصار شِعْبًا، لأخذتُ شِعْبَ الأنصار.
قال هشامٌ: فقلتُ: يا أبا حمزة، أنت شاهدٌ ذلك؟ قال: وأين أغيب عنه؟
الشيخ: وأنسٌ ذاك الوقت ابن ثماني عشرة سنةً، يوم حنين أنسٌ في الثامنة عشرة من عمره؛ لأنه حين قدم النبي ﷺ المدينة كان ابن عشرٍ، وخدم النبي ﷺ عشرًا، فصار حين وفاة النبي ﷺ ابن عشرين .
(1059) حدثنا عبيدالله بن معاذ، وحامد بن عمر، ومحمد بن عبدالأعلى، قال ابن معاذ: حدثنا المُعْتَمِر بن سليمان، عن أبيه قال: حدثني السُّمَيْط، عن أنس بن مالكٍ قال: افتتحنا مكة، ثم إنَّا غزونا حُنينًا، فجاء المشركون بأحسن صفوفٍ رأيتُ.
قال: فَصُفَّت الخيل، ثم صُفَّت المُقاتلة، ثم صُفَّت النساء من وراء ذلك، ثم صُفَّت الغنم، ثم صُفَّت النَّعَم.
الشيخ: النَّعَم يعني: الإبل.
قال: ونحن بشرٌ كثيرٌ قد بلغنا ستة آلافٍ، وعلى مُجَنِّبَة خيلنا خالد بن الوليد.
قال: فجعلتْ خيلنا تَلْوِي خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفتْ خيلنا، وفَرَّت الأعراب ومَن نعلم من الناس.
قال: فنادى رسول الله ﷺ: يا للمهاجرين، يا للمهاجرين، ثم قال: يا للأنصار، يا للأنصار.
قال: قال أنسٌ: هذا حديث عِمِّيَّة.
قال: قلنا: لبيك يا رسول الله. قال: فتقدم رسول الله ﷺ.
الشيخ: قوله: "ستة آلافٍ" هذا وهمٌ من بعض الرواة، والصواب: عشرة آلافٍ، كان الناس يوم الفتح عشرة آلافٍ، ثم جاء معهم الطُّلقاء ألفان، فصار الجميع حين حرب هوازن، صار المسلمون مع النبي ﷺ اثني عشر ألفًا، عشرة آلافٍ قدموا معه من المدينة، وألفان ممن أسلم من مكة، ويُقال لهم: الطُّلقاء، فهزم الله هوازن، وتولى المسلمون نساءهم وأولادهم وغنمهم وإبلهم.
وكانوا قد اعتنوا بالأمر، وأجمعوا أمرهم ألا يَفِرُّوا، وجعلوا نساءهم خلفهم وأولادهم ونَعَمَهم وغنمهم حتى لا يَفِرُّوا، ولكن ما يُغْنِي حذرٌ عن قدرٍ، فالله جلَّ وعلا أيَّد نبيه ﷺ.
واشتدَّ رميهم عند اللقاء؛ فانهزم الناس، ثم صاح فيهم النبي ﷺ فتراجعوا وصمَّموا على الحرب، وأقدموا على حرب هوازن؛ فهزم الله هوازن، كما قال فيها جلَّ وعلا: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25] يعني: المسلمين ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [التوبة:26].
لما اشتدَّ رمي هوازن، يعني: أول اللقاء اشتدَّ حربهم ورميهم، وأثر في الناس؛ فانهزم الناس، ثم تراجعوا ونصرهم الله، وصاح فيهم النبي ﷺ: يا معشر المهاجرين، يا معشر الأنصار حتى تراجع الناس، ثم حملوا حملةً عظيمةً على هوازن، فهزموهم، وقتلوا منهم مَقْتَلَةً، واستولوا على نسائهم وذُرِّياتهم وأموالهم، والله المستعان.
قال: فتقدم رسول الله ﷺ.
قال: فَايْمُ الله، ما أتيناهم حتى هزمهم الله.
قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلةً، ثم رجعنا إلى مكة فنزلنا.
قال: فجعل رسول الله ﷺ يُعطي الرجل المئة من الإبل.
ثم ذكر باقي الحديث كنحو حديث قتادة وأبي التَّيَّاح وهشام بن زيد.
(1060) حدثنا محمد بن أبي عمر المكي: حدثنا سفيان، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عَبَايَة بن رفاعة، عن رافع بن خديجٍ قال: أعطى رسول الله ..
الشيخ: قف على حديث رافعٍ.
اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، والحمد لله الذي أيَّد رسوله، وأيَّد الحقَّ.
الحمد لله الذي هزم الكفر وأهله، والله المستعان.