من حديث: لما نزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}

(1090) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبدالله بن إدريس، عن حصين، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عِقَالين: عقالًا أبيض، وعقالًا أسود، أعرف الليل من النهار. فقال رسول الله ﷺ: إن وسادتك لعريضٌ، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار.

الشيخ: ولهذا أنزل الله: مِنَ الْفَجْرِ، الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، وأن المراد الصبح، بياض الصبح، ليس المراد بياض ..... من خيطٍ أو غيره، المراد الصبح، نعم.

(1091) وحدثني عبيدالله بن عمر القواريري: حدثنا فُضيل بن سليمان: حدثنا أبو حازم: حدثنا سهل بن سعدٍ قال: لما نزلتْ هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة:187] قال: كان الرجل يأخذ خيطًا أبيض وخيطًا أسود، فيأكل حتى يَسْتَبِينَهما، حتى أنزل الله : مِنَ الْفَجْرِ، فبين ذلك.

(1091) وحدثني محمد بن سهل التَّميمي، وأبو بكر بن إسحاق، قالا: حدثنا ابن أبي مريم: أخبرنا أبو غسان: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعدٍ قال: لما نزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ قال: فكان الرجل إذا أراد الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رِئْيُهُمَا، فأنزل الله بعد ذلك: مِنَ الْفَجْرِ، فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار.

(1092) حدثنا يحيى بن يحيى، ومحمد بن رمحٍ، قالا: أخبرنا الليث. ح، وحدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا ليثٌ، عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبدالله، عن عبدالله ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن بلالًا يُؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتومٍ.

(1092) وحدثني حَرْمَلَة بن يحيى: أخبرنا ابن وهبٍ: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبدالله، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن بلالًا يُؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتومٍ.

الشيخ: وهذا يدل على أن الصبح هو العمدة، وأن الأذان إذا بَكَّرَ لا يمنع الناس من طعامهم وشرابهم؛ لأن الله يقول: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، فإذا أذَّن المؤذن مُبكرًا قبل طلوع الفجر لم يمنع الناس من طعامهم وشرابهم، كما قال ﷺ: إن بلالًا يُؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أم مكتومٍ، وابن أم مكتومٍ أعمى، كان لا يُنادي حتى يُقال له: أصبحتَ، طلع الصباح يا فلان، أَذِّنْ.

(1092) حدثنا ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبي: حدثنا عبيدالله، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ مُؤذنان: بلالٌ وابن أم مكتومٍ الأعمى، فقال رسول الله ﷺ: إن بلالًا يُؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يُؤذن ابن أم مكتومٍ، قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويَرْقَى هذا.

الشيخ: يعني: مُبالغةً، يعني: ما بينهما إلا قليل، جاء في الرواية الأخرى: ليرجع قائمكم، ويُوقظ نائمكم، إن بلالًا يُؤذن بليلٍ ليرجع قائمكم يعني: يردّ قائمكم، ويُوقظ نائمكم يعني: ليعلم القائم أن الفجر قريبٌ؛ حتى ينتهي من صلاته، وحتى يستيقظ النائم ويتأهب للصلاة، فإذا هو قد تأهَّب للفريضة.

وحدثنا ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبي: حدثنا عبيدالله: حدثنا القاسم، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ .. بمثله.

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة. ح، وحدثنا إسحاق: أخبرنا عبدة. ح، وحدثنا ابن المثنى: حدثنا حماد بن مَسْعَدَة –كلهم- عن عبيدالله .. بإسنادين كليهما نحو حديث ابن نُمَيرٍ.

حدثنا زُهير بن حربٍ: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن سليمان التَّيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يَمْنَعَنَّ أحدًا منكم أذان بلالٍ -أو قال: نداء بلالٍ- من سحوره؛ فإنه يُؤذن -أو قال: يُنادي- بليلٍ؛ ليرجع قائمكم، ويُوقظ نائمكم، وقال: ليس أن يقول هكذا وهكذا وصوَّب يده ورفعها، حتى يقول هكذا وفرَّج بين إصبعيه.

الشيخ: يعني: الصبح هكذا، ما هو بهكذا، علامة الصبح الكذَّاب هذا المُسْتَطِير ..... أما الصبح الصادق فهكذا، ينتشر هكذا.

(1093) وحدثنا ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبو خالد –يعني: الأحمر- عن سليمان التَّيمي .. بهذا الإسناد، غير أنه قال: إن الفجر ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا ووضع المُسَبِّحَةَ على المُسَبِّحَةِ ومدَّ يديه.

(1093) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا مُعتمر بن سليمان. ح، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم: أخبرنا جريرٌ، والمُعتمر بن سليمان -كلاهما- عن سليمان التَّيمي .. بهذا الإسناد، وانتهى حديث المُعتمر عند قوله: يُنبه نائمكم، ويرجع قائمكم، وقال إسحاق: قال جريرٌ في حديثه: وليس أن يقول هكذا، ولكن يقول هكذا يعني: الفجر هو المُعْتَرِض، وليس بالمُسْتَطِيل.

(1094) حدثنا شيبان بن فَرُّوخ: حدثنا عبدالوارث، عن عبدالله بن سَوَادَة القُشَيْرِي: حدثني والدي: أنه سمع سَمُرَة بن جُنْدُبٍ يقول: سمعتُ محمدًا ﷺ يقول: لا يَغُرَّنَّ أحدكم نداء بلالٍ من السّحور، ولا هذا البياض حتى يَسْتَطِير.

(1094) وحدثنا زُهير بن حربٍ: حدثنا إسماعيل ابن عُلَيَّة: حدثني عبدالله بن سَوَادة، عن أبيه، عن سَمُرَة بن جُنْدُبٍ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يَغُرَّنَّكم أذان بلالٍ، ولا هذا البياض لعمود الصبح حتى يَسْتَطِير هكذا.

(1094) وحدثني أبو الربيع الزهراني: حدثنا حماد –يعني: ابن زيدٍ-: حدثنا عبدالله بن سَوَادة القُشَيْرِي، عن أبيه، عن سَمُرَة بن جُنْدُبٍ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يَغُرَّنَّكم من سحوركم أذان بلالٍ، ولا بياض الأفق المُسْتَطِيل هكذا حتى يَسْتَطِير هكذا، وحكاه حماد بيديه، قال: يعني: مُعْتَرِضًا.

(1094) حدثنا عبيدالله بن معاذٍ: حدثنا أبي: حدثنا شعبة، عن سَوَادة قال: سمعتُ سَمُرَة بن جُنْدُبٍ وهو يخطب يُحدث عن النبي ﷺ أنه قال: لا يَغُرَّنَّكم نداء بلالٍ، ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر أو قال: حتى ينفجر الفجر.

(1094) وحدثناه ابن المثنى: حدثنا أبو داود: أخبرنا شعبة: أخبرني سَوَادَة بن حنظلة القُشَيْرِي قال: سمعتُ سَمُرَة بن جُنْدُبٍ يقول: قال رسول الله ﷺ .. فذكر هذا.

(1095) حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن عبدالعزيز بن صُهَيبٍ، عن أنسٍ. ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزُهير بن حربٍ، عن ابن عُلَيَّة، عن عبدالعزيز، عن أنسٍ . ح، وحدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، وعبدالعزيز بن صُهَيبٍ، عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: تَسَحَّروا، فإن في السّحور بركةً.

الشيخ: وهذا فيه تأكيد السّحور، وأنه سنةٌ مُؤكدةٌ: تَسَحَّروا، فإن في السّحور بركةً، السَّحور بالفتح الطعام، والسُّحور بالضم التَّسحر، المصدر، فيحتمل ..... بالضم هنا: في السُّحور بركة، وفي السَّحور الذي هو الطعام بركة، يُعين الصائم على ..... وأعماله في النهار.

(1096) حدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا ليثٌ، عن موسى بن عُلَيٍّ، عن أبيه، عن أبي قيسٍ -مولى عمرو بن العاص- عن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ قال: فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر.

الشيخ: وهذا من السنة، وفيه مُخالفةٌ لأهل الكتاب، فاليهود والنَّصارى لا يتسحَّرون، فدلَّ على تأكد السّحور خلافًا لهم، ولكنه سنةٌ مُؤكدةٌ؛ ولهذا قد يُواصل النبي ﷺ في بعض الأحيان، وقال: أيُّكم أراد أن يُواصل فليُواصل إلى السَّحَر، دلَّ على أنه سنةٌ، وليس بواجبٍ.

(1096) وحدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة –جميعًا- عن وكيعٍ. ح، وحدثنيه أبو الطاهر: أخبرنا ابن وهبٍ -كلاهما- عن موسى بن عُلَيٍّ .. بهذا الإسناد.

(1097) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيعٌ، عن هشامٍ، عن قتادة، عن أنسٍ، عن زيد بن ثابتٍ قال: تَسَحَّرْنَا مع رسول الله ﷺ، ثم قُمْنَا إلى الصلاة. قلتُ: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آيةً.

الشيخ: في اللفظ الآخر: قلتُ له: كم كان بين الأذان والسّحور؟ قال: قدر خمسين آيةً. يعني: يقرأها الإنسان.

هذا يدل على أنه كان ﷺ يُؤخر السحور، يكون سحوره في آخر الليل.

(1097) وحدثنا عمرو الناقد: حدثنا يزيد بن هارون: أخبرنا همام. ح، وحدثنا ابن المثنى: حدثنا سالم بن نوح: حدثنا عمر بن عامر –كلاهما- عن قتادة .. بهذا الإسناد.

(1098) حدثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا عبدالعزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعدٍ : أن رسول الله ﷺ قال: لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر.

الشيخ: يعني: السنة تأخير السّحور وتعجيل الإفطار، فهو أرفق بالمسلمين، وأوفق للسنة، فإن تأخيره نوعٌ من التَّكلف: تأخير الفطور، وهكذا تعجيل السحور فيه إضعافٌ للصائم، فإذا تَسَحَّر أخيرًا في آخر الليل كان أقوى له على الصوم، ولا سيما عند طول النهار، فيُبادر إلى أمر الله في الفطور، ويُعجل الفطور إذا غابت الشمس، ويُؤخر السّحور؛ حتى يجمع بين المصلحتين.

(1098) وحدثناه قتيبة: حدثنا يعقوب. ح، وحدثني زُهير بن حربٍ: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، عن سفيان –كلاهما- عن أبي حازم، عن سهل بن سعدٍ ، عن النبي ﷺ .. بمثله.

(1099) حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو كُريبٍ محمد بن العلاء، قالا: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عُمَيرٍ، عن أبي عطية قال: دخلتُ أنا ومسروقٌ على عائشة، فقلنا: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب محمدٍ ﷺ، أحدهما يُعَجِّل الإفطار ويُعَجِّل الصلاة، والآخر يُؤخِّر الإفطار ويُؤخِّر الصلاة. قالت: أيُّهما الذي يُعَجِّل الإفطار ويُعَجِّل الصلاة؟ قال: قلنا: عبدالله. يعني: ابن مسعودٍ. قالت: كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ. زاد أبو كُريبٍ: والآخر أبو موسى.

(1099) وحدثنا أبو كُريبٍ: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطية قال: دخلتُ أنا ومسروقٌ على عائشة رضي الله عنها، فقال لها مسروقٌ: رجلان من أصحاب محمدٍ ﷺ، كلاهما لا يَأْلُو عن الخير، أحدهما يُعَجِّل المغرب والإفطار، والآخر يُؤَخِّر المغرب والإفطار، فقالت: مَن يُعَجِّل المغرب والإفطار؟ قال: عبدالله. فقالت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع.

الشيخ: كلاهما مُجتهدٌ، أبو موسى عمل بالاحتياط وأَخَّر الفطور وأخَّر الصلاة احتياطًا منه، وابن مسعودٍ كان أفقه بالسنة، وأعلم بالسنة؛ فَعَجَّلَ المغرب، وعجَّل الإفطار، وهذه هي السنة: تعجيل المغرب، وتعجيل الفطر، كان يُصلي المغرب إذا غربت الشمس، وكان يُعَجِّل الإفطار كما سمعتَ: لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الإفطار.

وهذا فيه سَدُّ باب التَّكلف؛ لأنه قد يأتي أناسٌ يتكلفون ويتنطَّعون ويقولون: إنا نُعَجِّل السّحور حتى يكون زيادة إمساكٍ قبل الصيام، ويكون من باب الاحتياط أن نُمْسِك وقتًا قبل طلوع الفجر.

وقد يأتي أناسٌ أيضًا يَتَشَدَّقون ويتنطَّعون ويقولون: نتأخر في المغرب ولا نُعَجِّل لمزيد الخير والتَّلبس، وأشباه ذلك.

فالنبي ﷺ قطع مادة هؤلاء وهؤلاء، وسَدَّ الباب على هؤلاء وهؤلاء، وأن السنة تأخير السّحور وتعجيل الإفطار، وترك المُشتبهات، وترك الوسواس.

س: .......؟

ج: بعض الناس يدَّعيه، لكن ..... لا بأس به، جيد .....

(1100) حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو كُريبٍ، وابن نُمَيرٍ، واتَّفقوا في اللفظ، قال يحيى: أخبرنا أبو معاوية. وقال ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبي. وقال أبو كُريبٍ: حدثنا أبو أسامة –جميعًا- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغابت الشمس؛ فقد أفطر الصائم.

لم يذكر ابن نُمَيرٍ: "فقد".

الشيخ: المقصود من هذا أنه متى غربت الشمس أفطر الصائم، ولو هناك نورٌ، ولو بقي في الجدران وفي الشجر نورٌ، المهم سقوط قرص الشمس، متى غاب عن الأرض فقد أفطر الصائم، ولا يضرّه بقية نورٍ في أطراف الجدران، أو في الشجر، أو ما أشبه ذلك من غير الشمس، الصُّفْرة التي تبقى ما عليها عملٌ؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم.

(1101) وحدثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبدالله بن أبي أوفى قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: يا فلان، انزل فَاجْدَحْ لنا، قال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا. قال: انزل فَاجْدَحْ لنا، قال: فنزل فَجَدَحَ، فأتاه به، فشرب النبي ﷺ، ثم قال بيده: إذا غابت الشمس من هاهنا، وجاء الليل من هاهنا؛ فقد أفطر الصائم.

الشيخ: الشمس تغيب من جهة المغرب، والظُّلمة تأتي من جهة المشرق، إذا نزلت الشمس غربًا جاءت الظُّلْمَة من جهة المشرق، فهنا أفطر الصائم.

والجَدْح لهم: ماءٌ يكون فيه شيءٌ من الزَّبيب، أو من التمر يشربونه للإفطار، والرجل أشكل عليه لما رأى النور، فأخبره النبي ﷺ أن هذا لا يضرّ، متى سقطت الشمس هناك في المغرب، وما من شيءٍ يسترها من الجبال أو غيرها، متى غابت عن أهل الأرض كفى.

ماذا قال المُحشِّي على "فَاجْدَحْ"؟

القارئ: قوله ﷺ: انزل فَاجْدَحْ لنا فنزل فَجَدَحَ، هو بجيمٍ، ثم حاء مُهملة، وهو خلط الشيء بغيره، والمراد هنا: خلط السَّويق بالماء وتحريكه حتى يستوي.

والمِجْدَح -بكسر الميم- عودٌ مُجَنَّح الرأس؛ لِيُسَاط به الأشربة، وقد يكون له ثلاث شُعَبٍ.

الشيخ: المقصود أنه يُهيئ لهم شراب الفطور.

الجَدْح يكون ماءً فيه سَوِيقٌ –مثلًا- أو ما يُخْنَس من الحَبِّ، أو يكون فيه تمرٌ، أو يكون فيه زبيبٌ، أو ما أشبه ذلك.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا علي بن مُسْهِرٍ وعبَّاد بن العوام، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فلما غابت الشمس قال لرجلٍ: انزل فَاجْدَحْ لنا، فقال: يا رسول الله، لو أمسيتَ. قال: انزل فَاجْدَحْ لنا، قال: إنَّ علينا نهارًا. فنزل فَجَدَحَ له، فشرب، ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا وأشار بيده نحو المشرق فقد أفطر الصائم.

وحدثنا أبو كاملٍ: حدثنا عبدالواحد: حدثنا سليمان الشيباني قال: سمعتُ عبدالله بن أبي أوفى يقول: سِرْنَا مع رسول الله ﷺ وهو صائمٌ، فلما غربت الشمس قال: يا فلان، انزل فَاجْدَحْ لنا .. بمثل حديث ابن مُسْهِرٍ وعبَّاد بن العوام.

وحدثنا ابن أبي عمر: أخبرنا سفيان. ح، وحدثنا إسحاق: أخبرنا جريرٌ –كلاهما- عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى. ح، وحدثنا عبيدالله بن معاذ: حدثنا أبي. ح، وحدثنا ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى ، عن النبي ﷺ .. بمعنى حديث ابن مُسْهِرٍ وعبَّاد وعبدالواحد، وليس في حديث أحدٍ منهم: "في شهر رمضان"، ولا قوله: وجاء الليل من هاهنا إلا في رواية هُشيمٍ وحده.

حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأتُ على مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ نهى عن الوصال، قالوا: إنك تُواصل! قال: إني لستُ كهيئتكم، إني أُطْعَم وأُسْقَى.

(1102) وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبدالله بن نُمَيرٍ. ح، وحدثنا ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبي: حدثنا عبيدالله، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ واصل في رمضان، فواصل الناس، فنهاهم، قيل له: أنت تُواصل! قال: إني لستُ مثلكم، إني أُطْعَم وأُسْقَى.

الشيخ: هذا يُبين أن الوصال من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يُواصل، يُكْرَه له أن يُواصل؛ لأن الرسول ﷺ كره لهم ذلك، فلما أبوا واصل بهم؛ ليعرفوا مشقة الوصال.

الوصال: كونه يصوم اليومين والثلاثة، لا يأكل شيئًا، ما يُفْطِر ليلًا ونهارًا، يعني: يصوم النهار والليل جميعًا.

فكان النبي ﷺ ربما سرد الأيام، أعطاه الله قوةً، قال: إني لستُ مثلكم، إني أُطْعَم وأُسْقَى، ما يفتح الله عليه من موارد الأُنْس، ونفحات القدس، والتَّلذذ بالمُناجاة والذكر والدعاء يقوم مقام الطعام والشراب، وليس المراد أنه يُطْعَم، لو أكل ما كان مُواصلًا، ولكن ما يفتح الله عليه من الأُنْس بالعبادة، والتَّلذذ بها، والذكر، والطاعة، والقراءة يقوم مقام الأكل والشرب.

فلما أَبَوا وأحبُّوا أن يُواصلوا معه واصل بهم حتى رأوا الهلال، فقال: لو تأخر الهلال لزدتُكم كالمُنَكِّل لهم، كما يأتي.

الحاصل أن الوصال مكروهٌ، والسنة أن يُفْطِر إذا غابت الشمس، هذا هو الأفضل، وإذا واصل فلا بأس أن يُواصل إلى السَّحَر، كما جاء في الرواية كما يأتي، وليس بحرامٍ؛ لأنه واصل بهم، لو كان حرامًا لم يُواصل بهم، لكنهم واصلوا.

(1102) وحدثنا عبدالوارث بن عبدالصمد: حدثني أبي، عن جدِّي، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ .. بمثله، ولم يقل: في رمضان.

(1103) حدثني حَرْمَلَة بن يحيى: أخبرنا ابن وهبٍ: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ: حدثني أبو سلمة بن عبدالرحمن: أن أبا هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجلٌ من المسلمين: فإنك -يا رسول الله- تُواصل! قال رسول الله ﷺ: وأيُّكم مثلي؟! إني أبيتُ يُطْعِمُني ربي ويَسْقِيني، فلما أَبَوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر الهلال لزدتُكم كالمُنَكِّل لهم حين أَبَوا أن ينتهوا.

(1103) وحدثني زُهير بن حربٍ، وإسحاق، قال زُهير: حدثنا جريرٌ، عن عمارة، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إياكم والوصال، قالوا: فإنك تُواصل يا رسول الله! قال: إنكم لستُم في ذلك مثلي، إني أبيتُ يُطْعِمُني ربي ويَسْقِيني، فَاكْلَفُوا من الأعمال ما تُطيقون.

الشيخ: ماذا قال الشارح على لستُ مثلكم؟

القارئ: قوله ﷺ: إني أبيتُ يُطْعِمُني ربي ويَسْقِيني معناه: يجعل الله تعالى فيَّ قوةَ الطاعم الشَّارب.

وقيل: هو على ظاهره، وأنه يطعم من طعام الجنة؛ كرامةً له.

والصحيح الأول؛ لأنه لو أكل حقيقةً لم يكن مُواصلًا.

الشيخ: هذا هو الصواب، وقول مَن قال: "إنه يطعم من طعام الجنة" هذا غلطٌ؛ لأنه لو كان يأكل من طعام الجنة أو يشرب من شرابها ما كان مُواصلًا، كان مُفْطِرًا، لكن المراد: ما يفتح الله عليه من مواد الأُنْس، ونفحات القدس، والتَّلذذ بالطاعة والذكر والعبادة، فيستغني به عن الطعام والشراب، ويجعل الله فيه قوةً له عن الطعام والشراب.

(1103) وحدثنا قتيبة بن سعيدٍ: حدثنا المغيرة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ .. بمثله، غير أنه قال: فَاكْلَفُوا ما لكم به طاقةٌ.

الشيخ: وهذا هو المشروع للمؤمن: أن يَكْلَف ما يُطيق، ولا يتكلف: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، أما هو ﷺ فقد يتكلف، وقد يقوم حتى تَرِمَ قدماه؛ لما أعطاه الله من القوة والصبر؛ ولهذا قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟، لكنه أمر الأمة ألا يتكلفوا؛ لئلا يملّوا، ولما رأى حبلًا مُعلَّقًا في المسجد تتعلق به بعض نسائه إذا تعبتْ في الليل وهي تُصلي قطعه، وقال: اكْلَفُوا من العمل ما تُطيقون، وَلْيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا تعب فَلْيَنْتَهِ، إن كان قائمًا فَلْيَجْلِسْ.

المقصود أنه ﷺ حذَّر الأُمة من التَّكلف، فَلْيُصَلِّ الإنسان ويتعبد حسبما شرعه الله من دون أن يُكلف نفسه، لا يشقُّ عليها فَيَمَلّ.

وحدثنا ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبي: حدثنا الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه نهى عن الوصال .. بمثل حديث عمارة، عن أبي زُرعة.

(1104) حدثني زُهير بن حربٍ: حدثنا أبو النَّضر هاشم بن القاسم: حدثنا سليمان، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي في رمضان، فجئتُ فقمتُ إلى جنبه، وجاء رجلٌ آخر فقام أيضًا، حتى كنا رَهْطًا، فلما حسَّ النبي ﷺ أنَّا خلفه جعل يَتَجَوَّز في الصلاة، ثم دخل رَحْلَه فصلى صلاةً لا يُصليها عندنا.

قال: قلنا له حين أصبحنا: أفطنتَ لنا الليلة؟ قال: فقال: نعم، ذاك الذي حَمَلَني على الذي صنعتُ.

قال: فأخذ يُواصل رسول الله ﷺ، وذلك في آخر الشهر، فأخذ رجالٌ من أصحابه يُواصلون، فقال النبي ﷺ: ما بال رجالٍ يُواصلون؟! إنكم لستُم مثلي، أما -والله- لو تَمَادَّ لي الشهر لواصلتُ وصالًا يدع المُتَعَمِّقُون تَعَمُّقَهم.

الشيخ: اللهم صلِّ عليه.

س: ......؟

ج: يُواصل؟

س: نعم.

ج: لا، ما يجوز.

س: .......؟

ج: النبي ﷺ كره لهم هذا، فالسنة أن يُفْطِر إذا غابت الشمس، فإذا كان ولا بد وأحبَّ أن يُواصل فإلى آخر الليل، يُواصل إلى آخر الليل، لا بأس، يبدأ من آخر الليل إلى آخر الليل.

س: صيام أيامٍ مُتواليةٍ، يُفطر في المساء، ويصوم في النهار عدة أيامٍ؟

ج: ويُفطر في الليل؟

س: ويُفطر في الليل، نعم.

ج: ما يُخالف، لكن أفضل الصيام أن يُفطر يومًا، ويصوم يومًا، هذا أفضل الصيام: أن يُفطر يومًا، ويصوم يومًا.

كان عبدالله بن عمرو لما كبرتْ سِنُّه وضعف كان يصوم أيامًا، ويُفطر أيامًا بقدرها؛ حتى يقوى على التَّطوع، وقال: ما أُحبُّ أن أخلَّ بشيءٍ فارقتُ عليه النبي عليه الصلاة والسلام.

وكان النبي ﷺ أرشده إلى أن يصوم من الشهر ثلاثة أيامٍ ويكفي، فلم يزل عبدالله بن عمرو يقول: يا رسول الله، إني أُطيق، إني أُطيق. حتى قال: صُمْ يومًا، وأفطر يومًا، فقال: يا رسول الله، إني أُطيق أفضل من ذلك. قال: لا أفضل من ذلك، هذا صوم داود، شطر الدهر، فلما كبرتْ سِنُّ عبدالله وشَيَّبَ وضعف شقَّ عليه أن يصوم يومًا ويُفطر يومًا؛ فصار يصوم أيامًا مُتواليةً، ثم يُفطر مثلها.

(1104) حدثنا عاصم بن النَّضر التَّيمي: حدثنا خالدٌ –يعني: ابن الحارث-: حدثنا حُميدٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: واصل رسول الله ﷺ في أول شهر رمضان، فواصل ناسٌ من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال: لو مُدَّ لنا الشهر لواصلنا وصالًا يَدَع المُتَعَمِّقُون تَعَمُّقَهم، إنكم لستُم مثلي -أو قال: إني لستُ مثلكم- إني أظلُّ يُطْعِمُني ربي ويَسْقِيني.

الشيخ: اللهم صلِّ عليه وسلم، اللهم صلِّ عليه وسلم.

(1105) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعثمان بن أبي شيبة –جميعًا- عن عبدة، قال إسحاق: أخبرنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: نهاهم النبي ﷺ عن الوصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تُواصل! قال: إني لستُ كهيئتكم، إني يُطْعِمُني ربي ويَسْقِيني.

الشيخ: اللهم صلِّ عليه، اللهم صلِّ عليه.